دفتر أحوال المجتمع المصري

من ويكي الكتب
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
Arwikify.svg هذا الكتاب أو المقطع بحاجة إلى إعادة كتابة وتنسيق باستخدام صيغ الويكي، وإضافة وصلات. الرجاء إعادة الصياغة بشكل يتماشى مع دليل تنسيق المقالات. بإمكانك إزالة هذه الرسالة بعد عمل التعديلات اللازمة.


اسم الكتاب: دفتر أحوال المجتمع المصرى

المؤلف: د. أيمن زهرى

الناشر: د. أيمن زهرى

رقم الايداع: 2006/21503

الترقيم الدولي: ISBN 977-17-3983-2

إهداء

          إلى إبنى محمد وإبنتي نور وأبناء جيلهم،
          إلى مصر المستقبل أهدي هذا الكتاب

على سبيل التقديم

شهد المجتمع المصري في مطلع القرن الحادي والعشرين العديد من التحولات الإجتماعية والإقتصادية التي يحاول الكاتب رصدها في هذا الكتاب. ويعد هذا الكتاب محاولة للتواصل مع القارئ غير المتخصص بعد أن أمضيت قرابة عقدين من الزمان في الكتابة المتخصصة حول قضايا السكان والهجرة.

أقدم في هذا الكتاب مجموعة من المقالات والخواطر والأفكار ــ وربما الإنطباعات الشخصية أيضا ــ في مجالات مختلفة مع التركيز على قضايا النمو السكاني وإنعكاساته على العلاقات الإجتماعية، وكذلك الهجرة الداخلية والخارجية والهجرة غير الشرعية وإنعكاساتها على المجتمع المصري، وأرصد أيضا التغيرات التي شهدها الشارع المصري مع إنتشار وسائل الإتصال الحديثة والتوسع في استخدام التليفون المحمول والبريد الالكتروني وبعض الموضوعات الأخرى. وجدير بالذكر أن بعض هذه المقالات قد تم نشرها في الجرائد المصرية و العربية.

على الرغم من أن اسم مؤلف الكتاب هو الذي يتصدر الغلاف، إلا أن إعداد أي كتاب لا يتم إلا بمجهود جماعي، وعليه فإنه لا يفوتني أن أشكر كل من ساعدني في إعداد هذا الكتاب، وأخص بالشكر قارئي الأول زوجتي السيدة إنتصار التي تقرأ ما أكتب قبل أن أكتب، كما أخص بالشكر الزملاء الدكتور خالد السيد حسن والأستاذ صلاح عبد العاطي عبد التواب لملاحظاتهم الهامة على المسودات الأولى لهذا الكتاب. كما أتقدم بتحية عطرة إلى روح الأستاذ محمود عبد الفتاح مدير مكتبة المركز الديموجرافي بالقاهرة الذي تناقشت معه في بعض الموضوعات التي يحتويها هذا الكتاب. ولا أنسى أيضا أن أتقدم بالشكر إلى الزميل العزيز الأستاذ سعيد محمد قاسم الذي يسّر لي خدمات الطباعة.

أيمن زهرى

إس إم إس[عدل]

"إس إم إس ... بالسعادة هتحس" هكذا يقول مطلع الاغنية الشعبية في فيلم "حمادة يلعب" الذي قام ببطولته الممثل أحمد رزق و أخرجه سعيد حامد عام 2005. و الإس إم إس لمن لا يعرف هي الحروف الثلاثة الاولي لـ Short Message Service (SMS) أو خدمة الرسائل القصيرة التي أصبحت متاحة من خلال خدمات شركات الهواتف الجوالة (النقالة) المعروفة في مصر بإسم التليفون المحمول. ومن خلال هذه الخدمة يمكن للمشتركين تبادل الرسائل النصية القصيرة.

وقد أوضحت دراسة حديثة أعدها مركز البحوث التجارية والاقتصادية بجامعة القاهرة أن مصر تعد من أكثر دول العالم ارتفاعا في معدلات نمو التليفون المحمول بها حيث تزيد معدلات النمو بنسبة 35% سنويا مقابل 30% في الإمارات العربية المتحدة و23% في الصين. وعلى الرغم من حداثة عهد مصر بالمحمول والتي لم تزد عن سبعة سنوات إلا أنها تنمو بشكل سريع، حيث ارتفع عدد المشتركين من 654 ألف مشترك عام 1999 إلى أكثر من ستة ملايين مشترك في الوقت الحالي، وينفق المصريون 6 مليارات جنيه سنويا على الاتصالات عبر التليفون المحمول، ومن المتوقع أيضا ان يصل عدد مشتركي التليفون المحمول إلى عشرة ملايين مشترك مع دخول شركة ثالثة في مجال تقديم هذه الخدمات لترتفع جملة ما ينفقه المصريون إلى أكثر من عشرة مليارات جنيه. وأكدت الدراسة أيضا ان المصريين ينفقون كل يوم أكثر من 20 مليون جنيه على رسائل واتصالات المحمول، وأن 2 من بين خمسة شباب يحملون التليفون المحمول وأن 80% منهم يستخدمون كروت الشحن بنظام البطاقات المدفوعة مسبقا ومعظمهم ليسوا في حاجة إلى المحمول ولكن يحملونه بحثا عن الوجاهة الاجتماعية.

ويرسل المصريون رسائلهم إما لأصدقائهم وأقاربهم أو للفضائيات العربية. ورسائل الفضائيات العربية، لمن لا يعرف، هي مصدر أساسي من مصادر تمويل هذه القنوات غير المشفرة والتي تبث إرسالها من خلال أقمار النايل سات وعرب سات التي تغطي المنطقة العربية، ويتم نشر مساهمات المشاهدين ورسائلهم من خلال توجيه المشاركين إلى إرسال رسائل نصية قصيرة إلى بعض الارقام المختصرة (عادة تتكون من أربعة أرقام) التي يتم التنويه عنها بصفة دائمة على شاشات هذه القنوات، وفي معظم الاحيان تكون تكلفة إرسال هذه الرسائل ثلاثة أضعاف تكلفة إرسال الرسائل إلى هواتف الأشخاص العاديين، كما أن القنوات التليفزيونية لا تنشر على شاشاتها عادة كل ما يرسله المشاهدون وعليك أن تحاول مرات ومرات حتى تظهر رسالتك على الشاشة وتشعر بنشوة زائفة وأنت ترى رسالتك تمر عبر شريط ضيق أسفل الشاشة مذيلة بإسمك الكريم!

أما عن محتوى الرسائل النصية التي تعرضها هذه القنوات فحدث ولا حرج، فهي خليط من أحلام النوم واليقظة وكذلك مداعبة الخواطر والنزعات القومية والسياسية والكروية والعاطفية أيضا. ومن أمثلة هذه الرسائل "هاي إززززيكو أنا محمد شبانة"، "لو كان البحر يعرف الكلام لارسلت لكي مع كل موجة قبلة وسلام"، "أجدع سلام صعيدي شحط محط لكل الشباب الجدعان من أبو إسلام"، "قاطعوا المنتجات الأمريكية والدنماركية" بغض النظر طبعا عن الاخطاء النحوية والإملائية. حتى القنوات ذات الصبغة الدينية تعتمد في تمويلها (جزئيا) على عائد هذه الرسائل القصيرة التي يغلب عليها الطابع الديني ويكون الحافز لإرسالها وإعادة إرسالها مرات ومرات هو الوازع الديني، فعندما تظهر رسالتك على الشاشة ويراها جمع غفير من المشاهدين لابد أن يكون ذلك في ميزان حسناتك بالاضافة إلى الميزانية العمومية لشركات المحمول والقنوات الفضائية.

لم تكتف القنوات الفضائية بشريط الرسائل النصية القصيرة الذي يمر أسفل الشاشة، بل تفتق ذهن القائمين عليها لإختراع طريقة أخرى لزيادة العوائد المالية من خلال الرسائل القصيرة وهي ما يعرف بـ "مقياس الحب" Love Meter وهو عبارة عن جزء صغير في أسفل الشاشة بالقرب من شريط الرسائل القصيرة لعرض مدى توافق الاحبة مع بعضهم البعض "فقط إرسل إسمك وإسم من تحب عن طريق رسالة نصية إلى أحد الارقام التي تظهر أمامك على الشاشة مسبوقا بكلمة Love أو حب" ثم تظهر على الشاشة درجة التوافق بين الحبيبين مثل "عنتر وعبلة 80%" وتضيف بعض القنوات بعض العبارات الساخرة مثل "عمر بيموت فيكي يا سوسو" أو "عنتر بيضحك عليكي يا عبلة" وحتى تعليقات خارجة عن الذوق العام مثل "سامح لازم يستحمى الاول" أو "زيزي ح تديك بمبة قريب".

أما عن رسائل الاصدقاء والاقارب لبعضهم البعض فهي في العادة تكون إعادة إرسال الرسائل التي يستقبلونها من أشخاص أخرين وهي بذلك تعد محاكاة لما يحدث بين مستخدمي البريد الالكتروني عندما يستقبلون رسالة تحتوي على صورة كاريكاتورية أو صورة فوتوغرافية نادرة أو نكتة إجتماعية أو سياسية فيعيدون إرسالها لزملاء أو أصدقاء أخرين. وعلى ذلك فانه على سبيل المجاز يمكن أن نطلق على الرسائل النصية بين الاصدقاء "البريد الالكتروني للفقراء" او إن شئت "إيميل الفقراء". وربما يعزى لجوء العديد من مستخدمي التليفون المحمول إلى إعادة إرسال ما يصلهم من رسائل طريفة إلى أصدقاء آخرين إلى عدم معرفة البعض بطريقة كتابة الرسائل النصية أو عدم رغبتهم في الكتابة من جديد. وتكثر الرسائل "الدوارة" في المناسبات الدينية ويتفنن البعض في كتابتها وعادة ما تصلني أكثر من صيغة أختار بعضها للرد على الرسائل التي تصلني فأرسل الصيغة الأولي لمن يرسل لى الصيغة الثانية وبالعكس! ومن أمثلة نماذج التهنئة بالعيد "يا عالي المقام بنهنيك قبل الزحام بمولد خير الأنام ودمت بصحة كل عام" و "تحية مليانة ورد وفل، أبعتها قبل العيد ما يهل، علشان أكون قبل الكل" وأخرى تقول "أحلى التهانى والورود لك يا سيدي، الناس عيدها يومين وانت طول العمر عيدى".

وهذه بعض نماذج الرسائل العاطفية "ح أوصي القمر ينور لك سكتك، يمكن تبطل قسوتك، وتفتكر إن لك واحد واحشاه بسمتك" وأيضا "اللي خلقك خلق مليون غيرك، بس والله كلهم ما يسووا رمش عينك". أما الرسائل الهزلية فهي كثيرة وربما يتعفف المرء عن ذكر بعضها وهذه هي بعض النماذج المعتدلة "الله يرحم يا بهلول، أيام ما كنت تصحى مبلول، دلوقتى بقى معاك محمول" وأيضا "طلعت فوق السطوح هز الهوا كمى، كل العيال اتجوزا وانا لسه جنب امى" و "يا ملقح جوه في قلبى وانا قلبى مش متين من حبك جانى سكر ادينى انسولين".

وهكذا أتاحت التليفونات المحمولة والرسائل النصية القصيرة وسائل أخرى للتواصل الانساني والتفاعل الاجتماعي ولكن ......... هل تغني الاتصالات اللاسلكية عن حميمية الزيارات العائلية وثرثرة المقاهي؟

صورة

أفيش فيلم حمادة يلعب

القاهرة مدينة مغلقة[عدل]

يتردد الحديث بين الحين والآخر حول جعل القاهرة مدينة مغلقة أمام الوافدين من المحافظات الأخرى حيث بدأت هذه الدعوة في أوائل الستينات من القرن العشرين وتتكرر كلما زادت مشاكل العاصمة حتى يخيل للبعض أن الحل السحرى لكل مشاكل القاهرة هو جعلها مدينة مغلقة أمام المهاجرين القادمين من الوجهين البحرى والقبلى مع التشدد تجاه القادمين من الوجهة القبلى بصورة أكبر.

لن أتناول هنا في هذا الحديث العوائق الدستورية والقانونية والإجرائية التى قد تترتب على مثل هذا التوجه حيث أن ذلك يقع خارج تخصصي كباحث في العلوم الإجتماعية ولكننى سأقصر حديثي حول الهجرة إلى مدينة القاهرة من الناحية الإجتماعية. القاهرة—مثلها مثل باقى العواصم الكبرى في العالم—بطبعها جاذبة للسكان حيث أنها مصدر للإشعاع الحضارى والثقافى والترفيهى .. وإذا نظرنا للخلف فسوف نجد أن الرعيل الأول الذى حمل على عاتقه بناء نهضة مصر الحديثة منذ عهد محمد على باشا حتى عهد ثورة يوليو وبناء مصر الحديثة قد قدموا جميعاً من مختلف محافظات مصر واستوطنوا القاهرة، فعلى سبيل المثال وليس الحصر رفاعة رافع الطهطاوى، محمد عبده، عباس العقاد، طه حسين، سعد زغلول، مصطفى النحاس، مكرم عبيد، جمال عبد الناصر، أنور السادات .. كل هؤلاء العمالقة ورواد التنوير قد قدموا من مختلف محافظات مصر وإستوطنوا القاهرة.

فالعاصمة في كل دول العالم هى قبلة الباحثين عن فرصة أفضل وهذا ليس شأننا وحدنا كما ذكرت أنفاً ولكنه نمط عام ودور أساسي تقوم به كافة عواصم العالم.. وهذا يقودنى إلى نقطة هامة وهى تعريف "من هو القاهرى؟" القاهرى هو أي شخص يتخذ القاهرة مقراً دائما له ولا يجب أن نفرق بين من هاجر أباه أوجده إلى القاهرة ومن هاجر هو نفسه إلى القاهرة ليمثل الجيل الأول للمهاجرين .. أى إننا لا يجب أن نفرّق بين مواليد القاهرة ومواليد المحافظات الأخرى لأن هذه التفرقة غير أخلاقية وغير دستورية أيضاً.

