انتقل إلى المحتوى

الفن التجريدي/طريقة للرؤية بالعقل

من ويكي الكتب

بقلم :د. محسن عطيه

كان للعلامات وللخطوط والأشكال الهندسية البسيطةعلى الأوانى الفخارية والمنسوجات ورسوم الكهوف والصخورأغراضها التزيينية والرمزية، وهى بالتأكيد تمثل شكلاً من أشكال الفن التجريدى. وكذلك يمكن الإستمتاع بجمال الخط العربى دون قراءته، أى الاستمتاع برؤيته. وبدراسة فن الكهوف، يتضح أنه ليست اللوحات المذهلة للثيران والخيول والبيسون وحدها هى التى تستحق الاهتمام، فهناك كذلك الرموزالهندسية الأصغرالتى توجد كثيرًا بجانبها. فإن تلك الأشكال البسيطة تمثل تحولًا أساسيًا في المهارات العقلية لأسلافنا. والواقع أنه كان هناك وقت سابق عندما بدأ الناس اللعب بعلامات مجردة بسيطة. ولسنوات عديدة، كانت الدوائر والمثلثات والتماثيل التى بدأ البشرفى تركها على جدران الكهوف منذ 40 ألف عام، تمثل ذلك الوقت الخاص في تاريخنا، حيث إنشاء أول رمز بشرى. وهناك صورالسلحفاة المختلفة على السهول، وفى ولاية مونتانا بالولايات المتحدة، يظهرشكل السلحفاة في النقوش الصخرية، مثل مخلوق خارق للطبيعة، يلعب دورًا في خلق العالم. ويعود إلى وقت مبكر من بداية فترة ما قبل التاريخ . كذلك يلاحظ أن العديد من اللوحات الصخرية القديمة وأنماط النسيج وتصميمات الفخار، قد جسدت حقيقة رمزية بدلاً من محاولة تقديم الأشياء كما نراها. ومن المؤكد أن رسم تلك العلامات يدل على قدرة الإنسان منذ ذلك الوقت على تمثيل مفهوم بعلامة مجردة كشىء لا يستطيع أى حيوان آخر القيام به. وبالطبع أن هذا التميزهو أساس ثقافتنا العالمية المتقدمة. وهناك العديد من الكهوف الغامضة ، تلك التى لا تحتوى على لوحات كبيرة. ففى"البورتيللو" El Portillo في شمال إسبانيا، بعض "العلامات الحمراء"(بلون المغرة الوردى). وتتراوح الرموز التى عثرعليها هناك ،من نقاط وخطوط ومثلثات ومربعات ومتعرجات، إلى أشكال أكثر تعقيدًا مثل أشكال السلم ،وشىء يشبه عمودًا بسقف، وأشكال ريش.

