انتقل إلى المحتوى

الفن التجريدي/التجريدية المفاهيمية وما بعدها

من ويكي الكتب

بقلم :د. محسن عطيه

منذ نشأة "المذهب الانطباعى"مع أوائل سبعينيات القرن التاسع عشر، بشكلها الفنى الفريد"ساهمت النظرية الانفعالية في تشكيل فلسفتها الجمالية التى تقدر في الفن قيمة تأثير شخصية الفنان، وكذلك تقدر ذاتيته وأفكاره وأحاسيسه".(1) مما دفع الفنانين إلى التحرر من الأعراف التقليدية للأكاديمية وإلى التخلى عن مبدأ التمثيل كتشابه مع الواقع. وبالنسبة للعمل الفنى "الانطباعى" فإنه يبدو وكأنه غير منتهى. وفى المذهب "الوحشى" لم يستخدم الفنان الألوان تبعاً لحالتها في الطبيعة. ثم جاءت "التكعيبية" التى فككت تركيب الصورة الطبيعية واعادت تركيبها. وعندما سمح الفنانون للألوان والخطوط والأشكال والملامس بأن تصبح الموضوع الأساسى للعمل الفنى، نشأ الفن التجريدى. أما الفنان الفرنسى" كلود مونيه"C. Monet (1904-1870) فكان مشهوراً كرائد للمذهب "الانطباعى" في الفن، إلا أنه كذلك هو الأصل لميلاد الفن التجريدى، وأكثر من ذلك هو أصل لكل إتجاه "ما بعد مفاهيمى". فهذه اللوحة التى رسمها أثناء تواجده فى"لندن" في مرحلة متأخرة من حياته الفنية بعنوان" ساحة ليستر"(1901)، تسهل الوصول إلى هذا الاكتشاف. فمن النظرة الأولى نكتشف أنها مختلفة وجريئة وغيرعادية، مقارنة بلوحات "مونيه" الأخرى، للدرجة التى سمحت للبعض ممن شاهدوها أن يُنظرون إليها على أساس أنها عمل فنى من الدرجة الثانية أو من إنتاج رسام تدهور بصره، أو فنان غيركفء. لكن بمقارنة أسلوب اللوحة بأعمال فنية معاصرة تعد عملاً ثوريا، ومرجعاً أصيلاً للرسم التجريدى الذى تطورفى باريس في الخمسينيات من القرن الماضى، بل ومرجعاً للرسم التجريدى ما بعد المفاهيمى للقرن الواحد والعشرين. ليس فقط لأنها تميزت بالتشكيلات اللونية بالتنوع والثراء، واتخذت شكل التقاطعات والتداخلات والانزلاقات من أعلى لأسفل، أو لأن كل شىء فيها يتعلق بالضوء، حيث لا يمكن تمييز الأشكال أو السمات المعمارية، أو لأنها مشبعة بالضوء الملون الساطع وبانعكاساته، وبتفسيرها المبهر للحياة في وسط لندن، ولكن لأن أهميتها ترجع إلى "حداثته" مقارنة بالأعمال المعاصرة له، وبسبب استطاعة "مونيه" أن يرسم الإنطباع الأولى الذى التقطه كفكرة من حقل عالم الرسم. ولما كان يعمل بسرعة ليقبض على أثر التحولات الضوئية، فذلك يفسرالمظهرغيرالمكتمل للعمل الفنى، حتى كاد أن يتحول إلى لوحة سريالية - خيالية، بل وتجريدية - ما بعد مفاهيمية. ان هذه اللوحة التى تشهد على مدى انجذاب الرسام "مونيه" إلى المساحات المفتوحة حول العاصمة البريطانية" لندن". وكان قد عاد إلى هذه المدينة سنة 1900 في عيد ميلاده الستين مفتونًا بالضباب وبغروب الشمس، بالإضافة إلى تنوع ألوان السماء، وبرسم تأثيرات الغلاف الجوى لنهر"التايمز. وخلال هذا الوقت، أنتج عدة لوحات زيتية تُظهرنفس المشهد، لكن تجربة تأثيرات ضوء الشمس، أو قلة الضوء، أثرت على أجواء الموقع. وكانت فرصة مناسبة لخلق نوع جديد من الفن، هو "الفن التجريدى - ما بعد المفاهيمى"، قبل أن نعرفه بحوالى قرن من الزمان.

كلود مونيه "ساحة ليستر"(1901)

وكان بوسع"خوان ميرو" (1892- 1983) أن يخلق عملاً فنياً من أى فكرة تطرأ على مخيلته، بعد تأمله لثمرة أو لوجه أو لشجرة أو لحشرة. وتجمع لوحة" تكوين" (1925) بين قوة الخيال والعاطفة من ناحية، والأداء الفنى المتقن من ناحية أخرى. إنها بسيطة وساحرة وتتميز بالبراءة الطفولية المنظمة، وتبدو وكأنها تتضمن إشارات ذات تدرجات لونية متحررة من قيود الوعى .