أننى أدعو من يؤيدون فكرة جعل القاهرة مدينة مغلقة أن يسألوا أنفسهم أولا " لماذا يهاجر المواطنون من المحافظات الأخرى إلى القاهرة"؟ لا شك أن الإجابة عن هذا السؤال بسيطة جداً.. إنهم يهاجرون بحثاً عن فرصٍ أفضل.. ولكن هذا التبسيط وهذا السبب الأساسى للهجرة يجب أن نضعه في سياقة التاريخى المناسب .. ففى الماضى كان المهاجرون إلى القاهرة في بدايات عهد الثورة يمثلون صفوة أبناء الاقاليم الذين كانوا يفدون إلى القاهرة لتلقى العلم في جامعاتها (القاهرة، عين شمس، الأزهر) على أمل العودة إلى بلادهم بعد ذلك ثم تستقر نسبة كبيرة منهم في القاهرة وهؤلاء هم الذين ساهموا في نهضة مصر وهم قادة هذا الوطن ورجالاته. بالاضافة إلى هجرة النخبة، فقد قصد القاهرة أعدادا كبيرة من أبناء الريف الذين هجروا الزراعة وإلتحقوا بالعمل في المصانع التى أقامتها الثورة في عهد التصنيع، و لعل أكبر مثال على ذلك هو مدينة حلوان وضواحيها التى تكونت من خلال هجرة العمالة الريفية إليها حتى تحولت من ضاحية أرستقراطية إلى أكبر تجمع عمالي جنوب القاهرة.

مع الزيادة السكانية الرهيبة وترهل الجهاز الإداري في الدولة وإنتشار البطالة وتدهور أحوال التعليم والأحوال الإجتماعية في الريف وفى محافظات مصر المختلفة وتقلص الرقعة الزراعية استمرت الهجرة إلى مدينة القاهرة ولكن إختلفت نوعية المهاجرين إختلافاً تاماً .. فبدلا من إستقبالها لصفوة أبناء الريف الذين كانوا يقصدونها لتلقى العلم في جامعاتها.. فإنه من الملاحظ خلال العقدين الماضيين أنه قد حدث تحولاً كبيراً في نوعية هؤلاء المهاجرين حيث أصبحت العاصمة تستقبل سيلاً من العاطلين من الأميين ومن حملة الشهادات المتوسطة وبعض حملة المؤهلات العليا للعمل في الأعمال الدنيا التى يوفرها القطاع غير الرسمى في اقتصاد العاصمة، وتتركز أعمال هؤلاء المهاجرين في مجالات العمالة غير الماهرة في قطاع المقاولات والباعة الجائلين وعمال المقاهى والعديد من الأعمال الأخرى الهامشية، ويجب أن نشير هنا إلى أن الدافع الأساسى للهجرة هو عوامل " الطرد" في محافظات المهاجرين والمتمثلة في إرتفاع معدلات البطالة وصغر حجم القطاع غير الرسمى في إقتصاديات هذه المحافظات. أما عوامل "الجذب" في المحافظات المستقبلة للمهاجرين " القاهرة الكبرى" فتتمثل في تركز كبير للأنشطة الإقتصادية والمالية في القاهرة و كذلك الطفرة الكبيرة التى شهدها قطاع البناء والمقاولات في الفترة الأخيرة والإنحسار التام لهذا النشاط في المحافظات بعد قرار حظر البناء على الأراضى الزراعية.

أين يكمن الخطر ؟ لابد ونحن نتحدث عن الهجرة للقاهرة أن نتذكر ذلك الحادث المؤسف. حادث قطار الصعيد عام 2002. إن هجرة هؤلاء الشباب إلى القاهرة ليست هجرة اختيارية كما يتخيل البعض ولكنها هجرة من أجل الحصول على أدنى مقومات الحياة، إنها هجرة من أجل البقاء "Survival Migration "

أذن ما الحل؟ يجب العدول تماماً عن فكرة جعل القاهرة مدينة مغلقة، ليس فقط لأن ذلك قد يكون مخالفا للدستور أو بسبب المعوقات الإجرائية والإدارية التي قد تعتري هذا التوجه، ولكن لما قد يسببه ذلك من شق للوحدة الوطنية وإثارة حفيظة سكان الأقاليم .. إن الأهم من ذلك هو تدعيم وتطوير المحليات وخلق فرص عمل حقيقية ومثمرة للشباب في الأقاليم للحد من تأثير العوامل التى تدعوهم للهجرة للقاهرة. إن الحل، كما أوصى به المفكر المصري الراحل الدكتور جمال حمدان هو "أن تنتقل العاصمة – يعني وظائفها و خدماتها و مرافقها و مزاياها – إلى الريف، لا أن تمنع أنت الريف من أن ينتقل إلى العاصمة."

صورة

القاهرة .. النيل والبرج والمراكب الشراعية

مطاريد الجبل[عدل]

تتركز الغالبية العظمى من سكان مصر في وادي النيل والدلتا، بينما تبقى البقية الباقية من أرض الوطن صحراء جرداء شبه خالية من السكان. وقد أظهرت نتائج التعدادات السكانية الأخيرة أن سكان المحافظات الصحراوية والمعروفة بإسم محافظات الحدود وهي شمال سيناء وجنوب سيناء ومطروح والبحر الاحمر والوادي الجديد لا تمثل أكثر من واحد بالمائة من إجمالي سكان مصر. وعلى ذلك فإن الناظر إلى خريطة توزيع السكان في مصر وعلاقتها بشريان الحياة الرئيسي نهر النيل العظيم قد يتصور أنه أمام أطول واحة في العالم تمتد من لحظة دخول النيل بر مصر إلى مصبه عند البحر الابيض المتوسط. أما عرض هذه الواحة فيتراوح بين أقل من كيلو متر طولى في بعض مناطق صعيد مصر حيث يتسع الوادي ويضيق ليتاخم في كل الاحوال سلسلة جبال البحر الاحمر في الشرق والصحراء من ناحية الغرب، بينما تبلغ هذه الواحة أقصى عرض لها في شمال الدلتا. ونظرا لهذه الطبيعة الجغرافية ثنائية الأبعاد – الوادي والصحراء – والتى تمثل ربما الموت والحياة، حيث وادي النيل يمثل الحياة، والصحراء تمثل الموت .... والخروج عن المجتمع أيضا. وربما لهذا السبب الطبيعي إرتبط الانسان المصري بالنهر، وربما أدى ذلك إلى قيام دولة مركزية في مصر منذ عهد الفراعنة.

وقد كانت الصحراء والجبال والدروب في مصر هي الملاذ الآمن للفارين من الوادي أيا كان سبب هذا الفرار، فقد فر إليها بعض أقباط مصر حفاظا على دينهم من إضطهاد الرومان، ولعل أكبر دليل على ذلك مقابر البجوات بالوادي الجديد وهي مقابر من العصر الروماني من القرنين الثاني والثالث الميلاديين وتضم 263 هيكلاً على شكل قباب تتوسطها كنيسة من أقدم الكنائس في مصر، وقد بنيت هذه القبوات إبان فترة اضطهاد الرومان للمسيحيين في مصر فلجأوا إلى هذه المنطقة وأقاموا بها، كما سكن الصحراء طواعية الرهبان والقسيسين تقربا إلى الله وأقاموا العديد من الاديرة والكنائس في الجبال.

في النصف الأول من القرن العشرين أصبحت الجبال الملاصقة للوادي في صعيد مصر ملاذا للخارجين عن العرف والتقاليد التي تعارف عليها أبناء الصعيد وكذلك أصبحت مقصدا للخارجين عن القانون وملاذا للعصابات المسلحة التي لا يحلوا لها ممارسة نشاطها الإجرامي إلا في جنح الظلام، يقضون نهارهم في الكهوف وليلهم في ترويع الآمنين في القرى والنجوع الممتدة بإمتداد نهر النيل. "الخُط" هو الاسم الحركي لمشاهير المجرمين والسفاحين من المطاريد الذين سكنوا جبال الصعيد هربا من الملاحقة القانونية، ومن أشهر السفاحين في تاريخ مصر القاتل"محمد منصور" المعروف باسم " الخط " الذى بدأت قصته بسبب جريمة قتل بسبب الثأر انتقاما لمقتل أحد أقاربه، ومن بعدها استمر الكر والفر بينه وبين رجال الشرطة لأكثر من ثلاثين عاما - من عام 1914 وحتى عام 1940 - تحول خلالها محمد منصور إلى أسطورة إختلطت فيها الحقيقة بالخيال، ومن الصعيد أيضا يأتى أحد السفاحين العتاة الذى اشتهر باسم " سفاح بنى مزار" وإسمه الحقيقي "عيد عبد الرحيم دياب" والذى إتُهِم بقتل أكثر من خمسين ضحية بالإضافة إلى عشرات الإعتداءات على الآمنين والبلطجة وفرض الإتاوات، والعجيب أن عيد بدأ حياته كلص ماشية في قرى المنيا، ولم يسقط هذا السفاح إلا بعد حصار طويل في الجبل رفض فيه الإستسلام وأصر على تحدي القوة الأمنية التى كانت تقوم بملاحقته حتى لقي مصرعه. وعلى الرغم من أن الخط يمثل صورة من أفظع صور الخروج على المجتمع إلا أن الفنان عادل إمام قام بتجسيد هذه الشخصية كشخصية فكاهية محورية في فيلم "إحترس من الخط" الذي أخرجه سمير سيف عام 1984.

خلال العقدين الماضيين تبدلت صورة الجبل لدى أبناء مصر – وخصوصا أبناء الصعيد - وأصبح الجبل ملاذا للباحثين عن الأمل وفرصة العمل أيا كانت المتاعب والعقبات. في الخمسينات والستينات كان "مقاول الأنفار" كما كانوا يسمونه في قرى صعيد مصر يجمع عمال التراحيل ويدفع بهم للعمل في المشروعات الوطنية في الشمال وخصوصا في شق الترع والمصارف وتطهيرها وكذلك في تمهيد الطرق في مقابل الكفاف. في السبعينات والثمانينات من القرن العشرين هجر الفلاح المصري أرضه وسافر للخليج وعاد فزرعها أعمدة أسمنتية، وحرق أرضها وحولها إلى قوالب من الطوب الاحمر، وعندما قلت فرص الهجرة إلى الخليج، توجه البعض إلى العراق وليبيا والأردن وعاد البعض مرة أخري للجبال. مطاريد الجبل هذه المرة لم يعودوا ليعيدوا قصة خط الصعيد ولكن عادوا للعمل – طواعية – لتكسير الحجارة من خلال العمل في المحاجر. ولعل أشهر هذه المحاجر تلك المنتشرة بالجبل الشرقي في سمالوط بمحافظة المنيا التى يوجد بها وحدها أكثر من 170 محجرا ومائة مكان لتفجير الصخور، كما يوجد العديد من المحاجر في سيناء وبعض المحافظات المصرية الاخرى.

كان عمال التراحيل في الماضى وكذلك عمال المحاجر إلى فترة ليست بالبعيدة من العمال غير المهرة الذين يمثلون فائض القطاع الزراعي وكان معظمهم من الأميين، إلا أن وطأة البطالة وتفتت الملكية الزراعية الذي تسببت فيه الزيادات السكانية في الريف وثبات الرقعة الزراعية على ما كانت عليه في الماضي أدى إلى إضطرار العديد من حملة الشهادات – المتوسطة في الغالب – إلى خوض تجربة العمل في المحاجر. والعمل في المحاجر من الاعمال شديدة الخطورة حيث يتعرض العاملون فيها لأخطار الإصابة بالأمراض الصدرية نتيجة تعرضهم المباشر للأتربة الناتجة عن تقطيع الحجارة، كما يتعرضون لخطر الإصابة المباشرة من خلال شظايا الحجارة المتناثرة جراء تفتيت الكتل الحجرية الضخمة بإستخدام مادة الديناميت شديدة الانفجار، ويتعرض بعضهم لفقد أو ضعف السمع نتيجة للضوضاء الصادرة عن ماكينات تكسير الحجارة.

ولعل من أخطر الظواهر التي صاحبت العمل في المحاجر في الآونة الأخيرة هو إتجاه الاطفال وصغار السن للعمل في هذا المجال المحفوف بالمخاطر. ويعمل في محاجر محافظة المنيا وحدها قرابة 3000 طفل أقل من 18 سنة طبقا لتقديرات "جمعية وادي النيل لرعاية عمال المحاجر" التي تأسست بمحافظة المنيا لتقديم العون لهذه الفئة من المواطنين. وعلى الرغم من ظروف العمل الصعبة التي يحياها العاملون في هذه المهنة، وإقامتهم التي قد تمتد إلى أكثر من شهرين في الجبال قبل أن يحصلوا على إجازة قصيرة يقضونها مع الأهل في القرى التي رحلوا عنها‘ إلا أن العائد المادي من وراء هذا العمل يغري الكثيرين على الانضمام لقافلة "غزو الصحراء" حتى أن بعض خريجي الجامعات إتجهوا للعمل بالمحاجر هربا من البطالة. ولا ينكر منصف أن العمل في المحاجر قد ساهم في مكافحة الفقر في القرى المصرية المرسلة لهذه العمالة، وأن عائد العمل في المحاجر – رغم قسوته – يماثل تماما عائد العمل في دول الخليج العربي وليبيا بعد أن تدنت عائدات العاملين في هذه الدول في الآونة الأخيرة، وربما يقول لسان حال بعض العاملين في المحاجر "أتعب وأشقى في بلدي أحسن من البهدلة في بلاد الغربة ورحت ولا جيت أنا في بلدي."

صورة

تمثال نهضة مصر، نحته محمود مختار من الجرانيت الصلب

مصر و اللجوء و اللاجئون[عدل]

عندما تجمهر أكثر من ثلاثة آلاف لاجئ سوداني أمام مسجد محمود بالمهندسين بالقرب من مكتب مفوضية الأمم المتحدة للاجئين لأكثر من ثلاثة أشهر، وعندما قامت قوات الشرطة المصرية بفض اعتصامهم بالقوة فجر الجمعة 30 ديسمبر2005 مما أودي بحياة 25 من الأشقاء السودانيين خلال هذه الأحداث، انتقلت قضية اللجوء واللاجئين من أروقة مفوضية الأمم المتحدة للاجئين وقاعات الدراسة الأكاديمية لتستحوذ علي اهتمام رجل الشارع العادي في مصر، مما حدا بالصحف المصرية أن تفرد العديد من صفحاتها لمناقشة هذه القضية، كما قامت بعض منظمات المجتمع المدني بالتظاهر وإعلان رفضها للاستخدام المفرط للقوة من قبل قوات الشرطة المصرية لفض اعتصام اللاجئين، ولم تسلم مصر أيضاً من الانتقادات الدولية في هذا الشأن، إلا أن حديثي هنا لن يتعرض بالتفصيل لهذه الواقعة بحد ذاتها، بل إلي إطلالة سريعة علي تاريخ اللجوء إلي مصر بصفة عامة، حتي يتسني للكافة معرفة بعض الحقائق حول اللجوء واللاجئين وموقع مصر في هذا الموضوع الشائك.

