التجريد طريقة للرؤية

من ويكي الكتب
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

بقلم: د.محسن عطيه


ظهرالفن التجريدى كما نعرفه خلال أوائل القرن العشرين. وكان لأسلوب ومظهر المنحوتات الأفريقية التقليدية تأثيرعلى الفنانين الأوروبيين. حيث بدأ عمالقة مبدعون مثل "بابلو بيكاسو" و"هنرى ماتيس" في الإعجاب وتقدير روحانية وجمال الفن الأفريقى. وتلك المنحوتات الأفريقية عرضت للجمهور في المتحف" الإثنوغرافى للتروكاديرو" في باريس، على اعتبار أنها أعمال "بدائية". بينما أدرك كل من " بيكاسو" و"ماتيس" القيمة الحقيقية للفن الأفريقى التجريدى. ووجدا هذا الفن طريقهما إلى عملهما بدرجات متفاوتة. ومنذ ذلك الوقت أصبح الفن التجريدى اتجاها ثوريًا، يميز الفنانين الذين لم يرغبوا في إظهار العالم كما يبدو للعين، ولم يهتموا بتمثيل العمق التصويرى، وإنما أرادوا تجاوزالواقعية، وتحدى الطرق التقليدية في الرؤية والإبداع. ومنح الفن الأفريقى هؤلاء الرسامين فكرة التخطيطات المسطحة. واستخدام الألوان الزاهية، كطريقة جديدة كاملة للرؤية. ودمجت التأثيرات الأفريقية مع أنماط الرسامين المؤثرين مثل "سيزان" و"جوجان". واستمرهذا النهج الجديد للفن في التأثيرعلى الفنانين من جميع الأنواع. وقد أدرك الفنانون الجانب الروحى للفن. وكان قد خلق الجمع بين الشكل والوظيفة في الفن الإفريقى، تقليدًا فنيًا تجريديًا يعود تاريخه إلى قرون.