السلحفاة فى النقوش الصخريةوفى ولاية مونتانا

أما في العصر الحديث، فمثلما جرب الفنانون المرتبطون بحركات مثل "الانطباعية" و"التعبيرية" في القرن التاسع عشر، فكرة أن الرسم يمكن أن يجسد المشاعر والذاتية، أكثرمن التركيز على التصورات المرئية التى تبدو موضوعية. وليس من المبالغة ملاحظة أن الانتقال نحو "التجريد الخالص " في بداية القرن العشرين، قد غير مسار تاريخ الفن وما يزال تأثيره في فننا المعاصر. وعلى الرغم من أن "التجريد"بالمعنى الحديث يمكن اعتباره سمة مميزة لجماليات القرن العشرين، إلا أن جذوره ترسخت في القرن التاسع عشر. ففى العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر، كان العديد من الفنانين يشككون في التقاليد المجربة، وكذلك يشككون في مفهوم الرسم . فمثلا فكر "بول سيزان" في المناظر الطبيعية المسطحة مع تحريف العلاقات الفراغية. ولم يعد من الضرورى، في رسم "المناظرالطبيعية" التى أنجزها"سيزان" أو "جوجان" طلاء الجبل تمامًا كما شوهد بالعين المجردة ، بدلاً من ذلك ، كان بإمكنهما تمثيل مثل هذه الموضوعات بناءً على عواطفهما أو تصورهما الشخصى لها. وكان "سيزان" يذكر بأنه لا يتوقع من الفنان الذى يرسم من الطبيعة أن ينسخها، وإنما يدركها بأحاسيسه. وعلى الرغم من أن أعمال "كلود مونيه" لم تخلق فنًا تجريديًا في حد ذاتها، إلا أنها كانت بمثابة تجربة بصرية سابقة لتعديل مظهر الموضوع من أجل تجاوز حدود الواقعية. وعلى هذا النحو، كانت خطوة في اتجاه التجريد. وبالنسبة للعمل الفنى في المذهب الانطباعى فإنه كان يبدو وكأنه غير منتهى. ومنذ الانطباعية وما جاء بعدها، أخذ الفنانون يستمرون في التخلى عن مبدأ التمثيل. وقد تميزت طريقة "سيزان" Cezanne " ( 1838 -1906) في الرسم بالاستغناء عن الظلال وعن الإيحاء بالعمق باستخدام المنظور الهندسى – الكلاسيكى، لأنه أراد أن لا تفقد الألوان نقاءها ، عندما تكون مهمتها التأثير بالبعد أو تقوم بمهمة الظلال،ولذلك لجأ إلى طريقة غير تفليدية لخلق العمق الفراغى، في اللوحة وذلك بالرسم من زوايا رؤية متعددة في نفس الوقت. وقد صمم لوحته على أساس موحد ، نتج عن طريقة التلوين بلمسات قصيرة، وتكرار الأشكال الكروية والدائرية، مع تأكيد الخطوط المحيطية المنحنية، المرسومة بلون رمادى مزرق. وبدلاً من المنظورالهندسى أو التظليل في لوحة ”قمة جبل سان فكتوار“(1887) كان التأثير بالعمق الفراغى، يعتمد على تصميم الأشكال لتبدو مثل المنحوتات البارزة ، رغم تسطيحها ، كما رسمت الأشجار وكل مكونات الصورة بهيئات أسطوانية أومخروطية أو كروية.

سيزان ،لوحة ”قمة جبل سان فكتوار“(1887)

لذلك ليس من المستغرب استخدام الفنان للألوان في أسلوب الرسم الوحشى fauvism الذى ازدهر في باريس منذ عام 1905استخداما تعبيريا وغيرطبيعى، وكان لهذا الأسلوب تأثير مهم على الفنانين اللاحقين. ويعتبر "هنرى ماتيس " ( 1869- 1954) الشخصية الرائدة في هذه الحركة استخدام الفنان الألوان تبعاً للطبيعة، أسلوب الرسم مع الاستخدام التعبيرى. كان يعتبر "ماتيس" الشخصية الرائدة في الحركة. لقد كاد " ماتيس " أن يصبح فناناً تجريديا، حينما اختزل في رسومه التأثيربالتجسيم، أو خلق الإيهام بالبعد الثالث باستخدام الضوء والظل، حتى يبقى الألوان صافية ونقية، كما ظهرت الخطوط في لوحاته أكثر رشاقة وأكثرجاذبيته. لقد شكل"ماتيس" لوحاته من الأفكار بطريقة فنية. وكان يشعر بارتباط قوى بالأشياء التى ألهمته، وفى رسمه يؤكد على الخطوط المتعرجة وبألوان رائعة.، مع الرسم من زوايا غير اعتيادية، بل غريبة وجريئة. لقد تعمد "ماتيس" تبسيط الموضوعات أكثرمما فعل فنانو "ما بعد الانطباعية"، ويمثل فنه الخطوة الأقرب للتجريدية. وتحويل "موندريان" Mondrian(1872-1944) بأسلوبه التجريدى الشجرة في لوحة "شجرة رمادية"(1912) يؤكد على فكرة عدم وجود تجربة مجردة تماماً. والمشاهد يستمتع بتتبع الإنحناءات الخطبة في إتجاهات الحركة على سطح اللوحة. ويبدو ذلك المشاهد أثناء التأمل وكأنه يتعرف على الشجرة كمعنى كلى، توصل إليه الفنان بعد أن أعاد ترتيب عناصر اللوحة. وقد إنتقى في رسمه ما يؤكد المعنى، متخلياً عن وسائله المعتادة في الرؤية وفى التفسير، ومتحدياً المبادئ الجمالية الشائعة. ويتمثل الجمال هنا في العلاقات المتبادلة /المتعارضة، بين الخطوط، كفكرة فلسفية وجودية. تجسدت في شبكة من الخطوط المتقابلة مع الفضاء الملون, بحركة متبادلة من الحضور والغياب. ويمكن تفسيرمعنى اللوحة على المستوى اللاشعورى أو الفلسفى .

