منن الباقي القديم

من ويكي الكتب
اذهب إلى: تصفح، ابحث
Wikisource-logo.png شكرا لك على المشاركة في ويكي الكتب مشروع الكتب التعليمية الحرة، ولكن المكان الصحيح و الأنسب لهذا الكتاب هو المشروع الشقيق ويكي مصدر والذي يحتوي على الرسائل الأدبية، والكتب، والنصوص المقدسة، والقصائد الموضوعة من قبل مؤلفيها الأصليين.


اعوذ بالله من الشّيطان الرّجيم بسم الله الرّحمن الرّحيم

إنّ ولي الله

قال مولف هذا الكتاب سمّيته منن الباقي القديم في سيرة الشّيخ الخديم ورتّبته هذا التّرتيب مقدّمة في وفور عقل شيخنا رضي الله عنه تتضمّن نشأته وما جبل عليه صبّيا وحياءه وشجاعته وورعه وسماحته ثمّ مبحث في علم التّصوّف ثمّ شرع مقامات اليقين ثمّ تسعة أبواب مرتّبة على مقامات اليقين التّسع لأنّه لا يمكن شرح أحواله إلاّ بذكر المقامات وأحوالها لأنّه لم يعش إلاّ عليها ولم يعمل إلاّ بها فشرحت ما أكتب عنه فيها بعد تمهيد قليل للمقامات والأحوال كما اصطلح عليه القوم واخترت ترتيب أبو طالب المكّيّ في القوت كتابه أمّ الفنّ وأوّل ما شرح به التّصوّف على الإطناب واعتماد النّاس عليه كالغزاليّ وأمثاله فقد قال فيه أبو الحسن الشّاذليّ رضي الله عنه قوت القلوب يورث النّور وإحياء علوم الدّين يورث العلم الباب الأوّل في توبته والثّاني في صبره والثّالث في شكره والرّابع في رجائه والخامس في خوفه والسّادس في زهده والسّابع في توكّله والثّامن والتّاسع في رضاه ومحبّته وفي بعض الأبواب فصول و حكايات ثمّ خاتمة في شهادات الأكابر لأعيان العلماء والمشائخ وأمّا كراماته الخارقة من إبراء الأسقام وشفاء الأمراض وصرف الأمور وقضاء الحاجات ومكاشفات بما خفي من الأمور فلم أفرد لها بابا لأنّها لا تقع تحت حصر وإنّما أتحق المطالع بطرف منها في هذا الكتاب تبرّكا بذكره ومن أراد استيفاء بعضها فعليه بكتب بعض أصحابنا كالشّيخ محمّد الأمين جوب الدّكنيّ والشّيخ مختار بنت لوح فإنّ استيفائهما كلاّ لا تفي به المزابر ولو كانت لهما البحور محابر

" مقدّمة في وفور عقل شيخنا رضي الله عنه"

5 فصل في حيائه رضي الله عنه

5 صفاته وأخلاقه

7 مبحث في فن التصوف

10 الشيخ أحمد بمب

20 نبذة في تربيته الأولى

24 إيضاح وتمهيد

40 تتمة في الغيبة

32 شرح مقامات اليقين التسع

43 [[الباب الأول في مقام توبة شيخنا رضي الله عنه

70 الباب الثاني في مقام صبره رضي الله عنه

والثّالث في شكره

والرّابع في رجائه

والخامس في خوفه

والسّادس في زهده

السّابع في توكّله

والثّامن والتّاسع في رضاه ومحبّته70وفي بعض الأبواب فصول و حكاياته

ثمّ خاتمة في شهادات الأكابر لأعيان العلماء والمشائخ


اعوذ بالله من الشّيطان الرّجيم بسم الله الرّحمن الرّحيم

إنّ ولي الله

قال مولف هذا الكتاب سمّيته منن الباقي القديم في سيرة الشّيخ الخديم ورتّبته هذا التّرتيب مقدّمة في وفور عقل شيخنا رضي الله عنه تتضمّن نشأته وما جبل عليه صبّيا وحياءه وشجاعته وورعه وسماحته ثمّ مبحث في علم التّصوّف ثمّ شرع مقامات اليقين ثمّ تسعة أبواب مرتّبة على مقامات اليقين التّسع لأنّه لا يمكن شرح أحواله إلاّ بذكر المقامات وأحوالها لأنّه لم يعش إلاّ عليها ولم يعمل إلاّ بها فشرحت ما أكتب عنه فيها بعد تمهيد قليل للمقامات والأحوال كما اصطلح عليه القوم واخترت ترتيب أبو طالب المكّيّ في القوت كتابه أمّ الفنّ وأوّل ما شرح به التّصوّف على الإطناب واعتماد النّاس عليه كالغزاليّ وأمثاله فقد قال فيه أبو الحسن الشّاذليّ رضي الله عنه قوت القلوب يورث النّور وإحياء علوم الدّين يورث العلم الباب الأوّل في توبته والثّاني في صبره والثّالث في شكره والرّابع في رجائه والخامس في خوفه والسّادس في زهده والسّابع في توكّله والثّامن والتّاسع في رضاه ومحبّته وفي بعض الأبواب فصول و حكايات ثمّ خاتمة في شهادات الأكابر لأعيان العلماء والمشائخ وأمّا كراماته الخارقة من إبراء الأسقام وشفاء الأمراض وصرف الأمور وقضاء الحاجات ومكاشفات بما خفي من الأمور فلم أفرد لها بابا لأنّها لا تقع تحت حصر وإنّما أتحق المطالع بطرف منها في هذا الكتاب تبرّكا بذكره ومن أراد استيفاء بعضها فعليه بكتب بعض أصحابنا كالشّيخ محمّد الأمين جوب الدّكنيّ والشّيخ مختار بنت لوح فإنّ استيفائهما كلاّ لا تفي به المزابر ولو كانت لهما البحور محابر

"مقدّمة في وفور عقل شيخنا رضي الله عنه"

العقل نور ربّانيّ شريف وهو غريزيّ ويزداد بكثرة الاستعمال وكثرة التّجربة فيسمّى عقلا مكتسبا وقد يتوفّر الغريزيّ في بعض النّاس وهو صغير بجودة القريحة وسرعة الفهم والذّكاء كما وقع لابن الزّبير حين مرّ به عمر بن الخطّاب ومعه صبيان يلعبون فهربوا منه إلاّ عبد الله فامسكه عمر وقال لم لا ترهب مع أصحابك فقال له يا أمير المؤمنين لم أكن على ريبة فأخافك ولم يكن الطّريق ضيّقا فأوسّع لك أنظر هذا الجواب الجيّد البليغ كيف يصدر عمّن لم يتجاوز سنّ الّلعب في الطّرق "قال تعالى وما يعقلها إلاّ العالمون وقال آيات لقوم يعقلون وقال أم لهم قلوب يعقلون بها وفي الحديث أنّه صلى الله عليه وسلّم قال لعليّ ما خلقك الله خلقا أكرم عليه من العقل وفيه انّه قال له صلّى الله عليه وسلّم إذا تقرّب النّاس إلى الله بأنواع البرّ فتقرّب أنت بعقلك وفيه "يا أبا الدّرداء إزدد عقلا تزدد من ربّك قربا فقلت بأبي أنت وأمّي من لي بالعقل قال اجتنب المحارم وأدّ فرائض الله تكن عاقلا ثمّ تنفل بصالحات الأعمال تزدد من الدّنيا عقلا ومن ربّك قربا وبه عزّا

وقيل العاقل عن عقل من الله أمره ونهيه وذلك لأنّ العلوم العقليّة إمّا أن تكون دينيّة أو دنيوية وقوّة العقل لا تفي بالأمرين فلا بدّ من ترجيح أحدهما والإقبال إليه والعاقل من يميّز بين الفاضل والمفضول ويرغب دائما في الأفضل والآخرة خير وأبقى فالعاقل إذا من آثر الآخرة على الأولى غالبا يكون بقدر كياسته في اقتناص مطلوبه أبله في الضّد ولذا فلا في الحديث إنّ أكثر أهل الجنّة البله أي في أمور الدّنيا كما فسّره به الغزاليّ في الإحياء فالّذي آثر الباقي على الفاني وينشغ في اقتناصه وجمع آلاته ويضعف سفها وبلها في الحركة لاكتساب الفاني فهو العاقل عند علماء الآخرة

وبذلك تعرف وفور عقل شيخنا رضي الله عنه لزهده في الدّنيا واستهانته بها في صغره وكبره واستخفافه بمصائبها وبلاياها فشيخنا رضي الله عنه منذ ميّز يمينا من شمال لم تقع منه هفوة ولا ظلم لأحد حتّى والده ووالدته بلغني أنّه كان دائما منعزلا مصرّفا لا يشتكي ولا يتكلف وكلّ ما أرشد غليه وجعل فيه يكون ماضيا فيه لا ينازع رئيسه وكانت الوالدة جارة الله مريم صالحة عفيفة ديّنة كثيرة الصّلاة والصّدقة مستسلمة لربّها قائمة بواجبات دينها بينها وبين ربّها وفيما بينها وبين الشّيخ الإمام قرينها وكانت تربّي أولادها على المروءة والدّين والطّهارة وكثيرا ما تحكي عليها حكايات الصّالحين وكان شيخنا من ذكائه العجيب وفطرته السّليمة يصغي لتلك الحكايات ويحفظها ويتكلّف وهو لم يكمل التّمييز العمل بما قدّر عليه منها حتّى حكى عليّ بعض من أثقّ به من الأقارب أنّه حضرها يوما تقول من دأب الصّالحين قيام الّليل فصاد من هذا الحديث كلّما جنّ الّليل يقوم وهو لم يدخل المكتبة ويدخل إلى ساحة القرية منفردا يقوم الّليل للتّعوّد بعادات الصّالحين كما سمع

أنظر إلى هذه العناية من الله لشيخنا تعوّد الخير ولم يكلّف به كما قال البصيريّ:

