الرد على المشككين في نزاهة الأمير عبد القادر

من ويكي الكتب
اذهب إلى: تصفح، ابحث
                                             ===== المؤلف: بن نية بشير نذير =====

مقدمة[عدل]

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه ومن اتبعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد فإن بحثي هذا تناولت فيه شخصية الأمير عبد القادر من ناحية الرد على المشككين سوآءا كانوا مستشرقين أم أعداء يريدون تدمير رموز الدولة الجزائرية وأعلامها المستنيرة، ومما ركزت عليه في هذا البحث، نقطتين رأيتهما من النقاط التي هزت الرأي العام وساد الجدل فيها، فهناك من المؤرخين من ذهب إلى القول بأن الأمير عبد القادر خائنا، دبر أمر استسلامه وتعاون مع المستعمر، وهذا ما دفعني إلى كتابة هذا الموضوع، لكن السبب الرئيسي الذي دعاني إلى الاهتمام بالدفاع عن هذه الشخصية هو الجدل الذي دار بيني وبين أستاذة وحدة خلافة عباسية في حصة الأعمال الموجهة حول شخصية الأمير عبد القادر وماسونيته. تضمن بحثي عناصر عوض فصول، والذي يتكون من ستة عناصر، إستهليت البحث بنبذة عن حياة الأمير عبد القادر، ثم اكتفيت بذكر بعض إنجازات الأمير، ومن تم ذكرت المؤامرة التي دبرها له المستعمر لأسره ثم نفيه، وفيما بعد بينت طريقة فهمه للتصوف أما العنصر ما قبل الأخير فقد خصصته لعرض ما قاله المشككون حول ماسونية الأمير عبد القادر ثم قمت بالرد عن هذه الاتهامات وإبطالها، أما آخر عنصر فقد ذكرت فيه وفاة الأمير عبد القادر. بالنسبة للمراجع والمصادر، لم أجد صعوبة في الحصول عليها، وكانت كلها موضوعية ما عاد كتاب عبد القادر الجزائري للسيسيولوجي الفرنسي إيتيان برونو الذي يميل إلى تبيان سلبيات الأمير عبد القادر بطريقة غير مباشرة، أما اللغة فكانت سهلة وميسورة مكنتني من فهم الموضوع. هدفي وراء إنجاز هذا الكتيب، هو دفع الطلاب في مختلف التخصصات إلى إنجاز بحوث ونشرها ليستفيد منها العامة من الناس والخاصة من الطلاب والتلاميذ، وهذا لتوعية الطلاب الجزائريين خاصة والعرب عامة بضرورة التطور الفكري والدفع بعجلة العلم في مجتمعاتنا إلى الأمام.

نشأة الأمير عبد القادر[عدل]