كانت مصر منذ القدم وحتي منتصف القرن الماضي دولة مستقبلة للمهاجرين بنوعيهم: المهاجرين بإرادتهم الحرة والمهاجرين الذين دفعتهم الظروف للفرار بأرواحهم ليجدوا في مصر الأمن والأمان والمعاملة الطيبة في معظم الأحوال، ولعل أشهر اللاجئين إلي مصر هو المسيح عيسي بن مريم عليه السلام حين لجأت به إلي مصر السيدة العذراء مريم عليها السلام وهو مازال طفلاً صغيراً، كما شهدت مصر في العصر الحديث ـ وبالتحديد في النصف الأول من القرن العشرين ـ هجرة أعداد كبيرة من الأرمن فراراً من مذابح الأرمن الشهيرة إبان الامبراطورية التركية، واندمج الأرمن في الحياة الاجتماعية المصرية مع احتفاظهم بهويتهم ولغتهم الأصلية، إلا أن رجل الشارع في مصر يتعامل مع الأرمن علي أنهم يمثلون طائفة من الطوائف المسيحية ولا يقفون كثيراً عند كونهم جماعة عرقية مستقلة، ولا يعلم الكثيرون ظروف هجرتهم إلي مصر. أما بالنسبة للاجئين الفلسطينيين، فإنه مع امتداد الاستيطان اليهودي في فلسطين إبان النصف الأول من القرن العشرين هاجر العديد من الفلسطينيين إلي الدول المجاورة ومنها بطبيعة الحال مصر، إلا أن النصيب الأوفر من المهاجرين كان من نصيب الأردن، وعلي الرغم من أنه لا توجد أرقام رسمية توضح حجم اللاجئين الفلسطينيين في مصر، إلا أنه طبقاً لبعض المصادر غير الرسمية فإن هناك بين 50 و70 ألف فلسطيني يعيشون في مصر بصفة دائمة، يعيش معظم الفلسطينيين في أنحاء متفرقة من الريف والحضر في الشمال والجنوب وأحوالهم الاقتصادية غير جيدة، وقد يعزي ذلك إلي أن الفلسطينيين في مصر لا يخضعون لإشراف وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأنروا)، حيث أن الأنروا لا تعمل في مصر، وفي نفس الوقت لا يتمتعون بالخدمات التي تقدمها مفوضية الأمم المتحدة للاجئين ولا يخضعون لها، ويرجع ذلك إلي أن الدول العربية تصر علي الوضع الخاص للاجئين الفلسطينيين وعلي حقهم في العودة الذي يتعارض مع الإجراءات التي تتبعها مفوضية الأمم المتحدة للاجئين من حيث توطين اللاجئين في بلد اللجوء أو توطينهم في بلد ثالث وهي حلول ترفضها الحكومات العربية.

أما إذا انتقلنا للحديث عن اللاجئين الأفارقة في مصر، فإننا نجد أن القاهرة وحدها تستضيف أحد أكبر تجمعات اللاجئين الذين يعيشون في المناطق الحضرية في العالم يمثل السودانيون أكبر جالية في مجتمع اللاجئين في مصر، يليهم الصوماليون، ثم العديد من الجنسيات الأفريقية الذين فروا إلي مصر نتيجة الحروب والصراعات القبلية في مناطق التوتر في أفريقيا وجنوب الصحراء، وقد أدت الحرب الدائرة في جنوب السودان إلي تدهور الظروف المعيشية والاقتصادية في مناطق الصراع، مما دفع عدداً كبيراً من المواطنين السودانيين إلي الهجرة القسرية إلي الدول المجاورة ليزداد الضغط علي الخدمات المقدمة للاجئين من قبل منظمات الإغاثة الإنسانية الدولية، ومع انفراج أزمة الجنوب تفجرت أزمة الغرب "دارفور" لتضيف إلي الصورة القائمة بعداً مأساوياً جديداً.

تمتع السودانيون لمدة طويلة في مصر بوضع قريب من المواطنين بسبب عدد من الاتفاقات الثنائية، التي سمحت بحرية حركة البضائع والناس عبر الحدود المشتركة، وقد جاءت الموجة الأولي من طالبي اللجوء السياسي إلي مصر أثناء الحروب الأهلية من 1955 إلي 1972، الموجة الثانية بدأت في الوصول بسبب الحرب الأهلية الحالية التي بدأت في عام 1983، معظم طالبي اللجوء السياسي في مصر من جنوب السودان، كردفان ومناطق النيل الأزرق جنوب السودان، وقد طلب عدد كبير من سودانيي الشمال اللجوء إلي مصر منذ 1983. بالإضافة إلي الحرب الأهلية والخوف من الإضطهاد، جاء بعض السودانيين إلي مصر بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة في السودان. تباينت تقديرات أعداد اللاجئين السودانيين في مصر تبايناً كبيراً (بين مائتي ألف لاجئ وخمسة ملايين لاجئ)، بسبب عدم وجود إحصاءات رسمية في هذا الشأن.

وإذا إنتقلنا للحديث عن اللاجئين الصوماليين فإنهم ليسوا أفضل حالاً من إخوانهم السودانيين، فقد أدت الفوضي السياسية التي شهدها الصومال خلال العشرية الأخيرة من القرن العشرين إلي تفتيت سلطة الدولة المركزية وحولت الصومال إلي قبائل متناثرة متصارعة، مما أدي إلي نزوح العديد من مواطني الصومال إلي الدول المجاورة فراراً من الحرب والفقر والجوع والمرض، النتائج الطبيعية لمثل هذه الحالة من الفوضي والصراع الداخلي، ويقدر عدد اللاجئين الصوماليين في مصر بحوالي خمسة آلاف لاجئ. بالإضافة إلي اللاجئين السودانيين والصوماليين فهناك العديد من اللاجئين الأفارقة من عدة دول منها علي سبيل المثال إثيوبيا وإريتريا وسيراليون ودول أخري عديدة.

إن معظم لاجئي العالم ينتظرون حلاً دائماً لوضعهم، وفي الوقت الذي يمنح فيه أغلبهم إقامة مؤقتة أو وضعية هجرة مؤقتة في البلدان المجاورة، فإنهم غير قادرين علي جعل وضعيتهم منتظمة أو علي الإندماج الكامل أو حتي الجزئي في المجتمع المحلي، إن حقوقهم في الحركة والعمل غالباً ما تكون مقيدة لدرجة كبيرة، ولا تتوفر لهم فرص تعليمية أو خدمية مناسبة.

أما عن دور منظمات حماية اللاجئين، فنجد أنها تسعي ـ بشكل عام ـ لتسويق ثلاثة حلول لمصير اللاجئين (1) العودة الاختيارية: أي تسهيل عودة اللاجئين لديارهم في أوطانهم الأصلية بعد التأكد من أن حياتهم وحريتهم لم تعد مهددة، (2) الاندماج المحلي: سماح الدولة المضيفة للاجئين بعد رفض بلد اللجوء الأول إدماجهم محلياً، أو (3) التوطين في بلد ثالث، وقد تفاقمت مشكلة اللاجئين السودانيين بالقاهرة نظراً لعدم قبولهم العودة الإختيارية، ورغبة بعضهم في إعادة التوطن في بلد ثالث.

وخلاصة القول أن مشكلة اللاجئين في مصر أصبحت مشكلة ملحة تضاف إلي المشكلات الكثيرة التي تنتظر الحل، ولذلك يجب أن تأخذ حيزاً كبيراً من الإهتمام والمزيد من التنسيق مع مفوضية الأمم المتحدة للاجئين، وهيئات الإغاثة الدولية، حتي لا نفاجأ بوقائع أخري في المستقبل علي غرار ما حدث بحي المهندسين.

صورة

كانت مصر عبر التاريخ ملاذا آمنا للاجئين

أكل عيش[عدل]

عملت خلال الفترة من أبريل إلى يوليو 2006 باحثا زائرا بالمعهد الدنماركي للدراسات الدولية في كوبنهاجن بالدنمارك، وقد لفت إنتباهي كثافة إستخداهم للدراجات كوسيلة انتقال رئيسية، وحبهم للخبز، حيث يوجد منه العديد من الأنواع والأشكال والأحجام وطريقة الأكل. وقد لفت إنتباهي أن هناك نوع من الخبز الدنماركي يقارب في الشكل والطعم الخبز الشمسي الذي يستخدمه أبناء الصعيد والذي كان أول نوع من الخبز أجده على مائدة الأسرة أيام الطفولة الخوالي في قريتنا بصعيد مصر والذى لا تحلو الملوخية الخضراء والبامية الصعيدي (الويكة) بدونه. ومن بين الزيارات التي تأتيني من الصعيد بما فيها البيض والدجاج البلدي والديوك والسمنة البلدي والحمام والقشدة، لا أفتش إلا عن هذا النوع من الخبز، الخبز الشمسي. وأتصور أن هذا الخبز الذي يشيع إستخدامه في صعيد مصر ما هو إلا إمتداد لنفس الخبز الذي كان يستخدمه أجدادهم الفراعنة، وأذكر انني شاهدت بالمتحف المصري بالقاهرة رغيفا من الخبز الفرعوني بنفس حجم ولون وشكل وإنتفاخ الخبز الشمسي تماما، مع إختلاف وحيد وهو أن الرغيف الفرعوني كان مثلثا وليس مستديرا كالرغيف الشمسي المستخدم الآن.

وللخبز أهمية خاصة في المجتمع المصري حتى أننا نطلق عليه اسم "عيش" للدلالة على أهميته في عيشتنا وعيشنا، ونسمي السعي وراء الرزق "أكل عيش" ونحلف به فنقول "والعيش والملح" على سبيل حلف اليمين أو القسم، والعيش والملح هما الحد الادنى للطعام، ولكن استخدام صيغة الحلف الاخيرة هذه يعني العيش المشترك أو الاكل المشترك وربما تقاسم اللقمة، وهو ما يشير إلى حميمية العلاقة التي تنشأ عن تناول الطعام مع الاخرين. وأيضا يقال "آكلها بدُقة" للتعبير عن التقشف والاستعداد لتحمل شظف العيش مثل أن يقول شخص ما "أنا مستعد آكلها بدقة ولا أفعل كذا أو كذا" والمقصود بالأكل بالدقة (الملح المخلوط بالشطة وبعض البهارات الاخرى) هو الخبز. أما العشاق رقيقي الحال فقد جعلوا من الخبز والملح وسيلة للتعبير عن الحب والكفاح والاستعداد للتضحية في سبيل المحبوب، وربما أيضا إسعاده ولو بنزهة على شاطئ النيل تكون الوجبة الرئيسية فيها "سميط ودقة"، والسميط هو نوع من أنواع الخبز على شكل دائرة مفرغة مقسومة إلى نصفين (وأحيانا أربعة) بإصبع أو إصبعين من الخبز ومرشوش على سطحها بعض حبات السمسم. وتتنوع أشكال وأنواع الخبز المصري، حتى أن "موسوعة الخبز" التي أصدرتها الهيئة العامة لقصور الثقافة رصدت ثلاثين نوعا من أنواع الخبز تستخدم في مصر.

وعلى الرغم من أن بقايا الخبز الجاف والخبز "الرجوع" (المرتجع الذي لم يتم بيعه لرداءة صنعه أو الذي لم يتم بيعه طازجا) تستخدم كغذاء للطيور والماشية، إلا أن إحترام المصري للخبز وربما تقديسه له يظل متأصلا في نفسه بدرجة كبيرة. فالعيش هو أصل الحياة ولا يشعر مصري بالامتلاء بدون تناول الخبز مع الطعام وخصوصا في الوجه القبلي حتى أنك تجد الخبز على المائدة بجوار الأرز، ومن المعتاد أن تجد طبق الأرز على مائدة البيت الصعيدي وكأنه طبق إضافي، وليس بديلا عن الخبز كما في المدينة. كما يندر أن تجد كسرة خبز ملقاة في عرض الشارع وإذا وجدها أحدهم فعليه أن يضعها بجوار الحائط أو في أحد الشقوق لانها "بركة" وإلقائها في عرض الشارع يعد إهانة للنعمة التي أنعم الله عليهم بها، ونكران الفضل قد يؤدي إلى زواله. وكانت الأسر الريفية في الماضي القريب تحرص على أن يكون خبزهم من إنتاج أرضهم وكان من العيب شراء الخبز البلدي من المخابز حتى أنهم كانوا لا يشترونه إلا للضرورة القصوى وربما بعيدا عن عيون الناس، ولكن مع إنتشار المخابز في القرى والنجوع وإرتفاع تكلفة إنتاج الخبز المنزلي وتحول الريف إلى الاستهلاك بدلا من الإنتاج أصبح "عيش الحكومة" على كل مائدة.

و الخبز، كما وصفه المستشار عدلى حسين محافظ القليوبية، هو "رحمة للفقراء ونقمة على الاغنياء" وقال أن "خبز الفقراء رحمة لانه قوتهم اليومي، وأنه نقمة على الاغنياء لانه يسبب لهم أمراض العصر" مثل السمنة وإرتفاع نسبة السكر في الدم والعديد من المضاعفات الاخرى لتناول النشويات. وللحفاظ على سعره المنخفض ليتناسب مع أصحاب الدخول المنخفضة، تدعم الحكومة المصرية الخبز بأكثر من سبعة مليارات من الجنيهات تمثل المكون الرئيسي من الدعم السلعي الحكومي. وتعتبر مصر أكبر دولة عربية مستوردة للحبوب (خاصة القمح) من أجل سد الفجوة بين الانتاج والاستهلاك حتى أن أبناء الوجه القبلي يخبزون العيش الشمسي ذو الاصول الفرعونية بالحبوب الامريكانية ... وعجبي! الخبز الشمسي

إنعدام الخصوصية في المجتمع المصري[عدل]

مع التزايد الرهيب في أعداد السكان في مصر ظهر ما يحلو للبعض أن يسميه بـ "سلوكيات الزحام"، وقد أدت سلوكيات الزحام هذه إلى غياب الحواجز بين الخاص و العام ، و أصبح الناس أكثر تلاحما وإندماجا مع بعضهم البعض، ولكن هذا الاندماج والتلاحم لم يكن لرغبتهم في التواصل والتكامل الاجتماعي بقدر ما كان عاملا سلبيا ساعد على إنتشار العديد من السلوكيات الشاذة التى لم يعهدها المجتمع المصري من قبل.

