التجربة الدنماركية: تداعيات ما بعد الازمة

من ويكي الكتب
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
Arwikify.svg هذا الكتاب أو المقطع بحاجة إلى إعادة كتابة وتنسيق باستخدام صيغ الويكي، وإضافة وصلات. الرجاء إعادة الصياغة بشكل يتماشى مع دليل تنسيق المقالات. بإمكانك إزالة هذه الرسالة بعد عمل التعديلات اللازمة.


اسم الكتاب: التجربة الدنماركية: تداعيات ما بعد الازمة

المؤلف: د. أيمن زهرى

الناشر: د. أيمن زهرى

رقم الايداع: 2007/21370

الترقيم الدولي: 977-17-5114x

إهداء

          إلى ابني الرضيع أحمد وأبناء جيله, مع تمنياتي لهم بحياة
          أفضل من التي نحياها ومصر أجمل من مصر التي عشناها

على سبيل التقديم

عملت باحثاً زائراً بالمعهد الدنماركي للدراسات الدولية في كوبنهاجن خلال الفترة من أبريل إلى يوليو 2006 وقُدِّرْ لي أن أرى بعض تداعيات ما بعد الازمة الشهيرة التي أحدثتها إحدى الصحف الدنماركية بنشرها رسوما كاريكاتورية مسيئة للرسول الكريم سيدنا محمد (ص). ولقد جمعت بين دفتي هذا الكتاب بعض الملاحظات العابرة حول المجتمع الدنماركي وكذا حياة الجاليات العربية في مدينة ’كوبنهاجن‘ عاصمة الدنمارك. كما قمت بعرض بعض ما شاهدته خلال فترة إقامتي من رغبة حقيقية لدى البعض في التعرف على أنماط الحياة في المجتمعات الإسلامية. ونظراً لقصر مدة إقامتي في الدنمارك وعدم تخصصي في الشأن السياسي أو الديني, فإن محتويات هذا الكتاب لا تخرج عن كونها بعض الإنطباعات الشخصية للكاتب.

أيمن زهرى

الإنطباعات الأولى[عدل]

إن الناظر لهذا البلد من نافذة الطائرة وهي تقترب من مطار العاصمة الدنماركية ’كوبنهاجن‘ القريب من شاطئ البحر لا يكاد يرى إلا مجموعة من الجزر المنعزلة والمستنقعات وبرك الماء والبحيرات الصغيرة التي تملأ المكان. وتحكي كتب الجغرافيا والتاريخ أن هذه المناطق شديدة البرودة في شمال القارة الأوروبية كانت عبارة عن مجموعة من القبائل البدائية تتصارع من أجل البقاء وتعيش على الصيد وما تجود به عليهم البيئة البحرية الصعبة في سالف الأزمان. تذكرت في نفس الوقت أنني ذاهب إلى بلاد البطة السوداء وعروس البحر ... حكايات هانز كرستيان أندرسون التي بهرت أطفال العالم – وربما الكبار أيضاً – وخصوصاً بعد أن حولتها والت ديزني إلى أفلام سينمائية مبهرة.

في رحلتي من المطار إلى مدينة كوبنهاجن لم ينقطع المطر عن الهطول بغزارة على الرغم من أننا كنا في النصف الثاني من شهر أبريل، وعندما لاحظ السائق تعجبي من ذلك أخبرني بأنني قد جئت في الوقت المناسب، فبعد فترة قصيرة سوف تتفتح الزهور وتمتلئ الأشجار بالأوراق الخضراء وتصدح البلابل بالغناء .... حتى أنني تذكرت قصيدة البحتري الركيكة في وصف الربيع التي يقول في مطلعها " أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكا من الحسن حتى كاد أن يتبسما" ... رسمت إبتسامة عريضة على وجهي ونظرت حولي فلم أجد أثرا للسيارات المتهالكة التي إعتدت على رؤيتها في عاصمة المعز..... وعلى الرغم من أنني لم أطلب سيارة فاخرة لتنقلني من مطار كوبنهاجن الي المدينة إلا أن سيارة الأجرة التي أقلتني كانت من طراز مرسيدس من أحدث الموديلات.

وصلت إلى منطقة فردريكسبرج ووجدت صاحبة المنزل بإنتظاري، سلمتني المفاتيح ورحلت ثم خرجت من المنزل لا ألوي على شيء، فقط أريد أن أتعرف على المنطقة المحيطة بالمنزل وعلى الرغم من أن الساعة لم تكن قد تجاوزت الخامسة مساءً إلا أنني وجدت الشوارع خاوية على عروشها ليس فيها من مظاهر الحياة من شيء ... إنه آخر يوم في إجازة عيد الفصح ... ولم أجد إلا متجراً واحداً لا يغلق أبوابه أبدا اسمه سفن إلفن 7 ELEVEN فإشتريت بعض الحلوى ووليت راجعا.

في اليوم التالي توجهت إلى العمل .... مشيت حتى وصلت إلى محطة المترو ... إشتريت تذكرة تكفي لعشرة رحلات من أحد المحال القريبة من محطة المترو، حيث أن محطات المترو مميكنة بالكامل فلا شباك تذاكر ولا محصلين ... إما أن تشتري التذاكر أوتوماتيكياً باستخدام بطاقة الائتمان أو باستخدام العملات المعدنية أو تشتريها من خارج المحطة .... وبالمناسبة أيضاً لا توجد بوابات ولا حواجز ولا رجال أمن .... فقط ضع التذكرة في أحد الأجهزة الموجودة بالمحطة لتسجيل وقت وتاريخ بداية الرحلة.... ولكن لا تظن أن كل شيء هنا "سداح مداح" فمن لا توجد معه تذكرة صالحة يتم تغريمه بمبلغ 600 كرونة دنماركية أي ما يعادل حوالي 600 جنيه مصري (وقت كتابة هذه السطور!).

عندما خرجت من باب المحطة في منطقة كرستيانزهاون Christianshavn هالني ما رأيت من كمية الدراجات حول المحطة والأعداد الغفيرة من راكبيها .... أطياف من راكبي الدراجات بكافة أشكالها وأحجامها يسيرون في خطوط منتظمة في ممرات تم تخصيصها لهم ويتبعون إشارات المرور كالسيارات تماماً .... أما راكبيها فهم من الجنسين من كافة الأعمار والأشكال، فتري من يرتدي ريّاش الثياب من حملة الحقائب الدبلوماسية من ماركة سامسونايت إلى من يرتدون الجينز، كما تجد النساء في كامل زينتهن وأحذيتهن ذات الكعوب العالية جنباً إلى جنب مع الشباب الذين يرتدون الملابس التي يتفننون في أن تبدو رثة وغير مهندمة والتي يسمونها dirty وترجمتها الحرفية تعني قذر أو غير نظيف .... إذن لا يجب أن تتصور أن راكبي الدراجات هم السعاة وعمال الخدمات أو "سعداوي أفندي" الذي ينصب طاولته أمام مركز الشرطة بالبندر ليكتب الطلبات لمن لا يجيدون القراءة والكتابة .... وتوفر الهيئات والبلديات ومراكز التسوق ومحطات القطارات والمترو أماكن خاصة لانتظار الدراجات، كما توجد في بعض الطرق الرئيسية في كوبنهاجن إشارات مرورية خاصة بالدراجات.

أول يوم عمل توجهت ومعي الخارطة لأبحث عن موقع المعهد الدنماركي للدراسات الدولية. بعد خروجي من محطة المترو أخرجت خارطة من جيبي وبحثت عن الشارع الذي يقع فيه المركز وحددت خط السير الذي لا يبعد أكثر من عشرة دقائق سيراً على الأقدام ... وهنا أود أن أشير إلى ملاحظة هامة وهي أن ثقافة السؤال هنا تكاد تكون منعدمة فلا يتوقع أحد أن يخرج من محطة المترو أو ينزل من الحافلة ليسأل أول من يقابله عن عنوان أو مكان ما ولكن الثقافة هنا هي ثقافة القراءة والوعي الجغرافي والخرائط الدقيقة وأسماء الشوارع الصحيحة واللافتات الموضوعة في أماكنها بإحكام لا يعبث بها عابث ولا يغيرها تاجر مهما علا شأنه... وأسماء الشوارع تحددها نظم ولوائح صارمة ولا يتم تسميه الشارع (هذا إذا كان له تسميه) باسم أول من هاجر إليه من الدلتا أو من صعيد مصر وأقام أول بيت فيه كما نجد في القاهرة من أسماء غريبة للشوارع مثل شارع "الحاج هريدي الصعيدي" أو شارع "المعلم عبده الشلشلاموني".

وصلت إلى مقر المعهد ... الهدوء الشديد يلف المكان كما يلف العاصمة كلها... دخلت إلى المعهد وأوصلتني موظفة الاستقبال إلى مكتب رئيس قسم العولمة والتنمية الذي سوف ألتحق به للعمل في مجال "الهجرة الدولية" والتي تمثل جزءاً من أنشطة المركز للارتباط الوثيق بين الهجرة البشرية والتنمية ... رجل بسيط متواضع يرتدي قميصاً وسروالاً من القطن الخشن "الجينز"... رحب بي الرجل وذهبنا سوياً إلى غرفة إعداد المشروبات ... لاحظ هنا أنك لا ترى سعاة ولا عمال خدمات ولا أشخاصاً يتملقونك جيئهً وذهاباً ... قام الرجل بإعداد كوبين من القهوة بنفسه وعدنا إلى مكتبه نتجاذب أطراف الحديث ... ثم توجهنا ليعرفني على مكان مكتبي بالدور الثاني, غرفة رقم 207, ثم بعد ذلك إلى قسم الحاسب الآلي حيث قاموا سلفاً بإعداد بريد إلكتروني خاص بي ومساحة على الجهاز الخادم لتخزين بياناتي ومعلوماتي وملفات العمل الخاصة بي ...

ذكّرني مرافقي أنني بحاجة إلى بعض الأدوات الكتابية ... فتوجهنا سوياً إلى إحدى الغرف المتسعة بالدور الأرضي ووجدت بها ما يملأ مكتبتين من مكتبات الفجالة (قبل أن تتحول الفجالة إلى تجارة السيراميك وبلاط المراحيض) ولم أجد موظفاً في هذه الغرفة ... فقال لي مرافقي أنه يمكنني أن أخذ ما أشاء من الأدوات الكتابية (أقلام/ كراريس/ أحبار/ أظرف خطابات....) وإذا لم أجد ما أريد, فما علىَّ إلا أن أقوم بإبلاغ الموظفة المسئولة في مكتبها بالدور العلوي لكي أطلب ما أريد, ويكون متوفراً بعد بضعة أيام .... تعجبت وتخيلت لو أن لدنيا مثل هذه الغرفة في مصرنا المحروسة وما يمكن أن يكون عليه الحال إذا كانت الأمور هكذا بمنتهى البساطة بالنسبة لموظفي الحكومة أو حتى موظفي الهيئات الأجنبية المرموقة.