هو عبد القادر بن محي الدين، بن مصطفى، بن محمد، بن مختار، بن عبد القادر، ينتسب إلى الإمام حسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، وهو معروف باسم أبو محمد، ولقد أطلقت عليه ألقاب عديدة منها أمير المؤمنين ناصر الدين، الأمير الجزائري، ابن الراشدي، ابن خلاد. ولد عبد القادر ناصر الدين في شهر ماي من سنة 1807 في قرية القطينة على ضفة وادي الحمام في منطقة أغريس التي تقع في إقليم تونس . كان والد عبد القادر مقيما لشريعة الله، والملقب بالشريف لانتسابه إلى سلالة رسول الله صلى الله عليه وسلم. نشأ عبد القادر نشأة دينية، ولقد درس علوم اللغة العربية والفقه والتفسير، ولما بلغ من العمر أربع سنوات التحق بمدرسة في القطينة، ومن هنا ظهر نبوغ عبد القادر مبكرا، فقد كان يقرأ ويكتب في سن الخامسة من عمره. وفي الرابعة عشر من عمره وتحديدا سنة 1821م، أرسله والده إلى مدرسة وهران، أقام بها سنتين ينهل من العلوم العربية والدينية، فاجتهد في تحصيله للعلم والفقه أيما اجتهاد، وكان ذلك على يد الأستاذ أحمد بن طاهر البطيوي قاض أرزيو، وتلقى كذلك منه دروسا في الرياضيات والتاريخ والجغرافية، وقد اطلع أيضا على كتب الفلسفة والمفكرين القدماء والمحدثين. وبعد مضي عامين من تواجده في وهران عاد عبد القادر إلى بلدته القطينة، وتزوج من ابنة عمه وفقا للشريعة الإسلامية، ثم أصبح عبد القادر يقدم دروسا في جامع الأسرة، منها تفسير القرآن الكريم، فكان عبد القادر يطمح ليكون مرابطا كوالده. وفي السابعة عشرة من عمره اشتهر الشاب عبد القادر بين زملائه بقوة ونشاط، فهيئته المتكاملة المتناسقة، وصدره العريض، كلها قد مكنته من احتمال أشق الأتعاب، فقد كان لا يضاهيه في الفروسية، وبذلك كان حديث كل أولئك الذين عرفوه، ولقد اشتهر بسباق الخيل .ويبدوا أن هذه المكانة العلمية والدينية التي يتمتع بها مع والده أوغرت صدر بعض معاصريه، فوشوا به إلى حسين بك حاكم وهران، الذي أمر بالسكن في وهران، وحدد إقامتهم، فشدد عليهم الحراسة، وفي هذه الفترة قد بدأت الحكومة العلية تتخوف من شعبية هذه الأسرة، خاصتا بعد أن اكتشف عبد القادر ضعف الحكومة العثمانية السياسية والعسكرية. وفي سنة 1825م أفرجت الحكومة العثمانية عن عبد القادر ووالده واتجها لأداء فريضة الحج، وفي هذا التاريخ من شهر نوفمبر وصلا تونس مارين بالمدية وقسنطينة وهناك انضما إلى وفد من الحجاج تعداده 2000 حاجا اتجهوا إلى الإسكندرية، ومن ثم قطعا الطريق من السويس إلى جدة، وبعد أن أديا فريضة الحج ذهبا إلى دمشق وبقيا في هذه المدينة عدة شهور، وهناك تعرفا على مشاهير العلماء ، وبعد غياب قرابة عامين وفي أوائل عام 1828م. حلا بقريتهما القطينة ، فكانت رحلة استفادوا منها كثيرا علميا ودينيا، ولم يمضي وقتا طويلا من وصولهما الجزائر حتى تعرضت لحملة عسكرية فرنسية، واحتلت الجزائر العاصمة في 5 جويلية 1830م، واستسلم الحاكم العثماني.

الأمير عبد القادر وجهاده[عدل]