لقد أدت هذه الزيادات السكانية المتتالية وعجز خطط التنمية عن إستيعاب هذه الزيادات إلى إنعدام الخصوصية داخل الأسرة والمجتمع وأنتقلت أسرار الناس وخصوصياتهم من المجال الخاص إلى النطاق العام . وقد بلغ عدد سكان مصر في بداية القرن العشرين قرابة 10 ملايين نسمة بينما بلغ عددهم سبعة اضعاف ذلك العدد مع مطلع القرن الواحد والعشرين (70 مليون نسمة)، ثم إلى 77 مليون نسمة عام 2006. وعلى الرغم من مساحة مصر البالغة حوالي مليون كيلو متر مربع إلا أن سكانها يعيشون علي سبعة بالمائة فقط من هذه المساحة والتي يطلق عليها "المساحة المأهولة بالسكان". ويحضرني في هذا الشأن ذلك الحوار الفكاهي بين الفنان عادل إمام وحاجب المحكمة في مسرحية "شاهد ما شافش حاجة" عندما قال له الفنان عادل إمام"سايبين الشقة كلها فاضية .. وقاعدين في اوضه واحدة؟" ولكن إذا عرفنا أن معظم أراضي مصر صحراوية ولا تصلح للعمران ربما وجدنا مبررا لوجودنا في "أوضة واحدة" هي وادي النيل والدلتا. وعلى الرغم من إقامة العديد من المشروعات خارج نطاق الوادي والدلتا، وعلى الرغم من المدن الجديدة حول المدن القديمة إلا أن التكدس مازال مستمرا مما انعكس بدوره علي المساحة المتاحة للحركة لكل مواطن.

ليس ذلك فحسب ولكن توزيع السكان داخل المساحة المأهولة بالسكان ليس متجانسا، فمع تسليمنا بارتفاع الكثافة الكلية للسكان إلا ان معدلات الكثافة السكانية تصل الي أكثر من 35 الف مواطن في الكيلو متر المربع في بعض المناطق الشعبية بالقاهرة ... تخيل 35 ألف مواطن في مساحة لا تزيد عن 1000 متر في 1000 متر؟ ولك أن تتخيل أنه في بعض الاماكن الشعبية يستطيع السكان ن يتصافحوا بالأيدي من خلال نوافذ وحداتهم السكنية أو البلكونات، كما أنك لا تستطيع في كثير من الأحيان تفادي سماع صراخ المطربين الجدد في الوحدات السكنية المجاورة لك ولا عزاء للمرضى وراغبي الهدوء أو من تضطرهم ظروفهم إلى النوم المبكر. وقد زاد الطين بلة كما يقولون، إرتفاع أسعار المباني وإضطرار أسر بأكملها للسكنى في وحدات سكنية تشاركهم فيها الاسر الأخرى وأصبح من المعتاد في بعض المناطق أن تجد عدة أسر تسكن وحدة سكنية واحدة (شقة) ويستخدمون غرفة المطبخ ودورة المياه معا، ناهيك عن سكان المقابر الذين زالت عنهم رهبة الموت ولم يعد واعظا لهم.

في كثير من الأحيان تتعاقب الأجيال داخل الأسر التى تقيم في غرفة واحدة فنجد أنه من المألوف في المناطق الشعبية أن تسكن الأسرة في غرفة واحدة مكونة من الأاب والأم والأبناء والجد أوالجدة. ولا شك أن هذا النوع من السكن يعد من أخطر المشكلات التي تواجه المجتمع المصري وقد تطفو على السطح بعض السلوكيات التي لا يستطيع أفراد المسكن الواحد تفاديها نظرا للتكدس الشديد وإنعدام الخصوصية ولعل أخطرها الإختلاط غير المنضبط وإنعدام القدوة وضعف القدرة على توجيه الابناء وتقويم سلوكهم.

صورة

تمثال كاتمة الاسرار للفنان محمود مختار

الجهاد الالكتروني[عدل]

مع إنتشار شبكات الكمبيوتر والإنترنت في مصر والعالمين العربي والإسلامي، قل عدد الرسائل البريدية التى أتلقاها إلى أن أصبحت قاصرة إلى حد كبير على المطبوعات العلمية والنشرات الدورية، وفي المقابل إزداد عدد الرسائل التي تصلني من خلال البريد الالكتروني (الايميل) يوميا من أصدقائي ومن أشخاص لا أعرفهم علي الإطلاق، وعادة ما تحمل هذه الرسائل (غير الخاصة بالعمل) محتوى ديني إسلامي، غالبا ما يكون بعض الآيات القرآنية أو الأحاديث النبوية الشريفة أو بعض المأثورات‘ بالإضافة إلى بعض الأشياء التى يختلط فيها الدين بالموروث الشعبي مثل الخوارق وكرامات بعض الأولياء وحكايات عن الجن والعفاريت وما شابه حتي إختلط الغث بالسمين ولم أعد استطيع التمييز بين ما يمكن أن احتفظ به في شكل مادة اليكترونية أو أطبع المحتوي وأحتفظ به بجواري للقراءة والعبرة والعظة، وما يجب أن أتغاضى عنه وأمحوه من ذاكرتي وذاكرة الحاسب حتى لا نصاب بالتخمة المعلوماتية.

وعلى الرغم من أنني لا أرى غضاضة في إرسال (بعض) هذه المواد لـ (بعض) الأصدقاء والزملاء، وخصوصا القيّم منها، فإنني في ذات الوقت أرى أنه من المضيعة للوقت والمال والجهد أن يعيد مستقبل مثل هذه الرسائل إرسالها (يعمل Forward) بصورة تلقائية – ربما قبل التحقق من محتواها – إلى كافة عناوين البريد الالكتروني التى يحتفظ بها، من يعرف شخصيا ومن لا يعرف، وأحيانا حتي إلى غير المسلمين أو إلى غير قراء العربية. يعتقد البعض أن هذا العمل – المبارك – درب من دروب الجهاد ونشرٌ للدعوة. ولكن يغيب عنا جميعا حقيقة أننا كلنا حينما نستقبل مثل هذه الرسائل ولا نجد وقتا لقراءتها نقوم بإعادة إرسالها للآخرين للحصول علي ثواب سهل دون الخوض في تفاصيلها وهكذا يفعل الكثيرون. وطمعا في الحصول على ثواب أكثر تحتوي غالبية هذه الرسائل على بعض العبارات التى تحث المستقبِل على إرسالها لأكبر عدد ممكن من الزملاء!

في أيام المحن والأزمات تكثر الرسائل البريدية الالكترونية التي تحثنا على المقاطعة، مقاطعة المنتجات الغربية، والمدهش أن رسائل المقاطعة تصلنا عبر البريد الالكتروني، الإختراع الذى أبتكره الغرب، كما أن بعض رسائل المقاطعة يتم إرسالها من مواقع بريد الكتروني غربية مثل ياهوو وهوت ميل، وأحيانا من بعض العاملين في الهيئات الاجنبية ومن خلال البريد الالكتروني المخصص للعاملين في هذه الهيئات.

إن إرسال هذه الرسائل في الغرب له ضوابط ومعايير محددة، ومن يتجاوزها يتهم بترويج بريد اليكتروني دعائي (SPAM) بدون إذن من المستقبل لهذا البريد، يتساوي في ذلك أصحاب النوايا الحسنة وأصحاب النوايا السيئة. يعتقد البعض أن إرسال رسالة بالبريد الالكتروني لا يكلف شيئا، فلا حاجة إلى مظروف ولا طوابع بريد ولا حتى الذهاب إلى مكتب البريد، وينسون تكلفة إقامة شبكات الحاسب وشبكات الانترنت، وأهم من ذلك كله الوقت الذي يقضونه في إرسال هذه الرسائل ... أحيانا على نفقة صاحب العمل في حالة إرسال الرسالة من حاسبك الخاص بالعمل.

لا تنخدع بعبارة "إرسلها لمن تحب ولك الأجر والثواب" لأن من تحب عندما يستقبل الرسالة يرسلها هو أيضا لمن يحب دون أن يفكر في محتواها، وبذلك ندور جميعا في حلقة مفرغة وربما بعد فترة قصيرة تصلك نفس الرسالة مرة أخرى وترسلها بدون أن تقرأها إلى من تحب وهكذا دواليك ... المطلوب وقفة تأمل ومراجعة!

صورة

المؤذّن – جان ليون جيروم (1824-1904)

الكتابة على السيارات[عدل]

أتعجب لقدرة هذا الشعب العبقري علي إختزال آلامه وأحزانه وأفراحه وأتراحه ولحظاته الجميلة في هذه العبارات الحكيمة الموجزة من الفن الشعبي التلقائي من خلال الامثال والحكم الشعبية والنكات الساخرة، ولكن أن يمتد ذلك الي الكتابة علي السيارات الخاصة والعامة فان ذلك يمثل ظاهرة تستحق الرصد والدراسة. وعلى الرغم من أن الكتابة علي السيارات بكافة أشكالها – عدا رقم السيارة ونوعها وادارة المرور التابعة لها، والحمولة في سيارات النقل – ممنوعة منعا باتا وتعرض صاحبها للمساءلة القانونية طبقا لقانون المرور إلا أنه يندر أن تجد سيارة نقل أفراد أو بضائع دون هذه الكتابات. وعلى الرغم من قَِدم هذه الظاهرة، ربما قِدم استخدام السيارات نفسها، حيث تناولها الدكتور سيد عويس في كتابه "هتاف الصامتين" إلا أن العولمة والانفتاح على الخارج قد أتاح لهذه الظاهرة أن تنتشر وتنتقل هذه العدوى للسيارات الخاصة ولكن هذه المرة بعبارات وكلمات مكتوبة باللغة الإنجليزية!

عندما فكرت في الكتابة حول هذا الموضوع مدفوعا ببلاغة بعض العبارات المكتوبة على بعض السيارات، وجدتني أسير خلف السيارات وأسجل ما هو مكتوب عليها حتى إستطعت جمع حصيلة كبيرة من هذه الكتابات يمكن تصنيفها إلى عدة مجموعات رئيسية، فهناك كتابات دينية (إسلامية ومسيحية)، وكتابات كثيرة لدرء الحسد والسحر والشرور وكف الاذى، وكتابات أخرى ميكانيكية وفنيةـ بالاضافة إلى الكتابات الأسرية والعائلية. ومن أشهر الكتابات الدينية التى سجلتها بعض الآيات القرآنية مثل "رب إشرح لي صدري" وبعض الاقوال الدينية المأثورة مثل "ماشي بنور الله" والعبارة المسيحية الشهيرة "الرب راعي فلا يعوزني شيء" و "الله محبة."

أما بالنسبة للعبارات المكتوبة على السيارات والخاصة بدرء الحسد والسحر والشرور مثل "يا ناس يا شر كفاية أر" وعكسها "يا ناس يا فل الخير للكل،" أما أطرفها "ما تبصش لعَجلها لتجيب أجلها!" أما أطرف ما يمكن أن تقرأه على السيارات فهو الكتابات الخاصة بالشكوى مثل "يا ناس سيبوني أسدد ديوني" و "بيحسدوني عليكي وانت سر عذابي." أما الكتابات الخاصة بالنواحي الفنية فهي على شاكلة "إشبعني في الغيارات ودلعني في المطبات" والمقصود بالغيارات أي حركات ناقل السرعة (الفتيس). بالاضافة إلى هذه النوعية من الكتابات، هناك بعض الكتابات التي تهدف إلى إظهار القوة والغلبة مثل "لا نار ولا حريق، الاسطى برعي على الطريق" و "عفاريت الاسفلت" ويقصد بها سائقي سيارات الاجرة بالنفر (الميكروباص، وعفاريت الاسفلت هو اسم فيلم من إخراج أسامة فوزي عام 1996 وقام ببطولته الممثل محمود حميدة والذي تدور قصته حول سائقي الميكروباص).

إلى هنا والقصة عادية وما أكثر ما نرى من الكتابات على السيارات التي تسير حولنا، ولكن أن تنتقل هذه الظاهرة من سائقي سيارات النقل الخفيف والثقيل وعفاريت الأسفلت إلى السيارات الخاصة فهذه مسألة تحتاج إلى التأمل، وإذا عرفنا أن الكلمات المكتوبة على السيارات الخاصة تكون باللغة الإنجليزية تزداد الحاجة إلى فك طلاسم تلك الكتابات ومحاولة الكشف عما يمكن أن تعنيه هذه "المشاغبات اللغوية." ومن أمثلة هذه الكتابات Warning - The Driver is Upper Egyptian" وتعني "تحذير- السائق صعيدي" وأيضا "Don’t follow me – I’m lost" وتعني "لا تتبعني فأنا تائه" و "The car is exploding" وتعني "السيارة ستنفجر" وكتابات أخرى يعاقب عليها القانون ليس فقط لأن الكتابة على السيارات بهذا الشكل غير قانونية، ولكن لأن محتوي هذه العبارات قد يكون خادشا للحياء ومنافيا للذوق العام.

إذا كان الدكتور سيد عويس قد سمى ظاهرة الكتابة على السيارات (النقل والميكروباص) هتاف الصامتين، فماذا كان سيقول إذا إمتد به العمر وشاهد هذه المشاغبات اللغوية على السيارات الفارهة المصنوعة في ألمانيا وأمريكا وباللغة الإنجليزية؟ ترى هل كان سيسميها هتافات المتأمركين أم هتافات المتفرنجين أم المتحذلقين؟

صورة

الركشا اليدوية

هل مازالت مصر تعاني من إنفجار سكاني؟[عدل]

"هل مازالت مصر تعاني مصر من إنفجار سكاني؟" على الرغم من تراجع الإهتمام الإعلامي والسياسي بالمشكلة السكانية في مصر بعد عقود طويلة من وضعها في دائرة الضوء بإعتبارها "أم المشاكل" وسبب ما نتعرض له من أزمات إقتصادية وإجتماعية وما تنادي به بعض الأصوات من أن المشكلة في مصر هي أزمة تنمية وليست أزمة سكان وعلي الرغم من أنني أميل الي الرأي التوفيقي القائل بأن المشكلة هي مشكلة سكانية تنموية إلا أن ذلك لا يمنع من القول بأن مصرمازالت تعاني أزمة سكانية كبري. ربما إنخفضت معدلات المواليد، إلا أننا مازلنا نعاني من آثار المشكلة السكانية حتى آلان وربما لعقود قادمة.

