ماجدلين

من ويكي الكتب
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

ماجدولين

"تحت ظلال الزيزفون" هي الرواية التي كتبها الأديب الفرنسي ألفونس كار، وقد اطّلع المنفلوطي على تعريبها، فأعجب بها وأعاد صياغتها بأسلوبه الخاص، ونشرها تحت عنوان "ماجدولين" أو" تحت ظلال الزيزفون". والرواية هي باكورة أعمال ألفونس كار الأدبية كتبها متأثراً بالمدرسة الرومنسية التي سيطرت على الأدب في تلك الحقبة من تاريخ فرنسا. وقد اعتمد على أسلوب المراسلة في تدوين أحداثها، تاركاً لعنصر الخيال دوراً أساسياً في تحريك أشخاص الرواية بين أحضان الطبيعة الخارجية التي أحبّها الكاتب وجعلها الإطار الأساسي لروايته. لقد تأثر المنفلوطي برواية الفونس كار، وبادر إلى نقلها إلى اللغة العربية، لما فيها من دعوة صريحة إلى التمسك بقيم الحق والخير والجمال التي تجسدها البيئة القروية الريفية الساذجة. فأحداث القصة تدور في جو ريفي، يتميز بالبساطة والعفوية والصدق والإخلاص والقناعة، شبيهٍ بالجو الذي نشأ فيه المنفلوطي بمصر؛ على خلاف حياة المدينة القائمة على الخداع والكذب والغش والنفاق، حيث يتهافت الناس على جمع المال دون مراعاة أبسط المبادئ والقيم الخلقية.

والرواية تحاول التأكيد على أن الخلاف الحادّ بين بيئة القرية وبيئة المدينة، يؤدي إلى خلاف أكثر حِدّة بين مفهومين للسعادة أحدهما يعتبر أن السعادة، هي نتيجة نجاح المرء في التلاؤم والتكيف مع الظروف الواقعية التي تحيط به، والمفهوم الآخر يعتبر أن المال هو مفتاح السعادة أياً كانت الوسائل المستخدمة في الحصول عليه.

لم يكن المنفلوطي يجيد اللغة الفرنسية لينقل رواياته مباشرة إلى اللغة العربية، لذلك كان يخرج غالباً عن الأصل، فيلجأ إلى الإستطراد والتطويل وإلى الحذف والإضافة، وفقاً لمزاجه، أو رغبة في إظهار مقدرته البيانية حيناً، واللغوية حيناً آخر. وكان ميله إلى المداخلة، ويدفعة إلى التخلي عن الترجمة الحرفية والانصراف إلى إسداء النصائح والإرشادات، بما يتفق مع المفاهيم الأخلاقية السائدة في بيئته، لأن معظم قرائه كانوا من شبان وشابات مصر وسائر الأقطار العربية.

والرواية في أساسها، تدور حول فتى اسمه استيفن من أسرة متوسطة الحال، يحب المطالعة، ويتعشق الموسيقى، ويأنس للطبيعة، ويجد لذته في العزلة والبعد عن الناس؛ يترك منزله بعد وفاة أمه وزواج أبيه، ليسكن وحيداً في غرفة متواضعة، حيث يحبّ ابنه صاحب المنزل واسمها ماجدولين، فتبادله الفتاة الحب، فتتغير نظرة الفتى إلى الوجود، ويمتلئ قلبه أملاً وبهجة. وتتكرّر اللقاءات بين استيفن وماجدولين في أحضان الطبيعة الخلابة وعلى ضفاف الأنهر، أو تحت شجرة الزيزفون القائمة في وسط حديقة المنزل، أو في زورق على صفحة البحيرة القريبة من المنزل، فيحلم العاشقان بحياة مستفبلية سعيدة، ويرسمان في خيالهما صورة بيتهما العتيد الذي سيضمهما، وسيكون بيتاً متواضعاً تحيط به حديقة مزروعة بأزهارالبنفسج، وأشجار الزيزفون.

لكن السعادة التي بدأت تلوح معالمها في خاطر الحبيبين، قطعها والد الفتاة حين صارح ابنته بأنه غير موافق على العلاقة التي تربطها بذلك الفتى الذي لا يستطيع أن يوفر لها السعادة التي تستحقها. وحين حاولت ماجدولين إقناع والدها بالعدول عن رأيه، جاء ردّه سريعاً، حيث كتب إلى الفتى رسالة عاجلة يدعوه فيها إلى مغادرة المنزل. إزاء هذا الواقع، جاءت ماجدولين إلى حبيبها تودعه الوداع الأخير، فتعاهدا على الوفاء، وتبادلا خصلات من شعرهما تكون خاتماً في إصبع كلّ منهما، حتى يمن الله عليهما باللقاء مجدداً.