في 1830م احتلت فرنسا الجزائر، واستسلم داي الجزائر بعد ضغط فرض عليه من طرف فرنسا، وهنا برز دور عبد القادر ووالده محي الدين في مقاومة الاستعمار الغاشم، فبعد المجازر التي قامت بها فرنسا في الجزائر لحضت احتلالها الجزائر، وقلق الشعب الجزائري من هذا الوضع، لم يبقى للشعب أملا إلا محي الدين فتوسلوا إليه أن يصبح زعيمهم ولكنه أجابهم: (لا إنني لا أصلح أن أقوم بواجبات هذا المنصب ولكنني سأقوم بما يحتم عليَّ الدين، وإنني سأذهب معكم للجهاد)، ومن هنا بدأ جيش محي الدين يقوم بمحاولات لاسترجاع إقليم وهران، وفي هذه الفترة برز ابنه عبد القادر بمقدرته القتالية وتحكمه في زمام الأمور. لقد هاجم العرب قلعت فليب وهي قلعة قوية في جنوب المدينة، وكان عبد القادر هو الذي اقترح الخطة ولقد قاد الجيش إلى القلعة، ولما وصوا إلى القلعة بدأ دوي المدافع الفرنسية، وفي هذه الأثناء كان عبد القادر يرفع معنويا الجيش والحفاظ على تماسكه. في أثناء الحرب بين الطرفين نفذ من جيش عبد القادر الذخيرة، فصاح قائلا (أيها الجبناء أعطوني الخرطوش)، فلقد لف ذلك في جناحي برنسه وركب فرسه وعبر السهل بمفرده إلى أن وصل القلعة فرمى بالخرطوش في الخندق وحث رجاله على الثبات، وأما اندهاش الجميع عاد دون أن يمسه أي أذى. قام محي الدين بعد أن اتجه إلى القطينة بدعوة السكان القاطنين هناك إلى حضور اجتماع. فاجتمع الناس وبدأوا يحتجون لماذا لا يوجد لدينا قائد؟ ومن تم هددوا محي الدين بالموت إن لم يصبح قائدهم، اهتز محي الدين من هذا الموقف لكنه حافظ على اتزانه، وقال لهم: (إن الحكم يقتضي استعمال القوة بغلظة وسفك الدماء. لكن ما دمتم تصرون على أن أكون سلطانكم فإني أقبل، ولكني أتنازل عن ذلك لصالح ابني عبد القادر). لما وصل عبد القادر إلى معسكر أملى على كاتبه صك البيعة الذي سيقرأ بعد ذلك في جميع القبائل وساحات المدن والقرى. وفي 3 رجب 1248هـ 1832م عقدوا لعبد القادر البيعة الأولى، وذلك تحت شجرة الدردرة الموجودة بوادي فروحة في غريس. وتم ذلك كبيعة الرضوان عندما بايع الصحابة رضوان الله عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا تيمنا بتحقيق النصر واقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم. وبعد أن بايعه والده ولقبه بناصر الدين وخاطب المجاهدين بقوله: (إليكم سلطانكم الذي أشارت إليه نبوءات الأولياء، والهامات الأتقياء، هذا هو ابن الزهراء، فأطيعه كما أطعتموني واجتنبوا جفاءه، نصر الله السلطان نصرًا عزيزًا مقتدر). وبعد الانصراف، انفرد أفاضل العلماء لتحرير صك البيعة، فكتبه في مجلسه، العالم محمد بن عبد القاطر الشهير بابن آمنه خال الأمير، وتحاشى الأمير عبد القادر لقب الخلافة، كي لا يصطدم بالخلافة العثماني، ويتحدى سائر أمراء المسلمين بلا جدوى فبويع بالإمارة، ولما انتشر خبر البيعة الأولى للأمير عبد القادر، أصبحت الجماهير للتوافد على الأمير، فانعقد مجلس عام، حضره الأشراف والعلماء ورؤساء القبائل، وهناك جرى عقد البيعة الثانية للأمير عبد القادر وذلك في 13 رمضان1248هـ/1832م داخل قصر الإمارة في معسكر. في أكتوبر 1833م جاء عربي يدعى قدور من قبيلة البرجية قاصدا مدينة أرزيو وباع فيها ماشيته. وعند عودته طلب من القائد الفرنسي الحماية للعودة إلى بلاده، فأرسل القائد الفرنسي مع قدور أربعة فرسان، وفي الطريق قامت جماعة الأمير عبد القادر بمهاجمة الحامية وقتل منهم فرنسيا وأسر الثلاثة الباقية وقادهم إلى معسكره في معسكر، فراسل القائد الفرنسي ديميشال إلى الأمير عبد القادر طالبا لإطلاق سراح الجنود الفرنسيين مقابل أنه أطلق هو سراح أفراد قبائل الزمالة وقبائل الغرابة. فجاء الرد من الأمير عبد القادر كالتالي: (لقد اتصلت بالرسالة التي رجوتني فيها إطلاق سراح السجناء الذين اشرت إليهم، وقد فهمت محتواها...