إن جهود مواجهة المشكلة السكانية في مصر ليست وليدة اللحظة إنما قد بدأت في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وتوجت في العام 1985 بإنشاء المجلس القومي للسكان ليضطلع بوضع السياسة القومية (الوطنية) للسكان وقد أدرك العاملون في حقل السكان في مصر أن الزيادة السكانية في مصر لا تتمثل فقط في زيادة أعداد المواليد وإنما في سوء التوزيع الجغرفي للسكان علي خارطة مصر وكذلك تدني الخصائص السكانية وعلي رأسها إرتفاع معدلات الأمية وإرتفاع وفيات الرضع والأطفال وتدني مؤشرات الصحة العامة. وقد قامت ركائز السياسة السكانية علي هذه المحاور الثلاثة: إرتفاع معدلات المواليد، الخلل في توزيع السكان وتدني الخصائص السكانية، إلا أن الإهتمام العام في وسائل الاعلام دائما ما كان يصور المشكلة السكانية علي أنها زيادة عددية فقط وهو ما يجافي الحقيقة ويتناسي عنصر الكثافة السكانية، والأهم من ذلك عنصر الجودة متمثلا في الخصائص السكانية.

أعود للإجابة عن السؤال الذي طرحته آنفاً: هل مازالت مصر تعاني مصر من إنفجار سكاني؟ نعم مازالت مصر تعاني من إنفجار سكاني .... ومشكلات تنموية وإقتصادية معا. إن مصر تزداد كل عام بمقدار مليون ونصف المليون نسمة وهو عدد كبير لا تستطيع معه إمكانات الدولة توفير المأكل والملبس والتعليم والطبابة وفرص العمل المناسبة، أضف الي ذلك أن التركيبة السكانية تميل الي صغار السن حيث أن أكثر من 35 بالمائة من عدد سكان مصر البالغ 77 مليون نسمة تحت العمر 15 سنة، أي أنهم مستهلكون وليسوا منتجون ومعظمهم في المراحل التعليمية المختلفة. أضف الي ذلك أن معدل الخصوبة (عدد الاطفال لكل امرأة في المتوسط) يساوي ثلاثة وهو معدل مرتفع إذ ما قورن بمعدلات النمو الاقتصادي. الأهم من ذلك ونظرا للتكوين الفتي للهرم السكاني في مصر فإن خفض هذا المعدل وكبح جماح النمو السكاني سوف يكون أكثر صعوبه في المستقبل نظرا لأن أمهات المستقبل قد ولدن بالفعل وأن هناك أعدادا هائلة سوف تدخل سن الزواج كل عام وهو ما يسمي بقوة الدفع الذاتي للسكان Population Momentum وهو ما سيؤدي إلى إستمرار أعداد السكان في الزيادة حتي لو إستطعنا خفض معدل المواليد الي طفلين لكل امرأة.

أما من ناحية توزيع السكان فانه لا يخفي علي القارئ أن مصر واحة كبيرة يعيش معظم سكانها حول نبع الماء فيها وهو نهر النيل. وعلي الرغم من محاولات الحكومة المصرية لتشتيت الفائض السكاني ودفعه للسكني في المدن الجديدة التي أقامتها في الصحراء إلا أن هذه المدن لم تستوعب القدر الكافي من السكان الذي يمكن أن يحدث خلخلة كبري للكثافة السكانية في الوادي والدلتا.

أما البعد الثالث للمشكلة السكانية وهو تدني الخصائص السكانية فانه يمثل إنعكاسا حيا للمشكلات الاقتصادية التي تعانيها مصر من جراء النمو السكاني وعدم إرتقاء خطط التنمية للوفاء بحاجات المواطنين، وعلي الرغم من أن الحكومة قد خطت خطوات كبيرة تجاه تحسين صحة الام والطفل ودعم الخدمات الصحية الأساسية إلا أن الخدمات التعليمية قد تأثرت كثيرا وليس أدل علي ذلك من أن معدلات الأميّة مازالت مرتفعة وبخاصة بين الإناث. وخلاصة القول أن مصر تعاني من مشكلة سكانية مزمنة .... وكذلك من مشكلات تنموية وإقتصادية وكلاهما يؤثر ويتأثر بالآخر.

صورة

أحد إعلانات تنظيم الاسرة في أوائل التسعينات من القرن العشرين

الشباب المصري والهجرة غير الشرعية[عدل]

تعتبر مصر دولة مصدرة للعمالة حيث يقدر حجم المصريين بالخارج بين ثلاثة وخمسة ملايين مواطن. ويتركز أكثر من ثلثي هذا العدد في دول الخليج العربية وليبيا والأردن كما كانت العراق مقصداً هاما بالنسبة للمصريين قبل الاحداث المؤسفة التي بدأت مع غزو العراق للكويت والتي استمرت تداعياتها حتي الآن. لقد كان لسلسلة الأحداث التى بدأت بالغزو العراقى للكويت في أغسطس 1990 نتائج خطيرة على هجرة العمالة المصرية، حيث قدر عدد المصريين العائدين من العراق والأردن والكويت في ذلك الوقت بحوالي 700 ألف مصرى، وقد ساهم ذلك في إرتفاع معدلات البطالة في مصر.

وقد إستفادت مصر من هجرة أبنائها للعمل بالخارج حيث تعتبر مصر واحدة من الدول التى تتلقى أكبر نسبة تحويلات، حيث تحتل المرتبة الثالثة بعد الهند والمكسيك. وتشكل تحويلات العمال المهاجرين نسبة كبيرة من إجمالى الناتج المحلى وتسهم في إنتعاش السوق المحلي ودعم المستوى الإجتماعي والإقتصادي للعديد من الأُسر في الريف والحضر.

ولكن مع إزدياد حدة المنافسة بين العمالة الآسيوية الرخيصة والعمالة المصرية، فقدت العمالة المصرية في دول الخليج مركز الريادة وحل محلها طوفان العمالة الرخيصة القادمة من الهند وباكستان وبنجلادش والعديد من الدول الآسيوية الأخرى مما أدى إلى صعوبة وجود فرص عمل للعديد من الشباب المصري الراغب في الهجرة إلى هذه الدول أضف إلى ذلك إرتفاع معدلات البطالة في الداخل وزيادة أعداد الخريجين وخصخصة الشركات وتطبيق نظام المعاش المبكر.

وقد أدى ذلك الي توجه الشباب المصري للسفر إلى دول أخرى وأسواق جديدة لم تكن مألوفة لهم من قبل مثل السفر إلى إيطاليا وفرنسا وبعض الدول الاخرى في أوروبا. ونظراً لعدم المعرفة الكافية لدى الشباب الراغب في تحسين معيشته فقد وقع العديد منهم في شباك النصب والاحتيال على راغبي السفر كما تعرض العديد منهم للوفاة في مياه البحر والحبس والطرد والترحيل. ويمثل الشباب المصري إحدى المجموعات المستهدفة من قبل دوائر المهربين داخل منطقة الشرق الأوسط وخارجها.

والهجرة غير المنتظمة أو غير الشرعية تعد إحدى المخاوف الرئيسية للحكومات في جميع أنحاء العالم ، وبخاصة في الدول المحيطة بحوض البحر الأبيض المتوسط . وينظر للهجرة غير المنتظمة بإعتبارها تلحق ضررا جسيما بحقوق الأفراد المهاجرين القائمين بهذا النوع من الهجرة ، كما أنها تؤثر على برامج الهجرة المنتظمة وتزعزع إستقرار وأمن كل من الدول المصدرة والمستقبلة.

ولأن الجميع يعلم أن الدافع الرئيسي للهجرة سواء كانت شرعية أو غير شرعية، إلى دول الخليج العربية أو إلى أوروبا هو البطالة وعدم القدرة على الإلتحاق بسوق العمل والحصول على فرصة عمل مناسبة في مصرفإن حل هذه المشكلة أو على الاقل التخفيف من حدتها لابد أن يتم من خلال العمل على توفير فرص عمل مناسبة في القطاع الخاص والاستسماري لاستيعاب جزء كبير من الشباب الراغب في العمل، إلا أنه لابد أن يتزامن مع ذلك إعادة النظر في نظم التعليم والتدريب لتحقيق التوازن المطلوب بين قوى العرض والطلب في سوق العمل.

وإنني أدعو كل شاب يفكر في الهجرة أن يطرق كافة الأبواب المشروعة ولا يعرض نفسه للخطر لأن الشباب هم عماد هذا البلد وقادة المستقبل ومن واجبنا أن نحافظ على حياتهم ونكون عوناً لهم في العيش بكرامة من خلال حقهم في العمل والمساهمة في بناء الوطن.

إن المعضلة الأساسية التي تقض مضاجع الأغنياء في الشمال هي فقراء الجنوب، ليس بالطبع خوفاً عليهم ولا شفقةً، ولكن خوفا منهم. إن طوفان البشر الذي يزحف كل يوم نحو الفردوس الأوروبي هربا من الفقر والبطالة في بلدان الجنوب والذي فقد الأمل في كل شيىء حتي هانت عليهم أنفسهم وصارت أجسادهم طعاماً سائغاً لأسماك البحر المتوسط في رحلة اليأس والأمل عبر القوارب المتهالكة التي تنطلق من شواطئ الشمال الأفريقي جعلنا جميعا مدانون ومشكوك في نوايانا.

صورة

أخبار الهجرة غير الشرعية في صفحات الحوادث

الهجرة وخلجنة المجتمع المصري[عدل]

يوجد أكثر من مليونين من العاملين المصريين في دول الخليج العربي، نصفهم في المملكة العربية السعودية. حتى منتصف القرن العشرين كانت علاقة المصريين بالخليج العربي علاقة روحية تقتصر في غالبها على زيارة الاماكن المقدسة في الحجاز (الجزء الغربي من المملكة العربية السعودية حاليا) وكانت زيارتهم لا تتخطى حدود مكة والمدينة، وعلى الرغم من إعلان تأسيس المملكة العربية السعودية عام 1902 على يدي الملك عبد العزيز آل سعود إلا أن هذه المنطقة من العالم ظلت معروفة لدى المصريين إلى وقت قريب ببلاد "الحجاز" أو الاراضي المقدسة. كما يعتقد البعض أن "الخليج" دولة عندما يقولون أن فلاناً قد سافر إلى الخليج مثلا.

وتعد هجرة المصريين لدول الخليج من الظواهر التي حظيت بإهتمام إعلامي وبحثي كبير خلال الفترة الماضية بإعتبارها ظاهرة إقتصادية حيث أنها مصدر رئيسي للعملة الصعبة من خلال تحويلات العاملين في الخليج، إلا أن الآثار الإجتماعية التي ترتبت على هذه الظاهرة كانت أقل حظا ولم تتجاوز إسهامات الباحثين في هذا المجال دراسة أثر هجرة الزوج على مكانة المرأة في المجتمع حيث أن الهجرة المصرية إلى دول الخليج في غالبها هجرة ذكورية. إذن لم يتنبه أحد إلى الآثار الاجتماعية والثقافية لهذه الهجرة إلا من خلال بعض المقالات والاحاديث الصحفية التى بدأت على إستحياء في التنبيه إلى إلاختراق الثقافي، وربما أيضا الفكري والعقائدي، المترتب على هذه الهجرة. وربما يعزى ذلك إلى الإعتقاد الراسخ لدينا بأن ثقافتنا غير قابلة للإختراق وأننا نحن المصريين نؤثر في محيطنا العربي ولا نتأثر به كثيرا، فنحن رواد الثقافة والفكر والتنوير بلا منازع، وإذا نازعنا في هذه الريادة أحد فلن يكون بأي حال من الأحوال هؤلاء الذين كانوا بدوا رحلاً منذ فترة وجيزة من الزمن. لقد إستطعنا التعايش مع صنوف شتى من الغزاة والمستعمرين وإستطعنا الحفاظ على هويتنا فهل نخاف من هجرة مؤقتة إلى هذه الممالك والولايات؟

ولكن وربما لأول مرة في تاريخ مصر الممتد عبر الزمان لأكثر من ثلاثة الاف عام يتم إختراق هذا المجتمع الاصيل وبأيدي أبنائه، والعجيب كما أسلفت الذكر أن هذا الإختراق لا تقوم به حضارة أقوى مثل الفرس أو الروم فيما مضى، ولكن حضارة – بل قل بداوة – لا يتجاوز عمرها أعمار أبائنا وأمهاتنا. وربما يحضرني هنا ما يردده البعض دائما من قبيل المزاح وأحيانا من قبيل الغضب من أن أمريكا ليس لها تاريخ وأنها حضارة بلا جذور، كل ذلك لان حضارتها لا تتجاوز خمسمائة عام، فما بالك بحضارة نفطية لا يتجاوز عمرها خمسة عقود؟

من العجيب أن أبناء مصرالذين "علموا قلب الحجر يوصف معارك الانتصار،" كما قال الشاعر الغنائي عبد الفتاح مصطفي على لسان سيدة الغناء العربي أم كلثوم، والذين علموا أهل البادية ألف باء الحضارة، والذين على أكتافهم قامت أكبر نهضة عمرانية في الإمارات القَبَليّة في بدايات عصر الثروة النفطية قبل أن يحل محلهم أبناء جنوب شرق أسيا من العمالة الرخيصة المطيعة، من العجيب حقا أن تخترق قيم البداوة النسيج الثقافي والاجتماعي لهذا الوطن الضاربة جذوره في تراب وادي النيل منذ فجر التاريخ.

إن الإختراق الثقافي والإجتماعي الذي أحدثته هجرة المصريين لدول الخليج لا يمكن إختزاله في إرتداء الجلاليب البيضاء ذات الياقات المنتشاة أو إصطحاب الخادمات السريلانكيات والفلبينيات عند عودة الأسر المصرية لقضاء إجازة الصيف في مصر ولا إنتشار قيم المجتمع الاستهلاكي، فهذه التغيرات قد تكون إنعكاسا غير مباشر للتحولات العالمية حولنا، ولكن ما يؤلمنى هو إنحسار قيم التسامح والمودة والرحمة والبساطة، وإلاهتمام بالمظهر دون الجوهر، فتكثر لافتات "مغلق للصلاة" على أبواب المحال التجارية ويكثر معها الغش التجاري، وينتشر الزي الخليجي بين النساء والفتيات، وتكثر مع ذلك أعداد الفتيات اللاتي ينتظرن أحبائهم على كورنيش النيل بهذا الزي، ويكثر خطباء القنوات الفضائية ومن يتجرأون على الفتوى، ويقل الإلتزام الأخلاقي، ويكثر الحديث عن العبادات، وتهبط الهمم ولا يُتقن العمل، ويكثر الاهتمام بالمظهر ويقل الاهتمام بالجوهر. إن النمط الثقافي والاجتماعي الوارد إلينا متستراً خلف الدنانير والريالات المبللة بعرق المصريين وجهدهم قد يكون أشد خطرا على المجتمع المصري من الغزو الثقافي القادم من الغرب.

