نقاش:الصفحة الرئيسية

من ويكي الكتب
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث


إثبات التحريف اللفظي بالتبديل وبالزيادة وبالنقصان فى الكتاب المقدس 1 - التحريف في مدة أعمار الأكابر قبل الطوفان: وردت مدة الزمان من خلق آدم إلى طوفان نوح في سفر التكوين 5 / 1-32، وهي الفقرات التي وردت فيها مدة أعمار الأكابر الذين بين آدم ونوح عليهما السلام، ومدة هذا الزمان على حسب نسخة التوراة السامرية (1307) سنين، وعلى حسب نسخة التوراة العبرانية (1656) سنة، وعلى حسب نسخة التوراة اليونانية (2262) سنة، ويلاحظ فرق كبير في هذه المدة بين النسخ الثلاث بحيث لا تمكن المطابقة بينها، وقد اتفقت النسخ الثلاث على أن عمر آدم عندما مات كان (930) سنة (سفر التكوين 5 / 5)، واتفقت كذلك على أن عمر نوح عندما حصل الطوفان كان (600) سنة (سفر التكوين 7 / 6)، فإذا طرحنا من زمان الطوفان 1307- 930 عمر آدم عندما مات = 377 سنة، فيكون آدم قد مات قبل حصول الطوفان بـ 377 سنة. فإذا طرحنا من عمر نوح عندما حصل الطوفان 600- 377= 223 سنة، فيكون نوح قد عاش 223 سنة في حياة آدم على حسب التوراة السامرية، وهذا باطل باتفاق المؤرخين، وتكذبه النسختان العبرانية واليونانية؛ لأن مجموع عمر آدم عندما مات وعمر نوح عند الطوفان 930+ 600= 1530 سنة. فعلى حسب التوراة العبرانية 1656-1530= 126، أي ولد نوح بعد موت آدم بـ 126 سنة. وعلى حسب التوراة اليونانية 2262-1530= 732، أي ولد نوح بعد موت آدم بـ 732 سنة. ولأجل هذا الاختلاف الفاحش بين النسخ الثلاث فإن يوسيفوس - المؤرخ اليهودي المشهور والمقدم عند كافة النصارى - لم يعتمد على نسخة من النسخ المذكورة، ورجح أن مدة الزمان من خلق آدم إلى الطوفان كانت (2256) سنة. 2 - التحريف في مدة أعمار الأكابر بعد الطوفان: وردت مدة الزمان من طوفان نوح إلى ولادة إبراهيم في سفر التكوين 11 / 10-26، وهي الفقرات التي وردت فيها مدة أعمار الأكابر الذين بين نوح وإبراهيم عليهما السلام، ومدة هذا الزمان على حسب نسخة التوراة العبرانية (292) سنة، وعلى حسب نسخة التوراة السامرية (942) سنة، وعلى حسب نسخة التوراة اليونانية (1072) سنة، ويلاحظ فرق كبير في هذه المدة بين النسخ الثلاث بحيث لا تمكن المطابقة بينها. وقد اتفقت النسخ الثلاث على أن نوحا عاش بعد الطوفان (350) سنة (سفر التكوين 9 / 28). فإذا طرحنا من حياة نوح بعد الطوفان 350-292 مدة الزمان من الطوفان إلى ولادة إبراهيم =58 سنة، فيكون إبراهيم قد عاش 58 سنة في حياة نوح على حسب التوراة العبرانية، وهذا باطل باتفاق المؤرخين، وتكذبه النسختان السامرية واليونانية، فعلى حسب التوراة السامرية 942-350= 592، أي ولد إبراهيم بعد موت نوح بـ 592 سنة. وعلى حسب التوراة اليونانية 1072-350= 722، أي ولد إبراهيم بعد موت نوح بـ 722 سنة. ولأجل هذا الاختلاف الفاحش بين النسخ الثلاث فإن المؤرخ يوسيفس اليهودي لم يعتمد على نسخة من النسخ المذكورة، ورجح أن مدة الزمان من طوفان نوح إلى ولادة إبراهيم (993) سنة. وقد نقل المفسران هنري وإسكات في تفسيرهما قول أكستاين: إن اليهود في سنة 130 م قد حرفوا النسخة العبرانية في بيان زمان الأكابر الذين هم من قبل زمن الطوفان وبعده؛ لتصير الترجمة اليونانية غير معتبرة، ولعناد النصارى الذين كانوا آنذاك يقدمون النسخة اليونانية على النسخة العبرانية. وذكر هورن في تفسيره أن المحقق هيلز أثبت بالأدلة القوية تحريف النسخة العبرانية، وأن كنى كات أثبت أن اليهود حرفوا نسختهم قصدا. فانظر أن الملجأ الوحيد الذي لجأ إليه المفسرون والمحققون هو الاعتراف بالتحريف القصدي في التواريخ بالزيادة فيها أحيانا وبالنقص منها أحيانا أخرى بدافع التعصب والهوى. 3 - التحريف في اسم الجبل المخصص لنصب الحجارة: ففي سفر التثنية 27 / 4 في النسخة العبرانية: (حين تعبرون الأردن تقيمون هذه الحجارة التي أنا أوصيكم بها اليوم في جبل عيبال وتكلسها بالكلس). وهذه الفقرة وردت في التوراة السامرية كما يلي: (ويكون عند عبوركم الأردن تقيمون الحجارة هذه التي أنا موصيكم اليوم في جبل جرزيم وتشيدها بشيد). ويفهم من سفر التثنية 27 / 12-13 و11 / 29 أن جرزيم وعيبال جبلان متقابلان في مدينة نابلس بفلسطين، ونص فقرة سفر التثنية 11 / 29: (وإذا جاء بك الرب إلهك إلى الأرض التي أنت داخل إليها لكي تمتلكها فاجعل البركة على جبل جرزيم واللعنة على جبل عيبال). ويوجد بين اليهود العبرانيين والسامريين سلفا وخلفا نزاع مشهور في اسم الجبل الذي أمر موسى ببناء الحجارة عليه وخصصه للبركة، وكل فرقة منهما تدعى أن الفرقة الأخرى حرفت التوراة في هذا الموضع بتبديل اسم الجبل، وما زال النزاع قائما بين المحققين والمفسرين من البروتسانت ـ فبعضهم يدعى صحة السامرية في هذا الموضع، وبعضهم يدعى صحة العبرانية، والراجح عند آدم كلارك وعند المحقق كني كات صحة السامرية؛ لأن اليهود العبرانيين حرفوا هذا الموضع قصدا لأجل عداوة السامريين الذين يقدسون جبل جرزيم، وهو جبل ذو عيون وحدائق ونباتات، فيكون مناسبا لإسماع البركة، وأما جبل عيبال فهو أجرد يابس لا شيء عليه من هذه الأشياء، فيكون مناسبا لإسماع اللعنة، وهذا اعتراف صريح من كبار محققيهم بوقوع التحريف في هذا الموضع من النسخة العبرانية للتوراة. 4 - التحريف في اسم المملكة: ففي سفر أخبار الأيام الثاني 28 / 19 من النسخة العبرانية: (لأن الرب ذلل يهوذا بسبب آحاز ملك إسرائيل)، فلفظ إسرائيل في هذا النص غلط يقينا، وهو من التحريف بالتبديل؛ لآن آحاز ملك يهوذا (المملكة الجنوبية وعاصمتها أورشليم)، وليس ملك إسرائيل (المملكة الشمالية وعاصمتها نابلس)، والصواب أن توضع كلمة يهوذا مكان كلمة إسرائيل، كما وقع في النسختين اليونانية واللاتينية: أن الرب أذل يهوذا بسبب آحاز ملك يهوذا، فالنسخة العبرانية محرفة في هذا الموضع. 5 - التحير بين النفي والإثبات: ففي المزمور 105 / 28 من النسخة العبرانية: (ولم يعصوا كلامه). ووردت هذه الفقرة في النسخة اليونانية: (وهم عصوا قوله). ففي العبرانية نفي العصيان، وفي اليونانية إثباته، فإحدى الفقرتين غلط يقينا، وقد اعترف العلماء في هذا الموضع بالتحريف وتحيروا فيه، ولم يقدروا على الجزم بتعيينه، وذكر هنري وإسكات في تفسيرهما أن المباحثة في هذا الفرق قد طالت جدا، وظاهر أنه نشأ إما لزيادة حرف أو لتركه. الدليل على أن التوراة الحالية مكتوبة بعد موسى عليه السلام 6 - دليل على أن التوراة الحالية مكتوبة بعد موسى عليه السلام: ففي سفر التكوين 36 / 31: (وهؤلاء هم الملوك الذين ملكوا أرض أدوم قبلما ملك ملك لبني إسرائيل). ثم شرعت الفقرات في ذكر أسماء ملوك أدوم الذين حكموا قبل أن يحكم طالوت (شاول) أول ملوك بني إسرائيل، وقد خلفه في الحكم داود عليه السلام، فقبل حكمهما كان بنو إسرائيل في عهد القضاة، وهذه الفقرات من سفر التكوين 36 / 31-39 هي عينها فقرات سفر أخبار الأيام الأول 1 / 43-50، ومناسبتها لسفر الأخبار ظاهرة ولا اعتراض؛ لأنها تدل على أن المتكلم بها موجود بعد زمن قيام سلطنة بني إسرائيل في فلسطين، وكان أول مـلوكهم طالوت (شاول)، وكان هذا بعد موسى عليه السلام بـ (356) سنة، لكن لا مناسبة بتاتا لوجود هذه الفقرات في سفر التكوين الذي هو أسفار التوراة، فكيف دخلت في المتن؟! والصواب ما رجحه المفسر آدم كلارك أن هذه الفقرات ليست من كلام موسى قطعا، وأنها كانت مكتوبة على حاشية سفر التكوين في بعض النسخ، فظن الناقل فيما بعد أنها جزء من المتن فأدخلها فيه. فانظر كيف اعترف هذا المفسر بأن هذه الفقرات التسع الخارجة عن التوراة قد ألحقت في المتن بإحدى نسخها، ثم شاعت بعد ذلك ودخلت في جميع النسخ، وعلى اعترافه يلزم أن كتبهم كانت صالحة للتحريف بالزيادة. 7 - التحريف بزيادة عبارة (إلى هذا اليوم): ففي سفر التثنية 3 / 14: (يائير ابن منسى أخذ كل كورة أرجوب إلى تخم الجشوريين والمعكيين ودعاها على اسمه باشان حووث يائير إلى هذا اليوم). وهذه الفقرة كلها لا يمكن أن تكون من كلام موسى عليه السلام؛ لأن المتكلم بها لا بد أن يكون متأخرا كثيرا عن زمان يائير بن منسى كما يشعر به قوله: (إلى هذا اليوم)، فإن مثل هذا اللفظ لا يستعمل إلا في الزمان الأبعد. وقد نفي هورن في تفسيره أن تكون هاتان الفقرتان من كلام موسى عليه السلام، (أي التحريف الذي مر في رقم 6 ورقم 7)؛ لأن الفقرة الأولى الواردة في سفر التكوين 36 / 31 دالة على أن الكاتب كان في زمان بعد زمان قيام مملكة لليهود في فلسطين، والفقرة الثانية دالة على أن الكاتب كان في زمان بعد زمان إقامة اليهود في فلسطين، وكلاهما بعد موسى، وهاتان الفقرتان في نظر هورن ليستا بلا فائدة فحسب، بل هما ثقلان على متن الكتاب، فلو كان مصنف سفر التثنية هو موسى عليه السلام لا يقول: (إلى هذا اليوم)، ورجح هورن أن هذا اللفظ زاده أحد الكتاب في الحاشية بعد عدة قرون من موسى؛ ليعلم أن الاسم الذي سماها به يائير بن منسى هو مازال اسمها إلى الآن، ثم انتقل هذا اللفظ من الحاشية إلى المتن في النسخ المتأخرة، ومن يشك في هذا الذي رجحه هورن، فليقابل النسخ اليونانية، فسيجد أن الإلحاقات (الزيادات) التي توجد في متن بعض النسخ هي نفسها توجد في النسخ الأخرى مكتوبة على الحاشية، فاعترف هورن أن مثل هذه الزيادات في الحواشي بعد عدة قرون من موسى عليه السلام، دخلت في المتون، وصارت جزءا من الكتاب، ثم شاعت في جميع النسخ المتأخرة، وهذا يدل على صلاحية كتبهم لتحريف المحرفين، ولذلك قال جامعو تفسير هنري وإسكات: إن مثل هذه الجمل الإلحاقية التي ألحقها أحد الكتاب بعد موسى عليه السلام لو تركت لا يقع الفساد في المضمون. والعبارة السابقة كلها لا تصلح أن تكون من كلام موسى عليه السلام، ومثلها تماما فقرة سفر العدد 32 / 41: (وذهب يائير ابن منسى وأخذ مزارعها ودعاهن حووث يائير). وهنا تحريف آخر: وهو أن والد يائير ليس منسى ولكنه سجوب، ففي سفر أخبار الأيام الأول 2: (وسجوب ولد يائير وكان له ثلاث وعشرون مدينة في أرض جلعاد). فيلزم الغلط والتحريف في اسم والده: إما في عبارة سفري العدد والتثنية، وقد ثبت أنها إلحاقية بعد موسى، وإما في عبارة سفر الأخبار. ولذلك قال مؤلفو قاموس الكتاب المقدس المطبوع في أمريكا وإنكلترا والهند: إن بعض الجمل التي توجد في الأسفار الخمسة تدل صراحة على أنها ليست من كلام موسى عليه السلام، وفيها بعض العبارات ليست على طريقته في الكلام، ولا على أسلوب محاورته، وإنهم لا يستطيعون أن يجزموا باسم الشخص الذي ألحق هذه الجمل والعبارات. وقال جامعو تفسير هنري وإسكات بأن عبارة: (إلى هذا اليوم) وقعت في أكثر كتب العهد القديم، وحكموا بأن كل عبارة تكون مثلها فهي إلحاقية ومزيدة بأيدي الكتاب، وضربوا أمثلة لزيادة هذه العبارة في ثمانية مواضع من كتاب يوشع، ويطول الحصر والاستقصاء في سائر كتب العهد القديم. 