أما فيما يتعلق بي، فأنت حين لأخذت السجناء، لم أكلف نفسي أبدا مشقت طلب سراحهم، حقا لقد تألمت كإنسان من أجل مصيرهم السيء، ولكني كمسلم كنت انظر إلى موتهم...إنك تفخر بأنك مجانا أطلقت سراح بعض القبائل الغرابة والزمالة. هذا حق ولكنك فاجأت أناسا كانوا يعيشون تحت حمايتك وكانوا في الواقع يمدون اسواقك بالمؤونة. فجاء جيشك وجردهم من كل ما يملكون...عندما تتقدم مسافة يومين خارج حصون وهران فإنني أتمنى أن نلتقي، وعندئذ سيظهر من منا سيبقى سيد الميدان). وبعد هذه الرسالة التي أثارت حقد القائد ديميشال على الأمير عبد القادر، قامت الحكومة الفرنسية بمهاجمة قبائل الدوائر والزمالة مرة أخرى وسلبوهم أرزاقهم، ولكان كان للأمير عبد القادر هذه المرة رد آخر، فتوجه على رأس حوالي 5000 فارس للنجدة، وبعد أن رأى الفرنسين جيش الأمير عبد القادر تفاجؤوا وتركوا الأسرى وهربوا، ورغم طلقات المدفعية التي كان الفرنسين يحاولون بها إخافة الأمير فقد لاحق العدو، وكان يحوم حتى إلى مدخل وهران. وعند عودته للمعسكر العربي أمر قبائل الدوائر والزمالة بمغادر مكان إقامتهم حتى لا يتعرضوا لاعتداءات من طرف المستعمر. وبعد هذه المعركة توالت انتصارات الأمير عبد القادر وجيشه الشاب، وبالأخص حين سانده القائل والتفت حوله جهود المجاهدين، ووجدت فيه الأمة المنقذ الذي يحمل السيف، مما اضطر الجنرال ديميشال حاكم وهران إلى عقد معاهدة مع الأمير عبد القادر بتاريخ 17 شوال1249هـ/1834م عرفت بمعاهدة ديميشال Desmi. لقد تأكد ديميشال بعد تجارب مريرة أنه لا يمكنه الضفر بإقليم وهران بالقوة، إنما بتوين عملاء له في المنطقة، لمحاول استدرك ما فاته من نقص وتوسيع سلطة فرنسا في المنطقة، ولقد إندهش القائد الفرنسي من براعة الأمير عبد القادر في وضع خطط عسكرية حالة دون بلوغ السلطة الفرنسية لفرض سيطرتها بالمنطقة. وفي ماي 1836م وضع الأمير عبد لقادر خطة للتحصينات التي ستحيط بمعسكره، فقد دفع هدايا إلى كل القبائل الواقعة على مسافات محددة، بشرط أن ترسل للعمال مساعدات. وسرعان ما شيدت المنازل وظهرت الشوارع، وعمرت بالسكان عربية وأندلسية وكرغليه من معسكر ومازغنان ومستغانم، وتحولت سراديب الرومان القديمة إلى مخازن للذخيرة، وكل ما يحتاجونه من معدات حربية، وقد وضع اثنا عشر مدفعا وستة مدافع هاوون تطل مكشره من الحصون ، وهذا كله وضعه الأمير عبد القادر من أجل حماية المدينة كاملا، واستعداد لمواجهة المستعمر ولما عظم شأن الأمير عبد القادر إثر الانتصارات المتتالية على الحكومة الفرنسية، اضطر الجنرال بيجوا حاكم وهران الجديد، إلى عقد معاهدة جديدة مع الأمير أطلق عليها اسم معاهدة التافنة في 14 صفر 1253هـ/1837م، وقد كانت هذه المعاهدة بالنسبة للأمير فرصة لاستكمال بناء دعائم دولته الفتية وترسيخ الدين في قلوب شعبه. يمكن اعتبار الأمير عبد القادر بهذا الصنيع المجدد الديني للقرن الثالث عشر الهجري في المغرب العربي، فكان جهاده مزيج بين السيف والقلم، وهو الذي حمل لواء الجهاد والعلم في وقت واحد، ففي الفترة التي كان فيها الاحتلال يحضر خطط للتضيق على الشعب الجزائري كان الأمير يقدم دروسا إسلامية توعوية لشعبه.