وإذا كان" الحلم" هو حالة متسامية، فإن" العقل"حينئذ سيصبح في خدمة اللاعقلى، ليوازن بين الوعى واللاوعى، حيث تكون الأولوية للحدس والشعور، في مقابل العقل والمنطق. هكذا يغرى الفنان "محسن عطيه "(1947) ،...، بإقتحام عوالم خيالية ملونة، حيث تُحل معادلة التناقض التى تلخص العلاقة بين الزمانى / المكانى في مقابل الفن، متوصلاً إلى تجسيد مغزى الغموض الإنسانى/ الكونى، وبذلك تتلاشى الحدود بين الحلم والواقع، كفعل مقدس. هكذا تهيئ التقنية التلقائية، لتوليد الإرتباطات الخلاقة للصورالخيالية، فتلتقى بالعاطفة والجمال. والحقيقة أن الإيقاع السريع لضربات الفرشاة، مع أساليب التسييل والسكب المنساب للألوان، يخلق طاقة حيوية، تقابلها في نفس الوقت، المساحات المسكونة بالصمت ، أوبالهمس الشاعرى. وباستخدام هذه التقنية تجرى الفرشاة وفق خيال الفنان، لتقتنص التشخيصات المدهشة، وتستنبط الصورمن بعضها، فتفصح تارة، وتخفى تارة أخرى" (2). وقد كتب "ياسرالنعيمى" في مقالته (3) ، عن الفنان "محسن عطية "توضيحاً يقول: "على الرغم من الأبعاد الخيالية التى توحى بها صورأعماله الفنية المتمثلة في أساليب الشفوفية، والمزج بين أزمنة وأمكنة مختلفة في إطار واحد، بما يناسب نوع الفن الذى يتشكل في أحضان الخيال والعاطفة والجمال، ومع ذلك فإن هناك الرموز التى تصادفها في أعماله ويسهل مضاهاتها بالواقع". يتألف المنظر" تتبع المسار" (2020) من الأمواج الزرقاء والزبد الأبيض والأوكر والشجيرات المتلاحمة في الأفق مع سماءغائمة، حيث للتشخيص والتجريد متزامنين في اللوحة، وبفهم مقترن بتقييم نقدى للتقاليد التصويرية. وقد تعايشت المساحات الحميمة،التى تشهد على نهج مختلف تجاه التمويه وإيماءة المحو، في اللوحة التجريدية، حيث إجراءات الصدفة، ومجموعات الألوان المتباينة، وتشويش الوضوح عمدًا. والصورة التى تعكس الوجود بقوة، تعتبر استعارة تكنى عن الخصوبة المتالقة. ويبدو أن الاستدعاء الإيمائى للخصوبة المتلألئة، يأتى من فعل الرسم المشبع بالألوان االتى تتدفق على سطح اللوحة ، حيث تحجب طبقات أجزاء من الأخرى ثم تندمج مع الطبقات الرطبة من اللازوردى والأزرق والأبيض والأوكر في حقل لونى منتشر بسهولة وعفوية، مستحضرًا إيماءات "المنظرالطبيعى" بين التشخيص والتجريد. إذ مع إضافة أوطمس طبقات من الطلاءات المختلفة، تتولد العلاقات اللونية والملمسية بتاثيرها الروحى. وقد أجرى الفنان إضافات خيالية من تصوره، مقترباً من عالم نصف بصرى يتذكره. لقد أظهرت تقنية " حقل اللون" في هذه اللوحة الإمكانات الإبداعية للصدفة، إذ لا يمكن التحكم في هيكل الطلاء بشكل كامل، غيرأن الصدفة التى تحدث على نحو مفاجىء ليست عمياء، وإنما يخطط لها. ورغم عدم معرفة ما سيحدث للوحة، ولا يمكن التنبؤ بنهايتهامسبقا، وإنما مع تسلسل مراحل إنجاز الفكرة. وفى هذه الحالة تحدد الوسائط بعضها البعض. ويتم إنتاج الصورفى الفراغات بين الوسائط، ويمكن فهم العلاقات بين الوسائط، حيث يختلف الرسم التجريدى بمفهوم "ما بعد الوسيط"،عن "التعبيرية التجريدية" و "فن الحد الأدنى" و"مابعد الحداثة "، فبينما اعتبر فنانو القرن العشرين، أن التمثيل representation قد انتهى زمنه، فإن الفنان "ما بعد المفاهيمى" قد مزج بين الرسم المحاكى وغيرالمحاكى، وجمع في نفس اللوحة بين التجريد والتمثيل. لذا بدت الأعمال شبه مجردة وتمثيلية في آن واحد. وفى لوحة " تتبع المسار" (2020)، تمثل الإيماءات الذاتية، الإرادة المميزة للفنان وشخصيته وحالته النفسية. حيث تتناسب هذه الإيماءات مع القوة العاطفية بشكل مباشر مع السيولة والحساسية والبراعة .