منحوتة من الفن الإفريقى


كذلك هناك علاقات تاريخية ونظرية بين الرسم التجريدى المبكر ومفهوم النقاء. بالنسبة إلى التجريدون الرواد:مثل " جوجان" Gauguin و"سيريزبه" Serusier و"موندربان" Mondrian و"كاندنسكى" Kandinsky ، كان النقاء في رأيهم هو القيمة الحاسمة التى يجب أن تميزاللوحة أو المنحوتة. ومع ذلك، لم يكن النقاء بحد ذاته سوى "الجوهر" الذى قصده" أفلاطون" وفلسفته حول الشكل الفنى المثالى. وكان قد تأثربهذا الفهم"التجريد" في أواخرالقرن التاسع عشرأيضًا كل من" موندريان" و"كاندينسكى". مثلما تاثرا بالفلسفة الجمالية لـ"شوبنهاور" . أما في عصرما بعد الحداثة فلم يقبل الفنانون خطاب النقاء لأنه يتعارض مع الاهتمامات المعاصرة في الثقافة وفى النظرية البصرية ولكن ماذا يعنى مصطلح "الفن التجريدى"؟. فإنه رغم أن بعض الأعمال الفنية واقعيبة، والأخرى تجريدية نلاحظ أن هناك عالم كامل من الفن يقع أيضًا بين الاثنين. لأن "التجريد" في الفن هو أى خطوة متعمدة بعيدًا عن تصويرالواقع بدقة. أى أن التجريد في الفن الذى يسعى إلى تصوير أو تمثيل شىء موجود في الواقع، وأنه ينطوى على مستوى معين من التغيير، وعادة ما يكون نوعًا من تبسيط الكائن إلى أشكاله أوألوانه أو خطوطه الأساسية. وإذا نظرنا إلى تاريخ الفن البصرى بأكمله ، يمكننا أن نرى أن انتشار الفن التجريدى مرتفع جدًا في البداية ، ويقل ببطء إلى لا شىء تقريبًا على الإطلاق لعدة قرون ، ثم يعود مرة أخرى في القرن العشرين. لفترة طويلة ، كان "الهدف" من خلق الفن إما تجريدًا بسيطًا أو تجريدًا خالصًا. أما في "عصرما بعد الحداثة" ، فتقبل مجموعة واسعة من أنماط الفنون البصرية. هكذا ، لم يبدأ"التجريد" كحركة رسميًا حتى أوائل القرن العشرين ، لكن الفنانين كانوا يجرون دون علم، فكرة "الفن التجريدى" قبل قرون. وكان الفنانون يجدون طرقًا جديدة ومبتكرة للتعبيرعن أنفسهم وعواطفهم، دون تصنيف عملهم في مجال التجريد. بالنظر إلى الفن المصرى القديم في "عصرثقافة نقادة "(ماقبل الأسرات) قبل تطور نظام الكتابة المعقد للغاية، أو نحت التماثيل التى تميزت بدرجة عالية من الكمال، أو بناء الصروح العظيمة مثل الأهرامات، التى تشهد على البراعة الهندسية والرياضية نجد من الواضح أنهم بدأوا في صناعة الفخار منذ القدم لكن ، بمرور الوقت ، أصبحت تلك الزخارف أكثر تفصيلاً ، نركز ببساطة على التفاصيل المعقدة والمجردة داخل هذه القطعة الفخارية الرائعة. تشتمل خصائص الفخار عادةً على أنماط حيوانية أو طيور وأنماط هندسية وأنظمة ألوان قد تكون متعددة الألوان أو سوداء أو حمراء بلون المغرة. تظل المعاني الكامنة وراء هذه الرموز المحددة سرًا يتغلق بالعقيدة. ومع ذلك، فإن اختياراتهم الفنية تشترك في صفات التجريد ، مثل تأكيد التخطيطات منمقة وهندسية، أكثر من الاهتمام بالتمثيل الدقيق للتشريح الحقيقى للكائن الواقعى. وإلى عصر ثقافة" نقادة الثانية" في مصر (3450-3300ق.م) ترجع الأوانى الفخارية، التى تميزت بجمال نسبها، وبجاذبية تاثيرها العاطفى والخيالى، فهى بحق بمثابة تحف فنية رائعة بالمقاييس المعاصرة، وبمقدورها أن تشبع الوجدان والعقل. ومن الملاحظ أن الإنسان في العصورالمبكرة، كان يحصل على متعته أكثر نقاء ومباشرة وبساطة، لذا كانت الأدوات والأوانى والملابس والحلى المزخرفة والزاهية، تدخل ضمن" الفنون الجمالية ". بل أن "الفنون النفعية" سبقت "الفنون الجميلة "، مثلما مارس الإنسان الصيد، ثم حول العمل النفعى إلى "طقوس" ثم إلى "فن" ممتع. وعلى الرغم من الهدف النفعى لممارسة أى "طقوس عقائدية" إلا أن تاثيرها الجمالى كان غالباً أكثرأهمية. أما الرسوم بالأحمرعلى سطوح مثل هذه الأوانى، فإنها تتضمن معرفة عن ظروف الحياة وعن طريقة تفكيرالمصريين في ذلك الوقت، وعن أساليب الصيد النهرى، وصناعة السفن ذات المجاديف والمقصورات والصوارى، وعن أنواع الطيورالنهرية،مثل البشروش برقبتها الطويلة ووقوفها على البر، وعن أنواع شباك الصيد.


آنية فخار من عصر نقادة الثانية، مصر

ومن المفيد هنا تناول تصور الفنان على اعتبار أنه عمل ثقافى، تم إنجازه من خلال تصور العالم، وإعادة تمثيله في هيئة رموز واستعارات وأنماط من التقاليد الفنية. وهنا تتخذ وجهة النظر الثقافية مكانتها في النظام الطبيعى، مثلما تظهرفى الفن وفى تشكيل الأسطورة وفى المواقف تجاه الوجود. وضمن آيديولوجيات التمثيل يتم ترميز التصورات الثقافية، ونزعات العقيدة الروحية والوجود الاجتماعى. وهنا يتضح من تنوع الطرق التى يتصور بها البشرأنفسهم ويتصورواالآخرين، مدى التطور والحساسية المطلوبة للتوصل إلى أكثرمن الوصف السطحى وكان ويليام تورنر (W. Turner) فنانًا بريطانيًا موهوبًا للغاية.. يجسد عمله الشهير"المطر والبخار والسرعة"(1844)أسلوب "تيرنر" التجريدى التدريجى. فبدلاً من محاولة محاكاة الواقع، اختارالتعبيرعن المشاعر من خلال تعديل الألوان والأشكال. في هذا التكوين، يمكننا فقط ترجمة الأشكال المألوفة مثل القطار أو الجسر في أقصى اليسار، لكن باقي التكوين يحتاج إلى فك رموز. وقد يسأل المشاهد نفسه أحيانًا. لماذا لماذا اختار الفنان تشويه أو تمثيل أو إعادة ترتيب أو تكييف موضوع ما بشكل غامض؟. في بعض الأحيان يعثرعلى إجابة لهذا السؤال وفى بعض الأحيان تظل النوايا الكامنة وراء عمل فنى لغزا.