المؤامرات التي حبكت للأمير عبد القادر وأسره[عدل]

في عام1255هـ/1839م توقفت الحرب بين الأمير عبد القادر والفرنسين، وهنا تغيرت نوايا فرنسة في الاحتلال الكلى للجزائر، وفي هذه الأثناء فكر الأمير في توحيد صفوف المغرب العربي من أجل التصدي للاستعمار، لكن فرنسا كانت لها الكلمة هذه المرة خاصتا بعد انتصارهم في معركة مراكش واشتراطهم من أجل الهدنة المعقودة بين فرنسا والمغرب تسليم الأمير عبد القادر لفرنسا. أوهمت فرنسا للسلطان العثماني أن الأمير عبد القادر يريد أن يضفر بالجزائر والعرش الملكي، فدرات حرب بين السلطان العثماني أحمد والأمير عبد القادر في 1264هـ، وهنا آثر الأمير عبد القادر على الاستسلام عوض أن يتشبك في خيوط مؤامرات فرنسا له، ففي 15 محرم 1264هـ وضع سيفه وحمل قلمه ليبدأ رحلة علمية حافلة، وكانت شروط استسلامه أن يأمن حاشيته ويذهب معهم للمكة والإسكندرية. قبل الجنرال لامورسيير شروط الأمير عبد القادر، ورحب استسلامه لأنه بهذا سوف يترك المجال لفرنسا في تنظيم خططهم التوسعية في الجزائر ، وبعد ثلاث أيام من عقد التسليم وتنظيم شروط اللازمة لحفظه وحاشيته ، بدأت تحاك له خيوط المؤامرة حوله وحول حاشيته التي معه، فعندما توجه للسفر في الباخرة الحربية الفرنسية نحوا الشرق، وبدأت الرحلة ووصلت الباخرة الحربية في مدينة طولون الفرنسية أنزل حاكم طولون الأمير عبد القادر وأسره في برج لاملاج يوم24 محرم 1264هـ، فأدرك الأمير الخيانة وقال: (لو كنا نعلم أن الحال يؤول إلى ما آل إليه، لم نترك القتال حتى تنقضي منا الآجال). وعرضت عليه الحكومة الفرنسة التخلي على الشروط التي اشترطها على الجنرال لامورسيير مقابل منحه أملاك واسعة، فأبى وقال مقولته الشهيرة: (إني لا أقبل هذا، ولو فرشت لي سهول فرنسا ومسالكها بالديباج)، ومن هنا اعتبرت فرنسا الأمير الجزائري أسيرا وحرمته من كتابة الرسائل، ومنعت عليه الزيارات، وبعد مدة في طولون نقلوا الأمير إلى سراية بو عند الحدود الفرنسية الإسبانية، ومن ثم إلى بوردوا ثم نانت ومنها إلى سراية أمبواز التابعة لمقاطعة أورليان، وكان الأمير عبد القادر داخل هذه السراية عاكفا متعبدا يدرس كتبا ومن الكتب التي قرأها صحيح البخاري، كتاب الشفا للإمام عياض، رسالة الإمام أبي زيد القيرواني في الفقه المالكي وغيرها من المصنفات، كما كتب الأمير في هذه الفترة كتبا، ومما ألفه رسالة سماها المقراض الحاد لقطع لسان الطاعن في دين الإسلام من أهل الباطل والإلحاد، كما نظما شعرا وكتب قصائدا، وفي عهد الإمبراطور الفرنسي لويس نابوليون المعروف بنابوليون الثالث، تم نفي الأمير عبد القادر إلى المشرق وتحديدا إلى سوريا، وهنا يستكمل قصته مع العلم والتصوف والزهد.