موندريان،لوحة "شجرة رمادية"(1912)

ويتضح في رسوم "بول كلى" Paul Klee (1879-1940)التعبير الفنى الممتزج بالبدائية .وهكذا احتوت لوحته“ انسولا دولكامارا ”(1938) رموزاً وعلامات سحرية ورؤى خيالية لصورمفككة يعاد تركيبها في تشكيلات خطوطية مجردة، تشبه القضبان والأقواس وهى تتحرك بهدوء نحو اتجاهات لولبية، أو متعرجة في أجواء مرحة أو متوترة. وهناك الحروف الكتابية التى تتبع منظورا غامضاً ، حيث يظهر الواقع متخفياً وراء ستار الجمال. وحينما يستعيد الفنان في لوحته طبيعته الطفولية أو فطرته الأولى، سوف يتوصل إلى الجوهر الباطنى الذى يجمع بين أشكال العالم، أو يجمع بين الإنسان والطبيعة في نسيج رمزى. وتمثل لوحة"أسطورة النيل”تصورا للفردوس أدركه الفنان بحدسه، وبعودته لفترة ما قبل الوعى. استوحى"بول كلى" إسطورة "أوزيريس"، ليصورفكرة خلق النظام من التمزق والتحلل.إن لوحات"كلى" تمثل صراعاً بين الفوضى والعقل. وكذلك مزيجاً شاعرياً من التجريد والواقع، ويستخدم الفنان المجال الواسع من الوسائط كمولد مذهل للتقنيات المختلفة المبتكرة، بالإضافة إلى الخطوط الجريئة والألوان الخافتة. وتتميز لوحة"كلى" بعنوان ”سنشيو“ (1922) بحساسية شديدة شملت الأشكال المبسطة والخطوط الهندسية الدقيقة على هيئة العصا التى تمثل الأسماك والوجوه والعيون والسهام، واتخذت نسقاً طفولياً وطابعاً بدائياً، وكذلك بعداً تأملياً وحلمياً زاخراً بأجواء فكهة وساخرة، أو شاعرية لطيفة. إن الفن التجريدى ينقب في اللاوعى، فيبدأ في لاوعى الفنان وينتهى في لاوعى المشاهد.