تيرنر."المطر والبخار والسرعة"(1844)

كذلك يثيرعمل " هنرى ماتيس" Henri Matisse أسئلة، عندما كان يستخدم الألوان والأنماط لجعل المشاهدين غير مرتاحين عمداً. وغالبًا ما قام بتمزيق الشكل بطرق قاسية، لكنه عمل أيضًا بطريقة منحنية الخطوط. لقد كانوا في الأساس بمثابة امتدادات لمشاعره الشخصية. وأكثر جوانب التجريد جاذبية هى الطريقة التى تقدم بها على مدى قرون وكيف وجد العديد من الفنانين وما زالوا يجدون طريقة لتغيير الطريقة التى ندرك بها الأشياء والأشكال العادية. يصبح الفنانون مصدر إلهام لمن جاءوا من قبل ويعززون تلك الأفكار الأصلية. وبينما يميل العقل للتجريد وإلى إقصاء دور اللاوعى وتهميشه،بل ورفض كل ما هوغير عقلانى، مثلما يهمش الطبيعة ويهمش الإحاسيس الغريزية. أما التفكيك فبهمه استعادة المكانة للعناصر التى همشت من العمل الفنى، بسبب هيمنة العقل. وبهذه الطريقة ينتقل الاهتمام إلى الشق الثانى (الآخر) من العلاقة بين التعارضات المزدوجة،مثل( الطبيعة / الثقافة أوالمادة / الصورة، الجسدى الروحى) على أساس أن التعارضات يكمل بعضها البعض. وكان الفيلسوف "نيتشة "(1844-1900 ) قد أعاد بمفهومه عن "ارادة القوة" الاعتبار للجسدى في مقابل الروحى، ووجه قوة الإرادة الابداعية نحو جمالية الجسد. أوعلى عكس الرؤية للكلاسيكية التى تضع الإيهام بالواقع والتشخيص في مكانة أعلى في مقابل المجرد والمبسط، استطاع"ماليفتش"(1878-1935) يمنح بغير التشخيصى و البسيط وغيرالمزخرف، صورة لما لا يرى. ولوحة " ثمانية مستطيلات حمراء" (1914)هى لوحة تجريدية نفى فيها الفنان عنصر الإيهام بالواقع، وفكك التوتر بين الواقعى وما فوق الواقع ، وبين العقلانى وغير العقلانى.