8 - التحريف بإضافة مقدمات لبعض الأبواب: إن الذي يقرأ بداية سفر التثنية 1 / 1-5 يجزم بأن هذه الفقرات الخمس ليست من كلام موسى عليه السلام؛ لأن الكاتب تكلم به موسى بصيغة الغائب كقوله: (1) هذا هو الكلام الذي كلم به موسى جميع إسرائيل... (3) كلم موسى بني إسرائيل حسب كل ما أوصاه الرب إليهم (5) في عبر الأردن في أرض موآب ابتدأ موسى يشرح هذه الشريعة قائلا). وقد اعترف آدم كلارك بزيادة هذه الفقرات الخمس لتكون مقدمة لباقي سفر التثنية، وقال: إن الإصحاح (الباب) الرابع والثلاثين من سفر التثنية ليس من كلام موسى أيضا؛ لأن كلامه تم على الإصحاح الثالث والثلاثين، ولا يجوز أن يقال: إن موسى كتب هذا الباب؛ لأن هذا الاحتمال بعيد من الصدق، وجزم آدم كلارك بأن هذا الباب الرابع والثلاثين كان أول أبواب كتاب يوشع، وقال كثير من المفسرين: إن هذا الباب كتبه المشايخ السبعون بعد مدة من موت موسى، وكان هو أول أبواب كتاب يوشع ثم انتقل إلى سفر التثنية. ولكن هذا الجزم بلا دليل، فقد قال جامعو تفسير هنري وإسكات وتفسير دوالي ورجردمينت: إن هذا الملحق لهذا الباب إما يوشع أو صموئيل أو عزرا أو أحد آخر لا يعلم اسمه بالجزم، وربما ألحق بعد رجوع بني إسرائيل من سبي بابل. فانظر إلى ما في أقوالهم من الشك وعدم الجزم بشيء. وفيما يلي بعض الفقرات من الباب الرابع والثلاثين من سفر التثنية: (1) وصعد موسى من عربات موآب إلى جبل نبو... فأراه الرب جميع الأرض من جلعاد إلى دان (4) وقال له الرب... (5) فمات هناك موسى عبد الرب في أرض موآب حسب قول الرب (6) ودفنه في الجواء في أرض موآب مقابل بيت فغور ولم يعرف إنسان قبره إلى هذا اليوم (7) وكان موسى ابن مائة وعشرين سنة حين مات... (8) فبكي بنو إسرائيل موسى... (10) ولم يقم بعد نبي في إسرائيل مثل موسى..). فهل الكتاب السماوي المنزل على موسى عليه السلام يكون فيه موته ودفنه والبكاء عليه واندثار قبره إلى هذا اليوم وعدم قيام نبي مثله؟! ونحن المسلمين نجزم أن الباب الرابع والثلاثين من سفر التثنية الذي به ختمت الأسفار الخمسة ليس من كلام موسى قطعا، ولا نقف عند هذا الجزم فحسب، بل نجزم أن جميع الأسفار الخمسة المنسوبة إلى موسى عليه السلام ليست من كتابته قطعا، ونسبتها إليه لا تجوز، فهذه الأغلاط والاختلافات والتحريفات دلائل بينه لنا على ذلك؛ لأن الكتاب الموحي به إلى النبي لا يجوز أن تقع مثل هذه الأمور، ويعد ذلك طعنا في النبي ونبوته، وبعض أهل الكتاب استدلوا بمثل هذه الأمور على مثل ما قلنا، وجزموا بمثل ما جزمنا به. التحريف للانتصار لعقيدة التثليث 9 - التحريف للانتصار لعقيدة التثليث: ففي رسالة يوحنا الأولى 5 / 7-8: (7) فإن الذين يشهدون (في السماء هم ثلاثة الآب والكلمة والروح القدس وهؤلاء الثلاثة هم واحد (8) والذين يشهدون في الأرض) هم ثلاثة الروح والماء والدم والثلاثة هم في الواحد). وقد كان أصل العبارة على ما قال محققوهم هكذا: (فإن الذين يشهدون هم ثلاثة الروح والماء والدم والثلاثة هم في الواحد)، وهذا نص طبعة سنة 1865م. أي بدون الزيادة التي بين القوسين المعقوفين. أما نص طبعة سنة 1825م و1826م فهكذا: (لأن الشهود الذين يشهدون ثلاثة وهم الروح والماء والدم وهؤلاء الثلاثة تتحد في واحد). والنصان متقاربان، فزاد معتقدو التثليث في المتن فيما بين أصل العبارة العبارة التالية: (في السماء هم ثلاثة الآب والكلمة والروح القدس وهؤلاء الثلاثة هم واحد والذين يشهدون في الأرض) فهذه العبارة التي هي مستند أهل التثليث إلحاقية يقينا، أي من التحريف بالزيادة، وقد قال كثير من المحققين المتعصبين بأنها إلحاقية واجبة الإخراج، مثل كريسباخ وشولز وهورن وآدم كلارك وجامعو تفسير هنري وإسكات. وأما العالم أكستاين الذي هو أعلم علماء النصارى في القرن الرابع الميلادي، والذي هو إلى الآن عمدة أهل التثليث، وكان يناظر فرقة إيرين التي تنكر التثليث، فقد كتب عشر رسائل في شرح رسالة يوحنا الأولى، ولم ينقل هذه العبارة في رسالة من رسائله العشر، ولم يستدل بها على منكري التثليث، وراح يرتكب التكلف البعيد، فكتب في الحاشية أن المراد بالماء: الآب، وبالدم: الابن، وبالروح: الروح القدس، ولو كانت هذه العبارة الإلحاقية موجودة في عهده، لتمسك بها ولنقلها في رسائله للاستدلال بها ضد المنكرين للتثليث، ولكن يظهر أن معتقدي التثليث بعد أكستاين استفادوا من هذا التكلف البعيد والتفسير الغريب، فاخترعوا هذه العبارة التي هي مفيدة لعقيدتهم الباطلة، وأدخلوها في رسالة يوحنا الأولى، وجعلوها جزءا من المتن. وفي المناظرة الكبرى التي تمت في الهند سنة 1270هـ 1854 م بين الشيخ رحمت الله الكيرانوي وبين القسيسين الدكتور فندر وشريكه فرنج أقر القسيسان بأن هذه العبارة محرفة، وسلما بالتحريف في سبعة مواضع أخرى. وقد كتب هورن اثنتي عشرة ورقة في تحقيق هذه العبارة، فقام بتلخيصها جامعو تفسير هنري وإسكات، وفي تلخيصهم ذكروا أدلة الذين يثبتون أن هذه العبارة كاذبة كما يلي: 1- أن هذه العبارة لا توجد في نسخة من النسخ اليونانية المكتوبة قبل القرن السادس عشر الميلادي. 2 - أن هذه العبارة لا توجد في النسخ المطبوعة التي طبعت بالجد والتحقيق التام في الزمان الأول. 3 - أن هذه العبارة لا توجد في أكثر النسخ القديمة اللاتينية، ولا توجد أيضا في ترجمة من التراجم القديمة غير الترجمة اللاتينية. 4 - أن هذه العبارة لم يتمسك بها أحد من القدماء ولا مؤرخو الكنيسة. - أن هذه العبارة أسقطها من المتن أئمة فرقة البروتستانت ومصلحو دينهم، وبعضهم وضع عليها علامة الشك. وبهذا يظهر لك جليا أن النصارى كانوا يحرفون كتبهم قصدا إذا رأوا في التحريف مصلحة لهم أو انتصارا لعقيدتهم، والعجب أن باب التحريف الذي كان واسعا قبل اختراع المطابع، مازال مفتوحا وما انسد بعد اختراعها، فهذا لوثر الإمام الأول لفرقة البروتستانت والرئيس الأقدم ترجم الكتب المقدسة باللسان الجرمني ليستفيد منها أتباعه، وطبعت هذه الترجمة مرارا في حياته، ولم يكتب هذه العبارة في ترجمته ولا ظهرت في الطبعات المتكررة أثناء حياته، وفي آخر حياته أعاد طباعتها سنة 1456م، فأوصى في مقدمة هذه الطبعة: (أن لا يحرف أحد ترجمتي)، لكن هذه الوصية لما كانت مخالفة لعادة أهل الكتاب عموما ولعادة النصارى خصوصا، لم يلتزموا بها وعملوا بعكسها، فلم يمض على موته ثلاثون سنة حتى قام أهل مدينة فرانكفورت بألمانيا سنة 1574م بطباعة ترجمة لوثر، فأدخلوا فيها هذه العبارة الجعلية الكاذبة، ثم أعيدت طباعتها بعد ذلك عدة مرات، فأسقطوها من الطبعات اللاحقة خوفا من طعن الخلق عليهم، ثم قام أهل مدينة وتنبرغ بألمانيا بإعادة طباعة ترجمة لوثر سنة 1596م و1599م فأدخلوا فيها هذه العبارة، ومثلهم كذلك أهل مدينة هامبورغ، حيث طبعوا ترجمة لوثر سنة 1596 م فأدخلوا فيها هذه العبارة، ثم خاف أهل مدينة وتنبرغ من اختلاف الطبعات للترجمة الواحدة أن يجر ذلك طعن الخلق عليهم، فأعادوا طباعتها مرة أخرى فأسقطوا منها هذه العبارة، ثم ما رضي النصارى البروتستانت بهذا التردد بين الإدخال والإسقاط، فأجمعوا على إدخالها في ترجمة لوثر في جميع الطبعات اللاحقة على خلاف وصية إمامهم، فمن كانت هذه عادتهم بعد انتشار المطابع، فكيف يرجى منهم عدم التحريف في النسخ القليلة المحصورة بأيدي أناس معدودين قبل ظهور المطابع؟! وقد كتب الفيلسوف المشهور إسحاق نيوتن رسالة حجمها بقدر خمسين صفحة أثبت فيها أن هذه العبارة وعبارات أخرى جعلية محرفة. وهذه العبارة الجعلية المحرفة وردت في طبعتي سنة 1865 م و1983م بين قوسين هلاليين كبيرين كما يلي: فإن الذين يشهدون (في السماء هم ثلاثة الآب والكلمة والروح القدس وهؤلاء الثلاثة هم واحد والذين يشهدون في الأرض) هم ثلاثة الروح والماء والدم والثلاثة هم في الواحد. وقد قال الطابعون والمصححون لهاتين الطبعتين في الصفحة الأولى منهما: إن الكلمات والعبارات التي ليس لها وجود في أقدم النسخ وأصحها جعلوها بين قوسين هلاليين. وهذه العبارة لم ترد في طبعة العهد الجديد للّاتين التي نشرتها دار المشرق في بيروت في المطبعة الكاثوليكية سنة 1982م، وكذلك لم ترد في طبعة مطابع الحرية في بيروت سنة 1983م بإشراف جان عون. 10 - التحريف لإظهار أن عيسى ابن الله: ففي سفر أعمال الرسل 8 / 37: (فقال فيلبس إن كنت تؤمن من كل قلبك يجوز. فأجاب وقال أنا أومن أن يسوع المسيح هو ابن الله). فهذه الفقرة: (أن يسوع المسيح هو ابن الله) إلحاقية زادها أحد من أهل التثليث، واتفق كريسباخ وشولز على أنها إلحاقية جعلية كاذبة. 11- التحريف في حادثة زنا رأوبين بسرية أبيه: ففي سفر التكوين 35 من النسخة العبرانية هكذا: (وحدث إذ كان إسرائيل ساكنا في تلك الأرض أن رأوبين ذهب واضطجع مع بلهة سرية أبيه. وسمع إسرائيل). ولا شك أن في هذه الفقرة تحريفا بالنقصان، واليهود معترفون بسقوط عبارة هاهنا، قال جامعو تفسير هنري وإسكات: إن اليهود يسلمون أن شيئا سقط من هذه الفقرة، وتتمته من الترجمة اليونانية هكذا: (وكان قبيحا في نظره). فلماذا أسقط اليهود العبرانيون هذه العبارة من نسختهم؟! 11- التحريف في حادثة سرقة الصواع: ففي سفر التكوين 44 / 5 من النسخة العبرانية هكذا: (أليس هذا هو الذي يشرب سيدي فيه). ولا شك أن في هذه الفقرة تحريفا بالنقصان، وقد أقر المفسر هارسلي بالنقصان هاهنا، وأمر بزيادته على حسب ما في الترجمة اليونانية لتصبح الفقرة كما يلي: (لم سرقتم صواعي. أليس هذا هو الذي يشرب سيدي فيه). 13- التحريف بإسقاط اسم مريم ابنة عمران أخت موسى: ففي سفر الخروج 6 من النسخة العبرانية هكذا: (وأخذ عمرام يوكابد عمته زوجة له فولدت له هارون وموسى). ولاشك أن في هذه الفقرة تحريفا بالنقصان يظهر من النسخة السامرية والترجمة اليونانية هكذا: فولدت له هارون وموسى ومريم أختهما). قال آدم كلارك: إن كبار المحققين يعتقدوم أن هذا اللفظ: (ومريم أختهما) كان موجودا في المتن العبري. ومعنى كلامه أن هذا اللفظ أسقطه اليهود العبرانيون، إما عنادا للسامريين المعتمدين على التوراة السامرية، وإما عنادا للنصارى المعتمدين على التوراة اليونانية. وشيء آخر يفهم هنا، وهو أن عمران بن قهات بن لاوي قد تزوج يوكابد بنت لاوي، فهي عمته أخت أبيه قهات، وقد ورد لفظ العمة في التوراة السامرية والعبرانية، وفي التراجم العربية المطبوعة سنة 1811م و1865 م و1970 -1983م، وفي التراجم الفارسية المطبوعة سنة 1839م و1845م و1856م، وفي التراجم الهندية المطبوعة سنة 1822م و1829م و1842م. وبما أن نكاح العمة حرام في التوراة كما في سفر الأحبار (اللاويين) 18 / 12 و20 / 19، فلما طبعت الترجمة العربية في عهد البابا أربانوس الثامن (المتوفى سنة 1644م) حرف لفظ العمة بابنة العم كما يلي: (فتزوج عمران يوكابد ابنة عمه)، فهذه الفقرة وردت بلفظ ابنة العم في الطبعات العربية المطبوعة سنة 1625م و1671م و1844م و1848م، فلزمهم التحريف بالتبديل في بعض الطبعات. 14 - التحريف في الزبور إما بالزيادة وإما بالنقصان: وقعت فقرات بين الفقرتين الثالثة والرابعة من المزمور الرابع عشر، وهذه الفقرات توجد في الترجمة اللاتينية والترجمة العربية ونسخة واتيكانوس إحدى نسخ الترجمة اليونانية، ونصها كما يلي: (فحلقومهم قبر مفتوح وهم يغدرون بألسنتهم وسم الثعابين تحت شفاهم وأفواههم مملؤة من اللعن والمرورة وأقدامهم مسرعة لسفك الدم والتهلكة والشقاء في طرقهم ولم يعرفوا طريق السلامة وخوف الله ليس بموجود أمام أعينهم). وهذه الفقرات لا توجد في النسخة العبرانية، ولكنها توجد في رسالة بولس إلى أهل رومية 3 / 13-18، فإما أن اليهود أسقطوها من نسختها العبرانية عنادا للنصارى الذين كانوا يعتمدون على نسخة التوراة اليونانية، وهذا هو التحريف بالنقصان، وإما أن النصارى زادوها في التراجم المذكورة انتصارا لبولس، وهذا هو التحريف بالزيادة، فالتحريف لازم قطعا لأحد الفريقين. 