ألف النّسك والعبادة والخل وة طفلا وهكذا النّجباء

ولم يزل على ذلك كلّما سمع شيئا يمتدح بها أهل الله يتكلّفه وهو بين والديه وإخوته وفيهم من هو أكبر منه ومن هو أصغر ولم يغترب قطّ ولم يؤخذ عليه شيء ممّا يخالف الأدب ولم يؤثر عليه غضب ولا خصومة ولا جدال بل مشتغل بما يعنيه أو يختلي للعبادة وحكت عليّ حاضنته أنّه لم يكن يعتريه شيء ممّا يعتري الصّبيان من البكاء والتّلهي ولو بلغ الحدّ من الجوع

وكان هو رضيع إلى أن ميّز لا يمرّ به في مواضع العصيان واجتماعات الّلهو إلاّ وينفض وينفعل شديدا يخاف عليه منه حتّى يرجع به عن تلك الطّرق إلى غيرها إلى أ، صار ذلك معروفا وكانت تحكي أنّه بعد الفطام كان يتجنّب الإضطجاع على فراش والدته ويكون ما لم يجبر عليه عاكفا حول المصلّى في البيت حتّى داخلهم شكّ في إنسانيته لهذه المخالفة الغير المألوف إلى أن ترعرع قليلا وأدخل في المكتب أقبل على القراءة بهمّة جامعة ولا يفارق لوحه ولا يمار الغلمان

وتفطّنوا للفارق بين عقل الرّشيد وعقل السّفيه في المجانبة والمخالفة فأدركوا أنّ السّفيه يظهر ضعفه في طلب الخير والهرب عن الشّر ويلتبس عليه أحدهما من الآخر ولا يخطر بباله التّمييز بين شرّ الشّرين وخير الخيرين ووجدوا هذا النّاشئ لا يتردّد في سلوك سبيل الخير و لا يدرك جدّه واجتهاده فيه فعلموا أنّ من السّفاهة حلما ومن البلادة ذكاء ومن البله عقلا فتبدّل تشاؤمهم تفاؤلا

وابتدأ والده النّبيل يسارقه النّظر من طرف خفيّ بين إخوته الصّالحين تارة يرسله لعمّه الكبير امبك دمبه خال والدته استرعاء وتارة لخاله محمّد بص خليله العزيز وكان شيخا جليلا وعالما متفنّنا نبيلا طاهر القلب طيّب الأخلاق مرضيّ الشّيم إلى أن يفع فانتزع نفسه إلى والده الأعزّ فازدادت نجابته ظهورا كلّ هذا ممّا يدلّ على كمال عقله صبّيا على الفطرة فبالعقل يتمخّض التّفاضل وعنه تنتج الأفضليّة

ومن شواهد عقله بقاؤه على الفطرة السّليمة هكذا وشوقه الشّديد إلى المعارف والعلوم جبلة وسرعة فهمه وسهولة تعلّمه فإنّه ما شرع في قراءة كتاب مع أحد من أهل المدرسة جماعة كانوا أو واحدة إلاّ ويعي درسه وينقلب يفهّمهم ويصلح لهم وبلغي أنّ الشّيخ الإمام كان سريع التّدريس وكان يكره له معاؤة التّكرار بعد المرّة الأولى وشيخنا يستحيي منه ويوفّره فيراجع درسه منفردا يتفهّم فيفتح له الله عليه فيرجع لتفهيم التّلاميذة إخوانه في الدّرس

وكانت مدرستهم تلك من أكثر المدارس تلاميذة وأشهرها وسمعته يقول إنّه ما كان أحد في المدرسة يسايرني في الحرص على العلم وتحصيله إلاّ رجل من أهل لبّ اسمه بلّ مام طر فإنّه كان على الهمّة في التّحصيل مثلي وإنّما كنت أكثر تشدّدا في الورع فكان يقتدي بي فيه قلت في إظهار هذه المزيّة نصح لنا في أنّ العلم نور لابدّ له من ورع يحول بينه وبين غبار الشّبهات لينصع شروقه ويدوم إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا

ومن شواهد عقله عمله بمقتضى الحكمة طفلا ويا فاعلا إلى هلّم جرّى في العبادات والمعاملات يقرّب له ذكاؤه ما بعد غوره ويحفظ له ذكره ما أودع في حافظته من علم وخبر صالح فلم يكد ينسى شيئا كان ربّما يتحدّث بأمور وقعت له بحضورنا أو حضور جماعة غيرنا ولا يتذكّر منها شيء أو يتذكّر منها قليل ولا يترك هو شيئا ممّا كان جليلا أو دقيقا إلاّ ويتذكّره وكذلك حفظه للعلم ما حفظ كتابا ونسيه كنت معه ذات يوم وبيننا كتاب نظم التّسهيل لابن بون بطرره وشواهده

فقال كنت أحفظ هذا الكتاب زمن قراءتي له بشواهده عن ظهر قلب وكنت في هذه الأيّام أتفقّد حفظي له هل نسيت منه شيئا أم لا فجلست أستظهره فإذا هو كما كان وكان نادرا من يحفظه من أهل المدارس كذلك هذا مع ما هو فيه في هذا الزّمان الّذي أقول من الاشتغال في الطّاعة والكتابة والتّأليف وهداية الخلق وسياستهم وتدبير أمورهم وتفقّد أحوال الضّيوف الكثيرة ممّا يعجز عن بعضه الملوك العظام ولكن من كان لله كان الله له فني عن كلّيته وبقي بربّه فخلفه في نفسه وأعماله وأحواله وحفظه وحفظ له لا غفلة ولا نسيان

وسمعت من أخي الشّيخ محمّد المصطفى ومن عمّي مصمب قالا أخبرهما بأنّه كان يحفظ النّصوص الكثبرة من مختلف الفنون من توحيد وتصوّف وأدعية وفقه كابن عطاء الله ودلائل الخيرات ونفح الطّيب والرّسالة وكتواليف السّنوسيّ وكذلك نصّ المقتصر كثيرا ما يتحدّث فيه ويقرأ جملا كثيرة نسقا في مواضع مختلفة عن ظهر قلب لا يتأتّى لمن حفظ الشّيء تشهد لذلك تواليفه الممتعة مع قصر وبالجملة فهو رضي الله عنه آية في الحفظ والإتقان

أمّا القرآن والحديث فهو وعاؤهما وخزينة أسرارهما ومنبع علومهما إتقانا وتفسيرا يفيض بأنواع العلوم والغوامض على المستمعين منهما ومن كمال عقله كثرة وفود الخلق عليه الملوك والأمراء والعلماء والأولياء والمريدون والزّائرون والضّعفاء والمساكين وكثرة الصّخب والضّوضاء وازدحام النّاس شأنا وحاجا وزيّا بأبوابه ليلا ونهارا صيفا وشتاء وشغله الشّاغل بإقامة الصّلوات الخمس برواتبها أبدا في المسجد العامّ إماما والكتابة الدّائمة في المدح والثّناء والتّوحيد لله ولرسوله لا غير

وكان ربّما يخرج لنا في الشّهر ما كنّا نتحدّث أنّه لا تقوم به عشرة لا تجفّ أقلامهم وهو مع ذلك لا تلتبس عليه حاجة بحاجة ولا يؤخّر أمرا عن وقته ولا يختلط عليه أمر من أمر ولا يتريّث في وعد أو عن ميعاد فإنّه والحقّ يقال لم تصدق كلمة أبي نواس في أحد بعد الأنبياء والصّحابة مثل ما صدقت فيه رضي الله عنه ليس على الله بمستنكر أن يجمع العالم في واحد فأي عقل يصفو لعشر معشار هذا ولا يتكدّر خاسئا وأيّ قلب يسمعها ولا ينكمش فرقا ولكن من كان لله كان الله له فهو رضي الله عنه قطع العوائق والعلائق معتصما بربّه

لم يحسّ بمقرّة الأعداء بالغة ما بلغت ولم يطمح عينا لمنفعة الأحبّاء كائنة ما كانت هيبة لربّه وأنسابه بل فناء عن نفسه وعن فنائه فلم يبق إلاّ ربّه وأنّ بقاؤه به ل بغيره وله لا لغيره فكان له السّمع والبصر واليدّ وجعل قلبه عرشا له ألا له الخلق والأمن فهو أرجح النّاس عقلا بتحقيقه أوامر ربّه وسنّة نبيّه صلّى الله عليه وسلّم وتحقّقه بها وكان له صلّى الله عليه وسلّم إماما وحسن رفيقا والمرء مع من أحبّ وكان رضي الله عنه لا يتهوّر ولا يتبذّح ولا يتكبّر بعيدا عن الهوان والذّلة لا يعرف الفزع والجزع وصغر النّفس

ومن شواهد شجاعته كرمه ونجدته وكبر نفسه وحلمه واحتماله في هيبة ووقار تحتهما التّؤدة والصّفح والعفو والتّأنّي وكظم الغيظ وكان يحبّ معالي الأمور ويكره سفاسفها كما في الحديث إنّ اللله يحبّ معالي الأمور ويكره سفاسها يحمل المكاره ولا يتزعزع وتصدم به النّوائب فترتد خاسئة عظيم الهمة يترشح العظام ويخترق حجب الشدائد مهما تحقق وراءها الفوز بمطلوبه يحتمل الآلام الكثيرة ويقاوم الأهوال العظيمة بحلم واطمئنان لا يظهر عليه أشد الشدة والكربة ولا يستفزه غضب الله

يحتمل الكد ولا يعرف للتعب معنى بل راحته الانتصار والفوز المبين ولذته في العمل الدائم قلبا وقالبا سخيا جوادا عند النعمة صبورا جلدا عند المحنة يقتحم العقبات ولا يبالي بنفسه في كل هذا مقيد بما حسنه الشرع واقتضاه ووصف به الله تعالى خيار عباده وارتضاه