مفهوم الصوفية عند الأمير عبد القادر[عدل]

التجربة الصوفية عند الأمير عبد القادر، لا تعتمد على التلقين والتعليم والاكتساب، ولا تتم بالجدل والمناظرات، ولكنها ممارسات القبلية والتصفية الروحية. ورأينا أنها مجاهدات ومكابدات لا يستطيعها إلا من رزق التأييد والتوفيق الإلهي، وإخلاصه في توجه الصادق لله تعالى.التصوف عند الأمير عبد القادر مر بمراحل، لكن أهم مرحلة التي برزت فيها سمات التجربة الصوفية عند الأمير عبد القادر هي تلك التي كان فيها في المشرق مع والده، لأداء فرضت الحج وهذه ما تسمى بمرحلة التصوف الذي، والتي فيها طالع كتبا ومؤلفات التصوفية، فهذه الرحلة تعتبر مرحلة اتصال الأمير عبد القادر بشيوخ التصوف والأخذ منهم، واتبعهم في عبادتهم الروحية ومجاهداتهم النفسة، فقد أخذ الطريقة النقشبندية في مدينة دمشق عن الإمام أبي البهاء، ضياء الدين النقشبندي السهروردي. وقد أخذ الطريقة القادرية في بغداد على يد نقيب الأشرف السيد محمود الكيلاني القادري، وبعد عودته قام بنشر الطريقة القادرية على أهل قريته ودعا إلى الله فيها، وكان هؤلاء الدعاة هم المجاهدون الذين كافحوا المستعمر.الطريقة الصوفية عند الأمير عبد القادر تعتمد على جهاد النفس والعبادة والتقوى، وليست بالطريقة التي يعتمد عليها المتصوفين في زماننا هذا من أفكار فلسفية عقلية مغيرة للدين الإسلامي، فتصوف الأمير عبد القادر هو معرفة الله عن طريق الذوق والمكاشفة، فهذه الرحلة تسمى سلوكا والصوفي الذى يسعى إلى الله بهذه الطريقة يسمى سالكا والرحلة التي يقطعها الصوفي هي الطريق، وهي مرحلة تعلوا بعضها بعضا، مركبة من الأحول ومقاومات.

الأمير عبد القادر والماسونية[عدل]