توجهنا بعد ذلك لمقابلة مديرة المعهد, السيدة نينا, وهي سيدة فاضلة تبدو في أوائل الخمسينيات من عمرها ... مكتبها مثل مكاتب باقي الموظفين تماماً ... لم أرَ لها سكرتارية ولم نَمُرْ على مكتب للسكرتارية قبل الدخول إليها ... رحبت بنا وقابلتنا بحفاوة وجلسنا حول طاولة مستطيله تكفي لأربعة أشخاص فقط ... رحبت بي وسألتني عن اهتماماتي البحثية ثم تطرق الحديث إلى الرسوم الكاريكاتورية المهينة للرسول محمد عليه الصلاة والسلام، ووجدت أنها في ضيق شديد من التداعيات التي ترتبت على هذه الرسومات وأنها قد أضاعت جهود سنوات طويلة من تسويق صورة الدنمارك في الخارج ... فقلت لها أنه قبل هذه الرسومات الكاريكاتورية لم يكن الكثيرين من المصريين يعرفون شيئاً عن الدنمارك ولا حتى عن موقعها الجغرافي على خارطة العالم إلا من خلال بعض الأعمال النشطة التي تقوم بها وكالة التنمية الدنماركية "دانيدا" في مجال مساعدة المجتمعات الفقيرة ودعم الجمعيات الأهلية والعديد من المشروعات التنموية وكانت هذه كلها معرفة إيجابية أما الآن فقد زاع سيطكم ولكن بصورة سلبية، قلت لها ربما يكون ذلك بسبب انتشار اليمين المتطرف... فقالت أن المشكلة أكبر من اليمين أنها مشكلة تعم المجتمع ... اليمين واليسار على حد سواء ... قلت لها أن هذه المشكلة ساعدت في تأخيرنا سياسياً لهذا إستغلها الساسة في دولنا لكي يشغلوا شعوبهم عن خطوات الإصلاح ... أثناء ذلك قال زميلي سيمون ... لقد حضرنا منذ أيام الندوة التي أقامتها سفارة إيران تحت عنوان "من هو النبي محمد" ... ولم يحضر إلا عدد قليل جداً ... قالت السيدة نينا ... لقد اختاروا لها يوماً هو ثاني أهم الأجازات الدينية في بلادنا "عيد الفصح" فطبيعي ألا يحضر أحد ... تأطير التواجد المشترك في القرن الحادي والعشرين قال لي زميلي سايمون ... لقد جئت في الوقت المناسب، يوم الخميس 20 أبريل (2006) هناك لقاء حول "تأطير التواجد المشترك في القرن الحادي والعشرين، خبراء عبر الحدود" ينظمه المعهد الدنماركي للدراسات الدولية بالتعاون مع جامعة كوبنهاجن والمتحف الوطني الدنماركي بالتعاون مع مؤسسة التواجد المشترك للحضارات ... إنها فرصة رائعة لكي تتعرف على وجهات نظر مختلفة, فهناك مدعوين من مصر وإسرائيل وسنغافورة وماليزيا والعديد من الدول الأخرى ... ولكن المقاعد محدودة ولابد أن نذهب الآن لنسجل اسمك....

حادث عارض: الموبايل على الرغم من أن الدنمارك تعد من الدول المتقدمة جداً في مجال الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات إلا أنك لا تلاحظ أي صخب أو إعلانات مستفزة عن استخدام خدمات التليفون المحمول لا من نوع الحساب بالثانية ولا ساحر ولا سحري ولا مسحور ... حتى أنني وجدت صعوبة في الوصول إلى أحد المحال التي تقدم هذه الخدمة للحصول على خط تليفون محمول لاستخدامه خلال فترة إقامتي هناك ... وللعجب العجاب أن أحد لم يطلب مني لا جواز السفر ولا أية أوراق ثبوتية أخرى ولم يوقع معي عقد ولم يتعرف حتى على اسمي وسلمني الخط وقام بتشغيله لي ودفعت المبلغ المطلوب نقداً، أي أنهم حتى لم يتعرفوا على اسمي من بطاقة الائتمان ... وأتعجب وأنا في دولة محاطة بهذا الغضب والعداء العارم من قبل معظم مسلمي العالم (إن لم يكن كلهم) ... ولا تطلب منك شركة الهواتف الجوالة أي أوراق ثبوتية ... حاجة غريبة؟ ألا يخشون الإرهاب..؟

صورة

الروائي الدنماركي هانز كرستيان أندرسون

دعوة للعيش المشترك[عدل]

توجهت صبيحة يوم الخميس الموافق 20 أبريل إلى المتحف الوطنى حيث مكان انعقاد ولقاء التعايش بين الحضارات ... في بداية اللقاء تحدث السيد مدير المتحف الوطني والذي أشار إلى أنه عَمِلَ في مجاله لأكثر من 25 عاماً كان خلالها على صلة وثيقة بدول الجنوب وأنه كان ضمن اللجنة التي قامت بتقدير خسائر العراق الثقافية بعد الغزو الأمريكي ... وأشار إلى أن رد الفعل حول الرسوم الكاركاتورية التي تتناول شخص الرسول محمد (ص) كانت إندهاشاً شديداً للجريدة وللتقاليد الغربية ... " أنا شخصياً صدمت برد الفعل " يقول السيد مدير المتحف (Carsten Ularsen) ... " إن معظم الأوروبيين أصبحوا مضطرين أن يقبلوا أن الحضارة الأوروبية في مكوناتها الأساسية تصطدم مع الحضارات الأخرى في مكوناتها الأساسية " أضاف السيد لارسن. تحدثت بعد ذلك السيدة نانا وايت (Nanna Hvidt), مديرة المعهد الدنماركي للدراسات الدولية (DIIS), وأشارت إلى أن تلك الرسومات أدت إلى انقسامات داخلية حولها في الدنمارك وفي الغرب عموماً وأن تداعياتها ليست الصراع بين الثقافات المختلفة ولكن ربما الصراع بين أبناء الثقافة الواحدة.

بعد الحديث التقديمي للسيد لارش والسيدة وايت بدأت وقائع اللقاء والذي تكون من ثلاث جلسات (محاور), تناولت الجلسة الأولى العولمة والثانية الدين والثالثة القواعد الدولية الخاصة بحرية التعبير.

في الجلسة الأولى حول العولمة تحدث الدكتور جراهام طومسون (Grahame F.Thompson) من الجامعة المفتوحة البريطانية حول العولمة ودورها في تشكيل نمط العيش المشترك وأشار إلى أن العولمة بمفهومها الحالي تسعى إلى تسويق نموذج واحد يتلاءم مع كافة الأنماط السائدة ولكن السعي نحو ذلك أدى إلى تمسك الثقافات الأخرى بأنماطها واعتبار أنها في حالة حرب مع ثقافة الآخر وزادت من تمحور الشعوب حول ثقافاتها الأصلية...

تحدث بعد ذلك الدكتور محمد السيد سعيد نائب مدير مركز الأهرام للدراسات الإستراتيجية بالقاهرة وأشار إلى أهمية أن يكون للمسلمين مكاناً في النظام العالمي حتى تنتهي حالة عدم الرضا السائدة في المجتمعات الإسلامية نتيجة الظلم الواقع على العرب والمسلمين. وأشار إلى أن التمسك بالقيم والثوابت الدينية لا يعني أبداً عدم الانخراط في منظومة المجتمع الدولي واقرب مثال لذلك هو المملكة العربية السعودية التي تعتبر من أكثر الدول أصولية في المنطقة إلا أنها مندمجة تماماً في النظام العالمي... كما أشار في نهاية كلمته إلى أن جوهر المشكلات في المنطقة هو الصراع العربي الإسرائيلي.

الدين والتعايش المشترك خُصِصَتْ الجلسة الثانية لمناقشة دور الدين في التعايش المشترك وكان المتحدث الأول البروفيسور شمسل من الجامعة الوطنية في ماليزيا ... (ولا بد أن ’شمسل‘ هذه معناها شمس الدين أو شمس الإسلام وتم تحريفها إلى شمسل فيما بعد... ما علينا!) ... ولكن السيد شمسل أول ما بدأ بدأ حديثة قائلاً أن العرب لا يمثلون الإسلام لأنهم جزء صغير من العالم الإسلامي لا يمثل ربعه وأنهم في جنوب شرق آسيا ليسوا مثل العرب وليس بينهم جماعات إرهابية مثل القاعدة وما على شاكلتها وأضاف أن هذه الجماعات المتطرفة تمثل ربما واحد بالمئة من أعداد المسلمين ولا يجب معاقبة البقية الباقية وهي 99 بالمئة بجريرة هذه القلة القليلة ... بحسبة بسيطة وباعتبار أن عدد المسلمين في العالم يقدر بحوالي 1.2 مليار, فإن الواحد بالمئة التي أشار إليها السيد شمسل تمثل 12 مليون نسمة... ولا أدري في الحقيقة إن كان السيد شمسل يقصد بهذه القلة المملكة العربية السعودية أم لا... إنما الأعمال بالنيات...

تحدث بعد ذلك السيد كاميرون براون من جامعة هرتزليا بإسرائيل وكان شاباً صغيراً غريرا... ويبدو أنه قد التقط أطراف الحديث من السيد شمسل وبدلاً من أن يتحدث عن أثر الدين في تحقيق التعايش المشترك شن هجوماً عنيفاً على العرب وسياسات الحكومات العربية وإتخاذهم من الصراع العربي الإسرائيلي شماعة يعلقون عليها فشلهم واستبدادهم، ثم أضاف أن الإسلام ضد الديمقراطية وأن المسيحية أقرب إلى الديمقراطية من الإسلام ... ثم قارن بين الرسوم الكاريكاتورية المشينة للرسول والرسوم الكاريكاتورية المعادية لإسرائيل في العالم العربي. وقد أثار حديثة هذا غضب الكثيرين في القاعة وقام العديد من الحاضرين بالرد عليه ومنهم الدكتور محمد السيد السعيد والدكتور كومار أميرثالنجام, أستاذ القانون بجامعة سنغافورة.

القانون الدولي وتعدد الثقافات تناولت الجلسة الثالثة والأخيرة موضوع تعدد الثقافات في القانون الدولي والعلاقات الدولية وما إذا كانت هناك قواعد قانونية تنظم هذه المسألة أم لا ... في بداية الجلسة تحدث السيد كومنار أميرثالنجام أستاذ القانون بالجامعة الوطنية في سنغافورة وأشار إلى أن حرية التعبير مكفولة في الغرب ولكن هناك العديد من الحالات التي تم فيها التدخل لصالح حماية المعتقدات الدينية والمذهبية ومنها على سبيل المثال قوانين معاقبة إنكار الهولوكوست حتى في مجال البحث الأكاديمي والتي عاقبت المحاكم الأوربية العديد ممن قاموا بالتشكيك في هذه الوقائع كما تم منع العديد من الأعمال التي تتناول حياة السيد المسيح بشكل غير لائق في أوروبا مثل:

- Vision & Ecstasy. - Council in Heaven - Last temptation of Christ

تحدث بعد ذلك السيد توران كايا أوجلوا, أستاذ العلوم السياسية بجامعة واشنطون, وهو على ما يبدو من اسمه من أصل تركي ... تحدث حول أهمية تشجيع الأصوات المعتدلة في العالم الإسلامي وفي أوروبا حتى يتم التوصل إلى صيغة مقبولة للعيش المشترك في أوروبا، وذلك نظراً لتزايد أعداد المسلمين في الدول الأوروبية ... كما أشار إلى أن أزمة الرسوم الكارتونية, مثلها مثل كل الكوارث والحروب والنكبات قد تخلق فرصة حقيقية لمراجعة الذات ومد جذور التواصل مع الحضارات الأخرى.

انتهى اللقاء ولم تنتهِ مشاكل العالم الإسلامي ووضع الأقليات المسلمة في أوروبا... ولكن بالطبع الحوار الهاديء هو دائماً الحل الأخير...