لوحة"كلى" بعنوان ”سنشيو“ (1922)
ويواجه الفنان مشكلة حينما يشرع في ترجمة أفكاره إلى أشكال مرئية، بسبب تعقد عملية الإبصار، لأنها لا تقتصرعلى عمل العين فقط، وإنما تشمل باقى الحواس. ونتيجة لعادات الرؤية، حيث  مقدرة الفن على إثارة مسائل ذهنية، أساسها حالة الالتباس بمفهومها النفسى اوالفلسفى أوالإنسانى. كذلك يمثل الأسلوب "التعبيرى التجريدى" في أساسه تجربة روحية - رمزية، حيث وقوع حدث الفن ذاته، وحيث نسيج الألوان وأثر حركة يد الفنان المحملة بالمشاعر، عن ممارساته الروحية بدون موضوع تمثيلى، إعتماداً على الإبداع العفوى - المجرد. هكذا يعثرالفنان في فعل الرسم ذاته على معناه.  أما تجربة "الرسم التجريدى" فإنها تشجع على الخوض في عالم اللوحة باعتبارها بيئة تتشكل من الخطوط والطبقات المتداخلة من الألوان، بما يشبه التصارع مع السطح، مصحوباً بتوتريتبعه استرخاء، رغبة في التعبيرعن عالمى الشعور واللاشعور دون إنقطاع .هكذا يتحول فعل الرسم إلى فعل حركة. ومن الواضح تميزالفن "التعبيرى التجريدى" بقدر كبيرمن السيولة والعفوية، حيث يتجنب الفنان التخطيط المسبق. ومع في مرحلة الإنتقال بالفن الحديث إلى مرحلة "مابعد الحداثة"، توسع مبدأ تقدير "رحلة" إنجازالعمل الفنى، على أساس أنها لاتقل أهمية عن العمل الفنى كمنتج. إذ كان يركز الفنان "التجريدى" على تصوير العواطف، بدلاً من تمثيل الموضوعات. ويفضل الفنانون في مذهب "التعبيرية التجريدية" الرسم بألوان متألقة، مع العناية الفائقة بقيم السطح والملمس

ومع التطور التكنولوجى في القرن الحادى والعشرون تولدت العديد من الحركات الفنية المختلفة التى بدت جديدة ومثيرة، وشارك العديد منها في بعض خصائص الفن التجريدى ويمكن وصفها بالفن التجريدى المعاصر، وحقيقة أن الفن التجريدى بقى فقط كجزء من حركات أخرى. لكن شكله "النقى" حقق عودة هائلة في الرسم التجريدى والأشكال الأخرى، حيث نرى رسامين ونحاتين عظماء يمكن وصفهم بأنهم تجريديون. وبذلك لم يختف الفن التجريدى أبدًا ، وإنما اتخذ أشكالًا مختلفة فقط. ونظرًا لأننا نعيش بالفعل في عالم ما بعد الحداثة منذ سنوا ، لا يمكن للفن التجريدى أن يتطور إلا بالتفاعل الدائم مع التطورات في المجتمع الذى نعيش فيه. لذلك، لا يمكننا إلا أن نتوقع