إن من العلماء والمؤرخين من اتهم الأمير عبد القادر كونه ماسوني يدعم الحركات الماسونية في الوطن العربي والإسلامي، ومن هنا سوف أحاول الرد على هؤلاء المؤرخين وطعنهم في نزاهة الأمير عبد القادر في انتمائه للماسونية، حيث وضعت مثالين عن المؤرخين الذي نسبوا الأمير عبد القادر طعن فيه وتشويها للشعب الجزائري في اختياره كزعيم لهم، وهم برونو إيتيان ويوسف حسن يوسف. أصدر الدكتور يوسف حسن يوسف كتابا له (حروب الماسونية دين، ثورات، صراعات عرقية، المخطط الماسوني لتقسيم الوطن العربي) في عام 2012م والذي تحدث فيه عن ماسونية الأمير عبد القادر لكنه لم يقدم لنا دليل على انتماء الأمير عبد القادر للماسونية، وكذلك لم يقدم أي تفصيل عن مصدر المعلومة، حيث يقول يوسف حسن يوسف: {...وهو أول ماسوني مؤسس جاهر بماسونيته في سوريا} .برونو إيتيان مؤرخ سيسيولوجيا فرنسي ولد سنة 1937م في لاترونش وتوفي في بروفنسيا سنة 2009 متخصص بتاريخ الجزائر والإسلام والأنثروبولوجيا الدينية، أصدر كتاب عبد القادر الجزائري سنة 1997م، أعطى أدلة على ماسونية الأمير عبد القادر بعد أن كان مقيما في سوريا وأول محفل جهر بماسونيته فيه حسب زعم الكاتب وهو محفل الشرق الكبير، وفي هذا قال برونو إيتيان في كتابه عبد القادر الجزائري: (...وهكذا فمنذ أن تلقى الرسالة الأولى من محفل الشرق الكبير في فرنسا، وهي تهنئة على تصرفه، عمد الأمير عبد القادر إلى الاستماع إلى شروح عن أهداف هذه الجمعية ونشاطاتها، ومداخلها، ومخارجها...) ، ويبين الكاتب بالأدلة القاطعة المراسلات الموجودة بين الأمير عبد القادر ومحفل هنري الرابع، حيث قال إيتيان: (...بدأ أيضا الماسونيون في تهنئتهم للأمير، بإرسالهم الهدايا، وبالرسائل التي تعبير جيد عن شعور الفرنسين حيال المجاهد الجزائري في الفترة التي كان نابليون الثالث يحلم فيها بمملكة عربية جاءت الرسالة الأولى من المحفل الباريسي هنري الرابع الذي قدم أولا للأمير حلية، وهي مدالية معبرة برموزها اهتم لها الأمير...وأمكن لعبد القادر أن يقول في نفسه إن في جعبة الماسونيين شيئا يستحق الاهتمام، ولقد بعثوا له برسالة مطلولة يدعو الأمير للانضمام لهذا المحفل) ، ولقد طرح السيسيولوجي الفرنسي تساؤلا عن رفضه الانضمام لمحفل الشرق الكبير وقبوله محفل هنري الرابع، ثم أعطى جوابا عن هذا الانضمام من خلال ما جاء في رسالة المحفل إلى الأمير عبد القادر والتي يدعوه فيها إلى قبول أن يكون أبنا لهذه الماسونية، وأخا لمجموعة الماسونيين الأحرار، في قول الكاتب: (...فمن المهم أن نتساءل لماذا لم يجب إلا على هذه. إن قسما من الجواب موجود تماما في هذه الرسالة. فأولا هناك دعوة واضحة إنها تقترح على الأمير أن يغدو في آن واحد ابنا لهذه الماسونية التي تقول الرسالة إنها أمُّ جميع ذوي الإرادة الطيبة الذين يمارسون الأخوة، أخا لمجموعة الماسونيين الأحرار الذين يقولون عن أنفسهم إنهم أبناء الأرملة، وعلاقة أب-أخ تستتر كثيرا في أخوية يقتل أعضاؤها رمزيا المعلم المؤسس حيرام في طقوس ودرجة إكمال). لقد رد على هذه الاتهامات التي وجهت للأمير عبد القادر كونه ماسوني، بعض المؤرخين الموضوعين الذين دافعوا عن نزاهة الأمير عبد القادر، رمز الدولة الجزائرية الحديثة، والذي زرع بذرة الوعي الديني في هذه البلد، ومن الذين ردوا على الاتهامات التي وجهة للأمير عبد القادر البروفيسور سليمان بن عزيز. أكد البروفيسور سليمان بن عزيز الأستاذ بالمدرسة العليا للصحافة (الجزائر) خلال ندوة صحفية نطها حول موضوع الأمير عبد القادر يوم الخميس 29 جانفي 2016 بمقر الإذاعة الوطنية الجزائرية بالجزائر العاصمة، أن الأمير عبد القادر لم ينخرط يوما في الماسونية مثلما تناقلته بعض الكتابات ككتاب عبد القادر الجزائري لكاتبه برونو إيتيان سالف الذكر المؤيد بأن كبرى محافل فرنسا والشرق الأكبر حاولت استغلال الرسائل التي تبادلتها مع هذه الشخصية لصالحها.لقد أوضح البروفيسور في محاضرته أن محفل هنري الرابع، تحديدا هو الذي حاول استمالة الأمير عبد القادر الذي يعتبر مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة ملمحا للرسائل التي كان يتبادلها مع هذا الأخير، وبعد تكذيبه لبعض مؤلمات برونو إيتيان، أوضح البروفيسور أن تقاليد الماسونية لم تكن لتقبل بأي انخراط عن بعد، واسترسل قائلا إنه في الفاتح يونيو 1864 كان الأمير عبد القادر لا يزال متواجدا بالمنفى في سوريا فكيف يعقل أن ينخرط في الماسونية.وأوضح بن عزيز أنه بالنظر إلى أخلاقه السامية كان الأمير يرد على جميع الكتابات التي كان يتلقاها بما فيها تلك القادمة من الماسونيين مفندا زيارة الأمير لمحفل هنري الرابع خلال نفس السنة 1864 عندما توجهه إلى باريس لحضور المعرض العالمي.