فصل في حيائه رضي الله عنه

كان من حيائه رضي الله عنه كثيرا ما يقف على إنسان في داره يفسد أو يدخل في محل بالتعدي وهو لما يفعل كاره وإذا عرف الشخص ولم يره هو يستمر أدراجه خفيا إلى أن يخرج الفاعل ثم لوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خصوصا في حقه معهم قد يجمع الشخص مع أشخاص ثم يعرض تعريضا عاما يفهم المرء منه إن كانت له أذن ثم لا يزيد على ذلك أما تجنبه الأعراض حدث منه ولا حرج فإنه بلغ من تحذير الغيبة والنميمة مبلغا لا يتجاسر معه أحد في الوقوع كائنا من كان حتى ما يقال إنه ليس من الغيبة الحرام أن تحدث صاحبك بما في شخص بينكما لا عن قصد غيبة ولا إظهار منقصة لا يقرب هو منه ولا يشافه بنحوه

فالغيبة والنميمة كثيرا ما كان يعظم شأنهما ويحذر منهما في خطبه ورسائله ووصاياه وسمعته يقول إن أعراض الأولياء والأنبياء والعلماء العاملين مسمومة فالتكلم فيهم بسوء كشرب السم النافع وكان حديث مسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه وحديث من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت يكررهما كثيرا ويذكرهما وإن أحس من فحوى الكلام ما يشير إلى الغيبة والنميمة يزجر ابتداء عنه

فصل في سماحته رضي الله عنه

أما السماحة والسخاء والجود فيجاده الصافنات وكرائمه الصافيات لا يتعاظم عنه شيء في البذل ولا يناجيه ضميره إلا به ينفق بسهولة ويوثر ولو على خصاصة يهتز للمعروف ويرتاح للندى قال فيه شاعره الخنذيذ محمد بن المعلى من قصيدة له فيه

إذا اهتز للمعروف وارتاح للندى وأعطى عطاء السمح غير المؤنب

فدعني من معن وكعب وحاتم ومن هرم دعني وآل المهلب

فهو رضي الله عنه بلغ أقصى الغاية في السخاء ومن سخائه أنه أعطى حرفته لوالده وهو لا نفيرا ولا فتيلا والجود بالعز فوق الجود بالكرم ولم يبخل من ثم بشيء مما دونه على طالب أو سائل أو زائر آثر بلقمته حين لا يدخر غيرها وبقميصه حين لا يستدفئ إلا به وبجواده حين لا عدة له سواه وبكتبه حين لا يعول إلا عليها وبزرعه حين لا ذخر إلا هو لوجه ربه وثقة بما في يده وزهدا في غيره خالف الشيطان وهو يعده الفقر ويأمره بالفحشاء ووافق الله والله يعده مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم فأعاذه تعالى منه وزحزح الفقر والفحشاء منه وصدقه وعده مغفرة وعزما وفضلا واسعا أهدى حرفته لوا لده فحشر الله إليه الحرف والمحترفين يعملون له ما يشاء من محاريب ومساجد وأدوات وآلات كل لما يسره الطالب

ومن سماحته وبره وعظم همته تعرفه بجميع من ينسب للولاية أو يعرف بالعلم ووصلته بهم وإحسانه إليهم وبذله لهم الأموال الطائلة التي ما زال تأتيه من الجهات بكثرة وهو فيها أزهد من الحجاج في تبالة ولا يدخرها ولا يقتنيها رضي الله عنه ويرضاه عنا آمين

فصل في ورعه رضي الله عنه

فمن ورعه رضي الله عنه خروجه من كل ما هو مشاع بينه وبين أحد لذلك الشفيع عن سخاوة نفس استغناء بالله وتوكلا عليه ومنه تركه لأخيه الأكبر ولخاله جميع العبيد و الاماء الذين لهم فيه شركة ومنه تورعه عن السكنى والحرث في تلك الأرض المشتركة من لدن الجد محمد الكبير واتخاذه دياره المباركة في موات من الأرض لم تسكن فيما علمنا للعبادة وحدها واوازمها ومن ورعه ما حكاه علي أحد تلاميذه الكبار مجرجه أنه كان يقول لهم مخرجه رئيس الخدمة حينئذ شيء الغير لا تقربوه ويكرره عليهم

ومنه أني رأيت ذات يوم أتاه رفيق لأحد التلامذة بغير إذن الغير وكان مع التلامذة أياما في الخدمة ثم أعلم بأمره وكان لسيده إخوة شركاء في العبد فقال للمريدين مروه أن يرجع إلى سادته ولا تقبلوا بعد هذا أحدا ممن هو قيمتها لأهله وكثيرا ما كان يفعل ذلك ويشدد على أهل الجماعات من تلامذته في مثل هذا ويذكرني هذا مراعاته الباطنة ومراقبته وأعطيك منه مثالا واحدا تقيس عليه ما سواه وهو أنه ما كان يقبل في وقت أداء الفرائض ووجوبها شيء إلا بعد الأداء

فقد كانت التلامذة إذا كانوا في خدمة متى أقيمت الصلاة لا يحرك أحد شيئا إلا بعد الصلاة وإذا لم يعلم ضيف أو وارد عليه عادته في ذلك وعمل شيئا ساعة وجوب الأداء و التمكن منه ينقضه بعد ويعاد بعد الأداء وإذا كان في نهار رمضان أيضا فكذلك من لم يصم لا يقبل أن يستعمله شيء وسيأتيك عند التكلم في المقمات ما ينبؤك عن بعض وجهته إن شاء الله تعالى والله ولي التوفيق وهو الهادي بمنه إلى سواء الصراط

مبحث في فن التصوف

علم التصوف أحد قسمي علم الشريعة تمييزا له عن علم الفتيا والفضاء والأحكام الظاهرة في العادات والمعاملات لأنه حدث بعد تدوين العلوم في الملة الإسلامية وكان علم الدين شيئا واحدا في عصر النبي والصحابة بعده وهو علم التوحيد ومعرفة الوجه في طاعة الله تعالى ورسوله صلّى الله عليه وسلم وكيفية القيام بلوازمه ومقتضاه من عكوف على العبادة وإخلاص ومجاهدة النفس والمال في سبيل الله وزهد وورع وهي الفقه في الدين

فكان أفقهم في الدين أكثرهم عبادة وأكثرهم تحريا لحكم الله في كل أمر وأكثرهم توقفا في الأمور حتى يعلم حكم الله فيها وأوسعهم رياسة وأسرعهم رجوعا إلى الحق مهما ظهر وأثراهم أسخاهم ببذله في سبيل مرضات ربه وأوفرهم نعمة أقله تكلفا في الملاذ وأبعدهم عن السرف فيها وهكذا في سائر الأخلاق الكريمة والأعمال المجيدة وصفا عاما للمسلمين في ذلك العصر الجيد ولما كثر الفتوحات واتسعت الممالك وتفرقت الصحابة ومن اتصف بصافتهم من التابعين وكثرت الدخلاء في الإسلام وكثر لمفسدون وتباعدت العلماء

قامت كل طائفة بما هو أكثر اختصاصا وأوفر منه بضاعة من أركان الدين قسمة إلهية في الأزلي وخصوصية رحما نية لهم وقد خلق الله الطبائع والغرائز مختلفات في الميل والصغو واختلافهم رحمة فاختص بعض منهم بعلم الفتيا وبعض منهم بالرواية وتصحيح الأساند وآثرت طائفة العزلة والخلوة للعبادة والتفشق والعكوف ببابه تعالى بالمراقبة ومحاسبة النفس على كل الإلتفات إلى غيره فرارا منهم بدينهم ولما دونت العلوم في القرن الثاني في الدولة الإسلامية وكتب العلماء في الأحكام والحلال والحرام واختص أهل هذا النوع باسم الفقهاء بعد أن كان الفقه شاملا للنوعين

وقام بعد رجال القسم الثاني وكتبوا في المحاسبة والمراقبة والزهد والإقتداء في الأحوال والتدفيق في الورع والمجاهدة واكتساب الأخلاق النبوية القرآنية خصوصا باسم الصوفية وعلمهم بعلم التصوف وهو قيل إنه مشتق من الصوف أو من الصفاء أو الصفوة وقال الفشيري إنه لم يظهر له اشتقاق وابن خلدون لم يستبعد كونه من الصوف لتخصصهم بلبسه زهدا وتفشقا في أول أمرهم وهو غير بعيد وبه تفهم أنهما نوعان تحت جنس واحد وقسمان من أصل واحد لا فرق بينهما إلا بما زاد به هؤلاء من التدفيق في التخلق والتحقق بالأحوال ومحاسبة النفس ومراقبة القلب وجمع الهمة على الله بلا تشتيت ولا شغل مع الخلق والتدبير

عملا منهم بتقدير وقاية النفس بالوصاية عليها في قوله تعالى عليكم أنفسكم وقوله صلى الله عليه وسلم من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه والقيام بالوصفين كاملين في آن واحد لا يكاد يتأتى إلا لنبي أو صديق أو ولي لله تعالى أوتي قوة وحكمة فمتى وجد فهو الوارث الكامل المستحق للمقام المحمدي وصاحبه ممن قال فيه عليه الصلاة والسلام علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل ولكل أهل والمرء أدرى بنفسه وحسن الظن واجب فلا سبيل إلى الإنكار إلا بحكم الشريعة حيث لا خلاف ولا تأويل

ولا يكمل أحدهما إلا بالآخر وإن صح أحدهما دون كمال الآخر كما هو الأكثر فأكمل الفقهاء الفقيه الصوفي وأكمل الصوفية الصوفي الفقيه وبه قال الشيخ زروق في قواعده وهو القول الفصل فحكم الفقه عام في العموم لأن مقصده إقامة رسم الدين ورفع مناره وإظهار كلمته وحكم التصوف خاص في الخصوص لأنه معاملة بين العبد وربه عن غير زائد على ذلك فمن ثم صح إنكار الفقيه على الصوفي ولا يصح إنكار الصوفي على الفقيه ولزم الرجوع من التصوف إلى الفقه ولا يصح دونه ولا يصح الرجوع منه إليه إلا به وإن كان أعلى منه مرتبة فهو أسلم وأعم منه مصلحة