رحم الله الشيخ الإمام محمد عبده، عندما سافر إلى باريس في أواخر القرن التاسع عشر حيث قال قولته المشهورة "وجدت فيهم أخلاق الاسلام ولم أجد الاسلام،" ماذا لو عاد الإمام الي عالمنا الآن؟ ماذا كان سيقول عنا نحن أبناء مصر وليس أبناء الفرنجة؟ إنني أتصور أنه كان سيقول " وجدت فيهم مظهر الإسلام ولم أجد جوهر الإسلام."

0900[عدل]

0900 هو رقم محبب إلى قلوب الملايين من الشباب في مصر كما هو رقم مزعج لأولياء الامور ودافعي الفواتير. هذا الرقم بالنسبة للشباب والمراهقين هو الباب الملكي للوصول إلى عالم الثراء السريع وتحقيق أحلام اليقظة بدون مجهود، إنه الوصفة السحرية للقفز على كافة القواعد والاصول المتعارف عليها لتحقيق الاهداف المنشودة. لماذا الجهد والمثابرة والمعاناة والتجربة التي لا يكون مردودها إيجابيا في كثير من الاحيان؟ فقط "إتصل الان لتربح 100.000 جنيه .. أيوة 100.000 جنية .. وكل ما تتصل أكتر فرصتك في الفوز تكتر،" وأيضا "بدون سحب وبدون قرعة إتصل تكسب جنيهات دهب ... أيوة .. بدون سحب .. جاوب على أسئلة في الموضوع اللى تختاره ... كورة، أفلام، مسلسلات .... " وطبعا الأسئلة كلها سطحية وفي غاية البساطة.

وتبدأ أرقام هواتف هذه الشركات التي تبيع الوهم للشباب بالرقم 0900 وتصل تكلفة الدقيقة الواحدة للإتصال بهذه الخدمة – أو قل الخدعة – جنيها ونصف للدقيقة الواحدة وهو ما يعادل أكثر من 50 مرة تكلفة المكالمة العادية، وكلما طالت مدة المكالمة كلما إرتفعت العوائد المالية للشركات التي تحتكر تقديم هذه الخدمة وكلما زادت أيضا أعباء الفواتير التي يفاجأ بها العديد من أرباب البيوت فيهيجون ويموجون في وجوه أبنائهم وزوجاتهم ويحلفون أغلظ الأيمان برفع خط الهاتف من البيت أو يضطرون إلى شراء هواتف تسمح بإستقبال المكالمات فقط لكي يمنعوا أولادهم من الاتصال بهذه الشركات.

وعلى الرغم من المعارضة الشديدة التى تلقاها هذه الخدمة من دافعي الفواتير إلا أنها أصبحت إدمان الشباب، وربما يحضرني هنا فيلم عائشة الذي قامت ببطولته الفنانة القديرة فاتن حمامة وأخرجه كمال مدكور عام 1953 والذي كانت تقوم فيه بدور بائعة يانصيب، وكذلك أتذكر عم إبراهيم أشهر بائع أوراق يانصيب في ميدان السيدة زينب وأنعي لحال هذه التجارة التي كان لها مريديها ومدمنيها. لقد تحولت هذه التجارة إلى تجارة اليكترونية، فاليانصيب الهاتفي حل محل اليانصيب الورقي الذي توارى خجلا أمام التكنولوجيا الحديثة وثورة الاتصالات. ولكن مجتمع المستهلكين لهذه الخدمة إختلف إختلافا كبيرا، فبينما كان اليانصيب في السابق مقصورا على الكبار، نلاحظ أن المراهقين والشباب هم المستهلكون الجدد لهذا الوهم الكاذب. ومع رواج اليانصيب الهاتفي دخلت شركات التليفون المحمول المعترك وأعلنت هي الاخرى عن أرقامها المختصرة للشباب لكي يستطيعوا إختصار المسافة بين الواقع – البائس – والحلم – المستحيل.

وقد تناولت السينما المصرية هذه القضية في فيلم "حمادة يلعب" الذي أخرجه سعيد حامد عام 2005 وقام ببطولته الممثل أحمد رزق، والشخصية المحورية في الفيلم هي حمادة. حمادة شاب يريد تحقيق الثروة بأى طريقة ، فلا يجد أمامه أسهل من مسابقات التليفزيون (0900) ويدمنها بشكل كبير، حتى تضطره إحدى المسابقات للبحث عن أى فتاة تشاركه البرنامج، وتستمر المواقف الكوميدية حتى يقتنع حمادة أن تحقيق النجاح بالجهد وليس بالمسابقات. وعلى الرغم من عدم تحقيق الفيلم للنجاح الذي توقعته الشركة المنتجة إلا أن الرسالة التى حملها هذا الفيلم جادة حتى وإن تمت معالجتها في قالب كوميدي.

وعلى الرغم من أن بعض علماء الدين قد أفتوا بعدم شرعية هذه المسابقات وإعتبروا أنها نوع من أنواع الميسر (القمار) إلا أن ذلك لم يثن الكثيرين عن الاشتراك في هذه المسابقات التي أصبحت تمثل لدى البعض إدمانا كإدمان التدخين أو المخدرات. وأتصور أن هذه المسابقات لا تعدو عن كونها الطبعة الالكترونية لأوراق اليانصيب المعروفة بـ (يانصيب الجمعيات الخيرية) الذي (كانت) ترعاه وزارة الشئون الاجتماعية والذي إنقرض خلال العقود الثلاثة السابقة.

صورة

أفيش فيلم عائشة

قطار الصعيد[عدل]

عندما أتذكر القطار تعود بي ذاكرتي إلى أيام الصبا حيث محطة القطار في سوهاج هي الباب الملكي لدخول المحروسة قاهرة المعز، وأذكر أننا كنا نستقل القطار المكيف الذي ينطلق من محطة سوهاج متجها إلى القاهرة في الرابعة صباحا. ونظرا لندرة المواصلات العامة (والخاصة) في هذه الايام الخوالي (أواخر الستينات وأوائل السبعينات) ونظرا لأن قريتنا التى يحتضنها الجبل الشرقي كانت تبعد قرابة 20 كيلو مترا عن سوهاج وحيث أن المواصلات العامة كانت مرتبطة غالبا بضوء النهار حيث تبدأ مع شروق الشمس وتنتهي مع غروبها، كنا نبيت ليلة السفر في لوكاندة (فندق) قريبة من محطة القطار حتى نستطيع أن نستقل القطار في الصباح الباكر. وقد كانت سعادتنا غامرة بركوب القطار في رحلة الذهاب إلى القاهرة وكان الأهل يتوافدون لوداعنا ليلة السفر مع دعواتهم لنا بالذهاب والعودة سالمين غانمين وكأننا ذاهبون إلى المجهول. وربما يكون لهم العذر في ذلك حيث أن نسبة كبيرة من سكان قريتنا في ذلك الوقت لم يكونوا قد غادروا البلدة منذ ولادتهم وأن فئة كبيرة من سكان قريتنا ولدوا وماتوا فيها دون أن يروا المدينة ولا المدنية.

كانت القطارات في ذلك الوقت هي وسيلة المواصلات الرئيسية بين سوهاج (ومحافظات الصعيد الاخرى) والقاهرة وكانت القطارات نوعان: القطارات العادية والقطارات المكيفة وكانت الاخيرة تقتصر في الأعم الأغلب على الموظفين والأعيان، بينما كانت القطارات العادية للفئات الأخرى من المجتمع وكان يندر أن ترى خلطا بين هاتين الفئتين بين ركاب كل نوع. إحتفظت القطارات بهيبتها حتى ظهرت سيارات الأجرة من ماركة بيجو 504 التي تتسع لسبعة من الركاب والتى زادت أهميتها في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات كوسيلة انتقال بين المحافظات المختلفة والقاهرة وزاد عددها مع التوسع في تعبيد الطرق الفرعية المؤدية إلى القري والنجوع وأصبحت وسيلة موازية تنافس القطارات. ومع إزدياد حركة الركاب التي تزامنت مع الزيادة السكانية وتلاشي المسافة بين الريف والحضر حتى أن بعض هذه السيارات أصبحت تعمل خارج مواقف سيارات الاقاليم التي تتواجد عادة في عواصم المحافظات والمراكز الكبري، ثم بدأت بعد ذلك مرحلة جديدة من نشاط هذه السيارات للعمل من خلال أسلوب ما يمكن أن يسمى "توصيل الطلبات للمنازل" أو أسلوب "من الباب للباب" حيث تبدأ هذه السيارات رحلتها من إحدى القرى في صعيد مصر إلى إحدى الضواحي أو الاحياء العشوائية التي تتركز فيها غالبية المهاجرين من هذه القرية أو تلك بالقاهرة ويقوم السائق بتوصيل العملاء إلى منازلهم في العاصمة.

وعلى الرغم من أن هذا النمط الجديد من وسائل النقل قد إجتذب شريحة كبيرة ممن كانوا يعتمدون كلية على القطارات وخصوصا بعد إنشاء الطريق الشرقي الذي يبدا من الكريمات جنوب حلوان وكذلك الطريق الغربي الموازي للطريق الزراعي القديم والذي يبدأ من طريق الفيوم خلف منطقة الأهرام الأثرية وعلى الرغم من استخدام سيارات أكثر حداثة من سيارات البيجو القديمة (الميكروباص)، إلا أنه نظرا لإرتفاع تكلفة هذه الخدمة فإن الطبقات الأشد فقراً ظلت على تمسكها بالسفر بالقطارات العادية على الرغم مما أصابها من تدهور في العشرية الأخيرة. وربما يعزى ذلك إلى رخص تكلفة السفر بالقطارات العادية عن سيارات الأجرة التي تعمل بين الأقاليم.

وتعد السكك الحديدية المصرية ثاني أقدم خطوط حديدية في العالم بعد نظيرتها البريطانية حيث بدأت عملها في مصر عام 1851 وتنقل الآن حوالي 1,4 مليون راكب يوميا وقد إرتبطت القطارات في ذاكرة الشعب المصري بالسفر وفراق الأحباب ولقاءهم أيضا وظهر ذلك في الاعمال السينمائية المصرية مثل فيلم "رصيف نمرة خمسة" للمخرج يوسف شاهين وغنى لها كبار المطربين والمطربات مثل الأغنية الشهيرة للفنانة عفاف راضي "يا وابور الساعة 12" والتي غناها أيضا الفنان إيمان البحر درويش، كما لا ننسي أغنية الفنان محمد عبد الوهاب كلمات الشاعر أحمد رامي والتي غناها عبد الوهاب في فيلم "يحيا الحب" عام 1937 "يا وابور قول لي رايح على فين" ثم يستفيض عبد الوهاب في وصف وابوره (قطاره) الذي يجري قبلي وبحري يطلع وادي وينزل كوبري يقرب حبيبا ويبعد حبيبا آخر ويجمع شمل الأحبة ويفرقهم. وقد كانت محطة القطار في كل محافظة ومدينة وقرية هي بوابتها التي تصلها بالعالم الخارجي والتى تعد مركز العمران وبوابة الحياة، فمن خلالها يأتي الأحباب وتأتي البضائع (الطرود) والبريد والجرائد اليومية.

مع إزدياد الحراك البشري والتكدس السكانى فقد القطار رومانسيته وأصبح السفر بالقطار "شر لا بد منه" وأصبح في غالبه وسيلة المواصلات التي تستخدمها الطبقات الفقيرة في المجتمع – بإستثناء قطارات النوم والقطارات المكيفة. وتعد حادثة قطار الصعيد التي وقعت في فبراير 2002 بـ"العياط" جنوبي القاهرة- الأسوأ من نوعها في تاريخ السكك الحديدية المصرية، حيث راح ضحيتها أكثر من ثلاثمائة وخمسين مسافرا بعد أن تابع القطار سيره لمسافة تسعة كيلومترات والنيران مشتعلة فيه؛ وهو ما إضطر المسافرين للقفز من النوافذ.وكانت عربات القطار مكدسة بالركاب البسطاء المسافرين لقضاء عطلة عيد الأضحي في مراكزهم وقراهم في صعيد مصر. أما آخر حوادث القطارات في مصر فقد حدث في أغسطس عام 2006 حيث لقي أكثر من 50 راكبا مصرعهم وأصيب عشرات آخرون في حادث تصادم قطارين للركاب قرب بلدة قليوب شمال القاهرة.

وعلى الرغم من أنني – كغالبية المصريين – أحب ركوب القطارات ولي معها ذكريات جميلة إلا أنني لابد أن أراجع نفسي قبل الإقدام على ركوب القطارات مرة أخرى وربما أجنح إلى كتابة "وصيتي الشرعية" قبل الإقدام على هذه المغامرة.

أمريكا شيكا بيكا[عدل]

"أمريكا شيكا بيكا .. تلاعبك عالشناكل وتجيب عاليك واطيكا،" هكذا غنى الفنان محمد فؤاد في فيلم "أمريكا شيكا بيكا" الذي كتب قصته مدحت العدل وأخرجه خيري بشارة عام 1993 والذي يناقش قضيه حلم الهجرة إلى أمريكا من خلال نماذج مختلفة من الشباب المصري الذين قرروا أن يخوضوا تجربة الهجرة إلى أرض الأحلام والحرية والثروة، وهم ابن البلد الشاب أحمد (محمد فؤاد) والدكتور فؤاد (عماد رشاد) والراقصة (شويكار) وإبنتها، ومجموعة أخري من أولاد البلد البسطاء. تقرر هذه المجموعة من الشباب الهجرة إلى أمريكا لتحقيق أحلام الثراء والمجد والحياة السهلة، ولكن كغالبية الشباب المصري الراغب في الهجرة يقعون ضحية محتال يبيعهم الوهم من خلال تسهيل سفرهم إلى أمريكا مروراً برومانيا – التي تدور فيها أحداث الفيلم.

وبهذا الفيلم يطرح مخرجه واحدة من أهم القضايا التي تشغل بال الشباب المصري الراغب في الهجرة إلى بلاد العم سام. فمنذ مطلع السبعينيات من القرن العشرين – وربما قبلها - بدأ الحلم الأمريكي يراود العديد من أبناء الطبقة الوسطى في مصر، ثم تعزّز هذا الحلم في عصر الانفتاح وتنامي نمط المجتمع الاستهلاكي والغزو الثقافي الأمريكى من خلال السينما، ثم حديثا العولمة والإنترنت والهواتف النقالة والبريد الالكتروني وسرعة تدفق المعلومات التي جعلت من كوكبنا قرية صغيرة.