وفاة الأمير عبد القادر[عدل]

توفي الأمير عبد القادر يوم 19 رجب 1300هـ الموافق ل 23 ماي 1883م وعمره يناهز 76 سنة، وقد دفن بجوار الشيخ ابن عربي بالصالحية بدمشق، حسب وصيته، وبعد استقلال الجزائر سنة1962م نقل جثمانه إلى العاصمة اين دفن بمقبر العالية سنة 1965م.

الخاتمة[عدل]

ختاما لموضوعنا هذا، ومن خلال ما تم عرضه من أفكار وآراء، يتضح لنا أن شخصية الأمير عبد القادر فذة، وهو مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة، بفضل حنكته السياسية والعسكرية وشخصيته القوية، وكل ما قيل عنه في كونه ماسوني ومتزندق باطلة قطعا بدليل التاريخ والشواهد، فحاول المستشرقون أن يطمسوا علما من أعلام الدولة الجزائرية وبطلا من الأبطال الذين قاوموا المستعمر. حيث قمت في بحثي المصغر عن الأمير عبد القادر بالرد عن كل الاتهامات التي مست الأمير عبد القادر، خاصتا فيما يخص انضمامه للجمعيات الماسونية، والمؤامرة التي حيكت له في حضوره لمحفل هنري الرابع. أما فيما يخص صوفية الأمير عبد القادر، فعوض أن يتخذ السنة السلفية مذهبا له، فقد إختار الصوفية وهو مذهب بدعي وكان سببا في جلب الطريقة القادرية إلى الجزائر التي تحسب عليه، ومع هذا لم يكن متزندق أو مشركا وإنما نشر التوحيد من خلال الدروس التي كان يلقيها للطلبة في زاوية والده وكذلك المساجد، وهذا ما دفعني للدفاع عن هذا الرمز من حيث هذه النقطة وكذلك اتهامه بالماسونية. ولا يجب على المرء أن يحكم على الشخص من خلال مساوئه فقط وإنما ينضر للجانبين السلبي والإيجابي ويقارن، فكل شخص له وعليه أي يصيب ويخطأ.

بيبليوغرافيا[عدل]

مصادر[عدل]

شارل هنري تشرشل، حياة الأمير عبد القادر، ت: أبو قاسم سعد الله، الدار التونسية للنشر، د.ط، 1974م

برونو إيتيان، عبد القادر الجزائري، ت: ميشيل الخوري، دار عطية للنشر: بيروت، ط1، 1997م

مراجع[عدل]

بركات محمد مراد، الأمير عبد القادر المجاهد الصوفي، دار النشر الإلكترونية، د.ط، 1990م
يوسف حسن يوسف، المخطط الماسوني لتقسيم الوطن العربي، د.ط، كنوز للنشر والتوزيع: القاهرة، 2012م
منتدى اللمة الجزائرية
ويكيبيديا الموسوعة الحرة