15 - التحريف في إنجيل لوقا بالنقصان: ففي إنجيل لوقا 21 / 32-34: (32) الحق أقول لكم إنه لا يمضي هذا الجيل حتى يكون الكل (33) السماء والأرض تزولان ولكن كلامي لا يزول (34) فاحترز لأنفسكم لئلا تثقل قلوبكم، قال هورن: إن فقرة تامة ما بين الفقرتين (33) و (34) قد أسقطت من إنجيل لوقا، وإن المحققين والمفسرين كلهم قد أغمضوا عيونهم عن هذا النقصان العظيم الواقع في متن إنجيل لوقا، حتى قام المحقق هيلز بالتنبيه عليه، وتجاسر هورن فأمر بزيادة هذه الفقرة في إنجيل لوقا بالرجوع إلى إنجيل متى وإنجيل مرقس؛ ليكون موافقا لهما. وفيما يلي نقل هذه الفقرة مع الفقرات السابقة لها؛ ليظهر التحريف القصدي في إنجيل لوقا بإسقاط هذه الفقرة منه: ففي إنجيل متى 24 / 34-36: (34) الحق أقول لكم لا يمضي هذا الجيل حتى يكون هذا كله (35) السماء والأرض تزولان ولكن كلامي لا يزول (36) وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا ملائكة السماوات إلا أبي وحده). وفي إنجيل مرقس 13 / 30-32: (30) الحق أقول لكم لا يمضي هذا الجيل حتى يكون هذا كله (31) السماء والأرض تزولان ولكن كلامي لا يزول (32) وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا الملائكة الذين في السماء ولا الابن إلا الآب). فعلى اعتراف هورن وهيلز أن الفقرة الواردة في إنجيل متى 24 / 36 وفي إنجيل مرقس 13 ساقطة من إنجيل لوقا ويجب زيادتها فيه. 16 - التحريف لعناد اليهود والنصارى بعضهم بعضا: ففي إنجيل متى 2: (وأتى وسكن في مدينة يقال لها ناصرة. لكي يتم ما قيل بالأنبياء إنه سيدعى ناصريا). فقوله: (لكي يتم ما قيل بالأنبياء إنه سيدعى ناصريا) من الأغلاط المشهورة في هذا الإنجيل؛ لأنه لا يوجد هذا القول في كتاب من الكتب المعروفة المنسوبة للأنبياء، فإما أن يكون النصارى أدخلوا هذا القول في كتبهم عنادا لليهود، وهو من التحريف بالزيادة، وإما أن يكون اليهود أسقطوا هذا القول من كتبهم عنادا للنصارى، وهو من التحريف بالنقصان. والمحقق كريزاستم وعلماء الكاثوليك يعتقدون أن هذا القول كان في كتب الأنبياء، لكن هذه الكتب انمحت وضيعها اليهود لغفلتهم وعدم ديانتهم، فمزقوا بعضها، وأحرقوا بعضها؛ لأنهم لما رأوا أن الحواريين يتمسكون بهذه الكتب في إثبات عقائد ملتهم، ضيعوها قصدا لإنكار نبوة المسيح عليه السلام، ويعلم هذا من إعدامهم كتبا نقل عنها متى. وقد قال جستن في مناظرته لطريفون اليهودي: إن اليهود حرفوا كتبا كثيرة وأخرجوها من العهد العتيق؛ ليظهر أن العهد الجديد مخالف للعهد القديم. وهذا يدل على أن التحريف في سالف الزمان كان سهلا، ألا ترى كيف انمحت عن صفحة العالم كتب كثيرة بإعدامهم لها لعناد بعضهم بعضا؟! وأي تحريف بالنقصان أكثر من أن تضيع فرقهم الكتب السماوية قصدا للأغراض النفسانية. وإذا كان اليهود قد حرفوا كتبهم لإنكار رسالة عيسى عليه السلام، وكذلك النصارى حرفوا كتبهم لإثبات التثليث وألوهية عيسى وبنوته لله، فلا يستبعد منهم تحريف نصوص البشارات الدالة على رسالة محمد بل هم أشد اهتماما بهذا الأمر من غيره؛ لأنهم حرفوا ويحرفون كل عبارة نافعة للمسلمين.

مغالطات نصرانية والرد عليها

  • عنصر قائمة منقطة

المغالطة الأولى: يزعم النصارى لتغليط الجاهلين بحقيقة كتبهم أن المسلمين فقط هم الذين يدعون أن كتب العهدين محرفة. وللرد على هذه المغالطة تكون الشواهد في ثلاثة مسالك: المسلك الأول: في نقل أقوال المخالفين للنصارى: أ - العالم الوثني سلسوس كتب في القرن الثاني للميلاد كتابا في الرد على النصارى، ونقل العالم الجرمني أكهارن عن كتاب سلسوس ما يلي: بدل المسيحيون أناجيلهم ثلاث مرات أو أربع مرات بل أزيد من هذا تبديلا كأن مضامينها بدلت. فهذا المشرك الوثني أخبر أن النصارى بدلوا أناجيلهم إلى عهده أكثر من أربع مرات. ب - القس والمصلح الأمريكي باركر المتوفى سنة 1860م - وهو في نظر النصارى ملحد - قال: إن اختلاف العبارات في كتب النصارى ثلاثون ألفا، وهذا العدد هو على تحقيق ميل. ج - عمل أحد الملاحدة جدولا للأسفار المنسوبة إلى عيسى بن مريم والحواريين والتي يرفضها النصارى الآن، فكان عددها أربعة وسبعين سفرا. ثم قال: كيف نعرف أن الكتب الإلهامية هي المسلمة الآن ضمن العهد الجديد أو هذه المرفوضة؟! وإذا لاحظنا أن هذه الكتب المسلمة أيضا قبل إيجاد المطابع كانت قابلة للإلحاق والتبديل يقع الإشكال. المسلك الثاني: في نقل أقوال الفرق النصرانية القديمة التي يعدها النصارى الآن من المبتدعين: أ - الفرقة الأبيونية: ظهرت هذه الفرقة في القرن الميلادي الأول وكانت معاصرة لبولس، فأنكرت عليه إنكارا شديدا وعدته مرتدا، وكانت تسلم من كتب العهد القديم بالتوراة فقط، وتسلم من كتب العهد الجديد بإنجيل متى فقط، لكن نسخته التي عند هذه الفرقة مخالفة لنسخة الإنجيل المنسوب إلى متى الآن التي يسلم بها أتباع بولس، ولم يكن البابان الأولان موجودين في إنجيلها؛ لأنها تعتقد أن هذين البابين ومواضع أخرى كثيرة محرفة، وكانت تنكر ألوهية المسيح وتعتقد أنه إنسان فقط. ب- الفرقة المارسيونية: من فرق النصارى القديمة أيضا، وكانت تنكر جميع كتب العهد القديم وتقول: إنها ليست إلهامية، وتنكر جميع كتب العهد الجديد إلا إنجيل لوقا وعشر رسائل من رسائل بولس، وهذه الرسائل العشر المسلمة عندها مخالفة للرسائل الموجودة الآن، وأما إنجيل لوقا فكانت هذه الفرقة تنكر البابين الأولين منه، وتنكر مواضع أخرى كثيرة منه، ذكر منها لاردنر في تفسيره أربعة عشر موضعا. وذكر (بل) في تاريخه أن هذه الفرقة المارسيونية تعتقد أنه يوجد إلهان، أحدهما خالق الخير، وثانيهما خالق الشر، وتقول: إن التوراة وسائر كتب العهد العتيق من عند إله الشر؛ لأنها مخالفة للعهد الجديد. ج - فرقة ماني كيز: أعظم علماء هذه الفرقة هو فاستس الذي عاش في القرن الرابع الميلادي، وقد نقل لاردنر في تفسيره عن أكستاين ما يلي: قال فاستس: أنا أنكر الأشياء التي ألحقها في العهد الجديد آباؤكم وأجدادكم بالمكر، وعيبوا صورته الحسنة وأفضليته؛ لأن هذا الأمر محقق: أن هذا العهد الجديد ما صنفه المسيح ولا الحواريون، بل صنفه رجل مجهول الاسم، ونسبه إلى الحواريين ورفقاء الحواريين خوفا عن أن لا يعتبر الناس تحريره ظانين أنه غير واقف على الحالات التي كتبها، وآذى المريدين لعيسى إيذاء بليغا بأن ألف الكتب التي توجد فيها الأغلاط والتناقضات. فزعيم هذه الفرقة كان ينادي بعدة أشياء أبرزها: أن النصارى أدخلوا في العهد الجديد أشياء خارجة عنه. أن هذا العهد الجديد المعروف الآن ليس من كتابة المسيح ولا الحواريين ولا تابعيهم، وإنما هو من كتابة رجل مجهول الاسم. أن هذا العهد الجديد وقعت فيه الأغلاط والتناقضات. وقال لاردنر في تفسيره: اتفق المؤرخون على أن فرقة ماني كيز كلها لم تكن تسلم بكتب العهد العتيق في كل وقت، وكانت تعتقد أن الشيطان كلم موسى وخدع أنبياء اليهود، وتصفهم بأنهم سراق ولصوص. فظهر من المسلكين السابقين أن المخالفين للنصارى، وكذلك الفرق النصرانية القديمة التي يعدها نصارى اليوم من المبتدعين، كانوا ينادون بأعلى نداء من القرون الأولى بوقوع التحريف في كتب العهدين القديم والجديد. المسلك الثالث: في نقل أقوال المفسرين والمؤرخين المتعصبين للنصرانية، والمقبولين عند كافة النصارى: أ - قال آدم كلارك في تفسيره: أكثر البيانات التي كتبها المؤرخون للرب (يقصد عيسى) غير صحيحة؛ لأنهم كتبوا الأشياء التي لم تقع بأنها وقعت يقينا، وغلطوا في الحالات الأخر عمدا أو سهوا، وهذا الأمر محقق أن الأناجيل الكثيرة الكاذبة، كانت رائجة في القرون المسيحية الأولى، وبلغت هذه الأناجيل أكثر من سبعين إنجيلا، وكان فابري سيوس قد جمع هذه الأناجيل الكاذبة وطبعها في ثلاثة مجلدات. ب- نسبت إلى موسى عليه السلام غير الكتب الخمسة - (التكوين والخروج والأحبار والعدد والتثنية) والمشهورة الآن بالتوراة - ستة كتب هي: 1- كتاب المشاهدات 2- كتاب التكوين الصغير 3- كتاب المعراج 4- كتاب الأسرار 5- كتاب تستمنت (العهد أو الميثاق) 6- كتاب الإقرار قال هورن: المظنون أن هذه الكتب الجعلية اخترعت في ابتداء الملة المسيحية، أي في القرن الميلادي الأول. قال المؤرخ موشيم: تعلم يهود مصر قبل المسيح مقولة مشهورة عند الفلاسفة هي: أن الكذب والخداع لأجل أن يزداد الصدق وعبادة الله ليسا بجائزين فقط، بل قابلان للتحسين، وعملوا بهذه المقولة كما يظهر هذا جزما من كثير من الكتب القديمة، وانتقل وباء هذه المقولة السيئة إلى النصارى كما يظهر هذا الأمر من الكتب الكثيرة التي نسبوها إلى الكبار كذبا. فإذا كان الكذب والخداع من المستحبات الدينية عند اليهود قبل المسيح وعند النصارى بعده، فهل يقف الجعل والتحريف والكذب عند حد؟! د- قال لاردنر في تفسيره: حكم على الأناجيل المقدسة لأجل جهالة مصنفيها بأنها ليست حسنة بأمر السلطان أناسطيثوس (الذي حكم ما بين سنتي 491-518م) فصححت مرة أخرى، فلو كان للأناجيل إسناد ثابت في عهد ذلك السلطان ما أمر بتصحيحها، ولكن لأن مصنفيها كانوا مجهولين أمر بتصحيحها، والمصححون إنما صححوا الأغلاط والتناقضات على قدر الإمكان، فثبت التحريف فيها يقينا من جميع الوجوه، وثبت أنها فاقدة الإسناد. هـ - أكستاين وهيلز وقدماء النصارى كانوا يقولون: إن اليهود في سنة 130م حرفوا التوراة العبرانية قصدا لعناد النصارى الذين كانوا يعتمدون على الترجمة اليونانية، ولتصير هذه الترجمة غير معتبرة، وأثبت كني كات بأدلة قوية لا جواب عليها بأن اليهود حرفوا توراتهم العبرانية لأجل عداوة السامريين الذين كان لهم توراة خاصة بهم غير توراة العبرانيين. و- قال المفسر هارسلي: لا ريب في أن المتن المقدس قد حرف، وهذا ظاهر من اختلاف النسخ وتناقض العبارات، وهذا الأمر قريب من اليقين أن العبارات القبيحة جدا دخلت في المتن المطبوع، وأن المتن العبري في النقول التي كانت عند الناس كان في أشنع حالة التحريف. ز- قال واتسن: إن أوريجن كان يشكو من الاختلافات، وينسبها إلى أسباب مختلفة، مثل غفلة الكاتبين وشرارتهم وعدم مبالاتهم، ولما أراد جيروم ترجمة العهد الجديد قابل النسخ التي كانت عنده فوجد اختلافا عظيما. وقال آدم كلارك في تفسيره: كانت ترجمات كثيرة باللغة اللاتينية من المترجمين المختلفين موجودة قبل جيروم، وكان بعضها في غاية درجة التحريف، وبعض مواضعها مناقضة للمواضع الأخرى، كما صرح به جيروم. الراهب فيلبس كوادنولس كتب كتابا للرد على بعض المسلمين سماه (الخيالات) وطبعه سنة 1649م، وقال فيه: يوجد التحريف كثيرا في كتب العهد القديم، ونحن النصارى حافظنا على هذه الكتب لنلزم اليهود بالتحريف، ونحن لا نسلم أباطيلهم. ط - وصل عرضحال (معروض) من فرقة البروتستانت إلى السلطان جيمس الأول (المتوفى سنة 1625 م) يقولون فيه: إن الزبورات (المزامير) التي هي داخلة في كتاب صلاتنا مخالفة للنص العبري بالزيادة والنقصان والتبديل في مائتي (200) موضع تخمينا. ي- قال المؤرخ الإنكليزي مستر توماس كارلايل (المتوفى سنة 1881م): المترجمون الإنكليزيون أفسدوا المطلب، وأخفوا الحق، وخدعوا الجهال، ومطلب الإنجيل الذي كان مستقيما جعلوه معوجا، وعندهم الظلمة أحب من النور، والكذب أحق من الصدق. ك- مستر بروتن كان كبير المسؤولين عن مجلس الترجمة الجديدة في بريطانية فقال للقسيسين: إن الترجمة السائدة في إنكلترة مملوءة من الأغلاط، وإن ترجمتكم الإنكليزية المشهورة حرفت عبارات كتب العهد القديم في ثمانمائة وثمانية وأربعين (848) موضعا، وصارت سببا لرد كتب العهد الجديد من قبل أناس غير محصورين.