ولذلك قيل كن فقيها صوفيا ولا تكن صوفيا فقيها وصوفي الفقهاء أكمل من فقيه الصوفية وأسلم لأن صوفي الفقهاء قد تحقق بالتصوف حالا وعملا وذوقا بخلاف فقيه الصوفية فهو المتمكن من علمه وحاله ولا يتم له ذلك إلا بفقه صحيح وذوق سريح لا يصح له أحدهما دون الآخر كالطب الذي لا يكفي علمه عن التجربة ولا العكس فإذا ثبت ذلك فإن مبنى التصوف تصحيح التوحيد لله تعالى ومحاسبة النفس ومراقبة القلب والإعراض عن الدنيا بالكلية والانقطاع إلى الله بجمع الهمة عليه والاستعداد لرحمته بانتظار فرجه

ابتغاء لمرضاته واتقاء لسخطه ومن يتق الله يجعل مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا فحين قاموا بالوصف جعل لهم مخرجا من ظلمات الجهل وذل المعصية وجعل لهم فرقانا يهتدون به إلى باحة المعرفة وألقى عليهم محبته التي وعد لمن اتبع نبيه صلى اللله عليه وسلم فكان لهم سمعا وبصرا ويدا وكان لهم في حضوره وغيبته مصداق قوله مازال عبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده الذي يمطش بها ورجله الذي يمشي بها وإن سألني أعطيته وإن استعاذ ني أعذته

وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا فيصير لصاحب الصفة أحوالا وأذواقا وجدانية هي نتيجة المجاهدة وثمرة الرياضات وهيهات أن يشم رائحته من لم يدخل مدخله وأن يدرك طعمها من لم يذق مشربه وبه كانت لهم آداب واصطلاحات تخصهم دون غيرهم يعبرون بها عن الأحوال العارضة في الطريق الرياضة و المحاسبة من الأذواق المواجيد وكيفية الترقي من مقام إلى مقام على حسب ترتيبها ووضعها عندهم بحيث لا مدخل فيه لغيرهم من أهل الشريعة لأنه صادر عن الوجدان والذوق والوجدانيات لا يطلب عليها الدليل كما تقرر

فالشأن لمن لم يدرك مداركهم التسليم ولم يزل هؤلاء مقطوعا لهم بصحة ما هم فيه من جمهور العلماء لصحة طريقتهم وظهور ثمرات مجاهدهم في أخلاقهم وبدو نتائجها في حياة قلوبهم وعمارتها بحب الله تعالى والتوكل عليه والإعراض عن الدنيا ما هو أقرب لحاله صلى الله عليه وسلم من التفشق والاجتماع في التفكر والفقر إلى الله تعالى وقلة التكلف والورع مع ما أكرمهم الله به من ظهور الخوارق ولهم في أنفسهم من الكمال

في العوالم من الطوع والانقياد ما ملأ الصحف واتضح للعيوب بحيث لا ينكرها إلا مكابر نفعنا الله بهم وحشرنا في زمرتهم أولئك قوم لا يشفى جليسهم ولم تزل هذه الطريقة القويمة يتلقاها الخلف عن السلف من لدنه صلى الله عليه وسلم عن أصحابه ثم عن الأئمة من التابعين وتابعي التابعين إلى أن انتهت إلى الجنيد رضي الله عنه فكمل تشوءها الرسمي فصارت لهم اصطلاحات وإشارات ورموز ترتيب أوراد مخصوصة

واجتماعاتهم على شيوخ منهم يربونهم بهممهم وفراستهم الفراسة النورية التي قال فيها صلى الله عليه وسلم اتقوا فراسة المؤمن إنما ينظر بنور الله فعمتهم هذه الآداب في جميع أقطار الإسلام فتكلموا بالوجدانيات ورتبوا طريق الارتياض ووضعوا آداب المريد بين يدي مربيه وتكلموا في الوصف الدال على استحاق العارف أن يقتدى به ويطاع وفي الشيخ الكامل العارف بربه وكوشف بأحوال بني زمنه وحال زمنه المتخلق بكمال الأخلاق النبوية الطاهرة والنصيحة العامة

وأنه إذا وجده المريد المبتدأ يلقي إليه القيادة ويفوض إليه أموره وتدبيره فظهرت المشائخ العظام الكمل واجتمع المريد وطلاب المعرفة عليهم فأفادوهم ورقوهم إلى أن تعرفت فظهرت بركاتهم وبدت آثارهم في ملازميهم فظهر مما ظهر آداب دخول الطريق فردوها إلى أصلها من الكتاب والسنة شأنهم في جميع أعمالهم وأقوالهم وأحوالهم من المبايعة بوضع اليد وأخذ العهد اقتداء بمبايعة الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في بيعة الرضوان

وورد في الكتاب العزيز إن الذين يبايعونك إلخ وصح في الأخبار أنهم كانوا يضعون أيديهم على يده وأنه بايع عن عثمان ووضع إحدى يديه على الأخرى وكرر لسلمة بن الأكوع أن يبايع مرة بعد أخرى ما ذاك إلا لسر فيها و إلا فما ينطق لغوا ولا الصحابي ينافق في مبايعته الأولى حتى يحتاج إلى تكريرها خوف الانتقاض وبزيادة اتساع بلاد الإسلام وقلتهم في كل قطر بالنسبة إلى غيره تميزوا بهذه الأوضاع وتميزت مشائخهم عن مشائخ تدريس البحت

فمن أول المشتهرين من هذه الطائفة المربين بالهمة من أهل القرن الخامس والسادس وما بعده الشيخ عبد القادر الجيلاني ومن عاصروه كالرفاعي وأمثاله في المشرق وفي المغرب أبو الحسن الشاذلي والشيخ أبو مدين وأضرابهم رضي الله عنهم وعنا بهم إلى أواخر القرن الثاني عشر فظهرت التيجانية على يد الشيخ التيجاني في المغرب الأقصى والقادرية على يد شيخ سيدي المختار الكنتي في الصحراء الكبرى وهما في قرن

وعنهما وتلاميذتهما تفرعت طرق المربين وتخرجت مشائخهم في أقطار السودان والصحراء الكبرى إلا أن الأول مستقل بطريقته بالأخذ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من طريق الكشف والإلهام مختصا بورد له ترتيب خاص والثاني هو الذي انتهت إليه أسرار التربية على الطريقة القادرية وهو إن بلغ رتبة الأخذ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يختص بترتيب مخصوص بل لم يزل يعطي تلاميذته ومريديه الورد القادرية عن إذن خاص من الله تبارك وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم

فظهرت البركة عليهما وعلى ذويهما جميعا وما زالوا فلله الحمد والمنة رضي الله عنهم ورحم الجميع إلى أواخر القرن الثالث عشر وأوائل الرابع عشر فبدأت الأنوار تهدأ والأمواج تسكن ولواء الإسلام يتمايل يمينا وشمالا لا يستقر ولا يرتكز على قوة تقله لكثرة الفساد وظهور البدع والمنازعة في الرياسة وبينما هو كذلك إذ قيض الله للإسلام من حرك لأنواره زخيخه ومد بحوره فتقاذت أمواجها واستقل بالراية فهزها على جماهير الكفر والفسق فزحزح جنودها وبدد شملها وفرق جمعها وأزاح عن رونقه غبارها الشيخ الخديم من لا ينازع في الحضرة لقبه ولا يشكل في القطبانية والصديقة علمه فرجع بالتربية إلى محلها وأقام أركانها على أساسها فأحيى الله على يديه ميت الدين والمعرفة وبوأه فيهما أعلى مكان وأسنى منزلة ذلك الإمام العظيم الذي ملأ الدنيا ذكرا جميلا وحالا جليلا وقدم لدار أخراه ثوابا جزيلا وعملا مرضيا وصار إذا أطلق الشيخ الأكبر في جلدته لم ينازعه فيه في الأذهان أحد

وهو الأمر الذي حان فيه أرباب الفكر من غير أهل الملة وأشربت أعناق العقلاء والعلماء من أهل الملة إلى الإطلاع إلى خصائصه المميزة وعلى سلوكه السني الذي أربى فيه على من تقدمه ومن عامره وقد حملتني الرغبة في إجابة طلب من لا تسعني مخالفته على وضع جمل فيما امتاز به من أول نشأته من سمو الخصال وعلو الهمة والنظر السديد والفكر العميق والإرادة الحديدية واستقحار معاكسه في كل ما تبين أنه الحق أحوال سنية خصال بهية ملك بها قلوب والديه وأقاربه أولا وقلوب معارفه من بقية قومه ومن اتفق له لقاؤه ممن هم أكبر في السن وأقدم تربعا على الرياسة الدنيوية والدينية واشتهر بذلك اسمه وهو صبي في حجر والده وما خالطه أحد إلا وازداد به ثقة ولا يتمالك أن ينقاد له طائعا كأنه مسلوب الإرادة في الأزلي وعلى هذا شب وكبر وعليه درج أتباعه معه وما زال في ازدياد حتى طبق الآفاق بين من رآه وتحقق أمره وسلك معه ومن سمع سمعا بلغ حد التواتر عنده وأخذ عمن أخذ عنه

ولم يخالطه من أول ظهوره إلى آخره إلا وتأخذه الدهشة منه وذلك والله أعلم لما يظهر من قرائن أحواله من صدق ما هو فيه وتمسكه القوي بإيمانه و تحمله كل شيء من مشقات دينه واستغراقه أوقاته كلها في الاستقامة التامة بين واجباته ومندوباته وزهده في غيره زهدا حقيقيا وضع في جبلته كأنما خلق آية لحقائق الإسلام ولمكارم الأخلاق

الشيخ أحمد بمب

هو الشيخ أحمد بمب بن محمد بن حبيب الله بن محمد الخير نزيل جلف الذي هو أس بلاد ولف كما حقق العالم البوصوبي مبك بن محمد عالم البلد ومفتيه ولد في حدود السبعين والمائتين والألف أبوه محمد بن حبيب الله هذا كان عالما فقيها نبيلا يرتضيه المسلمون إماما ويحبه الأمراء والملوك لما تحققوا من علمه وورعه وعن فوه من صدق لهجته وإصابة فضائه