كازمير ماليفتش، السوبرماتية

وأدى الموقف النقدى التفكيكى ضد مبادئ النقاء في الأسلوب والتحكم في سيرالتقنية التى ميزت جمالية الفن الحديث ،إلى عروض فنانى " الدادائية "(1918-1920) التى تمثلت أعمالهم الفنية في تجميعات من النفايات البيئية، حيث أعطيت الأولوية للصدفة وللإحتمالية واللاوعى كسبيل للإبداع المباشر. وتتمثل الرؤية التفكيكية في جعل مبدأ التوليف يحتل مكان العنصر الجوهرى في ثنائية : النقاء/التوليف .و لجأ الفنان " شفترز " Kurt Schwitters (1887-1948)فى سلسلة أعماله بعنوان " ميرز"(1923-1932) إلى استخدام المواد الغريبة في عملية الإنجاز بطريقة التلصيق(الكولاج) مثل المسامير والورق والأسلاك والخردة من نفايات البيئة منقباً عن خواصها وهويتها الأصلية. وتفترض "التربية الفنية المفاهيمية" ممارسة الفن على أساس تشكيل الهوية من خلال تبادل الأراء بديمقراطية، وبتحويل الفصول الدراسية إلى ساحات متعددة المهام، لخلق الصور والأشياء، وممارسة البحث والاستقصاء، ومناقشة الأفكار والآراء، بالاستعانة بالتطورالتقنى من حيث الكفاءة والسرعة، والانتقال من الثقافة الورقية إلى الوسائط البصرية والسمعية المتعددة، في العالم متعدد الثقافات. وبنفس الأسلوب الديموقراطى، نفذ "ماتيس" لوحة "الرقصة "( 1952) على المستوى الإبداعى والنقدى. إذ أثناء عملية قص الورقة كان يتصورانحناءات الراقصة في نفسه، فتحسنت الصورة مع تعمق إحساسه بعملية الرقص التى حركت رؤيته الفنية، متجاوبة مع المعنى المهيمن. لقد اعتمد "ماتيس" على البساطة والقص المباشر، كعملية بحث إبداعية / نقدية. والمنتج الإبداعى لا ينفصل عن التفكير، بل يعتمد كل منهما على الآخر. وبفضل تآزر الأداء مع التفكير تتحد الرؤية مع التحقيق. ونتج عن قص الورقة الزرقاء شكلان، (الموجب/ السالب) حيث تتبادل الأدوار بين السالب والموجب،على نحو إبداعى .(1) أن سرالجاذبية لا يرجع إلى الإعجاب بالمقدرة على تسجيل ما تلتقطه العين فوتوغرافيا من الواقع، مثل وثيقة للتعرف على الموضوع، إنما يرجع إلى مقدرة الفنان في التعبير عن أفكاره ومشاعره من خلال عمله الفنى. وانطلاقا من هذا المبدأ يبدو" المنظر الطبيعى"فى لوحة "تزهير"(2017) التى رسمها "محسن عطيه" وكأنه "يحتفل بمشاعره، التى حولت الطبيعة إلى كائن يحس ويحلم ويتألم..، باستدعاء الذكريات، حيث يكون الذهن في حالة ذوبان، وممتلئاً بالعديد من الحالات الانفعالية والمواقف الحياتية. ..، وقد أضيف إليها ما يميزها بقوة بفضل سعة الخيال. وهذه اللوحة ليست تسجيلاً فوتوغرافيا لموقع بعينه، بتفاصيله البيئية الدقيقة وفى لحظة زمنية محددة، وإنما الفنان انتقل برسمها من مستوى الرؤية البصرية في الواقع إلى ممارسة فنية، أساسها حرية الاختيار من بين احتمالات شكلية ومفاهيمية، ..، وتسمح باستحضارالأفكار التى امتزجت مع المشاعر والألوان والخطوط التى تسربت عبر المخزون المترسب في أعماق اللاشعور، من أجل أن تحفز الفنان على استكمال الشكل بالرسم وتقريبه مما يشابهه، و السماح بتبديل عنصربآخر، بعد ملاحظة التشبيهات المجازية، ..، وأثناء إعادة رؤية الموضوع الفنى في صياغة جمالية غيرتقليدية. ولا يكتفى الفنان هنا بالتعامل مع الموضوع على مستوى الفهم بالعقل والمنطق، لأن المعالجات المجازية وإفساح المجال لعمل العاطفة والخيال، تستدعى البحث عن أساليب للتعبيرغير تقليدية، ..، يستكمل به حياته المتجزئة. (2)

لوحة نزهير ،ألوان زيتية وأكريلك 30×40 سنتيمتر

وعن الأسلوب التجريدى الذى يميز إتجاه الفنان في معرضه بعنوان "رموز وألوان" (2006)كتب الناقد "ابراهيم عبد الملاك" : "اللوحة هى دائرة التحير التى تجمع داخلها كل ارهاصات الكون وتساؤلات تنتظر على شطآن الإجابات.. هى دنيا تلملم الناس والطبيعة.. تجمع المعانى متجردة من الثقيل الذى يداريها لتظهر قلبها المختفى وراء أردية خادعة.. ويميل الفنان "محسن عطيه" إلى تلقائية الأداء التى تحضر فكرة أو تكوينا، فهذا دورالخبرة، لهذا يترك نفسه أسيراً برضا كامل لكل معتملات شعوره، يلملم من المثير في الحياة من قضايا ورؤى ن ويضع داخل لوحاته مفرداته المتفقة والمتضادة في علاقات وتشابكات ميتافيزيقية تخاطب العقل وتحترم الوجدان.. وفى قاعة اكترا للفن يقدم الفنان عالم الفنتازيا ودنيا مشحونة بمعتملاته تلح على الفنان وعلينا، فشاهدوها ..وفكروا معنا ومعه.(3

________________________________________________________-


المراجع:

1- محسن عطيه: رؤية نقدية في تعليم الفنون،عالم الكتب ، القاهرة2021 ،ص52.

2- محسن عطيه: التشويه التشكيلى في الفن المصرى الحديث، العدد12، أكتوبر /ديسمبر2018.

3- إبراهيم عبد الملاك: مجلة صباح الخير، العدد 2618 القاهرة– 7مارس 2006.