أما مفهوم "الفعالية" viractualityالذى تعكسه اللوحة، فقد تحقق بمراعاة مبدأ التزامن المتناقض في إطارالرؤية الجمالية، حيث دمج" محسن عطيه" التركيبات المتضادة والمتناقضة "الواقعى مع الافتراضى". ففى الفن "ما بعد المفهوم "، لم يعد هناك حاجة في رسم "المنظرالطبيعى" للإشارة لخط الأفق ولنقطة التلاشى، لأن الفضاء الافتراضى، للوحة" تتبع المسار" مرتبط بالتصورات الخيالية وبالبصيرة، كفضاءات مفتوحة وحيوية، تسمح بالتقاء الواقعى مع الافتراضى. فالمساحات الزرقاء السائلة وهى تتدفق بعنف تحفزالحواس وتأخذ بالخيال بعيداً. نحوأعماق الذكرى. وفى ضوء الشمس يضئ الأزرق وتتدفق العاطفة، وبدون الأزرق لن يكون العالم أبداً هو نفسه. وهذا التجريد يختلف عن الأعمال التجريدية البحتة، لأنه يقترح إمكانيات جديدة للمعنى. وتتمثل الاستراتيجية "المفاهيمية" في المسارالذى اتبعه الفنان، وهو يعمل مباشرة بالألوان في حالتها النقية،على اعتبارأن إظهارفكرة اللوحة، يمكن أن يأتى من أى شىء موجود في العالم. والفنان "مابعد المفاهيمى" هنا يمزج بين الوسائط، كما تساهم تقنية "حقل اللون" كبديل عن تقنيات الرسم التقليدى. ومن المؤكد أن للشعوربالغرابة تجاه"عمل فنى" دوره في تجديد الرؤية الفنية، وفى التهيئة للشعوربالدهشة. ويرجع الغموض في هذه اللوحة إلى الإيحاءات "المجازية" والسياق المختلف للعناصر، والذى يهيىء لمشاعر وأفكارغيرمألوفة، على مستوى الذاكرة والحلم، وللتحول المستمرما بين الواقع والخيال، ومزج المألوف بغيرالمألوف، بطريقة تستثيرالرغبة في التطلع للعمل الفنى بشغف، لإشباع الحواس وإشباع الفضول المعرفى، والولع بالغريب القابل للتفسيرات المتعددة. ان اللوحة التى استخدم في تنفيذها و"سائط مختلطة" كوسيلة لاستنباط الاستجابات الحسية والإشارات بشكل غيرمباشر تجاه المعانى، تجمع بين الجاذبية والغموض. ومن الممكن أن تترجم البنى الفكرية الاستعارات التى تشيرإلى الخبرة والذاكرة والرغبة. وقد سمح الفنان في لوحته " تتبع المسار" لطبيعة اللون ولخصوصيته بأن تظهر، محافظاً على بريقه، مما استلزم التبسيط الشكلى واختزال التأثيرات الضوئية على نحو رمزى وتجريدى. واعتمادا على البداهة أراد الفنان تنفيذ لوحته دفعة واحدة دون تردد، متجاوزا الحدود ومتجنبا الوقوع في خطرتكرارالنتائج السابقة في إطارتقليد الرسم. ولما كان الفن يغيرفهمنا للتقاليد من خلال تغييرتصوراتنا، لذلك فليس للفنان أن يتخيل فنه ولا يمكنه إدراكه حتى يكتمل. كذلك ليست لوحة "تتبع المسار" شيئًا محددًا، بل تتميزبطبيعةغامضة، لأنها "علامة"غيرمكتملة في حد ذاتها، وإنما هى مركب من الوجود والغياب. ويمكن العثورعلى مركب "الوجود" و"الغياب" في العلامة متمثلاً فى"المرئى وغيرالمرئى" ، فإن هذا الأفق الغائب لـ"المعنى" أكثر بروزًا بالمعنى الوجودى في هذه اللوحة، مما هو عليه في الإدراك اليومى.

_________________________________________________________________________-

المراجع:

1-محسن عطيه :التجربة النقدية في الفنون التشكيلية، عالم الكتب، القاهرة2011،ص108.

2-محسن عطيه :اتجاهات في الفن الحديث والمعاصر،عالم الكتب، القاهرة2011،ص 159&160.

3- جريدة أخبار العرب، العدد1127، 28 ديسمبر، الإمارات،2003.