وجدت فيهم أخلاق الإسلام[عدل]

عندما سافر الشيخ محمد عبده (1849-1905) رحمة الله عليه إلى باريس منذ أكثر من مئة عام (عام 1884) عاد إلى مصر ليقول مقولته الشهيرة التي تلخص تجربته في عاصمة النور حين قال واصفا أبناء أوروبا في ذاك الزمان "وجدت فيهم أخلاق الإسلام ولم أجد الإسلام،" ولعل أهم الصفات والأخلاق التي يتحلى بها الغرب وغابت عنا في الشرق الإسلامي هي إتقان العمل والتفاني فيه وإنجازه على الوجه الأكمل، وكذا احترام جميع الأعمال، فلا تجد فرقا بين الخفير والوزير، الكل يؤدي مهمة محددة، أضف إلى ذلك أنه لا فرق بين غربي ولا أعجمي هنا إلا بالعمل الجاد والمعرفة. الجميع في هذه البلاد سواسية ولا يضيف لشخصيتهم ولا مكانتهم في المجتمع ركوبهم السيارات الفارهة أو الدراجات، حتى أن بعض الوزراء وكبار رجال الحكومة يذهبون إلى مقار عملهم يوميا بدراجاتهم الخاصة، لا سيارات فارهة ولا حرس ولا مواكب ..... وكان العديد من زملاء العمل من الحاصلين على درجة الدكتوراه وممن لهم إسهامات بارزة في كافة مجالات العلوم الاجتماعية يستخدمون الدراجات للوصول إلى مقار عملهم.

كان المعهد الدنماركي للدراسات الدولية يقدم للعاملين به وجبة غذاء مدعمة في كافيتريا المعهد، وتتنوع هذه الوجبة يوميا ولكنها كانت دائما تحتوي على الأرز والمكرونة ونوع أو أكثر من أنواع اللحوم بالاضافة إلى السلاطات والفاكهة والحلويات. وكان ثمن هذه الوجبة يعادل 25 جنيها مصريا – وهو مبلغ صغير بالنسبة لهذه البلاد حيث يكفي بالكاد لشراء ساندويتش هامبرجر فقط – وللعاملين الحق في شراء "كوبونات" من إدارة شئون العاملين بدءً من كوبون واحد أو شراء عشرة كوبونات بقيمة تسعة فقط، كما يمكن للعاملين طلب إستقطاع قيمة الوجبات من رواتبهم شهرياً. ويفتح المطعم بدءً من الثانية عشرة وهو بنظام البوفيه المفتوح, ويوجد عند مدخل المطعم مكانا مخصصا لوضع الكوبونات ولا يسألك أحد إن كنت من المشتركين الشهريين أو ممن يدخلون بنظام الكوبون! كما أن هذا المطعم مخصص لجميع العاملين لا فرق بين الباحثين أو الموظفين أو حتى العاملين وكثيراً ما كانت مديرة المركز تنزل لتناول وجبتها مع باقي العاملين، وهي في العادة تأتي بمفردها ولا يرافقها أحد إلا بالصدفة ولا يُخَلِّي لها أحد مكانه أو يترك أحدهم مقعده للجلوس بجوارها.

ويقدم المطعم كما ذكرت كافة أنواع اللحوم – بما فيها لحم الخنزير بالطبع – وكنت غالباً ما أنزل لتناول الطعام مع أحد الزملاء الدنماركيين وكنت ما أن أصل إلى لحم الخنزير حتى ينبهنى مرافقي إلى أنه لا يجب علي أن أكل من هذا الطبق لأنه من لحم الخنزير، كما لاحظت أنه بعد فترة من وصولي وضعوا لافتات باللغتين الدنماركية والإنجليزية على الأطباق للتفرقة بين لحم الخنزير وأنواع اللحوم الأخرى! ... ذات مرة وبعد أن تناولنا طعام الغذاء ذهبت مع أحد الزملاء لإحضار بعض الفاكهة والحلوى وعندما هممت بوضع بعض الحلويات في طبقي نبهني زميلي إلى أن هذه الحلوى تحتوي على لحم الخنزير، تعجبت وقلت ممازحاً: "حتى الحلوى يضعون فيها لحم الخنزير؟" ثم أخذت نصيباً من نوع آخر من الحلوى وجلسنا نكمل الغذاء ... ترى أي احترام لمعتقدات الآخرين أكثر من ذلك؟

في العطلة الأسبوعية كنت أتجول في مدينة كوبنهاجن وما حولها كما يفعل السائحين، فتارة أذهب إلى الأماكن السياحية وتارة أخرى أبتعد عن قلب العاصمة إلى أطرافها لأستمتع بالمناظر الطبيعية الخلابة في الضواحي وفي الريف وفي بعض الأحيان كنت أذهب إلى شواطئ كوبنهاجن الساحرة أنتظر عروس البحر التي إبتدع شخصيتها الكاتب الدنماركي كرستيان هانز أندرسن. في إحدى هذه العطلات ذهبت إلى الميناء الجديد Nyhavn والذي يعد من أقدم الموانئ في الدنمارك, والذي أنشأه الملك كرستيان الخامس عام 1670, وقد تحول هذا المكان إلى مزار سياحي مازال يحمل اسم الميناء الجديد رغم مرور أكثر من 300 سنة على إنشائه. تجولت في المكان وكاد يسيل لعابي وأنا أرى أحد المحال الكبيرة التي تقدم "الآيس كريم" فإندفعت للداخل لنيل حظي منه وكان الجو حاراً في ذلك اليوم والمحل مكدسا بالزبائن فوقفت في الصف – تلقائياً – حتى وصلت إلى البائعة فطلبت منها ثلاثة أنواع من الآيس كريم فوضعت بعضا من النوعين الأول والثاني إلى أن وصلت إلى النوع الثالث وقد فوجئت بها تقول لي "عفوا ولكن هذا النوع يحتوي على الخمر" تعجبت لها كيف عرفت أنني لا أحتسي الخمر ! حمدت الله وقلت "سيماهم على وجوههم"، شكرت البائعة وطلبت نوعاً آخر, ورُحْتُ أفكر أثناء تناولي للآيس كريم فيما قالته لي هذه الفتاة الصغيرة وكيف أدرَكَت أنه من واجبها أن تنبهني بأن هذا الآيس كريم يحتوي على الخمر .... أي أمانة وأي أخلاق هذه؟!!

كوبنهاجن مدينة عربية[عدل]

بمجرد أن تطأ قدماك شارع "نيربرو جاد" Nørrebrogade في العاصمة الدنماركية كوبنهاجن يتملكك شعور جارف بأنك في إحدى مدن الشرق الأوسط .... المحال التجارية والمطاعم والمقاهي والوجوه السمراء والسيدات المحجبات - على اختلاف درجات حجابهن - والشباب الذي يتجول في هذه المنطقة بلباسه الغربي ولهجته العربية التي تنتمي غالباً لبلاد الشام أو العراق ... لا يخرجك من شعورك هذا إلا الحسناوات الشقراوات راكبات الدراجات اللواتي يقطعن حبل أفكارك الشرق أوسطية وهن يمرقن بجوارك كالسهم في المسار المخصص للدراجات الملاصق لممر المشاة. ويقع شارع "نيربرو جاد" في منطقة "نيربرو " Nørrebro التي تشتهر بسكانها الذين يمثلون الأقليات العرقية في كوبنهاجن.

البصرة في كوبنهاجن تزداد كثافة اللافتات العربية والتواجد العربي في شارع "نيربرو جاد" عند تقاطعه مع شارع "يات واي"Jagtvej حيث تجد لافتة كبيرة باللون الأصفر كتب عليها باللغة العربية باللون الأحمر القاني "أسواق البصرة" وهو محل لبيع الفاكهة والخضروات وكافة أصناف الأغذية الطازجة والمحفوظة وكذلك منتجات التبغ وعلى رأسها المعسل المصري والبحريني والفحم وكذلك الشيشة (النرجيلة/الأرجيلة)، وعلى الرغم من أن المكان من الداخل مكدس بكافة أصناف البضاعة إلا أن أصحاب المحل الذين يتحدثون اللغة الدنماركية على إستعداد دائم لخدمة الزبائن، وعلى الرغم من أن المحل يحمل لافتة عربية إلا أن زبائنه من الدنماركيين أكثر من زبائنه من العرب. عندما دخلت المحل قابلني شاب عراقي، وبمجرد أن عرف هويتي المصرية استقبلني بترحاب شديد قائلا لي "كلما قابلت أي مصري أتذكر على الفور أبو إسلام وأم إسلام جيراننا المصريين في البصرة .. والله يا أخي نحن نحبكم ونحب مصر كثيراً".

"أسواق آيات" ... لافتة كتبت باللغة العربية على أحد محال السوبر ماركت الكبيرة في شارع "نيربرو جاد" وبجوارها بالحروف اللاتينية “Ayat Marked” وهو أكبر من "أسواق البصرة "، يبيع الخضروات والفواكه والعديد من المنتجات والأصناف الأخرى .... أما في قرب نهاية الشارع فيقع سوبر ماركت كبير اسمه "أسواق الحلو" Al-Hulo Marked، وقد كتب على واجهة المحل "خضار وفواكه – مواد عربية"، وعلى الرغم من أن هذه الأسواق يمتلكها ويديرها العرب وهي موجهة أصلاً لإجتذاب الزبائن العرب، إلا أن العديد من رواد هذه المحال وزبائنها من غير العرب وبخاصة من الدنماركيين، وربما يرجع ذلك إلى جودة بضائع هذه المحال ورخص أسعارها مقارنة بالمناطق الأخرى في كوبنهاجن.

شاورما وفلافل على بعد خطوات من "أسواق ألبصرة" يقع مطعم مونتانا Montovana وتتصدر واجهة المطعم شجرة الأرز الخضراء رمز لبنان والمكون الأساسي لعلم البلاد ... ولا ينسى صاحب المطعم التقاليد اللبنانية والعربية حيث يعلن على الواجهة الزجاجية للمحل عن وجود "صالة للعائلات" مكتوبة باللغة العربية وبجوارها كتب "أهلاً وسهلاً" ولم ينس صاحب المحل أيضاً أن يعلن عن الشاورما اللبنانية حيث كتب على واجهة المحل بالحروف اللاتينية "Sawarma". أما مطعم "مشوار" Meshwar على بعد خطوات من مطعم مونتانا فهو متخصص في صناعة وتقديم البيتزا (الاسم الإفرنجي للفطائر!!!) والمرطبات. أما المطعم اللبناني "مشويات لبنانية" Lebanese Grill فقد كتب على الواجهة الزجاجية للمطعم باللغة العربية "المطعم اللبناني .. حلال .. شاورما .. فلافل" مع تزيين المطعم بالعلم اللبناني بحجم يغطي واجهة المطعم ويبرز هويته التي تبدو ظاهرة للعيان من خلال شجرة الأرز الخضراء الجميلة التي تزين العلم اللبناني.

تجدر الإشارة هنا إلى أن محال بيع الشاورمة في العاصمة الدنماركية كوبنهاجن لا تقتصر على هذا الحى "العربي" فقط ولكنها منتشرة في وسط المدينة في المنطقة التجارية التي تقع في قلب كوبنهاجن, وقد يفوق عدد محال الشاورمة في هذه المنطقة عدد محال تقديم الوجبات السريعة الأمريكية مثل مكدونالدز وكنتاكي وبرجر كينج، ولهذه المحال سمعة طيبة لدى أبناء الدنمارك وتقدم هذه المحال ساندويتشات الشاورمة مفردة أو بنفس طريقة مكدونالدز حيث تُقَدَم مع البطاطا المقلية (البطاطس المحمرة) ومشروب الكوكا كولا, ويقوم بإدارة هذه المحال الإخوة من أبناء بلاد الشام.

البصرة في كوبنهاجن

الحلو عند الباشا بعد وجبة غذاء شاورمية بيتزاوية لابد أنك سوف تحتار وتتعب في البحث عن الحلويات العربية والشرقية اللذيذة ولكن ’الباشا‘ قد كفاك تعباً وحيرة. "لا حيرة ولا تعب ... الباشا عند الطلب ... إستعداد تام لكافة الأفراح والمناسبات" هكذا أعلن محل "حلويات الباشا" عن خدماته لسكان المنطقة، كما كتب على الواجهة الزجاجية للمحل "كافة أنواع الحلويات العربية الفاخرة" ... حينما تمر من أمام هذا المحل تشعر وكأنك في المشرق العربي وتشم رائحة الحلويات الشرقية اللذيذة وتتذكر الفيحاء وسوق الحميدية و"بوظة بكداش" وحلويات "تاج الملوك" في بيروت والحاج "عرفة الحلواني" في حي السيدة زينب بالقاهرة.