'نص غليظ

نص العنوان[عدل]

أسباب وقوع اختلاف العبارة في كتب العهدين قال هورن في تفسيره: لوقوع اختلاف العبارة أربعة أسباب: السبب الأول: (غفلة الكاتب وسهوه)، وهو يتصور على وجوه: أن الذي كان يملي العبارة على الكاتب حرف في الإملاء فألقى ما ألقى، أو أن الكاتب لم يفهم قوله حين أملاه عليه فكتب ما كتب. أن الحروف العبرانية واليونانية بعضها متشابهة، فكتب أحدها بدل الآخر. أن الكاتب ظن الإعراب خطأ، أو ظن الخط الذي كان يكتب عليه جزءا من الحرف، أو أن الكاتب لم يفهم أصل المطلب فأصلح العبارة باجتهاده وغلط. أن الكاتب انتقل من موضع إلى موضع آخر سهوا، فلما تنبه لم يمح ما كتب، وبدأ الكتابة مرة أخرى من الموضع الذي تركه، فبقي ما كتبه من قبل بلا محو. أن الكاتب نسي شيئا، فبعدما كتب شيئا آخر تنبه فكتب العبارة المتروكة بعده مباشرة، فانتقلت العبارة من موضعها الصحيح إلى موضع آخر. أن نظر الكاتب أثناء الكتابة أخطأ ووقع على سطر آخر، فسقطت عبارة أو عبارات ولم يعلم بها. أن الكاتب غلط في فهم بعض الألفاظ فكتبها على حسب فهمه، فوقع الغلط. أن جهل الكاتبين وغفلتهم سبب عظيم لوقوع اختلاف العبارة، بأنهم فهموا عبارة الحاشية أو التفسير جزءا من المتن فأدخلوها فيه. السبب الثاني: (نقصان النسخة المنقول عنها) وهو يتصور على وجوه: انمحاء إعراب الحروف. أن الإعراب الذي كان في صفحة ظهر في صفحة أخرى وامتزج بحروف الصفحة الأخرى، ففهمه الكاتب جزءا منها، فكتبه كما يفهم. أن الفقرة المتروكة كانت مكتوبة على الحاشية بلا علامة تدل على موضع نقصانها، فلم يعلم الكاتب الثاني أين موضع نقصانها الذي نكتب فيه، فاجتهد فغلط في موضعها. السبب الثالث: (التصحيح الخيالي والإصلاح) وهو يتصور على وجوه: أن الكاتب فهم العبارة الصحيحة أنها ناقصة، أو أنه غلط في فهم المطلب، أو أنه ظن أن العبارة غلط ولم تكن غلطا. أن بعض المحققين لم يكتفوا على إصلاح الغلط، بل بدلوا العبارات غير الفصيحة بعبارات فصيحة، وأسقطوا الفضول من الكلام والألفاظ المترادفة التي لم يظهر لهم فرق فيها. أنهم سووا الفقرات المتقابلة باعتبار المعاني، فجعلوها متساوية، فالزائد نقصوه إلى القليل، أو القليل زادوه، وهذا التصرف وقع في الأناجيل خصوصا، ولأجل ذلك كثر الإلحاق في رسائل بولس؛ لتكون العبارات التي نقلها عن العهد القديم مطابقة للترجمة اليونانية. وهذا هو أكثر الوجوه وقوعا. أن بعض المحققين جعل عبارات العهد الجديد مطابقة للترجمة اللاتينية. السبب الرابع: (التحريف القصدي): وهذا التحريف صدر من المتشددين في الدين وصدر أيضا من المبتدعين، وأعظم المحرفين المبتدعين هو مارسيون، وأما المتشددين فكانوا يحرفون قصدا لتأييد مسألة مقبولة، أو لدفع الاعتراضات الواردة، ثم ترجح هذه التحريفات بعدهم. وضرب هورن أمثلة كثيرة لهذه التحريفات القصدية الصادرة عن المتشددين الذين هم عند قومهم من أهل الديانة والدين. إذا ثبت أن عبارات الحاشية والتفسير دخلت في المتن بسبب جهل الكاتبين وغفلتهم، وأن الكاتبين أصلحوا العبارات التي ظنوا أنها غلط، وأنهم بدلوا العبارات غير الفصيحة، وأسقطوا ألفاظا فضولا أو مترادفة، وسووا الفقرات المتقابلة وخصوصا في الأناجيل، وأن بعض المحققين جعلوا العهد مطابقا للترجمة اللاتينية، وأن المبتدعين حرفوا قصدا، وأن أهل الديانة والدين من المتشددين في ملتهم كانوا يحرفون قصدا لتأييد المسائل أو لدفع اللاعتراضات، وأن هذه التحريفات القصدية كانت ترجح بعدهم، فأي وجه من وجوه التحريف لم يفعلوه؟! وأي باب من أبواب التحريف لم يدخلوه؟! وأي استبعاد لو قلنا: إن النصارى عباد الصليب حرفوا قصدا بعد ظهور دين الإسلام العبارات التي كانت نافعة للمسلمين، ثم رجح هذا التحريف بعدهم؟! بل إن هذا التحريف الذي هو ضد المسلمين أشد اهتماما عندهم من التحريف الذي هو ضد بعضهم بعضا، وترجيحه عندهم أولى وأشد. الثانية زعمهم أن المسيح عليه السلام شهد بحقية كتب العهد العتيق المغالطة الثانية: يزعم النصارى أن المسيح عليه السلام شهد بحقية كتب العهد العتيق، ولو كانت محرفة ما شهد بها، بل كان عليه أن يلزم اليهود بالتحريف. يقال في الرد على هذه المغالطة: إنه لما لم يثبت التواتر اللفظي لكتاب من كتب العهدين العتيق والجديد، ولا يوجد لها سند متصل إلى مصنفيها، وثبت وقوع جميع أنواع التحريف في هذه الكتب، وثبت أن المتشددين من أهل الدين والديانة كانوا يحرفون قصدا لتأييد المسائل أو لدفع الاعتراضات الواردة، فصارت هذه الكتب جميعها مشكوكة عندنا، ولا يجوز الاحتجاج علينا ببعض فقراتها؛ لاحتمال أن تكون هذه الفقرات إلحاقية، أدخلها المتشددون من النصارى في القرن الثاني أو في القرن الثالث ضد الفرقة الأبيونية والفرقة المارسيونية وفرقة ماني كيز، ثم رجحت هذه التحريفات بعدهم لكونها مؤيدة لمسائلهم، كما فعلوا ضد فرقة إيرين، وكانت الفرق الثلاث المذكورة تنكر كتب العهد العتيق إما كلها أو أكثرها. ثم لو قطعنا النظر عن كون هذه الفقرات إلحاقية، فلا يثبت منها سند هذه الكتب؛ لأنها لم يبين فيها أعداد هذه الكتب ولا أسماؤها، فكيف يعلم أن كتب العهد العتيق تسعة وثلاثون (كما هي الآن عند البروتستانت)، أو ستة وأربعون (كما هي الآن عند الكاثوليك)؟! والمؤرخ اليهودي يوسيفس - الذي هو متعصب جدا وعاش بعد المسيح عليه السلام، والنصارى يحترمونه ويقبلون كتبه - كتب في تاريخه يقول: نحن اليهود ليس عندنا ألوف من الكتب يناقض بعضها بعضا، بل عندنا اثنان وعشرون كتابا منها خمسة لموسى. فبين غير أسفار موسى الخمسة سبعة عشر كتابا من ملحقات التوراة، والحال أن هذه الملحقات للتوراة عند البروتستانت أربعة وثلاثون كتابا، وعند الكاثوليك واحد وأربعون كتابا، فأي كتاب من هذه الكتب الملحقات يكون داخلا في السبعة عشر؟! وأي كتاب منها يكون خارجا عنها؟! وقد مر أن المحقق كريزاستم وعلماء الكاثوليك يعترفون أن اليهود ضيعوا كتبا بسبب غفلتهم وعدم ديانتهم، فمزقوا بعضها، وأحرقوا بعضها الآخر فيجوز أن تكون هذه الكتب المضيعة داخلة ضمن السبعة عشر، وقد اعترف المحققون بفقدان عشرين كتابا ورد ذكرها وليس لها وجود الآن. قال طامس إنكلس: اتفق العالم على أن الكتب المفقودة من الكتب المقدسة ليست بأقل من عشرين. وثبت بشهادة يوسيفس أن خمسة كتب منسوبة إلى موسى عليه السلام ولكن لا يعلم أن هذه الكتب الخمسة التي كانت في عهد يوسيفس هي هذه الخمسة المتداولة الآن أم غيرها؟! والظاهر أنها غيرها لما مر أن يوسيفس لم يكن يعتمد في تاريخه على الأسفار الحالية. ثم لو سلمنا أن هذه الكتب من العهد القديم التي كانت متداولة في عهد المسيح، وشهد المسيح والحواريون لها، فمقتضى هذه الشهادة أن هذه الكتب كانت موجودة عند اليهود في ذلك الوقت، سواء كانت من تصنيف الأشخاص المنسوبة إليهم أو لم تكن، وسواء كانت الحالات المندرجة فيها صادقة أو بعضها صادقة وبعضها كاذبة، ولا يفهم من هذه الشهادة أن كل كتاب منها هو من تصنيف الشخص المنسوب إليه، ولا أن كل حال من الحالات المذكورة فيها صادقة قطعا، ولو نقل المسيح والحواريون من هذه الكتب شيئا، فلا يلزم من مجرد النقل صدق الكتاب المنقول منه بحيث إنه لا يحتاج إلى تحقيق، نعم لو أن المسيح صرح في كل جزء من أجزاء هذا الكتاب وفي كل حكم من أحكامه أنه من عند الله وثبت تصريح المسيح بالتواتر فيكون هذا الكتاب صادقا قطعا، وما سواه يكون مشكوكا يحتاج إلى تحقيق. ولكن لم يثبت هذا التصريح من المسيح عليه السلام بخصوص أي كتاب من كتب العهد القديم. والمحقق بيلي ذكر في كتابه أن المسيح قال بأن التوراة من عند الله، وقوله ذلك لا يعني أن العهد العتيق كله أو كل فقرة منه صحيحة، ولا أن كل كتاب منه أصلي، ولا أن تحقيق مؤلفيه واجب، نعم لقد كان الحواريون واليهود المعاصرون للمسيح يرجعون إليها ويستعملونها، فيثبت من هذا الرجوع والاستعمال أنها كانت مشهورة ومسلمة في ذلك الوقت، ولا يلزم من نقل فقرة في العهد الجديد عن العهد العتيق صدق تلك الفقرة بحيث لا تحتاج إلى تحقيق. ثم لو فرضنا أن المسيح شهد لكتب العهد القديم فشهادة المسيح لا تنافي التحريف الواقع بعدها، فكما حرف اليهود قبل المسيح حرفوا بعده أيضا، وقد مر أن مذهب الجمهور من العلماء والمحققين والمفسرين والمؤرخين أن اليهود حرفوا قصدا بعد المسيح سنة 130 م عنادا للنصارى، فشهادة المسيح لا تنفي أن يكون التحريف قد وقع بعدها في هذه الكتب. الثالثة زعمهم أن وقوع التحريف مستبعد لأن نسخ الكتب المقدسة كانت منتشرة شرقا وغربا المغالطة الثالثة: يزعم النصارى أن وقوع التحريف مستبعد؛ لأن نسخ الكتب المقدسة كانت منتشرة شرقا