منشأه

منشأه في بوال في قرية مبك بناها جده محمد والد أبيه حبيب الله وأسكنها بعض أولاده أقطعها له همركون أمير كجور وبول وكان يحب العلماء والصالحين ويحتمل لهم ما قل من يحتمله وكان كلما كان العالم أشد بغضا له وأشد فرارا من مخالطته يكون أحرص على قربه وتطبيب خاطره وبيتهم في الأمراء بيت كبير توالى منهم الأمراء بين كجور وبول كثيرا تفردوا بالإمارة عليها مائة وأربعين سنة يتخللها سنور قليلة يتغلب عليهم بعض البيوتات القديمة لأن بيتهم أحدث بيت من بيوت الأمارة في البلدين ألا إنهم أوسع ملكا ومن أحزمهم سياسة وفيهم عدل أولهم لتسكاب وآخرهم صمب لوب الذي ولاه النصارى أول تغلبهم على البلاد وقتلوه أخيرا لخلاف وقع بينه وبينهم في أوائل القرن الرابع عشر وولوا حاشرته مكانه وليست هذه الجمل مما نكتب لأجله ولكن أثبتها لما قد يعرض من ذكر شيء له تعلق بسياسة البلاد في سيرة والد شيخنا لارتباط القضاء بهم ولما يعرض في سيرة الشيخ وعادته مع الأمراء وكيف يغلظ عليهم ويعتز بعكس ما هو عليه مع المسلمين من لين الجانب كما ينبغي أن يكون أهل الله وأصفياؤه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين

قلنا لك إن العالم محمد بن حبيب الله والد الإمام مسكنه بول كما تقدم وكان عالما أخذ العلم بالرحلة عن مدارس انجامبور كان أكبر جانب في كجور اختص بسكناه المسلمون عن شيخ من أهل كك يسمى مصمب هنت جوب وكان من جلة العلماء كما كانت أجداده وبيتهم بيت شهير من بيوت العلماء في كجور وسائر سنكال من لدن جدهم المختار دمب وقد أرخت مولده وعمره بيتان هما

في جيقش من هجرة المختار مولد جدك ككه المختار

وعمره جدا يهل علما أورث خصبا وأفاد غنما

وأكثر ظني أنه أخذ عنه علم النحو هو وخال شيخنا محمد بص ورأيت لأحدهما قصيدة في مدحه على أثر إكمال كتاب في النحو تأليف لابن بون نظمه من التسهيل وأدرجه في الألفية لابن مالك وطرره ثم بعده ذهب إلى سالوم وأخذ عن أكبر شيوخها وأجلها الشيخ محمد صل من أهل بمب ولا يبعد أن يكون أخذ عنه أكثر علومه من توحيد وفقه وغيرهما

وكان ذلك الشيخ موصوفا بالولاية الكبرى عالما عاملا ثقة عدلا جليلا عند المسلمين والأمراء طائر الصيت في الآفاق وتوفي رضي الله عنه ولم يعقب وإنما عقب إخوته الأشقاء وإلى بلده بمب يضاف اسم شيخنا من عزته عند تلميذه والد الشيخ وتلك عادة في البلد يسمون أبناءهم بأسماء شيوخهم ووالديهم أو ينمون إلى بلادهم وقرا هم وحين أكمل الفنون تصدى للتدريس والإفادة فطار صيته كأنما ورث بركة شيوخه

فتهافت إليه التلامذة من كل صوب من سالم وبول وكجور وانجامبور وكذلك أبناء شيوخه وأخص منهم بالذكر مصمب مريم بن شيخه مصمب هنت المتقدم الذكر وصان بعد عالما نحويا لغويا له تقريرات على الألفية لابن مالك وكان جل سكنى الشيخ الوالد للتدريس عند أخواله في انجه كن مع كبيرهم الشيخ الحافظ المتقن العالم الجليل الوقور أحمد بنت كن وهو شقيق هنت سل والدة الشيخ محمد ابن حبيب الله قريبا من منشئه وقرية جده وأبيه مبك بول

إلى أن ظهر مبه في سالم وحارب الكفار وعاردهم في كل ناحية وتغلب عليهم وحارب أمراء جلف ودوخ بلادهم داعيا على الدين فكلف المسلمين عموما والمشائخ والعلماء خصوصا بالانتقال والهجرة إلى أرض سكناه في سالم وكان ذلك ثقيلا على بعضهم لجنوح أهل الإسلام في هذه البلاد إلى السكون والدعة لما كان بينهم وبين الأمراء من المسالمة والمعاهدة نوعا ما مع أن الأمير الجديد يرى الحق بجانبه لخوفه عليهم من سطوة الفساق انتقاما من الإسلام وذويه لما وقع عليهم منه وهو غير مستبعد

فانتقلوا معه إلا بعض من حبسه العجز فيسوق أهله وأولاده ويتركه وحده وهذا مما نقمه عليه بعض الناس إلا أن الرجل معذور في كثير مما ارتكب من الخرق في السياسة وعدم التأني والمشاورة لأنه كان حريصا على إقامة شعائر الإسلام على صونه وأهله وكثيرا ما يرتدع إذا زجره عن أمن من يأتمنه على دينه قليل ما هم مع أنه فيما بلغني ليس بمتبحر في العلم ولا بمتضرع من الفقه ولم يمارس سياسات الملك والدين أقال الله عثراته وجزاه عن الإسلام والمسلمين خيرا فإنه رفع مناره وأحيا شعائره وأعز أهله بما ينبغي أن لا تذكر بجانبه عيوبه إن كانت

وفي حشره الناس سالم بجد الشيخ والد الوالد حبيب الله وقد ناهز التسعين يريد أن يحتمله مع أهله وهو حينئذ في سني بلدة في طرف سالم يلي بول مع أهله وأولاده وكان جليلا في قومه مطاعا مسموع الكلمة فاعتذر إليه من الكبر وقد كان احتمل إليه ولده محمد بن حبيب الله والد شيخنا وشيخه في العلوم المنعوت بالشيخ الوالد مهما أطلق في هذه الورقات

وكان شيخنا إذ ذلك في جلف مع خال والدته عمه المفسر الكبير امبك دمب أخبرني شيخنا أنه أرسله إليه الشيخ الوالد وهم إذ ذاك في انجه عام فطامه بعد انتقالهم من امبك بول موضع ولادته فكان مع عمه هذا إلى أن بلغ سن التعلم فشرع في تعليمه حتى حفظ القرآن العظيم على يديه فتوفي العم رحمة الله عليه وكان رجلا صالحا عالما دينا ومما يحسن الظن به من طريق الفأل

وكان صلى الله تعالى عليه وسلم يعجبه الفأل الحسن إنه وافته المنية وهو في كتب مصحف ابتدأ من النصف الأولي إلى النصف الثاني لئلا يعوقه جفوف أوجه الصحف عن مواصلة للكتابة في الوقت المخصوص له فاتفق أن انتهى في النصف الأول إلى قوله تعالى وأما الذين أبيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون و في النصف الثاني إلى قوله تعالى أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا حقق الله فيه الفأل ورحمه رحمة واسعة وجزاه عنا خيرا آمين

ثم صار شيخنا بعد وفاة العم إلى محمد بص الإمام العالم العلامة الجامع بين النزاهة والنباهة والشجاعة والأمانة كما قال الشاعر

جمع الشجاعة والخضوع لربه ما أحسن المحراب في المحراب

إلى أن تقلبت الأحوال من هجوم الأمير الفاتح مبه فذهبوا جميعا إلى سالم إذ دوخ أمراء جلف وكلف المسلمين كما تقدم الهجرة معه وطلب من جماعتهم أن يوكلوا نظرهم إلى مؤتمر تجتمع فيه شروط الفتوى وأهلية التدبير لنصح المسلين فسكتوا

فاقترح عليهم أن يكون الشيخ محمد بص إن رخوه لذلك فاتفقت كلمتهم عليه فذهب به ثم بكل من أمكنه النهوض فتوافوا مع جميع أمثالهم في البلدان في سالم فمكثوا فيها سنين مع مبه أغار في خلالها على كجور بعد أن خدمه التوفيق بسوق الإفرنج لتجور من محاولة الاستيلاء على كجور ملك أجداده والبلد إذ ذاك قد استولى عليه ماجوج فال من ذو البيوتات القديمة

إلا أن الأول أقعد لتوالي أمراء بيته نحوا من مائة وأربعين سنة كما أن الثاني يرى لنفسه أنه أولى القدم بيته وسبقه فس الإمارة وتأخر هذا عنه لأنهم كما تقدم أحدث بيت في إمارتين كجور وبول وهما البلدان اللذان عوائد أهلهما متقاربة وسكانهما مختلطة حتى صار بلدة واحدة من بلاد ولف ولما قام لتجور لينازع القائم قام معه كثير من خولهم وحشمهم الذين هم أكثر من غيرهم لقرب عهدهم بالملك فهزمه مرات إلى أن استنصر ماجوج الفرنسيس فأعانوه على طرد عدوه فهزمه وساقه أمامه فر إلى سالم

ولما دخل أرض سالم تلقته رسل مبه يعلمه أنه لم يقبله إلى أن يسلم هو وأهله فعلموا أن لا مناص لهم منه فاسلموا فحشرهم إلى بلده آمنين واعتز بهم وكان ذلك عاقبة خير للتجور فإنه ثبت على إسلامه بعد وآتاه القدر ملك بلاد أجداده كما يرغب مطمئنا وأسلم بسببه خلق كثير والله يجازيه بالخير وفي هذا الاجتماع العام في سالم تعارفت قبائل المسلمين المتباعدة المساكن وظهرت مواهب الأئمة ففرعهم الشيخ الوالد محمد بن حبيب الله في حسن التدريس وصحة الفقه والصراحة في الحق

فصار محط رحال الوفود من المستفتين والمعلمين وعلق به لتجور هذا وكان يستفتيه في جميع أموره إلى أن صاهره في ابنة عمه وانبرم حبل الصداقة بينهما كل ذلك والإمام مبه في قوته إلى أن ساقه القدر إلى هجوم سين وهي بلدة صغيرة حملته حقارتها وضيقها وما عود من الغلبة على سالم وجلف وابتلاعه جيش كجور أميرها في حشاياه على الاستخفاف بها والهجوم عليها بقوة وكثرة لا تسعها سين ولا تكافؤها ولكن من غير ترتيب عسكري ولا تعبئة جندية