وعلى الرغم من تغير الظروف بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 وتشديد الاجراءات الأمنية الخاصة بالهجرة إلى أمريكا، وعلى الرغم من عدم رضا الشارع العربي عن السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط، إلا أن ذلك لم يثنِِِِِ الشباب عن حلمهم بالهجرة إلى أمريكا مهما كلفهم هذا الحلم وكأن السياسات الأمريكية شىء والهجرة إليها شيء آخر أو كما يقول المثل الشعبي "هذه نقرة، وهذه نقرة أخرى." ولعل هروب 11 طالبا من أصل 17 كانت قد أرسلتهم جامعة المنصورة للدراسة في أمريكا أكبر دليل على تواصل الحلم الأمريكي عبر الاجيال. وكانت مجموعة تضم 17 طالبا من جامعة المنصورة بمحافظة الدقهلية قد وصلت إلى مطار جون كنيدي الدولي يوم 29 يوليو 2006 للحصول على برنامج تدريبي في اللغة الإنجليزية لمدة شهر في جامعة مونتانا، وفي يوم 31 يوليو 2006 وصل ستة طلبة فقط إلى الجامعة بينما إختفى الباقون.

طبقا للاجراءات الأمنية الصارمة المعمول بها في الولايات المتحدة الأمريكية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، قامت الجامعة الأمريكية بإبلاغ الحكومة الأمريكية بأسماء الطلبة المختفين. وقد قامت المباحث الفيدرالية الأمريكية بتوزيع منشور بأوصاف الطلاب المختفين، وقامت السلطات الأمريكية خلال فترة وجيزة بالقبض على بعضهم بينما آثر بعضهم تسليم أنفسهم طواعية عندما شاهدوا هذه المنشورات، وقد أثبتت تحريات المباحث الفيدرالية أن لا علاقة لهؤلاء الطلبة بأية تنظيمات إجرامية.

ربما تكون القصة إلى هنا عادية ولكن وجه الغرابة أن هؤلاء الطلبة قد ذهبوا إلى هذا البرنامج على نفقتهم الخاصة – أو قل على نفقة أهلهم لتحري الدقة – وتكلفة البرنامج قدرها – ويا للعجب – 22 ألف جنيه! نعم 22 ألف جنيه تكلفة برنامج تدريبي (كورس) في اللغة الإنجليزية لمدة شهر! والأكثر عجبا أن مثل هذا البرنامج يتم تقديمه في مصر ولا تزيد تكاليفه عن ألف جنيه مصري فقط لا غير! لماذا إختار هؤلاء الطلبة وأهليهم أن يدفعوا هذا المبلغ الذي يساوي تكلفة هذا البرنامج في مصر 22 مرة .... مجرد سؤال؟

صورة

تمثال الحرية – نيويورك

إنجليزي يا مرسي[عدل]

كان أستاذنا في جامعة حلوان في مطلع الثمانينات من القرن العشرين يقول لنا دائما أن المؤهلات المطلوبة في سوق العمل هذه الايام بسيطة جدا وأنه على إستعداد لمساعدة أي شخص تتوافر فيه هذه المواصفات في العمل بوظيفة مرموقة، وكانت المواصفات التي إعتبرها أستاذي هذا ضرورية للمنافسة في سوق العمل هي الحصول على "أي مؤهل جامعي" بالاضافة إلى إجادة العمل على الحاسب الآلي وإجادة اللغة الإنجليزية. وكان تعلم الحاسب الآلي في ذلك الوقت ترف ما بعده ترف لايقدر عليه إلا فئة قليلة من طلبة الجامعة وحديثي التخرج، وكان تعلم الحاسب الآلي يقتصر على تعلم لغات البرمجة والتعامل مع بعض البرامج التي تعتبر بمقياس هذا العصر غاية في البداوة والتخلف.

أما اللغة الإنجليزية، فعلى الرغم من أن مستوي تدريسها بالمدارس في تلك الايام كان أفضل بكثير مما وصل إليه حال تدريسها هذه الأيام، إلا أن الراغب في المنافسة في سوق العمل كان عليه أن يلتحق بأحد مراكز تعليم اللغة التى بدأت في الإنتشار لتلبية الطلب المتزايد عليها، أما مراكز التدريب التابعة للجامعات الأجنبية والمراكز الثقافية الدولية فكانت بعيدة المنال عن الغالبية العظمى من الشباب في ذلك الوقت نظرا لإرتفاع تكاليف الدراسة بها.

بعد ثلاثة عقود من الانفتاح على العالم وبعد إفتتاح مئات وربما آلاف المراكز لتعليم اللغة الإنجليزية في شتى أنحاء القطر المصري من الإسكندرية إلى أسوان و من حلايب وشلاتين إلى مطروح، ما هو حال اللغة الإنجليزية في مصر؟ طبعا لا أتحدث عن حال اللغة الإنجليزية في المدارس ولا بين العاملين في المنظمات الدولية من خرجي المدارس والجامعات الأجنبية، ولكنني أتحدث عن اللغة الإنجليزية في الشارع، أو ما يمكن أن نطلق عليه اللغة الإنجليزية in action وكيف يستخدمها القطاع الخاص.

إن جولة سريعة في شوارع القاهرة، ولا أقول في الشوارع الراقية أو الأماكن السياحية سوف تعكس مدى الإنتشار غير المبرر لاستخدام اللغة الإنجليزية على واجهات المحال التجارية والمقاهي والمطاعم أيضا حتى أن بعض هذه المنشآت إكتفت بكتابة لافتاتها باللغة الإنجليزية فقط، كما قامت بعض المقاهي الحديثة بطباعة قائمة المأكولات والمشروبات الخاصة بها باللغة الإنجليزية فقط. وقد يكون لهذه المنشآت العذر إذا كانت تتعامل فقط مع غير المصريين من الزائرين للعمل أو السياحة ولكن الحقيقة الدامغة تؤكد أن غالبية زبائن هذه المنشآت مصريون. أضف إلى ذلك أن نسبة الأمية في مصر تتجاوز الثلث، أي أنه من بين كل ثلاثة أشخاص بالغين يوجد شخص لا يجيد القراءة والكتابة باللغة العربية ... فما بالك باللغة الإنجليزية؟

إلى هنا وقد يبدو إنتشار اللغة الإنجليزية بهذا الشكل أمرا مبررا لدى البعض، فمصر دولة محورية في المنطقة ولها علاقات دولية طيبة ويقصدها ملايين الزوار كل عام للعمل أو للسياحة، كما أن اللغة الإنجليزية لغة دولية فرضتها العولمة ويجب أن تأخذ مصر مكانها في هذا العالم المتغير وتتفاعل بصورة إيجابية مع هذه المتغيرات، ولكن الصدمة الكبرى لابد أن تصيبك وأنت تقرأ هذه اللافتات أو قوائم الطعام والشراب في هذه المحال فهي مليئة بالاخطاء اللغوية، فهذا يسمي مقهاه النمر الاسود ويكتبها باللغة الإنجليزية Black Teigir وآخر يبيع الفطير ويعلق لافته مكتوب عليها Egyptian Bancake، أما عن أخطاء المطاعم والمقاهي فحدث ولا حرج فهذا يكتب Resturnt and Caffee . حتى المحال التي تتعامل مباشرة مع السياح فهذا يكتب على لافتة معرضه Piramids Sovineers و آخر يكتب Papyros Galiry وقائمة طويلة من الاخطاء الصارخة.

عند إستعراضي للافتات المكتوبة باللغة الإنجليزية التي تزدان بها المحال التجارية والغارقة في الاخطاء اللغوية أتذكر الفنان خفيف الظل سعيد صالح في مسرحية مدرسة المشاغبين وهو يقول "مرسي الزناتي إتهزم يا mens".

صورة

ساعة بيج بن الشهيرة بلندن

== حجاب فاشون ==----------------------------------------

مع إزدياد أعداد المحجبات في مصر ظهرت الحاجة إلى ملابس محتشمة تتناسب مع الراغبات في إرتداء هذه الازياء. في بداية الاتجاه إلى إرتداء الحجاب في أوائل الثمانينات من القرن العشرين واجهت النساء الراغبات في إرتداء هذه الازياء مشكلة كبيرة في الحصول على الملابس التي تتناسب مع قناعاتهن الدينية حيث كانت غالبية المحال تعرض الملابس العصرية ذات الذوق الغربي وكانت النساء الراغبات في إرتداء الحجاب يلجأن في معظم الاحوال إلى تفصيل الملابس عند محال الحياكة حتى تفتق ذهن البعض إلى الدخول في هذه التجارة الرائجة بوازع ديني أو تجاري أو ربما الاثنين معا وتم إفتتاح أول مركز تجاري متخصص في بيع ملابس المحجبات بالقاهرة في ضاحية مصر الجديدة، أما في الإسكندرية فقد تم إفتتاح محل شهير لبيع ملابس المحجبات في منطقة محطة الرمل، ولما زاد الطلب على الملابس المحتشمة قام صاحب هذه الشركة بإفتتاح فرع آخر لشركته بالقاهرة الكبرى بمنطقة الهرم.

وقد ظلت هذه المحال مقصدا للعديد من النساء والفتيات الراغبات في إرتداء هذا النوع من الملابس حتى منتصف التسعينات من القرن العشرين عندما إشتد الطلب على هذا النوع من الملابس فتنبهت مصانع الملابس الجاهزة لهذا الطلب الكامن وأغرقت السوق بكميات هائلة من الملابس النسائية التى تتناسب مع الطلب على ملابس المحجبات مما أفقد المحال التقليدية الرائدة التى تخصصت في بيع هذا النوع من الملابس مكانتها، وفقدت عبارة "محلات ..... لملابس المجبات" معناها بعد أن أصبحت هذه الملابس معروضة في غالبية المحال التى تبيع الملابس الجاهزة لدرجة أنني قد لا أكون مخطئا إذا قلت أن غير المحجبات ربما يواجهن مشكلة في البحث عن ملابس مناسبة لأذواقهن.

على الرغم من أن السروال (البنطلون) كان مرفوضا لدى المحجبات بإعتبارأنه لا يليق بالمحجبة أن ترتدي السروال، إلا أن بعض رجال الدين قد أجازوا أرتداء السروال على أن يكون فضفاضا لا يصف ولا يشف، بل أن بعض رجال الدين قد ذهبوا بعيدا في إباحة إرتداء السروال إلى الحد الذي جعل أحدهم ينحاز للسروال ويفضله عن التنورة (الجيبة). إستنادا على هذه الاراء – المتلفزة – وربما لدواعٍ عملية تحولت غالبية النساء إلى إرتداء السروال – الفضفاض – بديلا عن التنورة، ثم شيئا فشيئا بدأ السروال يضيق – ربما بسبب السمنة – حتى إنتهى في كثير من الاحيان إلى سروال ضيق من القطن الخشن (بنطلون جينز) لا يشف ولكن يصف! ثم شيئا فشيئا تحول القميص الفضفاض إلى "فانلة تي شيرت" ثم إلى "بودي،" والبودي – لمن لا يعرف – هو قميص شديد الضيق ... يصف وفي بعض الاحيان يصف ويشف! ولكن يبقى غطاء الشعر.

وغطاء الشعر أو الطرحة هو الرمز وهو ما تبقى من الحجاب في أيامنا هذه، ولكن مع إنتشار ما يسمي "كوافير المحجبات" وهو صالون تجميل الشعر للمحجبات، أبت غالبية المحجبات اللاتي يقصدن هذه المحال ألا يهدرن ما أنفقنه من مال على تصفيف شعورن بإخفائه تحت الطرحة، فتفتق ذهنهن عن حيلة لآظهار زينتهن – لبعولهن ولغير بعولهن – بان أزحن الطرحة إلى الخلف قليلا – وأحيانا كيثرا – حتى تظهر خصلات شعرهن المصبوغة بالاحمر والاصفر والاشقر، ناهيك عن مساحيق الوجه والرموش الإصطناعية والحواجب المرسومة بدقة وألوان الشفاة من نوعية "ماكس فاكتور" الفاخرة التي تنتجها شركة "بروكتر أند جامبل" الأمريكية، ناهيك عن طلاء أظافر الكفين والقدمين.

ولما كان الحال كذلك، ومع تحول الحجاب لدي الكثيرات – عن علم أو غير علم – إلى أسلوب حياة عصري وطريقة لباس مختلفة، تنافست دور الازياء في تصميم الملابس الخاصة بالمحجبات – المتأنقات – وظهرت أسماء رجال ونساء تخصصوا في تصميم هذا النوع من الملابس وأصبحت لها عروض أزياء على غرار عروض الازياء العالمية في ميلانو وباريس (ديفيليه) وأصبحنا نسمع عن "حجاب ديفيليه،" ثم زادت التغطية الصحفية في بعض المجلات والصحف التى تساعد المحجبات – المتأنقات – على إختيار الازياء المناسبة لهن إلى أن ظهرت في الاسواق مجلة جذابة ذات طباعة فاخرة متخصصة في ملابس المحجبات وربطات الرأس الخاصة بهن، هذه المجلة إسمها "حجاب Fashion" وهى مطبوعة على غلاف المجلة بهذه الثنائية اللغوية والتى تعني حجاب الموضة أو موضة الحجاب. ربما يلخص عنوان هذه المجلة ما تعجز الكلمات عن وصفه ... وعجبي!

صورة

فلاحة مصرية مع طفلها – إميل فرنيت ليكومت (1821-1900)

مدارس قطاع خاص[عدل]

لا يمكن الحديث عن أحوال المجتمع المصري في مطلع القرن الحادي والعشرين بمنأى عن التعرض لمشكلة الدروس الخصوصية التي أصبحت تشكل نظاما تعليميا موازيا للتعليم الرسمي ومدارس قطاع خاص غير مسجلة يديرها "رجال أعمال" محترفين تحركهم قوى العرض والطلب وديناميكيات السوق بمنأى عن الرقابة الحكومية والضرائب ومصلحة السجل التجاري.

كان من يضطر إلى اللجوء إلى الدروس الخصوصية في الماضي يتعاطاها في الخفاء وفي بعض المواد التي يخشى الطالب الرسوب فيها، وكانت الدروس الخصوصية قاصرة بشكل كبير على مواد الرياضيات – التي يكرهها معظم التلاميذ في مصر – وكذلك اللغة الإنجليزية ... أما الان فقد أصبحت الدروس الخصوصية واقعا معاشا في كل بيت مصري، ليس لرفع مستوى الطالب الضعيف الذي يخشى الرسوب في بعض المواد، ولكن للحصول على الدرجات النهائية في جميع المواد، حتى أن هذه الظاهرة لم تعد قاصرة على المواد الهامة وصعبة الفهم والاستيعاب بالنسبة للبعض مثل الرياضيات واللغة الإنجليزية، ولكنها توسعت لتشمل الجغرافيا والتاريخ ويا للأسف اللغة العربية أيضا ... اللغة الأم والتي كنا نأسف لمن يضطرون إلى تعاطي الدروس الخصوصية في هذه المادة التي هي قوام ثقافتنا وعماد حياتنا، وأتصور أن مواد التربية الدينية والتربية القومية تدخل ضمن مجموع المواد المؤهلة لتهافت الطلاب على الانخراط في الدروس الخصوصية لتؤهلهم للحصول على الدرجات النهائية في هذه المواد.