رؤية الأمثلة الرائعة الجديدة للفن التجريدى. وبالإضافة أنواع الفن التجريدى الهندسى والتجريد الغنائى، حيث يكون التجريد كليا، هناك الفن التجريدى التصويرى الذى يتميز بالتجريد الجزئى. لكن جميع الفنانين التجريديين يستخدمون الذاكرة والإحساس البصرى لإظهار الواقع بطريقة ذاتية - وربما يكون هذا أحد أهم خصائص الفن التجريدى. ويتزامن هذا النهج الذاتى في الفن المعاصر مع مناهج مماثلة في الفلسفة . وفى الحقيقة أن وراء الموقف الثورى للفنان التجريدى المصرى " محسن عطيه" (1947)، فهمه لأهمية دور العوامل اللاشعورية في العملية الإبداعيى ،و تغيرمفهوم اللوحة التقليدية، وبذلك استطاع التوصل إلى خلق واقع مستقل عن العالم المرئى. كما أنه يتعامل اللوحة بما يعرف بـأسلوب"الحقل اللونى"، حيث يصبح الرسم بالألوان حرا أكثر، وأكثر إعتماداً على الحساسية والبداهة الإبداعية. وعندما يعمل الفنان بطريقة آلية وتلقائية، يتناول الطبيعة والأشياء في رسومه وكأنها إشارات متحررة من سيطرة الوعى، بحيث يسمح للصدفة بأن تلعب دورها، حتى تنشأ الصور والمعانى غير المتوقعة. وفى هذه الحالة تجمع رسومه بين أكثر الحقائق التى لا تفهم بالمنطق العقلى، وإنما اعتمادا على الحدس، لذا يصبح في وسعها أن تحدث تأثيراً إنفعالاً مدهشاً. رسم الفنان بأسلوبه لوحته بعنوان "هنا وهناك"(2018) ، حيث بعثرعناصر المشهد وأعاد تركيبها، ولم يلغى مصدرها الطبيعى، وإنما أحاط الصور بأشكال جديدة، وسمح لها بأن تسبح في الفضاء. وعادة تمارس الرموز سحرها على مخيلة الفنان. ويلاحظ في هذه اللوحة ("هنا وهناك") أن دورالمناطق الصماء أوالفراغات التى تركت بدون تشكيل، حيث تنقطع عندها عملية الرسم، هو أن تحفز العين على إضافة أشكال وهمية لإكمال الصورة. ومن المعروف أنه بوسع الفنان أن يمحى أجزاء من التخطيط من أجل التأكيد على خاصية معينة. واذا لم يتطلع المشاهد لكل جزء بمفرده، حينئذ سوف يظهرالخط المحيطى كتصميم تأملى أو روحى. وعندما ينشط عمل البصيرة يصبح من الممكن إدراك الحركة الناقصة مكتملة، بفضل اندماج الصورفى نظامين مختلفين متزامنين في "العمل الفنى"، وللبقعة اللونية طاقتها الكامنة التى تجعلها متشابهة مع شئ آخر. ويمثل التلوين العفوى هجوماًعلى تشكيل اللوحة التقليدية.(1)