الحاج شعيب تظل اللحوم في الذاكرة الجمعية العربية هي أهم مكونات الطعام ومقياس الثراء والكرم على حد سواء، وربما يعزى ذلك إلى الموروث الثقافي منذ العصر الجاهلي الذي خلده العرب في شعرهم من مطاردة البقر الوحشي وصيده وتقديمه لضيوفهم، وإستمرت هذه العادة في بلاد الجزيرة العربية، ولكن مع إحلال الخراف المشوية والمحشوة بالأرز البسماتي القادم من شبه الجزيرة الهندية محل البقر الوحشي. ومع ارتفاع أسعار اللحوم صارت عزيزة على الكثيرين من أبناء الوطن العربي مما جعل لها مكانة مرموقة في وقتنا الحاضر لا تقل بحال من الأحوال عن مكانتها عبر التاريخ العربي. في كوبنهاجن لا يجد أبناء العروبة مشكلة في تذوق أشهى لحوم البقر والماعز التي إعتادوا عليها في بلدانهم، ليس فقط لقدرتهم على شرائها ولكن لأن "الحاج شعيب" قد حمل على عاتقه توفير هذه النوعية من اللحوم لهم هنا في بلاد المهجر، وقد كتب الحاج شعيب على واجهة محله بالحروف اللاتينية "ALHODA SLAGTER HALAL" بمعني "جزارة الهدى حلال" أي أنها مذبوحة طبقاً للشريعة الإسلامية، أما باللغة العربية وعلى الواجهة الزجاجية لمحله الواقع في شارع "نيربرو جاد" والذي يقع بجوار المطعم اللبناني، كتب الحاج شعيب "المجزرة الإسلامية – ذبح وإشراف الحاج شعيب"، ولاحظ هنا لقب الحاج الذي يسبق اسم صاحب المحل لاضفاء طابع ديني يؤدي إلى ثقة أكبر في نوعية اللحوم التي يقدمها. أما أنواع اللحوم التي يقدمها الحاج شعيب فقد كتبها جميعاً في واجهة المجزرة (محل الجزارة – القصاب سابقا!!!) "لحم بقر، لحم بقر مفروم، لحم عجل، كبد عجل، شرائح لحم عجل، كِلية عجل، عجل كامل، فخذ خروف، شرائح لحم غنم، كتف غنم، ضلع غنم، رقبة غنم، كبد غنم، دجاج، ... وأشياء أخرى كثيرة"، بارك الله فيك يا حاج شعيب، والله لقد أسلت لعابنا. ولم ينس الحاج شعيب أن يخاطب أبناء الجاليات الأخرى وأبناء الدنمارك الذين لا يجيدون اللغة العربية فقام بكتابة جميع هذه الأنواع والأصناف باللغة الدنماركية. عندما تجاذبت أطراف الحديث مع رفاق العمل حول هذه المجزرة (محل الجزارة) أشارت إحدى الزميلات الدنماركيات أنها عادة ما تشتري إحتياجاتها وإحتياجات أسرتها من عند الحاج شعيب، " أولاً لأن لحومهم دائما طازجة وصحية وخدمتهم ممتازة وثانياً - وعلى الرغم من جودة منتجاتهم - إلا أن أسعارهم أرخص من المحال الاخرى"، هكذا قالت زميلتنا.

مجوهرات الرسول تبقى الحلي والمجوهرات سمة مميزة لبلاد المشرق العربي فهي للزينة والتفاخر والإدخار وتأمين المستقبل، علاوة على كونها – قبل كل ذلك – واحدة من أهم ما يجذب النساء ويداعب مخيلاتهن ... ولم ينس العرب هنا في كوبنهاجن الاهتمام بهذا الجانب فنقلوه معهم إلى بلاد المهجر، حيث يوجد على الأقل أربعة محال كبرى لبيع الذهب والفضة والمجوهرات وأحياناً الساعات أيضا، وتُسمّى هذه المحال بأسماء عربية تزين واجهاتها، فهذه "مجوهرات الحسين" وتلك "مجوهرات الزهراء" و"مجوهرات الرسول" الذي كتبها بالحروف اللاتينية هكذا "Al-Rasoul Jewellery" و"مجوهرات القباني" و"مجوهرات الرافدين"، ونظرا لشهرة إمارة دبي بأسواق الذهب فقد سمى أحدهم محله لبيع الذهب والفضة "مجوهرات دبي". وتقدم هذه المحال مجوهرات ومشغولات فضية وذهبية تناسب الذوق العربي، وروادها في الغالب الأعم من الجاليات العربية المقيمة في كوبنهاجن.

ملابس شرعية في شارع "جريفنفلدزجاد" Griffenfeldsgade المتفرع من شارع "نيربرو جاد" تجد لافتة كبيرة كُتبت باللغة العربية فوق أحد المحال التجارية هذا نصها "معرض صفاء للملابس والأحذية – نسائي وأطفال – ملابس شرعية"، وفي داخل المحل سيدة عربية ترتدي عباءة سوداء وغطاء رأس ولا يبدو منها سوى الوجه والكفين بادرتها بتحية الإسلام فردت علىّ التحية بمثلها وعرضت المساعدة فشكرتها وتجولت في المحل المليء بالعباءات وأغطية الرأس، بالإضافة إلى ملابس الأطفال والأحذية. على مقربة من هذا المحل توجد العديد من المحال المتخصصة في بيع المُنتجات المخصصة للسيدات المحجبات وكذا السيدات المحافظات القادمات من المنطقة العربية، فهذا بوتيك ليلى "Laila Butik" يعرض المنتجات الشرقية من أغطية الرأس الملونة والمزركشة وملابس الأطفال والسيدات وكذلك الكوفية الفلسطينية والعربية باللونين الأحمر والأسود. وهذا محل ملابس ياسمين "Jasmin Tøj" يعرض العديد من أصناف الملابس للنساء والأطفال التي تناسب الأسر المسلمة، أما ملابس النساء في هذا الشارع فهي خليط من أزياء شتى تتفاوت من الحجاب الكامل، واللباس الغربي مع تغطية شعر الرأس، إلى اللباس الغربي.

مكان خاص للمحجبات "صالون سلامة" و"صالون منى للسيدات" و"صالون القاهرة" و" صالون السليمانية" و"صالون ليندا" و"صالون مونديال" و"صالون ماجيك"، والعديد غيرهم من المحال التي تقدم خدمات التجميل للرجال والسيدات في شارع "نيربرو جاد". وتقدم هذه المحال خدماتها طبقا للذوق العربي وبأسعار معتدلة جدا إذا ما قورنت بأسعار المحال الأخرى المماثلة في مناطق أخرى من العاصمة الدنماركية كوبنهاجن، ومن أجل اجتذاب الزبائن تقوم هذه المحال بالإعلان عن خدماتها باللغتين العربية والدنماركية وأحياناً باللغة الإنجليزية أيضا على واجهات هذه المحال. كتب صالون ماجيك على الواجهة الزجاجية "أحدث القصات للرجال والنساء"، أما صالون منى للسيدات فقد كتب على الواجهة الزجاجية للمحل "يوجد لدينا مكان خاص للمحجبات والعرائس،" تشعر وكأنك في حي بولاق الدكرور الشعبي بالقاهرة!

الموبايل على الرغم من أن حُمَى استخدام الهواتف الجوالة (النقالة، الخلوية) في الدنمارك أقل حدةً مما هي عليه في المشرق العربي وما به من هوس بهذه التكنولوجيا, إلا أن أصحاب محال الهواتف الجوالة في شارع "نيربرو جاد" يسعون لإكتساب الزبائن العرب، فقد كتب أحدهم على واجهة محله باللغة العربية "بيع – شراء – تصليح"، وفي لافتة أخرى كتب نفس المحل "تحويل الموبايلات إلى اللغة العربية"، ولا أدري لماذا يرغب سكان كوبنهاجن العرب في تحويل هواتفهم الجوالة إلى العربية ولكنه دائماً الحنين الجارف للجذور .... وربما أيضا لتبادل الرسائل النصية (SMS) مع الأهل والاصدقاء في الوطن الأم في بلاد المشرق العربي.


يا مسافر وحدك ... مكاتب السفر المتخصصة في جذب الزبائن العرب تجارة رائجة في شارع "نيربرو جاد"، فهذا مكتب الجزيرة الذي كتب لافتته بالحروف اللاتينية "Al Jazeera" ولا أدري إن كان صاحبه يقصد جزيرة العرب أم جزيرة قطر... أقصد قناة الجزيرة في قطر. أما المكتب الآخر فهو شركة "المستقبل للسياحة والصيرفة" كما كتبت باللون الأحمر على واجهة المحل الذي آثر صاحبه أن يجمع بين العمل بالسياحة والسفر وكذلك التعامل في تحويل العملات، ولكي تكتمل المنظومة، يقع بجوار هذا المكتب مباشرةً أحد فروع شركة ويسترن يونيون "Western Union" لتحويل الأموال. ولقد وضع صاحب شركة المستقبل لافتات دعائية للرحلات الجوية للكويت ودمشق والقاهرة وبيروت وعمان بالإضافة إلى العديد من العواصم الأخرى.

و يبقى الحب والألم ما أجمل أن نحيا حياتنا كما نحب وما أجمل أن نعيش ثقافتنا العربية في هذا المناخ الذي يحترم حرية الفرد وحقوق المواطنة المكفولة للجميع وما أجمل هذا التمازج بين الحضارات وتفاعلها البنّاء بعيداً عن الشعارات الرنانة والخطب الطنانة ... ولكن تبقى في الحلق غصة من حزن، ليس لأننا أصبحنا ندمن الأحزان، ولا مرجعها إلى الخوف من الفرح الذي يلازم الشخصية المصرية التي إذا فرحت كثيرا أو قليلاً قالت "الّهم إجعله خير!" لتوقعها البلاء بعد السعادة، لا ..... ليس لذلك كله، وإنما لسبب آخر ألا وهو أن العديد من أبناء العروبة في هذه البلدة جاءوا إليها فارين من الحروب والمجاعات والصراعات العرقية في الصومال والعراق وفلسطين أو سعياً وراء الرزق وأن معظمهم لا يملكون العودة إلى أوطانهم ..... إن شاءوا.

أزمة الرسوم الكاريكاتورية[عدل]

لقد تسببت أزمة الرسوم الكاريكاتوريةThe Cartoon Crisis في إثارة عاصفة من الجدل داخل الدنمارك بعد الثورة العارمة التي شهدتها بعض البلدان الإسلامية إحتجاجاً على نشر الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للنبي محمد (ص)، فلا يخلو مجلس من ذكر هذه الواقعة وتداعياتها وإنعكاساتها الداخلية والخارجية وتأثيرها على صورة الدنمارك في العالمين العربي والإسلامي وإنعكاساتها على الشأن الداخلي الدنماركي وطريقة تعامل الحكومة الدنماركية مع مطالب الأقليات العرقية والدينية في البلاد. وتعود أزمة الرسوم الكاريكاتورية إلى 30 سبتمبر 2005 حيث قامت صحيفة يولاندس بوستن Jyllands-Posten الدانماركية بنشر إثنى عشرة صورة كاريكاتورية لرسول الإسلام محمد بن عبد الله (ص) وبعد ذلك بفترة وجيزة وفي يناير 2006 قامت الصحيفة النرويجية Magazinet والصحيفة الألمانية Die Welt والصحيفة الفرنسية France Soir وصحف أخرى في أوروبا بإعادة نشر الصور ذاتها.