مع أهل سين مصممون في الدفاع عن وطنهم المعشوق والقتال إلى آخر رمق من حياة آخر رجل من بنيه بضميمة عدم وجود أي خائن بينهم أو غادر أو جنبي يدل على العورات أو يتجسس على الخبيئات هجمهم وهم على كمال الاستعداد للموت والقتال إلى النهاية وكمال العدة بقوته وكثرته ولكن بلا نظام بل تقدم بنفسه والجيش وراءه لا علم لهم بشيء إلا ورعود المدافع تدو والفرسان الاحتياطية تتساقط كالثمر اليابس زعزعته الرياح

والأمر كذلك إذ الأمير تدمى كلومه وقد أيقن بالموت لأن الهزيمة ليست مما يخطر بباله ولاهي من رأيه فجعل يعرقل الخيل والبغال والدفاع في الاشتداد إلى أن سقط مقبلا غير مدبر وأحد أصدقائه وقواده يريد أن يوليه للقبلة وهو في حالة النزع فأشار إليه أن يتركه خوفا من أن يكون من نوع الفرار من الزحف لما فيه من توجيهه وجهه غير جهة القتال فمات على ذلك وانهزم الجيش ورجع أهل الصين إلى بلادهم وبقيت خلفاؤه محتفظين بفتوحاته في سالم فقط

ورجع لتجور إلى بلاده بطلب مجلس الحل والعقد في كجور وقد عزل ماجوج وارتأى تولية لتجور والإفرنج من يوم استنصره ذلك الأمير كلمة نافذة في المجلس فعرضوه عليه فوفقهم وحين دخل الأرض ولوه أميرا وبقي فيها سنين إلى أن وقع الخلاف بينه وبين الإفرنج فقتلوه واستولى على البلاد مباشرة يستعينون بخولهم وحشمهم وبقية أهل الأرض فسبحان من هو وارث الأرض ومن عليها وإليه يرجعون

وفي رجوع لتجور هنا ألح على الشيخ الوالد بأن يصحبه ويكون له مرشدا ومعينا على أمور دينه ويتولى له القضاء وينفذ ما حكم به لأنه ليس من بين الناس من يثق به كهو ولما نظر الشيخ الوالد في هذا رآه من واجبات النصيحة قي الدين ورجا فيه ثوابا لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم فذهب معه وأقطعه أرضا بجانب كك تسمى بتار قرب مسكن الأمير في جلمغ وضرب له ميعادا يأتي فيه للقضاء ويبقى سائر أيامه في قريته تلك وبساتينه يعلم تلامذته ويفتي المستفتين

كل هذا وشيخنا في حجره ولا يعزب عن بال ذي معرفة أن تقلبات كهذه تترك أثرا راسخا في ذهن ذكي حي الخاطر حكيم لا يمر به شيء إلا واعتبر به وبحث فيه والحال أن هذا الشيخ بصفة كونه رفيق الطبع جسور الخاطر لم يترك هذه الأحوال والتغيرات غفلا بل نظر بعين الفكر الحادة إلى حقائق هذه الأمور واعتبر في دقائقها وهي على كثرة تلون ظروفها ترمي إلى غرض واحد وهو عطافة التسلط والتملص من أيدي القهر هذا يدفعه الإيمان بدينه إلى الهجان ما سواه وإنكاره والتوسل بوسائل الجبر والقهر إلى تعميمه

وهذا بالنظر إلى طول مدة أجداده في الإمارة يدافع عن كل ما يخالف العادة المقررة عنده ويحتاط بجميع أنواع التمنع والاحتفاظ بمركزه وبينما هم في ذلك إذ بغتتهم يد أجنبية قوية ومهارة فائقة وقد تفرقوا شيعا وانحلت عزائمهم من طول المشقة وانشقاق الكلمة وسمئمهم الناس وودوا لو ضمهم صاحبها تحت كنفه إلى أن راودوه فتقدم بطلا مغوارا وحكم حكما باتا بوضع كل شيء موضعا لا يتعداه ثم تربع في فراغ الدائرة رئيسا مطلقا ألا وهي دولة الفرنسيين

فرجعت الأمور إلى مجاريها وارتاح كل رهط للعود إلى سابق عادتها وقد كان رهط الشيخ من مشائخ الدين والعلم ولم يزل هو معتكفا على التعلم والتعليم وقد مر عليه في هذه المدة القليلة كل هذه التقلبات الكثيرة والتغيرات المتنوعة من رفع قوم ووضع آخرين ونشوء دول واضمحلال أخر إلى أن ضجر العقول وانطفأت جذى النجدة والشهامة في القلوب نشأ فيما بين هذه الأطوار والأدوار المختلفة فتزود منها قلبه أنفع ذكرى تهون عليه الدنيا وجعلته ينظر إليها وإلى أهلها نظر السخرية والازدراء وقد أوتي الحكم صبيا

شأن الله تعالى مع أنبياء المعصومين والأوليائه المحفوظين سيما وقد رسخت الذي ما زال على الفطرة عقائد الدين التي أرضعته تلك البرة الصالحة أمه جارة الله مريم إياها مع لبانها وعليها نشأ فحفته العناية الرباني وقادته يد التوفيق الصمداني على الصراط المستقيم فتجلى في جميع كركاته وسكناته ما هو مخالف لما ألف فيمن هو في سنه من عدم المخالطة والعكوف في مواضيع التعبد كالمساجد ولزوم مجالسة الصالحين وهو في جميع هذا مشتغل جد الاشتغال في كل ما يعنيه لا غير

لم تقع منه هفوة فتنقم عليه ولم يعرف اللهو واللعب فيسر الله عليه الحفظ فحفظ القرآن صبيا في حجر الوالد الكريم وشرع في تعلم العلم عليه لأنه كما تقدم من أكبر العلماء الجامعين والمدرسين الفائقين الذين يجمع مجلسهم المنتهين والمبتدئين على حد سواء ولم تمض على شيخنا أعوام قليلة حتى برع في الفنون جمعاء وأربى فيها على جميع معاشر المتفننين يجمع إلى ذلك الانقطاع الشديد على ما يعنيه من أمر دينه وعلمه والتطلع إلى علوم القوم سالكا سبيلهم في الآداب والزهد

وهو في هذه البرهة يتنازعه عاملان قويان أحدهما واجبات البرور لوالده وهو إذ ذاك مجلسه مجمع الطوائف من المتعلمين والعلماء والسلاطين والأمراء لتفرده في ذلك الوقت بحاتي التدريس والقضاء كما مر والثاني الانجذاب والانقطاع به تعالى بمعزل عن البرية وضوضائها ولكنه لم يلبث إن انتصر الفتوة في هذا العراك الشديد وأحكمت التدبير في الجمع بين الخصمين فنظمتهما في سلك النية الخالصة لله رب العالمين امتثالا لأمره واجتنابا لنهيه بتحكيم الشريعة المطهرة وتحقيق الحقيقة المنورة فصار الكل لله وفي الله وإلى الله

قام بما كلف به من بر والده راضيا واغتنمه فرصة صالحة ووسيلة ناجحة لمرضاة ربه عز وجل ولنيل محبته المطونة بأتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قرنه سبحانه وتعالى بالواجب الأول الذي لم يخلق الإنسان إلا لأجله فقال عز وجل وقوله الحق وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا فكان من بره ما تحدثت به الركبان ولهجت به الألسن على ممر الزمان وكان والده كلفا به شغفا لا يحب مفارقته ساعة لكمال مروءته وفتوته و دينه وورعه وصحة علمه واتساعه وحسن قيامه بمصالحه خصوصا وقد تفرس فيه خيري الدنيا والآخرة والله يعلم صدق فراسته

وهو فيها رابع الثلاثة الذين قال في حقهم ابن مسعود رضي الله عنه أصدق الناس فراسة العزيز حين في يوسف لامرأته أكرمي مثون عسى أن ينفعنا أونتخذه ولدا وامرأة فرعون حين قال في موسى قرت عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وأبو بكر حين استخلف عمر وقال فيه فقد وليته عليكم فإن قام به وعدل فذلك ظني به هذا ولم يزل ماضيا في سبيله الرشيد مع والده وقد ولاه ذلك أكثر أوقات للتدريس وكتب الوثائق ورد الجوابات

وفي خلال هذا التدريس والكتابات وبعض التوسلات التي ينظم الوصايا التي يكتب ظهرت طلائع لوائح النور العظيم الكامن في هذا الشخص الخطير كمون النار في الزناد فبدأت العيون تنظر إليه من جديد غير نظراتها الأولى والقلوب تنعطف عليه والنفوس تنقاد له والتلامذة تنثال عليه من تلقاء نفسه بعد أن كانت تأتيه من قبل والده والملوك والأمراء الذين جعلوا والده جنتهم الوافية وكهفهم أخذوا يتعرفون به ويلتمسون منه ما كان من والده

وهو لايصبر لهم ولا تحصل لهم مقابلته إلا إذا أمره الشيخ الوالد فيمتثل على نزاع قلبي وكان ذلك أغرب شيء في زمنه وكانوا يتناجون بزهده في الأمراء واعتيافهم إياهم بعضهم يقول لعله جن وبعضهم يقول أبله يغتفر له ولكنه لم يلبث أن ظهر لهم من القوة والكمال في الاستقامة ما تحققوا به أن الرجل موتى له ما لم يوت أحد وأن ملامح الولاية ظاهرة عليه فهابوه أكثر من والده ومن علماء زمنه على صغره

وقد حكى علي مرة أن الأمير صمب لوب الذي قلت إنه آخر أمراء كجور أتى يوما لوالده وهو أمير وجلس على الفراش واستدعاه إياه فأرسل الشيخ الوالد إليه فأتى وقال له الشيخ الوالد صمب لوب يريد أن تذهب معه إلى داره ليتخذك شيخا كما كنت مع خاله لتجور قال فقلت له إلا أن يخرج عنك فرجعت إلى بيتي في المدرسة وهو إذ ذاك مدرس كما مر بك وحين خرج الأمير مر به وهو في ظل بيته يتوضأ على هيدورة وحين بصر به نزل عن الهيدورة وفرشها له مدارة فهاب الأمير أن يجلس على فراشه هكذا وجلس على الأرض