وإذا تحول" الحلم" إلى "تجربة متسامية" سيصبح الوعى في خدمة اللاوعى ن حيث تكون الأولوية للحدس والشعور، في مقابل العقل والمنطق. هكذا يغرى"محسن عطيه " المشاهد باقتحام عوالم خيالية ملونة، حيث تُحل معادلة التناقض التى تلخص العلاقة بين الزمانى والمكانى في مقابل الفنن متوصلاً إلى تجسيد مغزى "الغموض" (الإنسانى/ الكونى) مع تلاشى الحدود بين الحلم والواقع، كفعل مقدس. وهكذا تساهم التقنية المتحررة في توليد الاقترانات الخلاقة للصور الخيالية, الممتزحة بالعاطفة والجمال. والحقيقة أن الإيقاع السريع لضربات الفرشاة ، مع أساليب التسييل والسكب المنساب للألوان ، يخلق طاقة حيوية، تقابلها في نفس الوقت، المساحات المسكونة بالصمت، أوبالهمس الشاعرى. وباستخدام هذه التقنية تجرى الفرشاة وفق خيال الفنان، حينما يستنبط الصورمن بعضها، فتفصح تارة، وتتخفى تارة أخرى. ويصبح الشعور باللون ماثلاً أمام العين ويغمر الحواس. ويشبه الارتجال الحياة على سجيتها، حيث تتزامن الصدفة مع فيض الذاكرة ، ومع اندفاعات اللون. ويسعف الخيال مخزون الذاكرة، فيمنح الفنان شعوره للمسات فرشاته وسحبات خطوطه، وهى تقطع وتصل.وكان الناقد "مكرم حنين" عن معرض الفنان الذى طاف ثلاث مدن مصرية(2007) كتب:"إن الفنان محسن عطيه قد أطلق ألوانه لتواجهنا خارج منطقة الوداعة المعتادة في معظم المعارض، فالأعمال تشد عيوننا وأفكارنا، وتمنعنا من التوقف عن الدهشة والإعجاب معاً، بالإضافة إلى أطروحات الرؤية والتساؤلات..فالخطوط ..، وهى تتحرك مقتربة ..،تصبح بطلا، ثم تتلاشى..، وفى بعض الأعمال نجد الألوان المتصارعة تكون أشكالا أفضل من الأشكال الكلاسيكية، وأكثر تأثيراً وحيوية. ولا أستطيع أن أخفى إعجابى بالتلقائية والجرأة التى يتعامل بها كفنان..، متحررا من كل ما يحدد فكره أو يحد انطلاقة ريشته. "(2) وعن الأسلوب التجريدى الذى يميز لوحات الفنان محسن عطيه، كتبت كذلك" نجوى العشرى":" لا يلجأ في هذه الأعمال لرسم العناصر بأسلوب مباشر ولكنه يطلق لنفسه حرية التعبير بتلقائية شديدة ليؤكد هذه العناصر بلمسات بسيطة وخطوط تجسد ملامح العناصر وقد نجده نجح في ذلك إلى حد بعيد."(3). وكانت تضحية " محسن عطيه" ببعض التفاصيل الواقعية بغرض تكثيف العنصر الذى اختارة، كبؤرة لعمله الفنى ، وبؤرة لجماله ولقوة تأثيره.إنه يستعيد في رسمه ذاكرته الحلمية مضيفاً إليها إقترانات خيالية، لتعكس أجواء بريئة ومنمقة. لقد منحت الصور وهى تطفو في فضاء "غامض" حركة وطابعاً شخصياً. والفنان هنا يفسرالطبيعة بخياله، متبعاً أساليب التبسيط والاختزال. وتظهر الأشكال في اللوحات تحوم في الفضاء الكلى بهيأتها التبسيطية ومع الألوان المشرقة.كذلك مزج" الفنان بين التفاصيل االبصرية والرؤية التجريدية. وحول التفاصيل الواقعية إلى أشكال غريبة، استدعاها من الذاكرة. وأثناء إعادة رؤية الأشياء والكائنات في الطبيعة، استخدم الفنان أسلوباً يتيح لقلقه الداخلى ان يخرج إلى سطح لوحاته، كنوع من التأمل والفانتازيا.وتشهد لوحة "هنا وهناك" على الموقف الطليعى في السماح لأسلوب التوليف ليظهر كل التقنيات المحتملة في التعبير بمختلف الصور الإبداعية ، نصفها حقيقى والآخر خيالى. لقد بث الفنان لغته الخاصة فيما يتناوله من أشياء أثارت خياله ليخلق عملاً فنياً. ويبرهنالفنان "محسن عطيه "بلوحته التجريدية " هنا وهناك" أنه باستطاعة الفنان أن يرتقى بالتجريد من الزخرفة إلى مستوى الفن، بفضل توليد العمل لمعان عاطفية و أفكار، أو إثارته للرغبة في الاستمرار في التأمل. وغالباً يطرح العمل الفنى التجريدى تساؤلاً حول ما يمثله من أفكار وعواطف، بدلاً من السؤال عن مدى قدرته على نسخ صورالواقع. واليوم يعيش الفن التجريدى في عالم الفن بأشكال عديدة. إنه ثنائى وثلاثى الأبعاد. ويمكن للاعمال الفنية التجريدية أن تكون كبيرة أو صغيرة. كذلك يمكن أيضًا صنع الفن التجريدى باستخدام العديد من المواد وعلى العديد من الأسطح. مثلمايحدث التنسيق بين الفنين التمثيلى و التجريدى. وغالبًا ما يركز الفنانون التجريديون على الصفات المرئية الأخرى مثل اللون والشكل والملمس.