من الناحية الإقتصادية، وإعمالا لقوى العرض والطلب، ومع إرتفاع الأسعار وتدهور قيمة الجنيه المصري، فقد إرتفعت مجاميع الدرجات المؤهلة لدخول كليات القمة كما نسميها في مصر - كليات الطب والهندسة والصيدلة و بعض الكليات الاخرى – نظراً لإرتفاع الطلب على هذه الكليات فما كان من الطلاب وأولياء الامور إلاً "شراء" الدرجات التى تتيح لهم الإلتحاق بكليات القمة هذه. وعلى الرغم من تحول العالم من حولنا إلى دراسة العلوم الإجتماعية والإنسانية مثل الإجتماع والجغرافيا البشرية والأنثروبولوجيا والعلوم السياسية إلا أننا مازلنا في المربع رقم واحد، نقدّس الكليات العملية ونفخر بأن أبنائنا سوف يحصلون بعد تخرجهم في هذه الكليات على لقب طبيب أو مهندس أو صيدلي، حتى أن غالبية الجامعات الخاصة التي تم إفتتاحها في مصر في العقد الاخير تخلو في الغالب من أقسام خاصة بدراسة العلوم الاجتماعية ولا يوجد بها والحال كذلك أيّه مراكز بحثية خاصة بالعلوم الإجتماعية.

وبمناسبة الحديث عن مكانة دراسة الطب في مصر للحصول على لقب دكتور، أذكر أنه أثناء دراستي الجامعية في أوائل الثمانينات من القرن العشرين أن إحدى السيدات في قريتنا بصعيد مصر سألتني عن أحوالي الدراسية فأجبتها بأنني أدرس بكلية التجارة وإدارة الأعمال، فباركتني ورفعت أكُفً الدعاء إلى الله وقالت "ربنا يوفقك ويحميك يا ولدي ونشوفك دكتور (طبيب) قد الدنيا!" الطبيب فقط هو الذي يمكن أن يكون "قد الدنيا" وهو منى أمل أي طالب علم في مصر.

قبل بداية العام الدراسي وفي منتصف يوليو الحار يبدأ عادة مهرجان الدروس الخصوصية ويبدأ أولياء أمور الطلاب رحلة المعاناة بالاتصال بأوكار الدروس الخصوصية وبرجالاتها المشاهير ... الاستاذ سيد عبد الفتاح "جبرتي التاريخ" والاستاذ زهير المصري "أينشتاين الفيزياء" والاستاذ عباس الشلشلموني "ملك الجبر" والاستاذ أحمد حلمي "سيبويه اللغة العربية" وغيرهم، وقد خصص بعض هؤلاء الأعلام والنجوم الزاهرة في سماء القاهرة مديري أعمال لهم يتلقون المكالمات الهاتفية ويرتبون المجموعات ويحددون الأتعاب وأماكن اللقاءات.

أشارت دراسة أعدها مركز المعلومات ودعم إتخاذ القراربمجلس الوزراء أن حوالي 70 بالمائة من طلاب المدارس في السنوات الدراسية المختلفة يحصلون على دروس خصوصية، فيما أشارت إحصاءات رسمية إلي أن هذه الدروس الخصوصية تكلف الأسر المصرية قرابة 15 مليار جنية سنويا. وأشارت الدراسة إلى أن نسبة من يعتمدون على الدروس الخصوصية تزيد أو تقل، وفقا لمستوى دخل الأسرة، ففي حين تقل النسبة إلى حوالي 61 في المائة في الأسر صاحبة الدخل الإقتصادي المنخفض تزيد إلى 77 في المائة في الأسر ذات الدخل المرتفع. ونظرا للإعتماد التام على الدروس الخصوصية، أصبحت غالبية المدارس – وخاصة الثانوية – خاوية على عروشها، لا يذهب إليها التلاميذ إلا للتقدم من خلالها لدخول إمتحانات نهاية العام. وعلى الرغم من المليارات التي يدفعها أولياء الامور في الدروس الخصوصية والتى تبلغ 500 جنيه شهريا في المتوسط، فإن غالبيتهم لا يجدون عملا بسهولة، وربما يقبل بعضهم العمل براتب شهري يقل عما كان ينفقه عليه ولى أمره في بند واحد فقط من بنود الإنفاق ..... الدروس الخصوصية!

توك توك[عدل]

"التوك توك" هو وسيلة نقل أفراد هندية الأصل وهو تطوير للدراجة ذات الإطارات الثلاث المزودة بمقعد خلفي يتسع لشخصين والتى تسمى في الهند "ريكشا،" والتوكتوك ما هو إلا دراجة بخارية عادية لها نفس محرك "الفيسبا،" ولكن مع إدخال بعض التعديلات على الشكل الخارجي، فتم إضافة إطار ثالث خلفي مع مقعد يتسع لشخصين بخلاف السائق ومظلة للتغطية. وقد عرفت هذه الوسيلة طريقها إلى مصر منذ عام 2003 وإنتشرت على إستحياء في بعض مدن وقري محافظات الدلتا ومدينة العريش بمحافظة شمال سيناء، ثم زحفت علينا هذه "التكاتك" بلا إستحياء لتصبح مشهداً من مشاهد الحياة اليومية في الاحياء الشعبية والمناطق العشوائية بالقاهرة والمحافظات.

وتمتاز هذه المركبات بصغر حجمها وقدرتها على المناورة وشق الزحام والوصول إلى الأماكن الضيقة التي لا يمكن للسيارات الوصول إليها. وأعتقد أن هذه المركبات ما هي إلا تطوير شكلي للموتوسيكلات ذات الصندوق الجانبي (Side Car) التى كانت تقف على قارعة الطرق الزراعية عند مداخل القرى والكفور في محافظات الدلتا لتوصيل الأفراد عبر طرق غير ممهدة في الغالب إلى القرى والنجوع والتجمعات السكانية النائية، وأذكر أنني قد استخدمت هذه الوسيلة من وسائل النقل في مقتبل حياتي الوظيفية عندما كان من مهام وظيفتى متابعة الأنشطة السكانية في المناطق النائية والبعيدة عن خطوط المواصلات الرئيسية في إحدى محافظات الدلتا.

وعلى الرغم من إرتفاع سعر التوكتوك الذي يصل أحيانا إلى 20 ألف جنيه إلا أنه يلقى إقبالا كبيرا من الشباب بإعتباره أحد المشروعات الاستثمارية الصغيرة، ويشترك في ملكية التوكتوك الواحد أكثر من شاب وربما إقترض بعض الشباب لبدء مشروع التوكتوك، وعلى ذلك فإن وحدات التوكتوك بالاضافة إلى أنها وسيلة رخيصة للتغلب على مشاكل النقل المحلي فهي وسيلة هامة لتشجيع الشباب على إنشاء مشروعات خاصة بهم والمساهمة في حل مشكلة البطالة. وقد خلق التوكتوك سوقا موازية، فإنتشرت محال بيع قطع غيار و"أكسسوارات" التوكتوك وكذلك ورَش الصيانة والاصلاح، ولكن تبقى المشكلة الفنية الرئيسية في التوكتوك وهي أنه يمكن أن ينقلب بسهولة وذلك بسبب حجمه وإطاراته الثلاثة الصغيرة والحمولة الزائدة في كثير من الأحيان.

النظافة من الايمان[عدل]

النظافة من الإيمان ... شعار جميل يحلو لنا أن نتشدق به ونطبعه على دفاتر (كراسات) تلاميذ المدارس ونطبعه على نفقتنا الخاصة لنلصقه في وسائل النقل العام وعلى الحوائط في مخالفة صارخة للقانون والذوق العام ونحسب أننا نحسن صنعا، ولكن أين التنفيذ .. أين النظافة؟ النظافة في بلادنا هي نظافة وحدتك السكنية فقط، أما خارجها فهي منطقة مشاع ترتع فيها القطط والفئران، فتجد صورة شديدة التباين بين حرص الأسر المصرية على نظافة وحداتهم السكنية وإهمالهم التام لما عداها من مشاع المبنى السكني. أما عن الشوارع فحدث ولا حرج، فقد إعتاد الجميع على مناظر أكوام القمامة، ليس فقط في الشوارع الجانبية، بل إمتد هذا المنظر المنفر إلى العديد من الشوارع الرئيسية في العاصمة.

أما إذا ساقك حظك العاسر إلى السير خلف إحدى الحافلات التي تنقل الأطفال إلى المدارس فإنه من المؤسف أنك لن تستطيع حصر أكياس البطاطس المقلية (الشيبس) الفارغة التى يلقيها الأطفال من نوافذ الحافلة، وهذا السلوك هو محاكاة لما يحدث في كل البنايات حيث أنك مسئول عن نظافة وحدتك السكنية فقط، أما ما عدا ذلك فأنت لا تشعر بالمسئولية تجاهه.

ونظراً لتفاقم مشكلة جمع القمامة استعانت أجهزة الادارة المحلية بالشركات الاجنبية المتخصصة وكانت محافظة الإسكندرية هي أول محافظة مصرية تتعاقد مع شركة أجنبية لجمع القمامة حيث تعاقدت عام 2001 مع إحدى الشركات الفرنسة. في عام 2003 تعاقدت محافظتا القاهرة والجيزة مع شركات ايطالية وأسبانية للقيام بنظافة المحافظتين. وقد كان مبرر إستقدام هذه الشركات الاجنبية للعمل في مصر أن الشركات المصرية لا تملك الأجهزة الحديثة لتتعامل مع القمامة بشكل علمي، ولا تستطيع إنشاء مدافن صحية للمخلفات وفقا لشروط ومعايير السلامة البيئية!

وعلى الرغم من مرور أكثر من ثلاثة سنوات على إستقدام هذه الشركات للعمل في جمع القمامة بالقاهرة الكبرى والإسكندرية إلا أن مستوى النظافة في هذه المحافظات لا يرتقي للمستوى اللائق بمحافظات الدرجة الأولى .... ولا حتى السبنسة.

النقابة العامة لبائعي العرقسوس[عدل]

العرقسوس عبارة عن نبات شجري معمر ينبت في كثير من بقاع العالم مثل آسيا الصغرى وأواسط آسيا وأوربا وسوريا ومصر، والجزء المستخدم من هذا النبات هو الجذور. ولقد عرف القدماء المصريون والرومان والعرب هذا النبات وورد وصفه في كثير من المراجع القديمة، وأن منقوعه المخمر يفيد في حالات القيء والتهيج المعدي. وهذا النبات له قيمة علاجية عالية لدى المصريين منذ قديم الأزل، حيث كان يستخدم في علاج العديد من الأمراض، والعرقسوس من الأعشاب المفيدة جداً في علاج قرحة المعدة. وعرفت جذور نبات العرقسوس منذ أكثر من أربعة ألاف سنة عند البابليين، كما عرفه المصريون القدماء وأعدوا شراباً من جذوره، و قد وجدت جذور العرقسوس في مقبرة الملك الشاب توت عنخ أمون التي تم إكتشافها عام 1923. ومازال العرقسوس هو الشراب المفضل لدى غالبية المصريين حتى الآن.

"بائعو العرقسوس بالقاهرة من أبناء محافظة سوهاج طالبوا وزيرة القوى العاملة بالسماح لهم ومعهم خمسة ملايين عامل يشكلون العمالة غير الرسمية بتشكيل نقابات وروابط للدفاع عن مصالحهم في فرص العمل "اللائقة" والأجر والإجازات والتأمين الإجتماعي،" هكذا يقول الخبر المنشور بجريدة المصري اليوم بتاريخ 18 سبتمبر 2006. وبما أنني من عشاق العرقسوس وعصير القصب – الخالي من السوس – فإننى أطرب لسماع صوت الصاجات النحاسية التي يبرع باعة العرقسوس في قرعها للدعاية لشرابهم وتنبيها لعشاق العرقسوس بوصول مشروبهم المفضل، وأتخيل أن أحد المستثمرين لو إستطاع تعبئة العرقسوس وعصير القصب في زجاجات أو علب معدنية كتلك المستخدمة في تعبئة المياه الغازية لتحوَلت نسبة كبيرة من مستهلكي المياة الغازية إلى هذه المشروبات وربما كنت أنا أول المتحولين ..... وشفا وخمير يا عرقسوس!

المؤلف[عدل]

الدكتور أيمن زهرى باحث متخصص و خبير دولي في مجال الدراسات السكانية ودراسات الهجرة، عمل بالبحث والتدريس والعمل التنفيذي بالمجلس القومي للسكان (مصر) والمركز الديموجرافي بالقاهرة وأكاديمية تطوير التعليم ومركز جامعة ساسيكس لدراسات الهجرة بإنجلترا والجامعة الأمريكية في بيروت والجامعة الأمريكية بالقاهرة والمركز الدنماركي للدراسات الدولية بكوبنهاجن. كما عمل مستشاراً في مجالات السكان والهجرة لدى جامعة الدول العربية والمنظمة الدولية للهجرة والبنك الدولي ومنظمة الامم المتحدة للتعليم والعلوم والثقافة والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية والإتحاد الأوروبي، بالاضافة للعديد من المنظمات والهيئات الإقليمية والوطنية.

نُشِرَ للدكتور زهرى العديد من الابحاث والمقالات المتعلقة بالدراسات السكانية ودراسات الهجرة في العديد من الدوريات العلمية الدولية وشارك في العديد من المؤتمرات والندوات الوطنية والاقليمية والدولية المرتبطة بمجالات إهتماماته البحثية، كما نُشِرَ له العديد من المقالات في الصحافة المصرية والعربية.

الدكتور زهرى عضو نشط في العديد من الجمعيات العلمية المرتبطة بمجالات إهتمامه ومنها على سبيل المثال الجمعية الجغرافية المصرية وجمعية الديموجرافيين المصريين والإتحاد الدولي للدراسة العلمية للسكان والجمعية الدولية لدراسة الهجرة القسرية والجمعية الأوروبية للدراسات السكانية.

على المستوى الشخصي، يهوى المؤلف التصوير الفوتوغرافي الرقمي والفنون الشعبية والغناء الصوفي، كما يهوى العمارة الإسلامية وخصوصا منطقة القاهرة الفاطمية.

الطبعة الاولى: نوفمبر 2006

حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلف توجد نسخة كاملة من هذا الكتاب على نسق PDF على الموقع الالكتروني للمؤلف www.zohry.com