أنظر هذه الحالة المعنوية يجلس مع والده وشيخه الفقيه النبيل ويهاب أن يجلس على فراشه هكذا عزة التقوى وملك الولاية قال شيخنا إنه حين كرر عليه أن يذهب معه كما قال له الشيخ الوالد في البيت قال له شيخنا لا يمكن لي أن أذهب وأترك هؤلاء التلامذة الذين أتوا لتعلم أمور دينهم حاشان أن أفعل قال فأذعن الأمير وقال إذا كان كذلك فهذا جواد حر أهديه لك قال فقبلته مصلحة إلى أن ذهب وكان معه ثلاثة من المسلمين كل يطالبه بدين مائة قال فأمسكتهم عنه وأمرت من بييع الجواد فبيع بثلاثة مائة فقسمتها بينهم فرجعوا حامدين ولو لم يعلم الأمير إلى اليوم

أنظر إلى هذا الفعل هل يوفق لمثله من لم يهيأ لسياسة البرية ظاهرا وباطنا كالأنبياء عليهم الصلاة والسلام وخواص خواص الأولياء المقربين ومن هذا المقام فإلى أين نهايته إلى الله ورسوله بلا واسطة ولا إمداد خلق وأن إلى ربك المنتهى هذا ولم يزل يجد ويجتهد في عدم مخالفة الوالد أو أن يستغل بأمر ما لو تافها دونه وصرف كل ما تبسم في وجهه من الجاه والعز والمال والذكر الجميل في خدمة والده في ذات الله تبارك وتعالى

وتجرد للاستقامة الكاملة العبادة والزهد والتعرف بملازمة الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم مدحه مستقيما عليها مع مراعات خاطر والده الفقيه النبيل إلى أن وافاه القدر المحتوم بين يدي ولده البار الكريم وقد قرت عينه به وطابت نفسه في كل ما يستخلفه فيه فقضى نحبه يوم الثلاثاء التاسع والعشرين من المحرم عام تسع وتسعين بعد المائتين والألف عن واحد وستين من عمره والله أعلم بعد أن أوصى إليه بجميع أولاده وأموره من بعده في قرية امبك كجور وصلى عليه في مقابر ودفنه وهي قرية كان أهلها من قديم الزمان بررة صالحين رضي الله عنهم ورحم الجميع فتصدى بعد هذا مشمرا لما خلق له وجبل عليه من الاستقامة والزهد وهما جامعان لأوصاف الخير إيجابا وسلبا لأن تحت الاستقامة جميع الأوصاف المحمودة المرغوب فيها وفي الاتصاف بها والزهد جامع لجميع التروك المطلوب تجنبها والابتعاد عنها وهو رضي الله عنه من أول إلى آخر عمره لم تصدر عنه مخالفة ولم يعن قط بما لا يعنيه قولا وفعلا ولم تمسك كفه درهما ولا دينارا على سائل ولم يمد عينه إلى زخارف الدنيا ونضارتها ولم تصخ أذنه لأفواه الناس مدحا ولا ذما في ذات الله تبارك وتعالى مع تفاهة الدنيا وبذلها نفيسها وغاليها وعليه كالسحب المرسلة وإقبال الناس إليه والتفاهم حوله وانقيادهم لإشارته ل إقبال الأنعام الصادية للمنهل المورود ولا التفاف النحل حول خلابها والانقياد الصحف السحب لمبشرات رياحها بل من الجميع أشد وأكثر وأعظم وسياستي عليك في الكتاب إن شاء الله ما يشفي غلتك من حسن خلقه وباهر فضله وبارع خصاله وإن عزت الإحاطة بها واستحال على الحصر جمعها وإنما هذه مقدمة تعطيك إنموذجا من أمره على سبيل الإجمال فقط

فلنرجع بك إلى ربط الفقرات ببعضها من سلسلة نشأته الأولى وحوادثها وبه تعلم إنه توفي الوالد محمد بن حبيب الله وترك وصيته فيه طيب النفس قرير العين بما رأى من نبل ولده وعظمة فضله ورفعة فضله وانثيال الخلق عليه وهو في كل هذا لا يرى نفسه شيئا مذكورا بجانب ما سمت همته إليه من المكانة العظمى والخلافة الكبرى والوراثة العليا لمقام العبودية الأسنى بقربه من الله زلفى

فأخذ نفسه بالمجاهدة الشديدة لا متملعا للمقامات ولكن بالهام منه تعالى وأمر بما هيأه له في الأزل فالاهتمام إذا إنما هو تعبد وامتثال لا حظ فيه للنفس ولا للهوى ولا الشيطان ولا الدنيا وقد تلقى من والده الورد القادري لأنه هو وخاله الجليل محمد بص كانا من ذويه فلم يزل يعمل به ومعوله الكتاب والسنة فجعل همه في جمع الكتب والمطالعة فجمع كتبا كثيرة من فقه وسيرة وتصوف ولقي كثيرا من الرجال في أثناء تطواف متعدد كان الباعث عليه البحث عن الكتب والرجال وزيارة مواضع الصالحين

فظفر بكتب كثيرة مما كان في أرضه سنكال ومما لم يسبق وجود فيها مما كان في أرض البياضين الذي طاف في كثير من أنحائها للرغبة نفسها وفي أثناء ذلك أيضا لقي من مشائخ الطرق جملة وافرة واخذ من بعضهم شأن رواد متى ما وجدوا من حسن ظنهم به استفادوا منه لأمر أراده الله له من أن يكوم ملتقى البحور ومجمع الخيور وممن أخذ منه بعض مشيخة الشاذلية فعمل بوردهم ثمانية أعوام على ما حكى عن نفسه

ثم أخذ التيجانية عن بعض مشيختها المتقدمين فعمل بها تلك المدة أو أكثر وجمع في هذه المدد كثيرا من تواليف مشائخ الطرق وعلمائها كتاليف الكنتي وولده في الطريقة القادرية التي أسلفنا لك أنها هي أول ما أخذ من الأوراد وفي سائر التصوف وكذلك تواليف الشاذلية وأحزابها ككتب ابن عباد وزروق وابن عطاء الله وكذلك كتب التيجانية من جواهر المعاني والرماح والجيش والبغية من أورادهم في التصوف إلى غير ذلك من كتب النفيسة لهم ولغيرهم كاليدالي وابن متال ومن قبلهم من مدوني الطريقة الصوفية من المتقدمين كصاحب القوت وصاحب المدخل وصاحب الإحياء وغيرهم ومن المأثورات عن الجنيد وسري ومعروف والبسطامين ورجال الرسالة والحلية نظر كل هذا بهمة عالية وتوجه صادق ونية خالصة فتحصل له من جميعها وجود ضالته التي كان ينشد والظفر بحاجته التي كان يطلب فازداد به انقطاعا على الله تعالى وابتعادا عن الخلق وجعل يتوغل في الخلوات ويألف الفلوات زهدا في كل ما سوى الله متفشقا للغاية القصوى نهاره صائم وليله قائم لا يفتر عن الذكر والتلاوة أناء الليل وأطراف النهار

رغبته واحدة وغرضه واحد وهو رضى الله تعالى ورضى رسوله هائما مغرما به صلى الله عليه وسلم صلاة وثناء لا خلاء في كونه ولا فراغ في وجوده بل في عبادة ربه على سنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ومدحه والصلاة عليه لله رب العالمين وبهذا الانجذاب الشديد والانقطاع الدائم استخلصه سبحانه وتعالى لنفسه واختاره لنبيه عليه الصلاة والسلام بعد أن استكمل جميع ما عند مشائخ الطرق من شروط وفاز بكل ما حازوا من سؤدد وفخار ومشروط

ألا أنه بعد الشهود والعيان والفناء في الله تعالى والبقاء به والهيمان في أودية محبة الرسول صلى الله عليه وسلم والاستقلال بنصرته والإشادة بذكره لم ينقع نحلته ويشف صداه جميع العيون والأنهار التي ورد واستقى وإن عظم جمومها وتقاذفت أمواجها لأن أقصى مراد جل مشائخ الطرق والأوراد تصحيح السلسلة وتوفية الشروط والابتهاج بسير رؤساء السلسلة إلى أن تنتهي إلى أحد المشائخ العظام دون تعطش إلى المناط الأصلي من الكتاب والسنة إتباعا وتخلفا وتفهم الشريعة والأخذ بأهداب الحقيقة التي هي في ينبوع سر النبوة من معدن النور الأعظم الفائض عن حقيقته صلى الله عليه وسلم

وهو كما تعلم خلق ربانيا لا يعرف الأخيار نبتت شجرة التوحيد في أرض قلبه الصالحة النفية السهلة باختيار الله تعالى في الأزل فلم تزل سحب المعرفة والعلم واليقين تنصب عليه جودا عميما وترسل شمس الحق والهداية عليها أشعتها المنعشة فآتت أكلها كل حين بإذن ربها ولما كانت العادة جارية في سابق حكمته تعالى بربط الأمور بأسبابها وكان السير إلى الله تعالى لا بد فيه من السلوك في سبيله والإقتداء بمن تقدموا فيها تاسيا برسوله صلى الله عليه وسلم مع الروح الأمين لا محالة

فلا بد من اقتفاء آثار صالحي سلفه فيه وإن كان لا يقتضي الأفضلية أخذا مما تقدم منه صلى الله عليه وسلم بجبريل حتى أثبتوا أن المنجذب بسابق محبة الله تعالى لا بد أن يتدلى إلى الأول قد السلوك إلا أنه في تدليه أسرع من السالك في ترقيه لأنه عامل على نور من ربه وابتدأه في التدلي هو انتهاء السالك فلا بد إذا من التمسك بأذيال المشائخ الكرام والتعرف بهم وإتباع إشاراتهم