قوبل نشر هذه الصور الكاريكاتورية بموجة عارمة من الغضب على الصعيدين الشعبي والسياسي في العالم العربي والإسلامي، وقد أخذت الإحتجاجات طابعاً عنيفاً في دمشق حيث أُضرمت النيران في سفارتي الدنمارك والنرويج في 4 فبراير 2006 وتم إحراق القنصلية الدنماركية في بيروت في 5 فبراير 2006 وتم تفعيل الدعوة لمحاربة المنتجات الدنماركية في العديد من البلدان الإسلامية وتركزت المقاطعة بصورة كبيرة على منتجات الألبان التي تنتجها الدنمارك وتصدرها للدول العربية وإختفت بالفعل هذه المنتجات من الأسواق لفترة كبيرة قبل أن تعود للظهور مرة أخرى. ووفقاً لمكتب الإحصاء الوطني الدنماركي، إنخفضت صادرات منتجات الألبان مثل الحليب والزبد والجبن للدول الإسلامية، إلى نحو 21 مليون دولار في فبراير 2006، بعد أن حققت نحو 138 مليون دولار في الفترة نفسها من عام 2005. وقد قامت المصانع الكبرى والمحال التجارية التي يحتوي اسمها على الدنمارك أو الدنماركية إلى تغيير الاسم وقد لاحظت ذلك بنفسي عندما قام أحد المصانع بمدينة السادس من أكتوبر بتغيير الاسم من "الشركة المصرية الدنماركية لإنتاج ......." إلى "الشركة المصرية لإنتاج ......" كما قامت أحد سلاسل المحلات الراقية لتصنيع المخبوزات الدنماركية والتي كانت تتخذ من عبارة "المخبوزات الدنماركية" جزءً مكملاً لإسمها التجاري إلى تغيير هذه العبارة إلى "المخبوزات العالمية" .

وفي الدنمارك، طالبت جمعية المسلمين في الدانمارك Danish Islamisk Trossamfund جريدة يولاندس بوستن بالإعتذار لجميع المسلمين لنشرها الصور الكاريكاتورية، وعلى الرغم من قيام الجريدة بنشر اعتذار للمسلمين باللغتين الدنماركية والعربية إلا أن ذلك لم يكن كافياً. وعلى الجانب الآخر يرى الدنماركيون أن اعتذار الصحيفة عن جرحها لمشاعر المسلمين كاف، كما يعتقد البعض أن الجالية المسلمة في الدانمارك قد اختارت أسلوباً خاطئاً بنشرها القضية في العالم العربي، مما أدى لتفاقم المشكلة ودخول أطراف جديدة في الصراع، علما بأن هذا التحرك لم يجد الكثير من التعاطف أو القبول في الدانمارك.

وعلى الرغم من رفض رئيس الوزراء الدنماركي الاعتذار الصريح للمسلمين فقد إكتفي بإعرابه عن أسفه لما أحدثته هذه الرسوم من مشكلات بين الدنمارك والعالم الإسلامي وإكتفى بالإشارة إلى اعتذار الصحيفة كما ورد في حديثة الذي أذاعته قناة "العربية" في الخامس من فبراير 2006.

صورة

جانب من المظاهرات الغاضبة في بيروت

مدح الرسول في كوبنهاجن[عدل]

في مساء يوم رائع من أيام صيف كوبنهاجن القصير يعلو صوت المنشد الديني السوري عماد رامي وفرقته بمدح الرسول عليه الصلاة والسلام بصوته الرخيم الذي يحمل في طياته تاريخاً طويلاً من الغناء الصوفي والمديح في سوريا إبتداء بالقدود الحلبية وانتهاءً بصوت الفنان العربي السوري المتألق صباح فخري وترانيمه الصوفية البديعة. "صلى الله على محمد، صلي الله عليه وسلم" تنطلق مدوية هنا في قلب كوبنهاجن ثم يتبعها فريق الإنشاد الديني بالعديد من الأغاني والأناشيد الدينية في مدح رسول الإسلام محمد (ص). عادت بي الذاكرة لمصر وتذكرت مداح الرسول الشيخ ياسين التهامي والليالي التي يحييها في القاهرة في ذكرى مولد أولياء الله الصالحين والجموع الغفيرة التي تحرص على حضور لياليه، ولكن إلتفاتة حولي إلى القاعة التي تغص بالفتيات الشقراوات أعادتني مرة أخرى إلى كوبنهاجن وإلى الخيمة الكبيرة التي تقع بجوار قصر كرستيانبرج وتمثاله الشهير الذي بدا وكأنه يراقب هذا الجمع الغفير الذي سعى إلى هذا المكان ليتعرف على بعض ملامح الحياة الإسلامية.

نعم إننا الآن في كوبنهاجن، إنني أستمع إلى مدح الرسول الكريم هنا ويرتفع صوت الآذان مدويا من الحناجر الشابة المصاحبة للمنشد المتألق عماد رامي على بعد دقائق من مقر الجريدة التي أساءت للرسول الكريم أيما إساءة .... حتى أنني تخيلت وأنا أستمع إلى السيد عماد وهو يمدح الرسول أنه يرفع صوته حتى يصل إلى مسامع العاملين بهذه الجريدة حتى يشهدوا بأننا كم نُجلُ رسولنا الكريم وندافع عنه. ولعل ردة الفعل العنيفة تجاه نشر الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للرسول الكريم عليه الصلاة والسلام في العالم الإسلامي هي التي حَدَت بالعديد من الهيئات والمنظمات الأهلية والحكومية هنا في الدنمارك لتبني العديد من المبادرات لتعريف أبناء الدنمارك بالدين الإسلامي وبالثقافة الإسلامية. وفي هذا الإطار فإنه ليس من الغريب أن يتبنى المركز الدنماركي للثقافة والتنمية (Danish Center for Culture and Development (DCCD)) فكرة إقامة هذا المعرض حول الإسلام Islam Expo لمدة ثلاثة أيام 19-21 يونيو 2006 في العاصمة الدنماركية كوبنهاجن بالتعاون مع العديد من الهيئات والمؤسسات الأخرى.

وقد شهد هذا المعرض العديد من الفعاليات منها سوقاً للكتاب الإسلامي ومعرضاً للخطوط العربية وزيارة لبعض المساجد في كوبنهاجن وإستضافة فريق إنشاد ديني من تركيا وسلسلة من المحاضرات التي إستضافتها المكتبة الملكية حول إسهامات الحضارة العربية في العلوم والفنون والثقافة. إن الاساءة إلى رسولنا الكريم هي جرم ما بعده جرم وإثم ما بعده إثم ولكن .... هل كان من الممكن أن تقوم الدنمارك بتنظيم هذه الإحتفالية لولا هذا الحدث، وهل كان للمنشد السوري "عماد رامي" أن يحضر إلى هنا ليعلو صوته بالتكبير والتهليل ومدح الرسول علية الصلاة والسلام في قلب العاصمة الدنماركية كوبنهاجن ؟

صورة

الدين والمجتمع في الدنمارك[عدل]

على الرغم من أن الغالبية العظمي من سكان الدنمارك يتم تصنيفهم تحت الديانة المسيحية الإنجيلية اللوثرية، إلا أن الدين لا يعد عاملاً مؤثراً في مجريات الحياة اليومية، كما لا يتداخل الدين مع السياسة بأي شكل كان، حيث أن الدنمارك دولة علمانية تأخذ بالنظام الملكي الدستوري. وبالإضافة إلى الأغلبية اللوثرية توجد هناك أقلية بروتستانتية وكاثوليكية. يمثل المسلمون أقلية دينية وقد وفد معظم المسلمين إلى الدنمارك كمهاجرين من بلدان الشرق الأوسط وكانت هجرتهم غالبا سعيا وراء الرزق أو للدراسة، إلا أنه خلال العشرية الأخيرة من القرن العشرين وفي مطلع القرن الحادي والعشرين وحتى تاريخ كتابة هذه السطور إزدادت تدفقات الهجرة من المنطقة العربية وخصوصاً من الصومال والعراق ولكن ليس سعياً وراء الرزق أو التعليم وإنما للتمتع بالأمان الذي فقدوه في بلدانهم، وقَبِلتهم الدنمارك كلاجئين.

وعلى الرغم من الحجم النسبي الضئيل الذي يمثله العرب والمسلمون في الدنمارك إلا أن وجودهم لا يمكن أن تغفله عين من خلال الأزياء العربية والبشرة السمراء والمحال والعادات والتقاليد العربية وخصوصا في الأحياء التي تزداد فيها الكثافة السكانية العربية والإسلامية. وعلى عكس الغالبية العظمى من السكان التي لا يؤثر الدين في حياتهم بشكل ملحوظ نجد أن الجالية الإسلامية أكثر حفاظاً وتمسكاً بالدين الإسلامي بإعتباره جزءً من هويتها، وربما خوفا من – أو عدم رغبة في – الانخراط التام في المجتمع.

وقد يعجب المرء عندما يجد من بين بائعات مطاعم مكدونالدز للوجبات السريعة بائعة ترتدي الحجاب في أحد الفروع الكبيرة في منطقة وسط المدينة، في حين أن مطاعم السلسلة نفسها في إحدى البلدان العربية كانت تمنع العاملات بها من ارتداء الحجاب أثناء الخدمة حتى وقت قريب.

وعلى الرغم من أن كوبنهاجن تمتلئ بالكنائس الأثرية الجميلة إلا أنها لا تبدو في نظر الكثيرين إلا جزءً من الماضي وطابعاً معمارياً يميز المدينة ويضيف إلى سحرهاً، فها هي الكنيسة المرمرية The Marble Church تعج بالزائرين وهي من أجمل الكنائس في الدنمارك، ليس للعبادة وإقامة الشعائر ولكن لزيارة هذا المكان "الأثري" وربما لمشاهدة مدينة كوبنهاجن من فوق قبتها العالية. وكذا تحول برج ’كنيسة منقذنا‘ The Church of our Saviour ذهبي اللون بمنطقة كرستيانزهاون إلى مزار سياحي - مثل برج القاهرة - يستطيع الزائر أن يري من فوقه صورة جوية للمدينة .

في ندوة عقدتها إحدى المنظمات في مدينة كوبنهاجن كان المتحدث هو رئيس قسم الأديان بإحدى الجامعات الدنماركية. ذهبت إلى الندوة وكنت أَعِدُ نفسي بمحاضرة هامة ومفعمة بالتوجه الأكاديمي الذي ينتمي إليه المتحدث. بدأ المحاضر حديثة قائلا "على الرغم من أنني أعمل أستاذاٍ لعلم الأديان المقارن وأنني أعمل الآن رئيسا لهذا القسم إلا أنني دائما ما أسأل نفسي سؤالاً لا أجد له إجابة، ما هو الدين؟"!!!!!

صورة

الكنيسة المرمرية في كوبنهاجن

عثمان عبد الدايم[عدل]

من أجمل الأماكن التي كنت أحب إرتيادها في كوبنهاجن المقابر. ربما تكون هذه الحقيقة صادمة لما تربينا عليه في الشرق عامةً وفي مصر بصفة خاصة من تقديس الموت الذي ورثناه عن أجدادنا الفراعنة والذي تأصل فينا بإتباعنا الديانات المسيحية والإسلامية التي تعتبر الموت بداية حياة أخرى وأن حالة الموت ما هي إلا الحياة البرزخية الفاصلة بين حياتين. وعلى ذلك فإن زيارة القبور في حياتنا لها طقوس خاصة عادة ما يغلب عليها الحزن والوقار والرهبة والتدبر وتذكر الآخرة. الوضع في كوبنهاجن مختلف تماماً، فالمقابر – أو قل الحدائق الجميلة فائقة الروعة – هي جزء من الغطاء الخضري الذي يكسو المدينة وهي متنفس للشباب والعائلات وهي بمثابة حدائق عامة، تحيطها الأسوار من كل جانب ولكن أبوابها مفتوحة من كل جانب أيضا.

