سياسة الحوار بين أتباع الأديان والثقافات , الحوار

من ويكي الكتب
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

الحوار في اللغة : هو الرجوع عن الشئ والارتداد عنه ، وحار عن الأمر وإليه ( رجع عنه أو إليه ) .

أما الحوار في الاصطلاح : (مراجعة الكلام وتداوله بين طرفين لمعالجة قضية من قضايا الفكر والعلم والمعرفة بأسلوب متكافئ يغلب عليها طابع الهدوء والبعد عن الخصومة) .

" هناك فهم ضمني بأن لفظ ( حوار ) لم يتم اختياره بشكل عشوائي .. والحوار كطريقة الاختيار يقصد منه تفادي الانقسام والمجابهة .. أي تعميق الفهم لا بصنع وجهة نظر واحدة تستحوذ على أخرى .. ولا تقصد الحوارات التوصل إلى الإجماع .. بل إلى تقديم مجال يحتفل بالتنوع والغنى التي تلزم عنها ( الحوار ، وليس النقاش ) فرصة لمشاركة القصص ، ولاستبدال التصور السابق ، والحكم السابق .. نشرع في هذه الحوارات مسلحين بخلفياتنا السياسية والثقافية والاجتماعية ، ورهان الحوار أن نتعلم الاستماع، ونمتنع عن الحكم ونتحكم في طبيعته .. نجلس حول طاولة الحوار ونحن نعرف بأن هناك اختلافات علينا الاعتراف بها .. إن الحوار هو فن تقدير تلك الاختلافات ، وجعلها تعمل لفائدتنا ، وجعل هذه الاختلافات تتمظهر بنفسها بطريقة توحدنا بدل أن تفرقنا..تجعلنا منخرطين لا خاملين" .

الحوار في القرآن الكريم :[عدل]

وردت مادة حوار ومشتقاتها ومترادفاتها ( جادل ، وحاج ) وما هو بحكمها مرات عديدة في القرآن الكريم .. ويقوم منهج القرآن الكريم على الحوار .. لأنه جاء يخاطب الفطرة ، والعقل .. فمنهج الإسلام يحترم العقل ويجله ويجعله مناط الإيمان والتكليف .. ويذكر لنا القرآن صورا من الحوار .. مثل :

  • ( حوار الله تعالى مع الملائكة ) .. في قوله تعالى ؛ ( حوار الله تعالى مع الملائكة في قوله تعالى ( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ) .
  • وكذلك ( الحوار بين الله تعالى ، وإبليس ) فقد قال تعالى : ( وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ قالَ ما مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ .. قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ) .
  • ( حوار الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام .. مع أقوامهم ) .. ففي حوار نبي الله موسى مع قومه فقد قال تعالى : ( وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ) .
  • وكذلك ( حوار أهل الجنة ، وأهل النار ) .. قال تعالى :


وهذا يعني .. أن الحوار فكرة راسخة في القرآن ، وليست مجرد فكرة عابرة أو طارئة .

إشكالية الحوار بين أتباع الأديان والثقافات ، وموقف المسلمون منه[عدل]

للمسلمين موقفان من الحوار بين أتباع الأديان والثقافات .. وهما :

موقف رافض للحوار .. ويتهم مقاصده[عدل]

فالرافضون يعتبرون أن الحوار عبارة عن خديعة لاستدراج للمسلمين للتخلي عن الإسلام ، والقبول بغيره من الأديان المحرفة والمذاهب الوضعية الجائرة ، ويؤسسون موقفهم ووجهة نظرهم هذه على أساس ( إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ) وعلى أساس ( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) وينطلقون في موقفهم المتهم للحوار من أنه تجاهل وتجاوز لحقيقة عداوة أهل الكتاب وغيرهم ( وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ) ، ( وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ) ، وأنه استجابة وخضوع لمكيدة الأخر .. الذي يشن بالحوار حربا صليبية من نوع جديد لكن بوسائل أخرى ... ويضع فريق أخر من الرافضين للحوار أسبابا أخرى لرفضهم .. منها انعدام التكافؤ بين المتحاورين .. وعدم اعتراف الأخر بالإسلام للمسلمين ، وبانعدام هذين الأمرين فالحوار بنظرهم سيكون لصالح الآخر ، وفي أحسن أحواله يكون  ( حوار الطرشان ) ومن أجل ألا يكون الحوار لصالح الآخر .. ومن أجل ألا يكون حوار الطرشان يصرون على شرطين اثنين : أولهما أن يعترف الآخر بمحمد نبيا ورسولا وأن الإسلام دين الله ، وثانيهما أن تتكافأ إمكانات المسلمين مع إمكانات غيرهم ، وبغير هذين الشرطيين فلا حوار مع الأخر .. لأنهم أهل الضلال والباطل ، ونحن أهل الهداية ، والحق .. والحق لا يحاور الباطل .