ويكمن الاهتمام المستمر بالفن التجريدى في قدرته على إلهام فضولنا حول حدود خيالنا وإمكانية إنشاء شىء فريد تمامًا في العالم. العقبة الرئيسية أمام عمل فنى تجريدى هو السؤال عن مشروعيته فنيًا. أو "هل الفن التجريدى حقًا هو" فن"؟.  وهل الاعتقاد بأنه يجب على الفنان إتقان الواقعية قبل أن يتمكن من العمل بأسلوب  تجريدى هو يستحق أن يقلق الفنان التجريدى؟. أما تاريخيًا ، فإن الفن التجريدى يعتبر شكلًا فنيًا "شرعيًا" ، وقد تم إقرار هذه الحقيقة منذ أكثر من قرن. وليس هناك ما يستدعى التدرب غلى مهارات الرسم الواقعى وإتقاتها قبل ممارسة الفن التجريدى. وإلا سيسبب  التفكيربطريقة خاطئة حول الفن إلى  التوقف عن صنع الفن. والفضل أن  يضع الفنان خوفه جانبا. وليس عليه إرضاء الجميع طوال الوقت، وإنما الأفضل إرضاء نفه قبل كل شىء.لأن "الفن التجريدى"  يسمح للفنان بأن يعبرعما يريده بطريقة شخصية، وبمساحة لا حدود لها لإنشاء العمل الفنى، من خلاله يرى بعقله ما لا يستطيع أن يراه بعينيه. إذ ان "الفن التجريدى" هو طريقة رؤية لإدراك العالم. وليست هناك طريقة واحدة . والفنان التجريدى يريد أن يكون عمله مفاجئًا وممتعًا واستفزازيًا. وأن يستخدم لغة مبهجة وغامضة ، وفى نفس الوقت  شخصية وعالمية . والتجريد في حقيقته ليس حركة فنية، أو نمط من الرسم. إنه مكون أساسى لحيوية الرسم. وعندما يتجاوز الفنان ما يعرفه، يتحكم أكثر فيما يفعله لإيجاد التماسك والشكل. والتعبيرعن الشعور والعاطفة من خلال خلق بيئة كاملة للمشاهد للدخول إليها أو ملاحظتها. حيث أستخدام المواد بطريقة مباشرة وبسيطة، ودون تغييرها بشكل كبير عن حالتها الطبيعية، ودون التفكير في المنتج النهائى لأن النشاط الإبداعي هو الأهم. بشرط أن تسمح طريقة الرسم للمشاهد بإحضار تفسيراته الخاصة المستمدة من تجاربه. لأن العمل الفنى التجريدى ليس سردا مالوفاً لأشكال الطبيعة التى يمكن التعرف عليها بسهولة، إنما هو يشتمل على ما يخص الأفكار والمشاعر حول الحياة والطبيعة ، مع الإحساس بالإيقاع والجمال، الذى تحدثه اللوحة، عندما تستدعى غيرالمتوقع. وحين تحرك خيال المشاهد، وتعمق وعيه ،فتشعره بالمتعة والإبتهاج. إذ يندفع عقل المشاهد أثناء تأمله للوحة التجريدية للانخراط بإحساسه من أجل التأكد من المعنى المفاهيمى للألوان والأشكال والخطوط التي يراها. وعندما يصل إلى تكوين إحساس داخلى بمعنى الصورة ، يتدفق الإيقاع والجمال.

هكذا لا يمكن تجاهل حقيقة أن الفن التجريدى جزء لا مفر منه من الفن المعاصر. وفى كثير من الحالات، تهيمن الحركات المختلفة التى تستخدم الأفكار المجردة وأنواع مختلفة من"الفن التجريدى" على الفن المعاصر. ومن المستحيل متابعة الفن المعاصر دون تقديرالمكانة المهمة التى تحتلها الأفكار المجردة في عالم الفنون . وعندما يواجه البشر فترات عصيبة خلال الحروب والأزمات المعيشية، يصبح من الصعب تمثيل المعاناة التى عاشها "بشكل واقعى". لهذا السبب، يبحث عن بديل لنقل مشاعره وذاكرته ونفسيته ومعتقداته الروحية.

________________________________________

المراجع:

ا- محسن عطيه: أفكار وألوان، عالم الكتب، القاهرة،2019،ص70&71.

2-مكرم حنين :مقدمة كتالوج معرض الفنان محسن عطيه، الهيئة العامة لقصور الثقافة، مائة عام من الإبداع، 2007.

3- نجوى العشرى :صحيفةالأهرام، القاهرة، الخميس 26مارس 2009.