وتتميز المقابر – أو المقابر الحدائق إن توخينا الدقة – بأنها تجمع بين نسق الحدائق الجميلة مع كميات كبيرة من الورود التي تحيط بشواهد القبور. وشواهد القبور هنا ليست إلا قطعا فنية جميلة مصنوعة من أجمل أنواع الرخام والجرانيت والأحجار المزدانة بأسماء الراحلين وألقابهم وأمجادهم في الحياة الدنيا. ويحرص البعض على كتابة ما يشبه السيرة الذاتية على قبور موتاهم. وتتراص التشكيلات الجميلة من الورود والرياحين في سائر أنحاء" الحدائق القبور" أو ربما "القبور الحدائق" في منظر تنسي معه لحظات رهبة الموت وتطلق العنان لخيالك وكأنك في "جنة رضوان".

من المقابر الشهيرة في كوبنهاجن تلك التي تقع في منطقة "نيربرو" والتي تضم رفات الكاتب الدنماركي الشهير هانز كرستيان أندرسن الذي ولد في 2 أبريل 1805 ورحل عن عالمنا في 4 أغسطس 1875. وتوجد مقبرة أخرى في منطقة فردريكسبرج قبالة حديقة حيوانات كوبنهاجن. وحيث أنني كنت من سكان منطقة فردريكسبرج فقد كنت أمرٌ من خلال هذه المقابر للوصول إلى أحد المتاجر كل يوم سبت. وقد كانت فرصة رائعة للتأمل، وعلى الرغم من أن مروري داخل المقابر كان يعتبر طريقا مختصراً للوصول إلى المتجر الذي أريد، إلا أن مروري داخل المقابر كان يأخذ وقتا أكبر، وكنت أتعمد في كل مرة السير في ممرات وطرقات مختلفة كما كنت أتوقف للحظات للتأمل وأفترش الخضرة في أحيان كثيرة وأسعد كثيراً بالنسوة العجائز وهن يحضرن الماء لري الزهور المجاورة لقبور أحبابٍ رحلوا.

كنت في طريق الذهاب والعودة أتطلع إلى النقوش المكتوبة على شواهد القبور، وعلى الرغم من أنني لا أتكلم الدنماركية إلا أنني كنت معجب بالخطوط المستخدمة في الكتابة والزخارف الجميلة المنقوشة في الصخور الصلبة التي تذكرني بنقوش المصريين القدماء على أحجار الجرانيت الوردية. عثمان عبد الدايم!! نعم ... عثمان عبد الدايم ... هكذا نقش على الحجر الجرانيتي المصقول والموضوع بعناية على أرضية المقبرة (Osman Abd-El-Dayem) ولد في 12 فبراير 1892 ورحل عن عالمنا في 19 فبراير 1985، أي أنه عاش 93 سنة، تنهدت وقلت لنفسي "ربنا يدينا الصحة وطول العمر"، أحسست للحظات أن عثمان هذا قريبي، إن اسمه نيلي. لابد أن يكون مصرياً أو سوداني الأصل والمولد. ورحت أنسج قصصا وهمية حول عثمان وأتعجب كيف انتقل عثمان إلى هذه الأرض في بدايات القرن العشرين ولماذا لم يستقر في إنجلترا مثلا التي كانت تحتل مصر والسودان في ذلك الوقت، وكيف ذهب إلى واحدة من بلدان الشمال الأوروبي؟ طبعا لم أجد أي إجابة لأسئلتي المتدفقة ولكنني كنت أحرص على زيارة عثمان كل أسبوع!

صورة

مقابر كوبنهاجن

الدراجيون[عدل]

لا أقصد بالدراجيون هنا بالطبع آل دراج وعائلاتهم بالدول العربية والمهجر، ولا أقصد نجم الفضائيات السيد عبد الهادي الدراجي مدير مكتب الزعيم الشاب السيد مقتدى الصدر بالعراق، ولكنني أقصد أبناء الدنمارك الذين آثروا البساطة وراحة البال والهدوء ونظافة البيئة باستخدامهم الدراجات الهوائية في كافة تنقلاتهم داخل المدن. وتعد الدنمارك بحق "بلد راكبي الدراجات الهوائية" حيث أنها من ضمن بلدان العالم التي يوجد بها أكبر نسبة من راكبي الدراجات، وزيارة واحدة للدنمارك ولو لمدة يوم واحد تكفي لملاحظة هذه الحقيقة، ويكفي أن تراقب الشوارع وقت ذهاب الموظفين إلى العمل أو وقت خروجهم منه في ساعات الذروة – في الخامسة مساءً عادة – لكي تقتنع بهذه الحقيقة.

إلا أن ركوب الدراجات في كوبنهاجن ينطبق عليه ما ينطبق على قيادة السيارات تماما، فالدراجيون يسيرون في مسارات ممهدة خاصة بهم في كافة الشوارع والطرقات ولهم إشارات مرورية خاصة تحمل اللونين الأحمر والأخضر تماماً كالسيارات والشاحنات ويلتزم بها الجميع، حيث أنه من المعتاد أن ترى أكداسا من الدراجيون في إشارات المرور بإنتظار الإشارة الخضراء للعبور. كما تنتشر بجوار الدراجات الهوائية العادية دراجات أخرى بثلاثة إطارات – التي تسمى في مصر تروسيكل – ومثبت بها صندوق خشبي – أو حديدي – لحمل الأمتعة والأطفال أيضا ويحتوي هذا الصندوق في معظم الأحيان على مظلة لوقاية الركاب من الشمس والمطر. ويعتاد الأطفال على استخدام الدراجات من الصغر، ومن المشاهد المألوفة أن ترى أفراد الأسرة الدنماركية قد خرجوا عن بكرة أبيهم وهم يمتطون الدراجات – الأب والأم والأطفال الصغار في طريقهم إلى العمل أو المدرسة.

ونظراً للعدد الكبير من الدراجات المستخدمة في الدنمارك فقد قامت الجهات المعنية – حكومية كانت أو أهلية – بتوفير العديد من الجراجات – أماكن الانتظار – الخاصة بالدراجات، فتجد أكداسا من الدراجات قرب أماكن التسوق وبجوار المصالح الحكومية وشركات القطاع الخاص وبجوار محطات المترو والقطارات وفي المتنزهات العامة. بالاضافة إلى ذلك يمكن للدراجيين استخدام المترو – الذي أنشئ حديثاً عام 2003 – بدراجاتهم مقابل أجرٍ رمزيٍ للدراجة، وقد تم تصميم جميع محطات المترو لتسهيل دخول وخروج الدراجات وذلك بتزويدها بمصاعد كبيرة الحجم تنقل الدراجة وصاحبها من الشارع إلى رصيف المترو مباشرة والعكس.

وقد يتساءل البعض لماذا لا يتم تطبيق هذا النظام في مصر أو في أي دولة عربية أخرى مثلاً؟ أولا ربما يحتاج ذلك إلى تغيير الصورة الراسخة عن راكبي الدراجات في بلادنا حيث يقتصر استخدامها في العادة على محدودي الدخل وأبناء الطبقات الكادحة بخلاف الدنمارك التي يستخدم دراجاتها "الوزير والخفير" بالإضافة إلى عدم قدرة الطرقات في بلادنا على إستضافة أعداد كبيرة من الدراجات تؤثر على الحركة المرورية أو إن شئت الدقة فقل "الشلل المروري"، أضف إلى ذلك أن الدنمارك بلدة صغيرة منبسطة لا توجد بها مرتفعات تعوق استخدام الدراجات أو تجعلها وسيلة انتقال مرهقة، إلا أن أهم عامل من العوامل التي لا تشجع على انتشار استخدام الدراجات في بلادنا هو عامل الطقس، فالأجواء الحارة المشبعة بالرطوبة تقف حائلا دون انتشار هذا النوع من المواصلات بخلاف الأجواء الباردة في الدنمارك، كما أن ركوب الدراجة من العباسية إلى ميدان التحرير يساوي ركوب الدراجة من قلب كوبنهاجن إلى إحدى المحافظات البعيدة نظراً لصغر مساحة العاصمة الدنماركية وإمكانية أن تقطعها من الشرق للغرب بالدراجة في أقل من ساعة واحدة.

إذا كنت من زوار العاصمة الدنماركية كوبنهاجن فلا تنسى نصيبك من ركوب الدراجات وإن لم تكن تملكها، فقد خصصت بلدية كوبنهاجن عدة مواقف لدراجاتٍ سياحيةٍ ذات ألوان مبهجة في بعض الساحات بالقرب من الأماكن الأثرية والمزارات السياحية، ويمكن لأي زائر أن يحصل على إحدى هذه الدراجات في مقابل إدخال عملة من فئة العشرين كرونة دنماركية – حوالي عشرون جنيها مصريا – في ماكينة مثبتة في الشارع وبعد الانتهاء من جولته – طالت أو قصرت – يمكنه إسترداد عملته المعدنية من ذات الماكينة أو من أي ماكينة أخرى يرغب في ترك الدراجة عندها .... ملحوظة هامة: مبلغ العشرين كرونة يمثل ثمن زجاجة كوكا كولا أو فنجان قهوة على أحد مقاهي كوبنهاجن وعلى الرغم من ذلك لم تبلغ البلدية عن فقد أي دراجة من دراجاتها!

صورة

إشارات مرور الدراجات

الخبز الدنماركي[عدل]

عند قيامي بتصفح البريد الإلكتروني الخاص بي وجدت رسالة من السيدة آن توبرو سكرتيرة القسم – وبقية الزملاء في القسم الذي أعمل به – بأننا مدعوين جميعا للإفطار على نفقتها في غرفة الاجتماعات بالمبنى وأنها بصدد إعداد الخبز وإحضاره معها صباح الغد  في تقليد جميل ولكنه لا يتكرر كثيراً. أعجبتني الفكرة وكذلك روح التضامن بين الزملاء ولكنني توقفت كثيرا عند المحتوى " سوف أحضر بعض الخبز" نعم هكذا كتبت في رسالتها ... خبز؟ ...  ربما خبز من نوع خاص ... ربما خبز محشو بشرائح اللحم أو ربما يكون ذلك نوع من المأكولات التي لا أعرفها وأنهم يسمونه في هذه البلاد خبزاَ ... ربما ولكن ثقافتي المصرية تقول أن الخبز هو الخبز ... عيش ... عيش حاف. لم أراجعها ولكنني قلت لنفسي "إن غداً لناظره قريب!"

في صباح اليوم التالي توجهت إلى العمل دون أن أتناول طعام الإفطار بالمنزل كعادتي ممنيا نفسي بوجبة إفطار دسمة ... من الخبز الدنماركي الطازج المصنوع بمنزل زميلتنا آن. في تمام التاسعة من هذا اليوم توجهت مع الزملاء إلى غرفة الاجتماعات لكي نلتهم الوجبة التي وعدتنا بها زميلتنا وكانت المفاجأة – من المؤكد أنها مفاجأة بالنسبة لي أنا فقط – لقد إلتف الجميع حول مائدة الاجتماعات وكان نجم الحفلة رغيف كبير من الخبز داكن اللون طيب الرائحة تلتصق به بعض حبات القمح المجروشة وحوله بعض علب المربى والجبن الدنماركي الشهير وقطعة كبيرة من الزبد. قامت السيدة آن بتقطيع الرغيف إلى شرائح – تشبه شرائح التوست – وقامت بدعوتنا للإفطار ودار حديث حول الخبز الدنماركي. قال لي أحد الزملاء "نحن نحب الخبز ونتفنن في صنعه، وزميلتنا آن تصنع أطيب خبز يمكن أن تتذوقه".