وغربا فلا يمكن لأحد تحريفها. وللرد على هذه المغالطة فيما يلي إيراد أمور يزول بها استبعاد وقوع التحريف في كتبهم: أن موسى عليه السلام كتب نسخة التوراة وسلمها إلى الأحبار، وأوصاهم بالمحافظة عليها بوضعها داخل صندوق الشهادة، أي التابوت الذي صنعه موسى، فكانت توراة موسى موضوعة في الصندوق، وكانت الطبقة الأولى محافظة عليها، فلما انقرضت هذه الطبقة تغير حال بني إسرائيل، فكانوا يرتدون تارة ويسلمون أخرى، ويقي حالهم هكذا إلى سلطنة داود وسليمان عليهما السلام، فحسنت حالهم، واستقامت عقيدتهم، أما التوراة الموضوعة في التابوت فضاعت قبل عهد سليمان بسبب الارتدادات الكثيرة، ولا يعلم جزما متى ضاعت؛ لأن سليمان عليه السلام عندما فتح الصندوق لم يجد فيه سوى اللوحين اللذين كانت الأحكام (الوصايا) العشرة فقط مكتوبة فيهما، كما هو مصرح به في سفر الملوك الأول 8 / 9. ثم وقع الارتداد العظيم في آخر حكم سليمان على ما تشهد به كتبهم المقدسة (ولا شك أنه إفك مفترى على سليمان). فيقولون إن سليمان ارتد في آخر عمره وعبد الأصنام وبنى لها المعابد الكثيرة إرضاء لأزواجه (سفر الملوك الأول 11 / 1-11)، فإذا صار سليمان في آخر عمره مرتدا وثنيا بشهادتهم القبيحة، فما بقي له غرض بالتوراة. وبعد موت سليمان عليه السلام سنة 931ق. م وقع الارتداد الأعظم بأن انقسم أسباط بني إسرائيل، فصارت المملكة الواحدة مملكتين، وصار يربعام بن ناباط ملكا على عشرة أسباط في شمال فلسطين، وسميت مملكته بمملكة إسرائيل، وعاصمتها ترصة قرب شكيم (نابلس)، وصار رحبعام بن سليمان ملكا على سبطين في جنوب فلسطين، وسميت مملكته بمملكة يهوذا، وعاصمتها أورشليم (القدس)، وقد شاع الكفر والارتداد في المملكتين، وكان في مملكة إسرائيل أسرع وأشد؛ لأن يربعام بعدما تولى الحكم ارتد ونصب عجول الذهب وأمر بعبادتها، فارتدت معه الأسباط العشرة وعبدوا الأصنام، ومن بقي منهم على التوحيد هاجر إلى مملكة يهوذا، وقد تعاقب على حكم مملكة إسرائيل تسعة عشر (19) ملكا، ولم يتغير حالهم، فهؤلاء الأسباط العشرة من عهد أول ملوكهم إلى آخرهم كانوا كافرين بالله، عابدين للأصنام، نابذين للتوراة، فأبادهم الله بأن سلط عليهم الأشوريين بقيادة سرجون الثاني سنة 722ق. م، فأسروا وقتلوا القسم الأكبر منهم، وفرقوا قسما آخر في الممالك، ولم يبق منهم في هذه المملكة إلا شرذمة قليلة، فجلبوا الوثنيين وأسكنوهم في مملكة إسرائيل، فاختلطت هذه الشرذمة الإسرائيلية القليلة بالوثنيين اختلاطا شديدا، فتزاوجوا وتوالدوا، فسميت أولادهم بالسامريين، فمن عهد يربعام أول ملوك المملكة الإسرائيلية وإلى اندثارها بعد مدة تزيد عن قرنين من الزمان ما كان لهؤلاء الأسباط العشرة غرض بالتوراة، وكان وجود نسخ التوراة في هذه المملكة كوجود العنقاء، يسمع بها ولا أصل لها. أما مملكة يهوذا التي تضم سبطين من أسباط بني إسرائيل فجلس على سرير الحكم فيها بعد موت سليمان عليه السلام عشرون ملكا، وكان المرتدون من هؤلاء الملوك أكثر من المؤمنين الموحدين، فمن عهد رحبعام بن سليمان شاعت عبادة الأصنام، ووضعت تحت كل شجرة وعبدت، فسلط الله عليه شيشق ملك مصر، فغزا مملكة يهوذا، ونهب جميع أثاث الهيكل وأثاث بيت السلطان، ثم سلط الله على آسا ثالث ملوكها بعشا بن أخيا ثالث ملوك مملكة إسرائيل، وكان بعشا وثنيا مرتدا، فجاء إلى القدس ونهب الهيكل وبيت السلطان نهبا شديدا، وفي عهد أخزيا سادس ملوك يهوذا بنيت المذابح للبعل في كل جانب من مدينة أورشليم (القدس)، حتى سدت أبواب بيت المقدس، ثم في عهد منسي ملكها الرابع عشر اشتد الكفر حتى صار أكثر أهل المملكة وثنيين، فبني مذابح الأوثان في فناء بيت المقدس، ووضع الوثن الذي كان يعبده في بيت المقدس، وهكذا كان حال الكفر والارتداد في عهد ابنه آمون. ولما تولى الحكم يوشيا بن آمون سنة 638ق.م تاب إلى الله توبة نصوحا، وأمر أركان دولته بنشر الملة الموسوية، وهدم رسوم الكفر والوثنية في غاية الجد والاجتهاد، واتخذ الكاهن حلقيا مرشدا له، وعين الكاتب شافان لجمع الضرائب من الشعب لإصلاح الهيكل، وكان بحاجة شديدة إلى التوراة، ولكنه مع ذلك ما رأى أحد ولا سمع بوجود نسخة التوراة إلى سنة 621 ق.م، أي بعد سبعة عشر عاما من حكمه، ثم في العام الثامن عشر ادعى مرشده الكاهن حلقيا أنه وجد مخطوطة لسفر التثنية ومجموعة من الشرائع في بيت المقدس، عندما كان يحسب الفضة الواردة إلى الهيكل، فأعطى هذا السفر لشافان فقرأه على الملك يوشيا، فلما سمع يوشيا مضمونه شق ثيابه حزنا على عصيان بني إسرائيل، (سفر الملوك الثاني 22 / 1-11 وسفر أخبار الأيام الثاني 34 / 1-19). ولكن هذه النسخة لا اعتماد عليها ولا على قول حلقيا؛ لأن الهيكل نهب مرتين قبل عهد الملك أخزيا، وفي عهده جعل بيتا للأصنام، وكان سدنتها يدخلون البيت كل يوم، ففي خلال أكثر من قرنين من الزمان، (منذ بداية حكم أخزيا سنة 843 ق.م إلى سنة 621 ق.م التي هي العام السابع عشر لحكم يوشيا) ما سمع أحد اسم التوراة ولا رآها، علما أن يوشيا وأركان دولته وجميع رعيته كانوا في غاية الاجتهاد لإحياء شريعة موسى، وكان الكهنة يدخلون كل يوم إلى الهيكل، فالعجب أن يكون سفر التثنية في الهيكل ولا يراه أحد طيلة سبعة عشر عاما، والحق أن هذا السفر اخترعه الكاهن حلقيا؛ فإنه لما رأى أن الملك يوشيا وأركان دولته متوجهون بشدة إلى اتباع شريعة موسى، قام بجمع هذا السفر من الروايات اللسانية غير المدونة التي كان يتناقلها الأحبار، أو وصلت إليه من أفواه الناس سواء كانت صادقة أو كاذبة، وكان طيلة سبعة عشر عاما في جمعها وتأليفها، فبعدما أتم جمعها نسبها إلى موسى، وادعى أنه وجد هذا السفر في الهيكل، ومثل هذا الافتراء والكذب لترويج الملة كان من المستحبات الدينية عند متأخري اليهود وقدماء النصارى. وبقطع النظر عما فعله حلقيا، فإن سفر الشريعة الذي سلمه للملك يوشيا سنة 620 ق.م في العام الثامن عشر من حكمه، بقي العمل به طيلة حياته، أي لمدة ثلاثة عشر عاما، ولما مات يوشيا سنة 608 ق.م جلس ابنه يهوآحاز على سرير الملك، فارتد وأشاع الكفر في المملكة، فسلط الله عليه (نخو) ملك مصر، فأسره وأجلس مكانه أخاه يهوياقيم بن يوشيا، وكان أيضا مرتدا وثنيا كأخيه، وبعد موته جلس على سرير الملك ابنه يهوياكين بن يهوياقيم، وكان أيضا مرتدا وثنيا كأبيه وعمه، فسلط الله عليه بختنصر (نبوخذنصر) ملك بابل، فأسره مع جم غفير من بني إسرائيل، ونهب الهيكل والقدس وكنز بيت الملك، وأجلس مكانه على السرير عمه صدقيا بن يوشيا، وكان مرتدا وثنيا كأخويه، فحكم أحد عشر عاما كان خلالها ذليلا لنبوخذ نصر، وفي سنة 587ق.م جاء نبوخذ نصر فقبض على صدقيا وقتل أولاده أمام عينه، ثم قلع عينيه وربطه بالسلاسل وأرسله مع سائر بني إسرائيل أسرى إلى بابل، وأشعل النار في الهيكل وفي بيوت الملك وجميع بيوت أورشليم، فدمرها تدميرا كليا وهدم أسوارها، وقضي نهائيا على مملكة يهوذا سنة 587 ق.م، أي بعد أن قضى سرجون الثاني الأشوري على مملكة إسرائيل بـ 135 سنة. إذن يكون تواتر التوراة في اليهود منقطعا قبل زمان يوشيا (638-608 ق.م)، والسفر الذي وجد في عهده لا اعتماد عليه ولا يثبت به التواتر، وما عمل به إلا ثلاثة عشر عاما، وبعدها اندثر ولم يعلم حاله، والظاهر أنه لما رجع الكفر والارتداد والوثنية في أولاد يوشيا زال هذا السفر قبل حادثة بختنصر، ولو فرض بقاؤه فزواله في حادثة بختنصر أمر مقطوع به؛ لأن جميع كتب العهد العتيق التي كانت مصنفة قبل هذه الحادثة انعدمت عن صفحة العالم رأسا، وهذا الأمر مسلم عند أهل الكتاب، لذلك يضطرون للقول: إن عزرا كتب العهد العتيق مرة أخرى في بابل. وذكر كتاب قاموس الكتاب المقدس أنه مما لا شك فيه أن معظم الأسفار المقدسة أتلفت أو فقدت في عصر الارتداد والاضطهاد وبخاصة في مدة حكم منسى الطويل (55 سنة ما بين 693-639 ق.م)، ورجحوا أن مخطوطة نسخة الشريعة التي عثر عليها حلقيا قد عبث بها عند تدنيس الهيكل. لما كتب عزرا كتب العهد القديم مرة أخرى - على زعمهم - وقعت حادثة أخرى مروعة، جاء ذكرها في كتاب المكابيين الأول وفي تاريخ يوسيفس وفي كتب أخرى، وهي أنه لما فتح أنطيوخس الرابع (أنتيوكس ابيفانيس) أورشليم، أراد أن يمحق الديانة اليهودية، فأحرق جميع نسخ كتب العهد القديم التي حصلت له من أي مكان بعدما قطعها، وأمر بقتل كل من توجد عنده نسخة من نسخ كتب العهد القديم أو من يؤدي رسم الشريعة، وكان يفعل هذا الأمر في كل شهر ولمدة ثلاث سنوات ونصف، وكانت هذه الحادثة حوالي سنة 161 ق.