افترق الحبيبان، لكن فراقهما كان بالجسد فقط، لأن علاقتهما الروحية ظلت قوية، تعبر عنها الرسائل المتبادلة التي لم تنقطع. وعاد استيفن إلى منزل والده الذي انتهز فرصة عودة ولده إلى البيت، ليزوجه بفتاة ثرية، فأقام لهذه الغاية حفلة راقصة في داره، وطلب إلى ابنه أن يراقص تلك الفتاة ويتودد إليها، لكن الفتى لم يشأ أن يُغضِب أباه، فأذعن لمشيئته مكرَهاً، لكنه صارحه فيما بعد بأنه لا يمكن أن يقبل بهذا الزواج، مما أغضب الوالد والأقارب، فقرروا طرد استيفن من البيت إلى غير رجعة، فخرج باحثاً عن عمل شريف يكسب به قوته، ويستعيد به حريته المسلوبة، ويؤمن له العودة بكرامة إلى حبيبته بعد توفير المال اللازم لتحقيق حُلمهما المشترك.

في تلك الأثناء، أقام استيفن في بيت حقير، وراح يبحث عن عمل يؤمن له القوت، وظلت ماجدولين تبعث إليه برسائلها المتكررة مؤكدة له بقاءها على العهد مهما طال الانتظار. وفي تلك الغرفة الحقيرة الضيقة، يحل إدوار ضيفاً على صديقه استيفن، ويقاسمه المأكل والمشرب والفراش. وكان إدوار على وشك بلوغ سن الرشد، حيث يخرج من تحت وصاية عمه، ويرث ثروة طائلة، فيحسن استيفن معاملة إدوار، وينقذه من الموت إثر فضيحة أخلاقية أقدم عليها. وتشاء الأقدار أن تحل ماجدولين ضيفة على صديقتها الثرية سوزان، فتتعرف إلى أسلوب الحياة التي يعيشها الأغنياء، وتطلعها صديقتها على ما تملكه من الحلي والجواهر، وتتبادل الصديقتان الأحاديث والشجون، فتعرف ماجدولين أن صديقتها سوزان تعشق شاباً غنياً مثلها، وأنها على وشك ان تتزوجه، فتبوح لصديقتها بحبها لاستيفن الذي تنتظر عودته إليها بعد تغير حاله، فتلومها سوزان أشد اللوم، وتقنعها بأن تتخلى عن أوهامها وتتزوج صديقها إدوار الذي ورث ثروة لا بأس بها، وهو قادر على أن يوفر لها السعادة التي تصبو إليها كل فتاة.

وتمر الأيام ويرث استيفن أحد أعمامه، وينصرف إلى إعداد العدة لتنفيذ حلمه، فيباشر بإنشاء البيت الذي سيضمه مع حبيبته، والحديقة التي تحيط به، لينصرف بعدها إلى مفاجاة حبيبته بالخبر، وحين يدخل عليها في حديقة بيتها ليبلغها الخبر، يفاجأ بها جالسة إلى جانب إدوار الذي خطبها إلى أبيها وهما على وشك أن يتزوجا، وقد وضعت في إصبعها خاتماً من الماس، مكان الخاتم الذي نسجته من شعره، وتعهدت له بأنه سيظل في إصبعها إلى آخر أيام حياتها.

إزاء هذا الواقع المؤلم، يصاب استيفن بما يشبه الجنون، فيعتل جسمه، وتسوء حاله، ويدخل المستشفى، ويشرف على الموت، ولا يعود إلى رشده إلا بعد أن تزوره ماجدولين برفقة صديقه إدوار، ويتأكد أنها لم تعد له ولا يمكن أن تعود إليه، فيعدل عن فكرة الانتحار، وينصرف كلياُ إلى الموسيقى، ويبرع فيها، ويصبح من أبرز أركانها. أما إدوار، فسرعان ما تسوء علاقته بزوجته تدريجياً كما تسوء حالته المالية، فيبدد ثروته في القمار والشراب، ويعلن إفلاسه. فيبيع قصره، ويهاجر، حيث ينتحر بعيداً عن زوجته الحامل التي تبيع بيت أبيها لتفي ديون زوجها.

وتتصل ماجدولين باستيفن، بعد أن حلت بها الكوارث المتعاقبة معلنة توبتها، فتكتشف أنه ما زال على حبه لها، لكن كرامته تأبى عليه أن يعود إليها بعد الطعنة التي وجهتها إليه. ومع ذلك فإنه يبذل لها ولطفلتها أقصى حدود المعونة. وتتوالى الأحداث، فتأتي ماجدولين إلى بيت استيفن صباحاً، حيث تترك طفلتها الرضيعة مع رسالة مختومة تعلن فيها أنها قررت الانتحار غرقاُ في النهر المجاور، وأنها تترك أمر طفلتها إليه. ولما أُبلغ استيفن بالأمر، هب مسرعاً إلى النهر، فاستعان بزورق أحد أصدقائه واستطاع انتشال ماجدولين إلى الشاطئ حيث تبين أنها فارقت الحياة. وحين عاد استيفن وقرأ وصية ماجدولين، يقرر وضع حد لحياته، فأنشد سمفونية الموتى على غرار الموسيقار الكبير بيتهوفن، ثم استشهد الحاضرين أن جميع ما يملكه قسمة بين صديقه فرتز وماجدولين الصغيرة. وأوصى صديقه فرتز أن يدفنه مع ماجدولين في قبرها، وأن يتولى شأن الطفلة الصغيرة حتى تكبر وتختار زوجها بنفسها. وهكذا ضم ذلك القبر رفات حبيبين، فرقتهما الحياة، وجمعهما الموت.