لأنني نشأت على الخبز الشمسي الذي كان هو الخبز الرئيسي في صعيد مصر قبل أن يتسلل خبز "الطابونة" على إستحياء – ثم بوجه سافر – إلى مائدة أبناء الصعيد، فقد أعجبني الخبز الدنماركي ورحت أتفنن في اختيار أشكاله وأحجامه، ولا تسألني عن سعر الخبز في الدنمارك فمتوسط ثمن الرغيف الواحد يتراوح ما بين عشرين وثلاثين جنيهاً مصرياً، أي أن سعر رغيف واحد من الخبز الدنماركي يساوي سعر 600 رغيف من "عيش الطابونة" ولكن القياس بالطبع مع الفارق الشديد فقد كنت أشتري رغيفا واحداً من هذا الخبز العملاق وكان يكفيني لمدة خمسة أيام!

عندما عدت إلى مصر جربت أنواعا كثيرة من الخبز إشتريتها من بعض المحال الكبرى في القاهرة، ولكن كانت كلها تتشابه في الشكل – مع الخبز الدنماركي – ولكنها تختلف اختلافا كبيرا في الطعم لصالح الخباز الدنماركي، وربما يذكرني ذلك بالمثل الشعبي المصري الذي يقول "إِدّي العيش لخبازه".

صورة

الخبز الدنماركي

Soothers Tree[عدل]

إحترت كثيرا في ترجمة هذا العنوان إلى العربية فآثرت أن أضعه كما هو باللغة الإنجليزية، ليس قصورا من اللغة العربية على حمل المعنى ولكن ربما يكون قصورا من الكاتب في ترجمة المعني إلى اللغة العربية في أقل عدد ممكن من الكلمات لكي يصلح ليكون عنوانا لهذا الجزء من الكتاب. الترجمة الحرفية لـ Soothers Tree يمكن أن تكون "شجرة السكاتات" بتشديد الكاف، أو ربما "شجرة اللهايات" بتشديد الهاء، والسكاتة أو اللهاية هي عبارة عن أداة على شكل الحلمة يلهى الطفل بمصها أو العض عليها. إكتشفت هذه الشجرة العجيبة التي تطرح سكاتات عندما كنت أسير في حديقة فردريكسبرج المجاورة لمحل إقامتي في كوبنهاجن وكان ذلك في منتصف شهر يونيو عندما إكتست الأشجار باللون الأخضر في صيف الدنمارك القصير.

تقع هذه الشجرة قرب بحيرة صغيرة داخل الحديقة وبجوارها العديد من الأشجار الوارفة الظلال ولكن هذه الشجرة شديدة الاختلاف، فكل الأشجار بالحديقة هي أشجار زينة أما هذه الشجرة فهي شجرة مثمرة ولكن العجب العجاب أن هذه الشجرة لا تطرح نوعاً معروفاً أو حتى غريب من الفاكهة. إن هذه الشجرة تطرح سكّاتات، نعم سكّاتات! لقد إمتلأت أغصان الشجرة جميعها بالسكّاتات التي تدلت منها مثل عناقيد العنب. وقفت مذهولاً أمام الشجرة للحظات ثم تقدمت نحوها أتحسس بيدي ثمار هذه الشجرة، ثم عدت إلى حيث أسكن وأحضرت الكاميرا وأخذت بعض اللقطات للشجرة ومع الشجرة أيضا.

لم أجد أحداً حولي لأسأله عن سر هذه الشجرة التي إمتلأت بالسكّاتات فعدت إلى البيت وفي صباح اليوم التالي بحثت عمن يفسر لي تلك الظاهرة العجيبة. سألت أحد الزملاء من سكان منطقة فردريكسبرج عن سر هذه الشجرة العجيبة فقال لى "إن هذه الشجرة تجلب الحظ أو هكذا يعتقد بعض الناس، عندما يكمل الأطفال فترة الرضاعة ويصبحون في غنى عن استخدام السكّاتة يحضرونها ويعلقونها على هذه الشجرة لكي تأخذها جنّية أو ملاك السكاتات!"

لم أكن أتوقع أن أرى شيئا مثل هذا في الدنمارك التي تعد من أكثر دول العالم تقدماً وبعداً عن الغيبيات. لم أتوقع أن أرى ذلك هناك، لو رأيت ذلك في إحدى القرى النائية في صعيد مصر أو في مجاهل أفريقيا لاعتبرته نوعا من الموروث الشعبي من أجل جلب الحظ أو فك النحس و"العكوسات" أو شيء من قبيل الأحجبة أو التوسل والتضرع إلى أولياء الله الصالحين في الموالد والمواسم والأعياد. لقد أعجبتني الشجرة بثمارها الفريدة ولكنني فكرت كثيراً في فحواها ومعناها، وربما شطح بي الخيال بيني وبين نفسي إلى أن أتذكر النفس البشرية التي خلقها الله على الفطرة وعقيدة التوحيد والبحث فيما وراء الطبيعة ... كلنا بشر وكلنا سواء في الجينات البشرية التي خلقها البارئ سبحانه!

صورة

الشجرة العجيبة

رأي الشارع[عدل]

كلمة الشارع بمفهومها القانوني تعني المشرع أو الذي يضع التشريعات ولكنني أقصد هنا رأي الشارع الدنماركي تجاه أحداث الكارتون المؤسفة. وقد كثرت الندوات واللقاءات التي تناولت أزمة الرسوم الكاريكاتورية خلال فترة وجودي هناك وكنت أحرص على حضور ما أستطيع حضوره من هذه الندوات. وأعرض هنا بعض المقتطفات من تعليقات الدنماركيين حول هذه الازمة.

"لن تكون هناك حرية تعبير بدون حرية إعتقاد ولكن حريتك في التعبير تقف عند حدود حرية الآخرين وحقوقهم" مشارِكة في إحدى الندوات.

"إن اللغة التي نسمعها اليوم مشابهة للحوار الذي كان يدور في ثلاثينات القرن الماضي حول معاداة السامية. إن التهكم على الأقليات في الدنمارك بات مستساغاً ومقبولاً وهذا أمر خطير. إن مجتمع متقدم مثل الدنمارك يجب أن يكون أكثر تسامحا مع الأقليات العرقية" مشارك في إحدى الندوات.

"الناس في الدنمارك كانوا في حالة إستغراب لرد الفعل العنيف في العالم الإسلامي وأعتقد أن حرية التعبير يجب أن تتماشي مع الإحترام والمسئولية. إذا كان البعض هنا في الدنمارك يعتقدون أن بعض أتباع ديانة ما مازالوا يعيشون في العصور الوسطى فهل يعني ذلك أن نسيئ إليهم أو نجرح مشاعرهم؟" مشارِكة في إحدى الندوات.

"هناك مشكلة في المجتمع الدنماركي هي أن الناس لا يعرفون الكثير عن بعضهم البعض ولا يعرفون الكثير عن عادات المسلمين الدنماركيين وأعتقد أن هناك محاولات لرأب الصدع وتقريب وجهات النظر بين الجماعات المختلفة من الدنماركيين" إحدى المشارِكات في إحدى الندوات.

"على الرغم من قيام الحكومة الدنماركية بإنشاء وزارة جديدة لدمج المهاجرين في المجتمع ورعاية اللاجئين عام 2001 إلا أن مشكلة الرسوم الكارتونية زادت من حدة القطبية في المجتمع الدنماركي" أحد المشاركين في إحدى الندوات.

"الدنمارك مجتمع منفتح جداً ويسمح للآخرين بالإقامة والعيش بالطريقة التي يريدونها، وفي الحقيقة لم نجد أي مشكلة تفرقة بين المجتمعات المختلفة هنا ولكن المشكلة بدأت بنشر هذه الرسوم الكاريكاتورية. بالنسبة للدين، ليس لدينا عادة إدماج الدين في الحياة، الحياة هنا مدنية جداً والدين ليس له علاقة بحياتنا العملية ... ولكن أعتقد أنه سوف تكون لدينا مشكلة في ممارسة الدين في الحياة العامة في المستقبل ولابد أن تكون لدينا نظرة أخرى لهذا الموضوع مع تزايد أهمية الدين لدى الجماعات العرقية المختلفة" مشارِكة في إحدى الندوات.

"أنا دنماركية مسلمة وقد تأثرت كثيراً بهذه الرسوم الكاريكاتورية وخصوصا أنها تصور المسلمين كإرهابيين وكل يوم أستمع في الراديو والإذاعة أن الجماعات العرقية غير مندمجة في المجتمع الدنماركي وأنها تعيش في جُزُرْ منعزلة. أنا أدفع الضرائب وأحترم القانون وأحترم الدنمارك، ماذا أفعل أكثر من ذلك لأكون مندمجة؟ إن أبناء الأقليات العرقية يعيشون أسوأ حالاتهم ولا يتم تمثيلهم في أي محفل ودائما مطلوب منهم الدفاع عن أنفسهم"، مشارِكة في إحدى الندوات.

"هل تم نشر هذه الرسوم لمضايقة الجالية المسلمة عمداً؟ نعم لقد تعمدوا الإساءة، أنا دنماركية ولكن أعتقد أن الدنماركيين مغرورون جداٍ ويعتقدون أنهم أفضل ناس في أفضل بلد وأحلى حاجة في الدنيا. ولكن إذا كان دينك يمنعك من شرب الكحول فأعتقد أن هذه مشكلة كبيرة بالنسبة لك لأن أبسط شيء هنا في الدنمارك هو أن تُدعى لإحتساء البيرة مع شخصِ ما. أضف إلى ذلك أن وسائل الإعلام في الدنمارك دائما ما تكون في غير صالح الأقليات"، مشارِكة في إحدى الندوات.

هذه بعض آراء رجل الشارع في الدنمارك، أو إن شئت الدقة هذه آراء الباحثين والمهتمين بالشأن العام الذين شاركوا في الندوات واللقاءات التي تلت أزمة الرسوم الكارتونية الشهيرة، وأعتقد أن الجدل الذي أحدثه نشر هذه الرسوم وما تلاها من غضب عارم في الشارع العربي والإسلامي قد فتح باباً كبيراً للحديث عن الهوية والأقليات العرقية والإندماج ومكانة الدين في المجتمع الدنماركي

كلمة لابد منها[عدل]

"في شهر فبرايرعام 2006 عندما كان حوالي الألفين من الأصوليين يحرقون سفارة الدنمارك في لبنان‘ كان هناك أكثر من مائتي ألف شخص يجتمعون في عمان (عاصمة الأردن) لحضور حفلة هيفا وهبي هناك"

تخيل لو أننا نعيش في الولايات المتحدة الإسلامية وأن مقر الأمم المتحدة في جاكارتا وأن مخترع الكهرباء هو عباس البصري وأن مكتشف نظرية النسبية هو علي المراكشي ومخترع الهاتف هو جرير البولاقي وأن أول مفاعل نووي لتوليد الطاقة في العالم تم تشغيله في ولاية باكستان وأن أفضل نوع من السيارات في العالم هو سيارات فيصل التي يتم تصنيعها في جدة – إحدى محافظات الجزيرة العربية – وأن أكبر شركة لتصنيع الطائرات في العالم هي شركة النور ومقرها الحُدَيّدَة في ولاية اليمن وأن أكبر مركز لأبحاث الطيران والفضاء، الذي أرسل أول رحلة للدوران حول الأرض الذي إنطلق منه عالم الفضاء المسلم أحمد الإدريسي في أول رحلة إلى سطح القمر حاملا معه نسخة من المصحف الشريف وعلم الولايات المتحدة الإسلامية، يوجد في ولاية ماليزيا.