م، فقتل خلق كثير من اليهود، وأعدمت فيها جميع النسخ التي كتبها عزرا، ولذلك قال جان ملنر: اتفق أهل العلم على أن نسخة التوراة ونسخ كتب العهد العتيق ضاعت من أيدي عسكر بختنصر، ولما ظهرت نقولها بواسطة عزرا ضاعت تلك النقول أيضا في حادثة أنتيوكس، ثم وقعت على اليهود بعد حادثة أنتيوكس حوادث أخرى انعدمت فيها نقول عزرا ونسخ لا تحصى، ومنها حادثة تيطس الرومي سنة 70م، وهي مكتوبة بالتفصيل في تاريخ يوسيفس وتواريخ أخرى، وقد أهلك في هذه الحادثة من اليهود في القدس ونواحيها مليون ومائة ألف (000ر100ر1) بالسيف والصلب والنار والجوع، وأسر سبعة وتسعين ألفا (97000)، وباعهم في الأقاليم المختلفة، وأهلك جموعا كثيرة في أقطار أرض فلسطين وسوريا، فلو أن شيئا من كتب العهد القديم نجا من إحراق أنتيوكس، فمن المحقق أنه أحرق وأعدم في هذه الحادثة.(انظر رقم (1) في حال التوراة ص20). - أن قدماء النصارى لم يكونوا معترفين بالنسخة العبرانية من العهد القديم، وكانوا يعتقدون أنها محرفة، وكانوا يستعملون الترجمة اليونانية إلى آخر القرن الميلادي الثاني، وأما في معابد اليهود فكانت الترجمة اليونانية مستعملة إلى نهاية القرن الميلادي الأول، وكانت نسخ العبرانية قليلة جدا عند الطرفين، وقد أعدم اليهود بأمر محفل الشورى نسخا كتبت في القرنين السابع والثامن الميلادي؛ لأنها كانت تخالف النسخ المعتمدة عندهم مخالفة كبيرة، ولذلك لم تصل إلى أيدي المصححين أية نسخة مكتوبة في هذين القرنين، فإذا أعدموا النسخ المخالفة لنسخهم، وأبقوا النسخ التي يرضون بها صار لهم مجال واسع للتحريف. 4 - الحوادث التي مرت على النصارى في القرون الثلاثة الأولى كانت سببا لقلة النسخ عندهم، ولسهولة التحريف فيها؛ لأن تواريخهم تشهد بأنهم طيلة هذه القرون الثلاثة ابتلوا بأنواع المحن والبلايا، فقد وقعت عليهم اضطهادات عظيمة كانت كافية لضياع الإنجيل الصحيح وسائر أسفارهم المقدسة، وأبرزها عشرة اضطهادات كما يلي: الأول: في عهد السلطان نيرون سنة 64م، وكان مشهورا بالظلم والقسوة، حتى إنه أحرق مدينة روما وألقى تبعة ذلك على النصارى فاضطهدهم بعنف، وكان الإقرار بالنصرانية يعد جرما عظيما، فقتل بطرس وزوجته وأناسا كثيرين، وكان هذا القتل في العاصمة وفي سائر الولايات مستمرا إلى نهاية حياة هذا السلطان سنة 68م. والثاني: في عهد السلطان دومشيان (دوميتيانوس)، الذي صار إمبراطور روما عام 81م، (وهو أخو تيطس الذي ذبح اليهود سنة 70م)، وكان طاغية جبارا، وعدوا للنصارى مثل نيرون، فأجلى يوحنا الحواري، وأمر بالقتل العام، وأسرف في قتل الكبراء ومصادرة أموالهم، ونكل بالنصارى تنكيلا عظيما فاق ما فعله أسلافه، وكان أن يستأصل النصرانية، وبقي الحال هكذا إلى أن قتل سنة 96م. والثالث: في عهد السلطان تراجان (ترايانوس)، الذي صار امبراطور روما عام 98م، فقد بدأ اضطهاده العنيف للنصارى سنة 101م، واشتد جدا سنة 108م حيث أمر بقتل كل من بقي من ذرية داود، فقام الضباط بالتفتيش، وبقتل كل من وجدوه منهم، وأعدم كثيرين من الأساقفة بالصلب أو بالضرب أو بالإغراق في البحر، وبقي الحال هكذا طيلة حياته إلى أن فاجأه الموت سنة 117م. والرابع: في عهد السلطان مرقس أنتيونينس (أنطيونينوس ماركوس)، الذي صار إمبراطور روما عام 161م، وكان فيلسوفا رواقيا ووثنيا متعصبا، بدأ اضطهاده للنصارى عام 161م ولمدة تزيد على عشر سنين، حتى بلغ القتل شرقا وغربا، وكان يطلب من الأساقفة أن يكونوا مع جملة سدنة الأوثان، ومن أبى يجلسونه على كرسي حديد تحته نار، ثم يمزق لحمه بكلاليب من حديد. والخامس: في عهد السلطان سويرس (سيفيروس)، الذي صار إمبراطور روما عام 193م، وابتدأ اضطهاده للنصارى عام 202م، فأمر بالقتل في كل ناحية، وكان القتل على أشده في مصر وقرطاجة وفرنسا حيث قتل الألوف في غاية الشدة، فظن النصارى أن هذا الزمان هو زمان الدجال. والسادس: في عهد السلطان مكسيمن (ماكسيمينيوس)، الذي صار إمبراطور روما سنة 235م، فأحيا رسوم الوثنية، وبدأ اضطهاده للنصارى عام 237م، فأصدر أمره بقتل جميع العلماء؛ لأنه ظن أنه إذا قتل العلماء جعل العوام مطيعين له في غاية السهولة، ثم أمر بقتل كل نصراني بلا فحص ولا محاكمة، فكثيرا ما كان يطرح منهم في جب واحد خمسون أو ستون قتيلا معا، ثم هم بقتل جميع سكان روما، فقتله أحد الجند سنة 238م. والسابع: في عهد السلطان دي شس (دنيس)، الذي بدأ اضطهاده للنصارى سنة 253م، وقد أراد هذا السلطان استئصال الملة النصرانية، فأصدر أوامره بذلك إلى حكام الولايات، ونفذ الولاة أوامره بقسوة فبحثوا عن النصارى وقتلوهم في كل مكان بعد التعذيب الشديد، وكان ظلمه وقهره شديدا في مصر وأفريقيا وإيطاليا والمشرق (آسيا الصغرى وبلاد الشام)، حتى ارتد في زمنه كثيرون من النصرانية إلى الوثنية. والثامن: في عهد السلطان ولريان (والريانوس) (فالريان)، الذي بدأ اضطهاده للنصارى سنة 257م، عندما أصدر أمره الشديد بقتل جميع الأساقفة وخدام الدين، وإذلال الأعزة ومصادرة أموالهم، وسلب حلي نسائهم، وإجلائهن من الأوطان، ومن بقي منهم بعد ذلك نصرانيا ورفض تقديم قربان للإله جوبيتر يقتل أو يحرق أو يلقى للنمور تفترسه، فقتل بضعة ألوف، وأخذ الباقون عبيدا مقيدين بالسلاسل لاستعمالهم في أمور الدولة. والتاسع: في عهد السلطان أريلين، الذي بدأ اضطهاده للنصارى بأوامر مشددة ضدهم سنة 274م، لكن لم يقتل فيه كثير؛ لأن السلطان قتل. والعاشر: في عهد السلطان ديوكليشين (دقلديانوس)، الذي صار إمبراطور روما عام 284م، وبدأ اضطهاده للنصارى سنة 286م بقتل (6600) من النصارى، وكانت ذروته سنة 302م، واستمر إلى سنة 313م، ففي سنة 302م أحرق بلدة فريجيا كلها دفعة واحدة بحيث لم يبق فيها أحد من النصارى، وأراد هذا السلطان أن يمحو الكتب المقدسة من الوجود، واجتهد في هذا الأمر اجتهادا عظيما، فأصدر أمره في شهر آذار (مارس) سنة 303م بهدم جميع الكنائس وإحراق الكتب، وعدم اجتماع النصارى للعبادة، فنفذ الولاة أمره بصرامة شديدة، فهدمت الكنائس في كل مكان، وأحرق كل كتاب عثروا عليه بالجد التام، وعذب عذابا شديدا كل من ظن أنه أخفى كتابا، وامتنع النصارى عن الاجتماع للعبادة، قال يوسي بيس: إنه رأى بعينيه تهديم الكنائس وإحراق الكتب المقدسة في الأسواق. وأصدر أمره لعامله على مصر أن يجبر الأقباط على عبادة الأصنام، وأن يذبح بالسيف كل من يأبى، فقتل منهم (000ر800)، فسمي عصره بعصر الشهداء، وكان يقتل من النصارى في كل يوم ما بين 30-80 نفسا. واستمر اضطهاده للنصارى عشر سنين حتى ملأ الأرض قتلا شرقا وغربا، فهذا الاضطهاد أعنف من كل الاضطهادات السابقة وأطولها أمدا. فهذه الوقائع العظيمة والبلايا الجسيمة التي يكتبونها في تواريخهم، لا يتصور فيها كثرة النسخ وانتشارها شرقا وغربا كما يزعمون، بل لا يتصور فيها إمكانية المحافظة على سلامة النسخ الموجودة بين أيديهم ولا تصحيحها ولا تحقيقها؛ لأن النسخ الصحيحة تضيع في مثل هذه الأحداث، ويكون للمحرفين مجال كبير للتحريف المناسب لأهوائهم. وبسبب الحوادث المذكورة وغيرها فقدت الأسانيد المتصلة لكتب العهدين، وصار الموجود باسم كتب العهدين جعليا مختلقا، فلا يوجد عند اليهود ولا عند النصارى سند متصل لكتاب من كتبهم، وقد طلب الشيخ رحمت الله في مناظرته للقسيسين فندر وفرنج السند المتصل لأي كتاب من كتبهم، فاعتذرا بأن سبب فقدان الإسناد هو وقوع المصائب والفتن على النصارى إلى مدة ثلاثمائة وثلاث عشرة سنة (313م). وبهذا ثبت أنه لا يوجد دليل قطعي على أن النسخ الموجودة بين أيديهم قد كتبت في قرن معين، وليس مكتوبا في آخر أسفارها أن كاتبه فرغ من كتابته في سنة معينة كما هو الحال في نهاية الكتب الإسلامية غالبا، فأهل الكتاب يقولون رجما بالغيب وبالظن الذي نشأ لهم من بعض القرائن أنها لعلها كتبت في قرن كذا أو قرن كذا، مجرد الظن والتخمين لا يتم دليلا على المخالف. ونحن المسلمين لا نقول إن كتب أهل الكتاب لم تحرف قبل زمان محمد وأنها حرفت بعد زمانه فقط، بل إن إجماع المسلمين كلهم على أن كتب أهل الكتاب حرفت وفقدت إسنادها قبل زمانه وأن التحريف في كثير من المواضع وقع فيها بعد زمانه أيضا، وكثرة النسخ لا تنفع في رد التحريف، بل إن وجود نسخ كثيرة قديمة يكون نافعا لدعوى التحريف، باعتبار أن اشتمال هذه النسخ على الكتب الجعلية المكذوبة، واختلافها عن بعضها اختلافا شديدا، من أعظم الأدلة الدالة على تحريف أسلافهم لكتبهم المقدسة، ولا يلزم من القدم الصحة. وبهذا ثبت والحمد لله وقوع التحريف بجميع أنواعه في كتب أهل الكتاب، وأنهم لا يملكون السند المتصل لأي كتاب منها، وأنهم يقولون ما يقولون بالظن والتخمين، وإن الظن لا يغني من الحق شيئا.

