المياه كلّها بلون الغرق

من ويكي الكتب
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

إميل سيوران : المياه كلّها بلون الغرق ( العنوان من وضع الناشر العنوان الأصلي للكتاب : مقايسات المرارة )

ترجمة : آدم فتحي

على سبيل التقديم لماذا لماذا يجب أن نقرأ سيوران عاشق الحياة، الإنتحاريّ بمتياز...[عدل]

لعلنا نر عتمة أشدّ من هذه التي تحيط بالإنسانيّة من كلّ جانب في بداية هذا القرن الواحد و العشرين، ونحن بين ألفيّة أسكنت القبر وأخرى تنتفض كالطائر الخارج من بيضته، مدجَجة بكلّ ما ورثه عن سابِقَتِهَا من وسائل تدمير الروح والعقل و الجسد والقِيم والوجدان...

في مثل هذه العتمات نحتاج إلى كتّاب مثل سيوران.

كان يعتبر نفسه من ( الفلاسفة بالصدفة )، معلنًا أنّ الكتب الوحيدة التي تستحقّ أن تُكتب هي( تلك التي يؤلّفها أصحابها دون أن يفكّروا في القراء ودون أن يفكروا في أيَ جدوى أو مردود ) مضيفًا ( إنَ مأساة الكتّاب بصفة عامَة تتمثّل في كونهم يملكون جمهورًا و يكتبون لهذا الجمهور، وهذا لا يمكن أن يؤدّي إلا إلى عواقب وخيمة ).

كتب يقول ليس : ( ليس لي أفكار، بل وساوس... أحبَ الفكر الذي يحافظ على مذاقٍ من الدم واللحم... ) ذلك أنّ الكتابة بالنسبة إليه طريق إلى اللاكتابة. إنّها نوع من التحايل على الحياة التي تتظاهر بالمعنى والحال أن لا معنى لها على الإطلاق. إنّ الحياة تدفع إلى الموت ولكنّ الموت بهذه الطريقة هو إستسلام أسهل من أن يقبل به من كان مثل سيوران. لذلك فهو يكتب كي يموت على طريقته هو، بإستطيقاه هو، عابثا بالفلسفة النسقيّة خصوصا، ساخرّا من الفكر المحنّط في صرامته البهرجيّة، أخذًا من الشعر و الموسيقى جوهرهما المشترك : الومضة والإشراق. وكأنّه يعلن أنّ من كان شظيّة مثله لا يمكن أن يكتب إلاّ بالشظايا، بالشذرات، بالمزق المتناثرة في كل اتّجاه وخاصة في إتّجاه السقوط، وهو اتّجاه الكينونة الوحيد منذ البداية. وقد اختار سيوران أن يواجه سقوطه وأ، يلتمّسه ويتحسّسه بالكتابة الساخرة المرَة اللاعبة بحكمتها المستظلّة بخفّتها المستنجدة بهشاشتها استنجدها يآخر ملجأ ممكن للإنسان، وهي كتابة جسديّة تكاد تمارس الجنس مع الكون في وضع إغتصاب ساديّ مازوشيّ متبادل لايهرب من الموت لكنّه يرفض الإنتحار، من ثّم نفهم قوله : ( إن كلّ كتاب هو إنتحار مرجأ... )

هذا الكاتب ( الزهد ) في الجمهور ألف لـ ( جمهوره ) خمسة عشر كتابا إلى جانب المخطوطات التي عثر عليها بعد وفاته واتي قد تصدر قريبا. وليست هذه أقل مفارقاته هو الذي يصح أن نطلق عليه اسم سيد المفارقة. لقد دأب على الكتابة والنشر طيلة حياته بما لا يدع مجالا للشك في حرصه على الحضور، إلا أنه كان يريده حضورا دون دون ظهور، حظورا خاليا من البهرج والزينة الفرجوية