تخيل أيضا أن أكبر شركة لإنتاج الطائرات في العالم تقع في طرابلس وأن صاحب شركة إسلاموسوفت التي تقود تكنولوجيا الإنترنت في العالم هو بلال الجيزي وأن البنك الدولي مقره نواكشوط وعلى رأسه أحمد ولد أسلم وأن المتحكم في الشبكة الدولية للمعلومات هو الولايات المتحدة الإسلامية، وأن 99 بالمئة من محتوي الشبكة الدولية للمعلومات باللغة العربية وأن 312 جامعة في الولايات المتحدة الإسلامية تم تصنيفها بين أفضل خمسمئة جامعة على مستوى العالم وأن حجم المعونات الخارجية للدول الفقيرة قد بلغ في العام الماضي 47 مليار دينار إسلامي.

ماذا تتوقع أن تكون مشكلاتنا لو تصورنا هذا الوضع؟ ولايات الشمال الأفريقي تعاني من تدفقات الهجرة غير المشروعة من دول جنوب أوروبا عبر البحر المتوسط, وخصوصاً من إيطاليا, ويقوم مشاة البحرية الإسلامية بمراقبة السواحل لمنع تسلل المهاجرين غير الشرعيين إلى الولايات المتحدة الإسلامية إلا أن ارتفاع معدلات البطالة في دول أوروبا يدفع العديد من الشباب في هذه الدول إلى محاولة الوصول إلى "الجنة الإسلامية" كما يسمونها في أوروبا للهروب من مشكلاتهم الإقتصادية وضعف الخطط التنموية، وقد رصدت الولايات المتحدة الإسلامية مبلغ ثلاثة مليارات من الدينارات لمساعدة الدول الفقيرة في أوروبا للحد من ظاهرة الهجرة غير الشرعية.

مع ازدياد الطلب على تعلم اللغة العربية بإعتبارها اللغة الأولى عالميا من حيث كونها لغة العلم والبحث كما أنها لغة التجارة والأعمال قامت إدارة التعاون الخارجي بوزارة الخارجية بتوزيع أربعة ملايين نسخة من برنامج التعليم الذاتي للغة العربية وطرحها مجانا في المراكز الثقافية للولايات المتحدة الإسلامية في العالم لمواجهة الإقبال المتزايد على مراكز تعليم اللغة العربية في دول العالم النامي. وقد أعرب مثقفون أمريكيون عن قلقهم حيال الغزو الثقافي الإسلامي وإحتمال اندثار لغتهم الإنجليزية مع دخول العديد من المصطلحات العربية في لغتهم، أضف إلى ذلك التفوق الإعلامي الكاسح للولايات المتحدة الإسلامية وسيطرتها على معظم شبكات البث التليفزيوني في العالم.

لقد عشت الحلم الجميل .... هل تتمنى أن يكون هذا الحلم واقعاً معاشاً؟ بالطبع نعم .... ولكن هل يمكن بالفعل تحقيق هذا الحلم؟ بالطبع لا .... لماذا؟ لماذا إذن شاركتنا هذا الحلم؟ لكي نعود سويا للواقع المعاش وهو بالطبع المقابل لهذا الحلم، فلا علم ولا اختراعات ولا حضارة ولا تكنولوجيا ولا شيء ... نعم لا شيء .... ونزعم أننا خير أمة أخرجت للناس وننسى أن هذه الخيرية مشروطة .... نعم مشروطة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

إننا للأسف إختزلنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في شىء واحدٍ هو جسد المرأة، فالمرأة منكر، جسدها منكر وصوتها منكر وكلها منكر كأن المنكر فقط هو العلاقة غير الشرعية بين الرجل والمرأة ... نعم إنها من أكبر الكبائر لكنها ليست كل المنكر ونسينا أن المنكرات في حياتنا قد ملأتها عن آخرها، فالرشوة منكر وهي تنتشر كالنار في الهشيم في كل مكان من أمتنا الإسلامية, وتعطيل مصالح العباد لمدة قد تصل إلى الساعتين بحجة أداء الصلاة منكر, وإغتصابك للمكان المخصص للمشاة أمام متجرك منكر، وإزعاج الناس بالقرع على إسطوانات الغاز في الطرقات منكر، والدروس الخصوصية الإجبارية منكر، وإهمالك لعملك وقراءة الجرائد والحديث مع الزملاء وتناول طعام الإفطار من الثامنة إلى العاشرة صباحا أثناء العمل منكر، وعدم إحترامك لإشارات المرور – إن وجدت – منكر، وعدم إتقانك لعملك منكر، ونفاقك لرئيسك في العمل للحصول على مزيّة دون زملائك منكر وإجحاف لحقهم، وأن تكون جاهلاً بالقراءة الكتابة وأنت مسلم منكر، وألا تقرأ منكر ... كيف لا تقرأ وأول أية نزلت على رسولنا الكريم تدعو للقراءة.

أما عن الأمر بالمعروف فقد إختزلنا المعروف في العبادات وأصبح كل منا داعية إسلامي يدعو إخوانه للصلاة والصيام وينظم البعض رحلات العمرة ... جميل لكن هل هذا كل المعروف؟ لا والله إن العبادات لله وهي فرض نحاسب عليه أمام الله، العبادات بيننا وبين الخالق سبحانه وتعالى، يقبل ما يقبل ويرفض ما يرفض منها ويحاسبنا عليها كما يشاء، هذه من البديهيات والمسلمات في العبادة لكننا قد أُمرِنا بإعمار الأرض، نحن ظل الله في هذه الأرض، ما شاء الله، انظر إلى هذه الخيرية التي حباك الله بها ... أنت ظل الله، لقد خلقك لتعمر هذه الأرض. ماذا فعلت؟ هل عمرتها؟ نعم لقد بنينا العديد من المساجد وزيناها للناظرين. هل هذا هو الإعمار؟ هل هذا هو كل الإعمار؟ ولماذا كل هذا البهرج وهذه الزينة في المساجد؟ ألم تسمع قول رسولنا الكريم "جعلت لى الأرض مسجدا طهوراً"؟ هل هذا هو كل الأمر بالمعرف؟

أليس من المعروف استخدامك للتكنولوجيا التي اخترعها غيرك؟ أليس من المعروف أنك تطبع المصحف الشريف بماكينات وأحبار يسرتها لك تكنولوجيا الغرب الذي تنعته بالكفر؟ أليس من الأمر بالمعروف استخدم البريد الإلكتروني والإنترنت في التواصل بينك وبين أفراد عائلتك مهما بعدت بينكم المسافات؟ أليس من المعروف استخدامك لوسائل المواصلات الحديثة لتقطع الصحارى والقفار وأنت تحتسي القهوة أو ربما مشروب الكوكا كولا فوق السحاب؟ أليس من المتعارف عليه أن نرسل أبنائنا لتلقي العلم في جامعات الغرب؟ أليس من المعروف أننا نرسل من يئسنا من شفائهم للعلاج في الغرب؟

ألا تخجل من نفسك؟ انظر حولك – ليس هذا هو إعلان تنظيم الأسرة القديم – انظر حولك سوف تجد أن هاتفك المحمول مصنوع في فنلندا أو اليابان أو ربما الصين وأنك لا تملك من أمره شيئا سوى استخدامه كمستهلك نهائي .. لقد صُنع هذا الجهاز بتكنولوجيا الغرب المتقدم. انظر إلى ساعتك ... تُري أهي صناعة سويسرية أم يابانية أم صينية؟ حتى نظارتك، شمسية كانت أو طبية، إنها مصنوعة في الغرب. أما سيارتك فحدث ولا حرج، فإذا كنت من علية القوم فهي لابد وأن تكون أمريكية أو ألمانية، أما إذا كنت من حديثي العهد بالسيارات فربما تكون كورية ... لم يخترع المسلمون هذه التكنولوجيا إنما نقلوها عن جورج وفورد وكوهين وكاماساوا ماساهوتا. حتى نعليك تفتخر أنهما من ماركة كلاركس البريطانية أو أنهما صناعة إيطالية .... لا حول ولا قوة إلا بالله ... ألا تسهم في إعمار العالم بشيء؟

كيف تنصر رسولك؟ هذا هو السؤال المهم ... قال رسول الله صلى الله عليه سلم "إعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا وإعمل لآخرتك كأنك تموت غدا" صدق رسول الله. هذا هو الميثاق الذي يجب أن يضعه المسلم نصب عينيه .... لقد تركنا الدنيا طمعا في ثواب الأخرة وأصبح همّنا العبادات، العبادات فقط، هذا والله ما من الإسلام في شيء لأن الإسلام دنيا ودين وأننا والله لمحاسبون على تركنا للدنيا حتى أننا أصبحنا أسرى لما تجود علينا به الأمم من إنتاج عقول أبنائها. إن العبادات فرض وأداؤها واجب لابد منه وهي علاقة مباشرة بين العبد وربه، لكن بها وحدها لا ينصلح حال المسلمين لأن الإسلام كما أوضحنا هو دنيا ودين وإذا لم نعمل ونسهم في منظومة الإبداع البشري وأن نعمل لدنيانا كأننا نعيش أبدا لن ينصلح حال أمتنا. إن نصرة رسولك الحقة أن تعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا وأن تلحق بركب الحضارة والتقدم والإبداع كما فعل أسلافنا من علماء الفلك والطبيعة والفيزياء والفلسفة وعلم الاجتماع .... وأن نعمل لآخرتنا كأننا نموت غدا ...

المؤلف[عدل]

الدكتور أيمن زهرى باحث متخصص في الدراسات السكانية ودراسات الهجرة، عمل بالبحث والتدريس والعمل التنفيذي بالمجلس القومي للسكان (مصر) والمركز الديموجرافي بالقاهرة وأكاديمية تطوير التعليم ومركز جامعة ساسيكس لدراسات الهجرة بإنجلترا والجامعة الأمريكية في بيروت والجامعة الأمريكية بالقاهرة والمركز الدنماركي للدراسات الدولية بكوبنهاجن. كما عمل مستشاراً في مجالات السكان والهجرة لدى جامعة الدول العربية والمنظمة الدولية للهجرة والبنك الدولي ومنظمة الأمم المتحدة للتعليم والعلوم والثقافة والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية والإتحاد الأوروبي، بالإضافة للعديد من المنظمات والهيئات الإقليمية والوطنية.

نُشِرَ للدكتور زهرى العديد من الأبحاث والمقالات المتعلقة بالدراسات السكانية ودراسات الهجرة في العديد من الدوريات العلمية الدولية وشارك في العديد من المؤتمرات والندوات الوطنية والإقليمية والدولية المرتبطة بمجالات اهتماماته البحثية، كما نُشِرَ له العديد من المقالات في الصحافة المصرية والعربية. صدر له عام 2006 كتابه الجديد "دفتر أحوال المجتمع المصري".

الدكتور زهرى عضو نشط في العديد من الجمعيات العلمية المرتبطة بمجالات اهتمامه ومنها, على سبيل المثال, الجمعية الجغرافية المصرية وجمعية الديموغرافيين المصريين والإتحاد الدولي للدراسة العلمية للسكان والجمعية الدولية لدراسة الهجرة القسرية والجمعية الأوروبية للدراسات السكانية.

على المستوى الشخصي، يهوى المؤلف التصوير الفوتوغرافي الرقمي والفنون الشعبية والغناء الصوفي، والعمارة الإسلامية.

توجد نسخة كاملة من هذا الكتاب وكتب أخرى بموقع المؤلف على الشبكة الدولية للمعلومات

www.zohry.com