إثبات وقوع النسخ في كتب العهدين[عدل]

إثبات وقوع النسخ في كتب العهدين بيان معنى النسخ النسخ: مصدر نسخ ينسخ نسخا، ويأتي في اللغة بمعنيين: الإبطال والإزلالة، يقال: نسخت الشمس الظل، ونسخت الريح الأثر، ونسخ الحاكم الحكم. ومنه قوله تعالى في سورة البقرة آية 106: { } ( ) وقوله تعالى في سورة الحج آية 52: { } ( ) أي يزيله ويبطله فلا يبقى له أثرا. النقل والتحويل، يقال: نسخ الكتاب: أي نقله وكتبه حرفا بحرف، ونسخت النحل العسل: أي حولته من مكان إلى آخر، ومنه قوله تعالى في سورة الجاثية آية 29: { • } ( ). والنسخ في الاصطلاح الإسلامي: بيان مدة انتهاء الحكم العملي الجامع للشروط، ويعرف أيضا بأنه: رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر. والنسخ عندنا نحن المسلمين لا يطرأ على القصص والأخبار، ولا على الأمور العقلية القطعية مثل: أن الله موجود وأنه واحد، ولا على العقائد مثل: وجوب الإيمان وحرمة الكفر والشرك، ولا على الأحكام المؤبدة، كقوله تعالى في سورة النور آية 4: { } ( )، ولا على الأحكام المؤقتة قبل وقتها المعين، ولا على الأدعية. وإنما يطرأ النسخ على الأحكام العملية المحتملة للوجود والعدم، وأن تكون غير مؤبدة ولا مؤقتة، وتسمى الأحكام المطلقة. ولا يقصد المسلمون بالنسخ المصطلح عندهم ما يقصده اليهود الذين يجوزون البداء على الله تعالى؛ لأن معنى البداء: ظهور الشيء بعد خفائه، أي أن الله أمر بشيء أو نهى عن شيء دون أن يعلم عاقبة الأمر والنهي، ثم بدا له رأي فنسخ الحكم الأول، وهذا فيه لزوم الجهل على الله -والعياذ بالله من هذه العقيدة الفاسدة وتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا- لكن معنى النسخ المصطلح عند المسلمين أن الله تعالى كان يعلم أن هذا الحكم من الأمر أو النهي يكون باقيا على المكلفين به إلى وقت معين في علم الله ثم ينسخه الله، أي إذا جاء الوقت المعين في علم الله يعطي الله المكلفين حكما آخر يظهر منه للمكلفين الزيادة على الحكم الأول أو النقصان منه أو رفعه نهائيا، فهذا الحكم الآخر هو في الحقيقة بيان انتهاء العمل بالحكم الأول، ولكننا نحن المكلفين لأننا لم نكن نعلم بالحكم الآخر ولا بوقت وروده، ولأن الحكم الأول لم يكن مؤقتا وكنا نظن دوامه، فعند ورود الحكم الآخر نظن لقصور علمنا أن هذا تبديل وتغيير للحكم الأول، ولكن هو بالنسبة إلى الله ليس تبديلا ولا تغييرا، وإنما هو بيان انتهاء العمل بالحكم الأول، ولكن هو بالنسبة إلى الله ليس تبديلا ولا تغييرا، وإنما هو بيان انتهاء العمل بالحكم الأول، وفي هذا حكم ومصالح للعباد يعلمها الله وسواء ظهرت لنا أو لم تظهر؛ لأن جميع الأحكام التي يشرعها الله لعباده فيها مصلحتهم، إما في جلب منفعة أو تكميلها، وإما في درء مفسدة أو تقليلها، والحكم والمصالح تكون نظرا إلى حال المكلفين والزمان والمكان، وهذا لا يعلمه أحد إلا الله سبحانه، لذلك كان نسخ الأحكام حقا لله وحده، وليس البداء من هذا القبيل، وهو ممتنع في حق الله سبحانه؛ لأن علم الله أزلي أبدي يعلم الأشياء قبل وقوعها، أما البداء فجائز في حقنا نحن البشر. كذب بعض القصص الموجودة في كتب العهدين القديم والجديد وبعد بيان معنى النسخ المصطلح عندنا نحن المسلمين نقول: ليس هناك قصة من القصص الموجودة في كتب العهدين القديم والجديد منسوخة عندنا، لكن بعضها كاذب قطعا، مثل: أن لوطا عليه السلام زنى بابنتيه، وحملنا منه بهذا الزنا: (سفر التكوين19 / 30-38). أن يهوذا بن يعقوب عليه السلام زنى بثامار زوجة ابنه، وحملت منه بهذا الزنا توأمين - فارص وزارح: سفر التكوين 38 / 12-30)، وأن الأنبياء داود وسليمان وعيسى عليهم السلام كلهم من أولاد ولد الزنا فارص: (إنجيل متى 1 / 3-16). أن داود عليه السلام زنى بامرأة أوريا، وحملت منه بهذا الزنا، ثم أهلك زوجها بالمكر، وأخذها زوجة له: (سفر صموئيل الثاني 11 / 2-27). أن سليمان عليه السلام ارتد في آخر عمره وعبد الأصنام، وبنى المعابد لها: (سفر الملوك الأول 11 / 1-13). أن هارون عليه السلام صنع العجل لبني إسرائيل وعبده، وأمرهم بعبادته: (سفر الخروج 32 / 1-6). فنقول في هذه القصص وأمثالها: إنها كاذبة مفتراه على أنبياء الله تعالى، وباطلة يقينا، ولا نقول إنها منسوخة. وبهذا المعنى المصطلح عندنا للنسخ لا يكون الزبور ناسخا للتوراة ولا يكون منسوخا بالإنجيل، لأن الزبور أدعية، والأدعية لاتنسخ، وإنما منعنا عن استعمال الزبور والكتب الأخرى التي في العهدين القديم والجديد، لأنها كلها مشكوكة يقينا، وفاقدة لأسانيدها المتصلة، وثبت وقوع التحريف اللفظي فيها بجميع أقسامه. أما الأحكام المطلقة الصالحة للنسخ فنعترف أن بعض الأحكام في التوراة هي الصالحة للنسخ، ونسخت الشريعة الإسلامية بعضها، ولا نقول: إن كل حكم وارد في التوراة منسوخ، فبعض أحكام التوراة لم تنسخ مثل: حرمة اليمين الكاذبة والقتل والزنا واللواط والسرقة وشهادة الزور والخيانة في مال الجار وعرضه ونكاح المحارم وعقوق الوالدين، فهذه الأحكام ما زالت حرمتها باقية في شريعة الإسلام ولم تنسخ. وقد يكون الحكم الناسخ في شريعة نبي لاحق، والحكم المنسوخ في شريعة نبي سابق، وقد يكون الحكمان الناسخ والمنسوخ في شريعة النبي نفسه، والأمثلة من كتب العهدين العتيق والجديد غير محصورة. بعض الأمثلة على وجود الحكم الناسخ في شريعة نبي سابق وفيما يلي بعض الأمثلة على وجود الحكم الناسخ في شريعة نبي سابقِ، وبعض هذه الأمثلة يكون إيرادها من قبيل الإلزام فقط: الزواج بالأخت كان جائزا في شريعة آدم عليه السلام، وقد تزوج أولاده بأخواتهم، ثم نسخ وصار محرما في شريعة موسى عليه السلام: ففي سفر الأحبار (اللاويين) 18 / 9: (عورة أختك بنت أبيك أو بنت أمك المولودة في البيت أو المولودة خارجا لا تكشف عورتها). وفي سفر الأحبار(اللاويين) 20 / 17: (وإذا أخذ رجل أخته بنت أبيه أو بنت أمه ورأى عورتها ورأت عورته فذلك عار. يقطعان أمام أعين بني شعبهما، قد كشف عورة أخته. يحمل ذنبه). وفي سفر التثنية 27 / 22: (ملعون من يضطجع مع أخته بنت أبيه أو بنت أمه). فلو لم يكن الزواج بالأخت في شريعة آدم جائزا، للزم من هذه النصوص أن يكون أولاد آدم كلهم زناة وواجبي القتل وملعونين، والصواب أنه كان جائزا، ثم نسخ وحرم في شريعة موسى عليه السلام. جميع الحيوانات كانت حلالا في شريعة نوح: ففي سفر التكوين9 / 3: (كل دابة حية تكون لكم طعاما كالعشب الأخضر دفعت إليكم الجميع). فجميع الحيوانات في شريعة نوح عليه السلام كانت حلالا كالبقولات، ونسخت شريعة موسى حلية بعضها فصارت حراما، كما في سفر الأحبار (اللاويين) 11 / 4-8، وسفر التثنية 14 / 7-8، وفيما يلي نص فقرتي سفر التثنية: (7) إلا هذه فلا تأكلوها مما يجتر ومما يشق الظلف المنقسم. الجمل والأرنب والوبر لأنها تجتر لكنها لا تشق ظلفا فهي نجسة لكم(8) والخنزير لأنه يشق الظلف لكنه لا يجتر فهو نجس لكم. فمن لحومها لا تأكلوا وجثثها لا تلمسوا). الجمع بين الأختين كان جائزا في شريعة يعقوب عليه السلام، وقد جمع يعقوب بين الأختين (ليئة وراحيل) كما في سفر التكوين 29 / 15-35، ثم نسخت شريعة موسى عليه السلام حليته، وصار الجمع بين الأٍختين حراما، ففي سفر الأحبار (اللاويين) 18 / 18: (ولا تأخذ امرأة على أختها للضرر لتكشف عورتها معها في حياتها). فلو لم يكن هذا الجمع بين الأختين جائزا في شريعة يعقوب يلزم منه أن يكون أولاده أولاد الزنا والعياذ بالله، وأكثر أنبياء بني إسرائيل من ذرية أولاده. 4- الزواج بالمطلقة: في شريعة موسى عليه السلام يجوز أن يطلق الرجل امرأته لأي سبب، وبعد خروجها من بيته يجوز لأي رجل آخر أن يتزوجها، كما ورد في سفر التثنية 24 / 1-4، وفي شريعة عيسى عليه السلام لا يجوز الطلاق إلا بسبب الزنا، ولا يجوز لرجل آخر أن يتزوج هذه المطلقة، والزواج بالمطلقة بمنزلة الزنا، ففي إنجيل متى 5 / 31-32: (31) وقيل من طلق امرأته فليعطها كتاب طلاق (32) وأما أنا فأقول لكم إن من طلق امرأته إلا لعلة الزنا يجعلها تزني. ومن يتزوج مطلقة فإنه يزني). وفي إنجيل متى 19 / 8-9 جواب عيسى للفريسيين: (8) قال لهم إن موسى من أجل قساوة قلوبكم أذن لكم أن تطلقوا نساءكم. ولكن من البدء لم يكن هكذا (9) وأقول لكم إن من طلق امرأته إلا بسبب الزنا وتزوج بأخرى يزني. والذي يتزوج بمطلقة يزني). فثبت من هذا النص أن النسخ وقع مرتين، ويفهم ذلك من الفقرة الثامنة، أي كان الطلاق قبل موسى حراما، ثم نسخت حرمته وأبيح في شريعة موسى، ثم نسخت الإباحة وصار حراما في شريعة عيسى، بل هو بمنزلة الزنا. - نسخ جميع أحكام التوراة: توراة موسى عليه السلام فيها جميع أحكام شريعة بني إسرائيل، وكل أنبيائهم مأمورون بالعمل بأحكامها، ومنها أحكام الحلال والحرام من الحيوانات، فيما يحل أكله أو يحرم منها، وعيسى عليه السلام من بني إسرائيل، وتابع لشريعة موسى عليه السلام، وليس بناسخ لها، فقد ورد على لسانه كما في إنجيل متى 5 / 17-18: (17) لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء. ما جئت لأنقض بل لأكمل (18) فإني الحق أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل). وقد تمسك الدكتور القسيس فندر بهاتين الفقرتين في الصفحة (24) من كتابه (ميزان الحق) على أن أحكام التوراة لا تنسخ، ونفى أن يكون المسيح قد نسخ شيئا من أحكام التوراة؛ لأنه ما جاء لينقضها بل ليكملها. ولكن جميع المحرمات في التوراة أصبحت حلالا بفتوى بولس، ولا يوجد في شريعته شيء حرام إلا للنجسين، فالأشياء الطاهرة هي للنجسين نجسة، والأشياء النجسة هي للطاهرين طاهرة، وهذه من أعجب الفتاوى، ففي رسالة بولس إلى أهل رومية 14 / 14: (إني عالم ومتيقن في الرب يسوع أن ليس شيء نجسا بذاته إلا من يحسب شيئا نجسا فله هو نجس). وفي رسالة بولس إلى تيطس 1 / 15: (كل شيء طاهر للطاهرين وأما للنجسين وغير المؤمنين فليس شيء طاهرا بل قد تنجس ذهنهم أيضا وضميرهم). ويفهم من النصين السابقين أن موسى وسائر أنبياء بني إسرائيل إلى عيسى عليه السلام وأتباعهم لم يكونوا طاهرين، فلم تحصل لهم هذه الإباحة العامة لجميع المحرمات، ولم يستطع عيسى عليه السلام أن ينسخ شريعة موسى، ولما كان أتباع بولس طاهرين حصلت لهم هذه الإباحة العامة لجميع المحرمات والمطعومات النجسة، وصار كل شيء طاهرا وحلالا لهم، واستطاع رئيسهم بولس أن ينسخ شريعة موسى كلها، واجتهد كثيرا في إشاعة حكم الإباحة العامة، وفي إقناع أتباعه بأن أحكام التوراة كلها صارت منسوخة، ولذلك كتب إلى تيموثاوس في رسالته الأولى 1 / 1-7: (1) إنه في الأزمنة الأخيرة يرتد قوم عن الإيمان تابعين أرواحا مضلة وتعاليم شياطين (3) وآمرين أن يمتنع عن أطعمة قد خلقها الله لتتناول بالشكر من المؤمنين وعار في الحق (4) لأن كل خليقة الله جيدة ولا يرفض شيء إذا أخذ مع الشكر (5) لأنه يقدس بكلمة الله والصلاة (6) إن فكرت الإخوة بهذا تكون خادما صالحا ليسوع المسيح متربيا بكلام الإيمان والتعليم الحسن الذي تتبعته (7) وأما الخرافات الدنسة العجائزية فارفضها). - نسخ الأعياد الإسرائيلية والسبت: وردت أحكام الأعياد والسبت مفصلة في سفر الأحبار (اللاويين) 23 / 1-44، وورد في الفقرات 14 و21 و31 و41 أنها فريضة دهرية في جميع أجيال بني إسرائيل وفي جميع مساكنهم. وكان تعظيم السبت حكما أبديا في شريعة موسى، وكل من عمل فيه عملا يقتل، وتكرر