موقف مؤيد لمشروعية الحوار مع الآخر .. وأهميته[عدل]

ما أصحاب الموقف المؤيد والمؤكد لمشروعية وأهمية الحوار مع غير المسلمين .. فإنهم ينطلقون من موقفهم هذا من أن القرآن الكريم مثلما يقرر أن الإسلام دين الله ، وأن العداوة والبغضاء من لدن أهل الكفر والشرك والضلال ، فانه نفسه الذي برر مبدأ الحوار مع أهل الكتاب وغيرهم ( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ) ، ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ) وأنه نفسه الذي يقرر لنا أدبيات الحوار مع أهل الكتاب وغيرهم  ( وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آَمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) ، (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ) وهو القرآن ذاته الذي يوجهنا إلى أرقى مستويات الخطاب وألطف العبارات ونحن نحاور غير المسلمين ( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) ، ( وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ )  ( قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) ، ( فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى  (، ( وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ) ، ( وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِين ( والرسول  حاور نصارى نجران واستقبلهم في مسجده وأحسن وفادتهم ، وكان يخرج للقبائل يحاورهم ويدعوهم للإسلام ، وحاور قريشا وجادلهم في بطلان معتقداتهم .


أما القول بأن الإسلام هو الدين الحق .. وأن الحق لا يحاور الباطل[عدل]

فأحسب أن هذا الفهم لا يستقيم عقلا ، فإذا كان الحق لا يحاور الباطل .. فما هي مهمة الحق إذا !! ومن للباطل يدمغه ويزهقه ؟ ( بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (  إلا إذا كان قذف الباطل بالحق عند الرافضين للحوار لا يكون إلا بالسيف وراجمات الصواريخ دون الحوار والبيان ! وهم بذلك ينحازون للفرية الكبرى القائلة ( بأن الإسلام انتشر بالسيف ) ، والتي عادة نكذبها قائلين ( لا ... الإسلام لم ينتشر بالسيف بل انتشر بالكلمة الطيبة والأسوة الحسنة ) أو ليس الحوار هو السبيل إلى تبليغ الكلمة الطيبة وتقديم الأسوة الحسنة ؟ وإذا قلنا لا للسيف ولا للحوار ، فبماذا انتشر الإسلام إذا ؟ وبماذا نبلغه للناس ؟


أما القول بشرطية الاعتراف المتبادل ، لتقوم مشروعية الحوار[عدل]

فهذا يجر إلى مطلب عقدي خطير ... فهل يريد المطالبون بالاعتراف المتبادل أن نعترف للنصارى ( بأن الله هو المسيح ابن مريم )  ليعترفوا لنا ( بان محمدا رسول الله وأن الإسلام الدين الحق ) ، أيريدون منا أن نستبدل الكفر بالإيمان ؟ أما إذا كان القصد من الاعتراف بأن يعترفوا بمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا ، مقابل اعتراف المسلمين بالمسيح عليه السلام نبيا ورسولا ، نقول وهل يبقى مبرر للحوار معهم إذا نفذوا هذا الاعتراف ؟ ألا يجعلهم مثل هذا الاعتراف مسلمين أخوة لنا في العقيدة والمنهج ؟ وهل الحوار إلا وسيلة لمثل هذه الغاية المنشودة ؟