تعظيم السبت في مواضع من كتب العهد العتيق منها: سفر التكوين 2 / 2-3، وسفر الخروج 20 / 8-11، و23 / 12، و34، وسفر الأحبار (اللاويين) 19 / 3، و23 / 3، وسفر التثنية 5 / 12-15، سفر إرميا 17 / 19-27، وسفر إشعياء 56 / 1-8، و58 / 13-14، وسفر نحميا 9 / 14، وسفر حزقيال 20 / 12-24. وأما قتل كل من عمل عملا يوم السبت فقد ورد في سفر الخروج 31 / 12-17، و35 / 1-3، وفي زمان موسى عليه السلام وجدوا رجلا يحتطب يوم السبت فأخرجوه خارج المحلة ورجموه بالحجارة فمات، كما ورد في سفر العدد 15 / 32-36. وقد نسخ بولس جميع أحكام الأعياد بما فيها حكم تعظيم السبت، فقال في رسالته إلى أهل كولوسي 2 / 16: (فلا يحكم عليكم أحد في أكل أو شرب أو من جهة عيد أو هلال أو سبت). ونقل في تفسير دوالي ورجردمينت عن اثنين من العلماء المفسرين قولهما: كانت الأعياد في اليهود على ثلاثة أقسام: في كل سنة سنة، وفي كل شهر شهر، وفي كل أسبوع أسبوع، فنسخت هذه الأعياد كلها، بل ونسخ يوم السبت أيضا، وأقيم سبت النصارى مقامه، أي يوم الأحد بدل يوم السبت. - نسخ حكم الختان: حكم الختان كان في شريعة إبراهيم عليه السلام حكما أبديا كما هو مصرح به في سفر التكوين 17 / 9-14، وأكتفي بنقل بعض الفقرات: (12) ابن ثمانية أيام يختن منكم كل ذكر في أجيالكم (13) فيكون عهدي في لحمكم عهدا أبديا). وبقي هذا الحكم مستمرا في أولاد إسماعيل وإسحاق عليهما السلام، وبقي كذلك في شريعة موسى عليه السلام، ففي سفر الأحبار (اللاويين) 12 / 3 بخصوص المولود الذكر: (وفي اليوم الثامن يختن لحم غرلته). وقد ختن عيسى عليه السلام، ففي إنجيل لوقا 2: (ولما تمت ثمانية أيام ليختنوا الصبي سمي يسوع). وفي عبادة النصارى إلى هذا الحين صلاة معينة يؤدونها في يوم ختان عيسى تذكرة لهذا اليوم، وبقي حكم الختان في عهده عليه السلام ولم ينسخه، ولكن بولس شدد تشديدا بليغا في نسخ هذا الحكم كما يظهر من رسالته إلى أهل رومية 2 / 25-29، ورسالته إلى أهل غلاطية 2 / 3-5، و5 / 1-6، و6 / 11-16، ورسالته إلى أهل فيلبي 3 / 3، ورسالته إلى أهل كولوسي 2 / 11، وأكتفي بنقل فقرتين من رسالته إلى أهل غلاطية 5 / 2و6: (2) ها أنا بولس أقول لكم إنه إن اختتنتم لا ينفعكم المسيح شيئا (6) لأنه في المسيح يسوع لا الختان ينفع شيئا ولا الغرلة). والنصارى تركوا هذا الحكم الذي هو حكم أبدي ولم ينقضه عيسى عليه السلام، وصدقوا أن بولس نسخه لهم. 8 - قيمة التوراة في نظر بولس: ورد قول بولس في الرسالة إلى العبرانيين 7 / 18: (فإنه يصير إبطال الوصية السابقة من أجل ضعفها وعدم نفعها). ونص هذه الفقرة في طبعتي سنة 1825م و1826 م كما يلي: (لأن نسخ ما تقدم من الحكم قد عرض لما فيه من الضعف وعدم الفائدة). ونص هذه الفقرة أيضا في طبعات سنة 1671م و1823م و1844م كما يلي: (وإنما كان رذالة الوصية الأولى لضعفها وأنه لم يكن فيها منفعة). ونصها في طبعة سنة 1882م كما يلي: (إذن نرفض الوصية السابقة لضعفها وعدم نفعها). وفي الرسالة العبرانية 8 / 7و13: (7) فإنه لو كان ذلك الأول بلا عيب لما طلب موضع لثان فإذ قال جديدا عتق الأول. وأما ما عتق وشاخ فهو قريب من الاضمحلال). ونص هاتين الفقرتين في طبعتي سنة 1823م و1844م كما يلي: (7) ولو أن الأول كان بلا لوم لم يطلب للثاني موضع (13) وإذا قال جديدا فعتق الأول والذي عتق وشاخ فهو قريب من الفساد). ونصهما في طبعتي سنة 1825م و1826م كما يلي: (7) فلو كان العهد الأول غير معترض عليه لم يوجد للثاني موضع (13) فبقوله عهدا جديدا صير الأول عتيقا والشيء العتيق والبالي قريب من الفناء). وفي الرسالة إلى العبرانيين 10 / 9: (ينزع الأول لكي يثبت الثاني). ففي الفقرات السابقة أطلق بولس على التوراة أنها ضعيفة وعديمة النفع وعديمة الفائدة ورذيلة ومعابة وعتيقة وشاخت وقريبة من الاضمحلال ومرفوضة وملومة وقريبة من الفساد ومعترض عليها وبالية وقريبة من الفناء ومنزوعة ومنسوخة. نقل في تفسير دوالي ورجردمينت قول بايل: هذا ظاهر جدا أن الله تعالى يريد أن ينسخ العتيق الأنقص بالرسالة الجديدة الحسنة، فلذلك يرفع المذهب الرسومي اليهودي ويقوم المذهب النصراني مقامه، وفيه إشعار بكون ذبائح اليهود غير كافية، ولذا تحمل المسيح على نفسه الموت ليجبر نقصانها، ونسخ بفعل أحدهما استعمال الآخر. فظهر من الأمثلة السابقة ما يلي: أن وجود بعض الأحكام المنسوخة في شرائع سابقة والأحكام الناسخة في شرائع لاحقة ليس مختصا بشريعة الإسلام، بل وجد في الشرائع السابقة أيضا. أن جميع أحكام التوراة العملية أبدية كانت أو غير أبدية وجميع الفرائض والمحرمات نسخها بولس حسب ما ورد في رسائله، وجعل أتباعه غير مطالبين بها. أن لفظ النسخ أيضا وجد في كلام بولس بالنسبة إلى التوراة وأحكامها، وورد في كلام المفسرين والمحققين منهم. أن بولس ادعى أن الشيء العتيق البالي قريب من الفناء والفساد وضعيف وعديم النفع وعديم الفائدة ورذيل ومعاب ومضمحل ومرفوض وملوم ومعترض عليه ومنزوع ومنسوخ، إذن لا استبعاد في نسخ شريعة أهل الكتاب بشريعة الإسلام، بل هذا ضروري على وفق كلام بولس؛ لأن شريعة أهل الكتاب تعد قديمة بالنسبة إلى شريعة الإسلام الجديدة، كيف لا يكون ذلك ضروريا ورسولهم بولس والمفسرون أطلقوا على التوراة ألفاظا غير ملائمة، مع أنهم يقولون إنها كلام الله؟! إذن نسخ أحكام التوراة والإنجيل بأحكام القرآن أمر لا شك فيه، وثبت نظائره فيمن سبقنا، وإذا نسخت أحكامهما نسخ العمل بهما بالعمل بالقرآن الكريم. بعض الأمثلة على وجود الحكم الناسخ والمنسوخ في شريعة النبي نفسه وفيما يلي إيراد أمثلة أخرى على وجود الحكم الناسخ والمنسوخ في شريعة النبي نفسه، أي في الشريعة الواحدة، وبعض هذه الأمثلة يكون إيرادها من قبيل الإلزام أيضا: نسخ الأمر بالذبح: ورد في سفر التكوين 22 / 1-14 أن الله تعالى أمر إبراهيم عليه السلام بذبح ولده إسحاق عليه السلام (والصواب أنه إسماعيل عليه السلام)، فلما استجابا للأمر نسخ الله تعالى هذا الحكم قبل العمل به، وفدى الذبيح بكبش من السماء. أمر حزقيال ثم نسخ الأمر قبل العمل به: ففي سفر حزقيال 4 / 10و12 و14 و15: (10) وطعامك الذي تأكله يكون بالوزن. كل يوم عشرين شاقلا. من وقت إلى وقت تأكله (12) وتأكل كعكا من الشعير. على الخرء الذي يخرج من الإنسان تخبزه أمام عيونهم (14) فقلت آه يا سيد الرب ها نفسي لم تتنجس ومن صباي إلى الآن لم آكل ميتة أو فريسة ولا دخل فمي لحم نجس (15) فقال لي انظر. قد جعلت لك خثي البقر بدل خرء الإنسان فتصنع خبزك عليه). يظهر من هذا النص أن الله تعالى أمر حزقيال أن يكون الخبز مخبوزا على رجيع الناس، فلما استغاث حزقيال عليه السلام نسخ الله تعالى هذا الحكم قبل العمل به، وأمر أن يكون الخبز مخبوزا على زبل البقر. نسخ الأمر بالذبح في المذبح المخصص: ورد في سفر الأحبار (اللاويين) 17 / 1-6 أن الله تعالى أمر موسى وبني إسرائيل أن تذبح الذبائح التي تكون من البقر أو الغنم أو المعز في المذبح المخصص لذلك القريب من خيمة الاجتماع - وتسمى (قبة الزمان) (قبة العهد) (قبة الشهادة) - لتكون الذبائح قربانا للرب، والإنسان الذي يذبح خارج المذبح المخصص يهلك من شعبه، أي يقتل. ثم نسخ هذا الحكم بما في سفر التثنية 12 / 15-22، وصار يجوز لهم الذبح في كل مكان وعدم الاقتصار على المذبح المخصص، قال هورن في تفسيره بعد أن نقل الفقرات المشار إليها من سفر الأحبار وسفر التثنية: في هذين الموضعين تناقض في الظاهر، لكن إذا لوحظ أن الشريعة الموسوية كانت تزاد وتنقص على وفق حال بني إسرائيل، وكانت قابلة للتبديل، فالتوجيه في غاية السهولة، فقد نسيخ موسى في السنة الأربعين من التيه قبل دخولهم فلسطين حكم سفر الأحبار بحكم سفر التثنية نسخا صريحا، فيجوز لهم بعد دخول فلسطين أن يذبحوا البقر والغنم والمعز في أي موضع شاؤوا ويأكلوا. فاعترف بوقوع النسخ في شريعة موسى، وأنها كانت تزاد وتنقص على وفق حال بني إسرائيل، فالعجب أن أهل الكتاب يعترضون على وقوع النسخ والزيادة والنقصان في شريعة أخرى، ويقولون: إن النسخ مستلزم لجهل الله، ولكن هذا المحذور لا يلزم من النسخ الذي يقول به المسلمون، والذي هو حق لله وحده، وإنما يلزم من عقيدة البداء التي يصرحون بها في كتبهم، وصرح بها بولس في رسائله أيضا. الحكم في عمر اللاوي (الحبر) المخصص للخدمة: ورد في سفر العدد 4 / 3و23و30و35و39و43و46 أن الحبر اللاوي المخصص للخدمة في خيمة الاجتماع لا يكون عمره أنقص من ثلاثين سنة ولا يزيد عن خمسين: (من ابن ثلاثين سنة فصاعدا إلى ابن خمسين سنة). ورد في سفر العدد 8 / 24 و 25 أن عمر الحبر اللاوي المخصص للخدمة لا يكون أنقص من خمس وعشرين سنة ولا يزيد عن خمسين: (هذا ما للاويين من ابن خمس وعشرين سنة فصاعدا). فإما أن يكون هذا الفرق من التناقض والاختلاف الواقع بالتحريف، وإما أن يكون هذا الحكم الثاني ناسخا للأول. فيجب الإقرار بأحد الأمرين. الزيادة في عمر حزقيا: ورد في سفر الملوك الثاني 20 / 1-6 أن الله تعالى أمر النبي إشعياء بن آموص أن يذهب إلى حزقيا ملك مملكة يهوذا فيخبره بانتهاء أجله لكي يوصي على بيته، فأقبل الملك حزقيا بوجهه إلى الحائط وصلى وبكى بكاء عظيما، فلما خرج النبي إشعياء نسخ الله تعالى هذا الحكم بعد تبليغه، وأوحى إليه قبل أن يصل إلى وسط الدار أن يرجع إلى حزقيا ويقول له: إن الله قد سمع صلاتك، ورأى دموعك، وشفاك، وزاد في عمرك خمس عشرة سنة. فالحكم المنسوخ والناسخ بلغا بواسطة النبي إشعياء بوحي الله إليه. الرسالة العيسوية بين الخصوص والعموم: ورد في إنجيل متى 10 / 5-6: (5) هؤلاء الاثنا عشر أرسلهم يسوع وأوصاهم قائلا: إلى طريق أمم لا تمضوا إلى مدينة للسامريين لا تدخلوا (6) بل اذهبوا بالحري إلى خراف بيت إسرائيل الضالة). وفي إنجيل متى 15: (فأجاب وقال: لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة). ففي هذين النصين خصص عيسى عليه السلام رسالته ببني إسرائيل. وورد في إنجيل مرقس 16 / 15 أن عيسى عليه السلام قال للحواريين: (اذهبوا إلى العالم أجمع واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها). ويزعم النصارى أن هذا النص دال على عموم الرسالة، فيكون هذا النص ناسخا للخصوصية، وصار الحكم الأول منسوخا. أي إن المسيح أولا خصص رسالته ببني إسرائيل فقط، ثم نسخ التخصيص وأمر بدعوة العالم أجمع، فإن أقروا بالنسخ حصل ما أردنا من إمكانية وقوع النسخ في كتبهم وأن كتبهم غير ممنوعة من النسخ، بل هو واقع فيها أيضا، وإن لم يقروا بالنسخ حصل ما أردنا من وجود التناقض والتحريف في أناجيلهم، والصواب أن عبارة إنجيل مرقس لم يقلها المسيح عليه السلام. وفي هذه الأمثلة كفاية، ولم يبق شك في وقوع النسخ بكلا قسميه في كتب أهل الكتاب، وظهر أن ما يدعونه من امتناع وقوع النسخ في كتبهم باطل لا ريب فيه، ثم كيف يدعون هذه الدعوى والحال أن مصالح العباد تختلف باختلاف الزمان والمكان والمكلفين، فبعض الأحكام يكون مقدورا للمكلفين في بعض الأوقات ولا يكون مقدورا لهم في وقت آخر، وبعض الأحكام يكون مناسبا للعباد في زمان ولا يكون مناسبا لهم في زمان آخر، والعباد لا يعلمون مصلحتهم الحقيقية أين تقع، ولكن الله الذي خلقهم هو أعلم بها منهم، وبناء عليه فلا يجوز لأهل الكتاب بتأويلاتهم الفاسدة وظنونهم الكاذبة أن ينكروا وقوع النسخ من جانب الله العليم الخبير.