فبذلك ترى عناية الله تعالى بشيخنا رضي الله عنه فإنه مع علو منزلته في التوحيد فطرة جبل عليها ورسوخ قدمه في المعرفة خصوصية من الله لم ينازع قط صاحب حال صحيح ولم يقتصر في الأخذ عن أكابرهم ولم يتوان في إتباع آثارهم ولم يترك شيئا من واجبات برورهم وإكرامهم أسباب خير خص بها للفوز بميراثهم والاستيلاء على مقاماتهم غير واقف عند حدهم بل رقاه من أنشأه أول مرة لما رشحه له من الوراثة العظمى فطرحت يد الغيرة الإلهية كل وسيلة بينهما إلا سيد الوجود صلى الله عليه وسلم

فانتزعه من الأغيار وتفرد به من بين الأخيار وخلع عليه ما لا تعلم نفس من خلع الأنوار والبركات فاتخذه أمينا لجميع الأسرار والخيرات ارتقاء سريع لا ينكره من عرف التوفيق لعبد أراد الله به خيرا وهيأه لأمر أراده في الأزل فكل ميسر لما خلق له والأخذ عن الرسول أمر لا يستغرب في حق مثله فقد صح عليه وسلم يقيظة عد منهم الشعراني في كتابه لواقح الأنوار القدسية جملة والسيوطي في تنوير الحلك في رؤية النبي والملك

ألفه للرد على المخالف فيها بالحديث الوارد ذلك منه من رآني في النوم فسيراني في اليقظة ولا يتمثل الشيطان بي في الصحيحين وذكر اختلاف العلماء فيه والطرق المخرجين للحديث بعد الصحيحين فقال قال العلماء في تفسير قوله فسيراني في القيامة فتعقب بأنه لا فائدة في التخصيص لأن كل أمته يرونه يوم القيامة من رآه ومن لم يره وقيل المراد به من آمن به في حياته ولم يره حينئذ لكونه حينئذ غائبا ثم قال وقال قوم على ظاهره فمن رآه في النوم لا بد أن رآه في اليقظة بعيني رأسه وقيل بعيني قلبه حكاهما بن العربي الفاخي

وقال بن أبي جمرة في تعليقه على الأحاديث التي انتقاها من البخاري هذا الحديث يدل أن من رآه صلى الله عليه وسلم في النوم فسيراه في اليقظة ثم ذكر الخلاف في هل اللفظ على عمومه أو هو في حياته فقط وهل مطلقا أو لمن فيه الأهلية والإتباع لسنته ثم احتج على من ادعى الخصوص بغير مخصص منه عليه الصلاة والسلام على أن قال وذكر عن السلف والخلف إلى هلم جرى من كانوا رأوه في المنام فرأوه بعد ذلك في اليقظة فسألوه عن أشياء كانوا متشوشين لها فأخبرهم بتفريجها ونص لهم على الوجه الذي يكون منه فرجها فآل الأمر كذلك

ثم قال المنكر إما أن يصدق بكرامات الأولياء أو ينكرها فإن كان ممن يكذب بها فقد سخط البحث معه فإنه يكذب بما أثبتته السنة بالدلائل الواضحة وإن كان مصدقا بها فهذه من ذلك القبيل فإن الأولياء يكشف لهم بخرق العادة عن أشياء عديدة في العالمين العلوي والسفلي فلا ينكرها مع التصديق بذلك وقال في المدخل رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة باب ضيق وقل من يقع له ذلك إلا إن كان على صفة عزيز وجودها في هذه الأزمان بل عدمت غالبا مع لا ننكر من يقع له هذا من الأكابر

قلت ما لم ينكره بن الحاج مع ما يعلم من تشدده في الإتباع غيره في سعة من أن لا ينكره وقد نقل كثير من أهل الخصوصية أنهم رأوه صلى الله عليه وسلم يقظة كالشيخ الجيلي وأبي الحسن الشاذلي وأبي العباس المرسي والشيخ أبي مدين وكثير غيرهم كما في لواقح الأنوار القدسية وقال فيه فإن أكثرت من الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فربما تصل إلى مقام مشاهدته صلى الله عليه وسلم وهو طريق الشيخ نور الدين السوني والشيخ أحمد الزواوي والمنزلاني وجماعة من مشائخ العصر فلا يزال أحدهم يصلي على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويكثر منها حتى يتطهر من الذنوب وحتى يجتمع به يقظة في أي وقت شاء

قلت وهذا من شواهد ذلك فشيخنا أكثر الناس صلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وثناء ومد حاله حتى فني فيه جملة فقطعا بتوفيق الله تعالى يقيض له النبي صلى الله عليه وسلم فيأخذ بيده كما قال السنوسي أن من دام الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم يقيض الله له النبي صلى الله عليه وسلم وقد صرح به شيخنا في جواب من سأله عن شيخه إنه يأخذ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا واسطة من كثرة خدمته له وملازمة الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم

قلت وأول الخدم له عليه السلام إقامة سنته أولا وآخرا بعد الفرائض في أنواع القربات وذكره وذكر مناقبه بالمدح والثناء والصلاة عليه صلى الله عليه وسلم فإنه رضي الله عنه لم يخرج وقتا ما من ميدانه بين الله ورسوله التوحيد والثناء لله والصلاة والمدح لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال

دلني الله على محمد وقادني محمد للصمد

وقسم زمنه قسمين نصف العام في الصلاة ونصفه في المدح فقال

صلاة سته بمدح سته تاتيه بته مع ائتساء

والائتساء هو عبادة الله لله لا شريك له بإتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا إتباع غيره وهذا هو المشاهد في حياته وأمره والمعاين فهو رضي الله عنه

أولى من اتصل به وأحظى من يغار عليه

نبذة في تربيته الأولى

نبذة في تربيته الأولى قبل غيبته إلى الجزيرة في البحر وكلمة عن حوادث البحر والجزائر وفذلكة في الغيبة الثانية إلى أرض البياضين وحاله معهم وورقات في حاله مع المريد وترقيته بعد الرجوع إلى الوطن إلى أن استأثر الله به رضي الله عنه فقدم تقدم إحيائه للعلوم جميعا والتصوف خاصة وأنه كان كثير الاهتمام بالكتب الصحيحة ولقاء الرجال قبل الأخذ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

وفي خلال هذا الاشتغال ألف كثيرا من كتبه في التصوف وبعض مبادئ التوحيد والفقه وقد أسلفت لك أن الناس في حياة والده ابتدويتها فتور عليه وما زال بعده يزداد شهرة رغما من فراره منهم وتوغله في الفيافي للابتعاد عنهم وهو بعد لم يكمل الأربعين فابتنى داره في امبك بول انتقل إليها من امبك كجور محل وفاة والده ومسكنه الأخير وبعد مدة ألفها الناس وكثرت الغاشية فابتنى خلوته الأولى دار السلام قرب القرية المذكورة فازدحمت الناس عليها

فابتنى طوبى في صحراء لا ماء فيها ولا زرع يومئذ ولا تبلغ إلا بشق الأنفس ولا تسكن إلا بالانتقطاع عن الإنس 1305 بعد ثلاث من بناء مبك بول ومن بناء دار السلام وكانت طوبى ودار السلام عزيزتين عليه وكان يقول إن السبب في كونهما أحب إلي من سواهما خلوص نيتي في بنائهما ما رجعت فيهما لأصل سابق والارتياد من زرع ولا مرعى وإنما هي للعبادة لله وحده عن إذن منه تعالى واختيار شأنه في سائر الأمور من إسقاط الاختيار والتدبير

ولكن الله إذا أحب عبده وكتب له الود في السماء ووضع له القبولة في الأرض لا محالة أن الناس يتسابقون إليه ولو ابتغى نفقا في الأرض أو سلما في السماء ولما علم أنه أمر كتبه الله ولا محيص عنه صبر عليه وجعل يرشدهم إلى ما فيه صلاحهم إلى أن فوجئ بأمر عال أن يربي فقام بأعبائها فيما بين هذه الأشغال الكثيرة وأخذ بهم طريقة التربية والسلوك على قواعد العلم الصحيح والدين القويم والفراسة الصادقة التي قال فيها عليه الصلاة والسلام اتقوا فراسة المؤمن إنما ينظر بنور الله

وكان طالبوه على قسمين قسم يزورونه للتبرك والاسترشاد بالنصائح والوصايا والتلقين وأخذ العهد أولئك يهديهم إلى ما فيه سعادتهم في الآخرة والأولى ويزهدهم في الدنيا ويرتب لهم أورادا من الكتاب والسنة أو مما تفرع منهما من استخراجه واستخراج بعض الأكابر ممن قبله أو يلقنهم وردا من أورأد مشائخ الطرق التي حصل على إجازتها من مشائخ المربين ويرشدهم وينبههم ثم يصرفهم إلى أن يمكنهم الرجوع إليه للاستزادة والزيارة فيرجعون ثم هكذا فهؤلاء جل تربيهم بالقال

وقد قالوا إن التربية قسمان تربية بالقال وتربية بالحال فالأولى إرشاد وتهذيب والأخرى إمداد وتقريب كما أثبته صاحب الطرائق رضي الله عنه وقد تغلب في بعض الناس قابلية الأولى فيقتصر بهم في دائرتهم مع الإفادة ببعض مدد من فيض الهمة وبركة المجالسة هم القوم لا يشفى جليسهم عملا بحديث "خاطبوا الناس على قدر عقولهم" وحديث "أنزلوا الناس منازلهم" وقيل في تفسيره منازلهم ما يحسبون فيدعوهم إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة ويبصرهم بعيوب النفس وغوائل الهوى والشيطان وغرور الدنيا ومداخلها ويخصهم على التقوى ومحاسن الأخلاق تغذية حكيم للنفوس فتنموا باعتدال وصحة إلى ما قدره الله من الحظ في الكمال والمعارف

وقسم ائتمنوه على أنفسهم وألقوا إليه أزمتهم وانسلخوا عن إرادتهم غلبت فيهم قابلية الأخرى تربيهم الإرادة وتنهضهم الحال وترقيهم العناية والهمة دلالتهم على الله ظهور أمره تعالى في جميع حركات الشيخ وسكناته بلا مشارك من غير شرح لعلة ولا وصف لدواء كالسلحفاة تربي أولادها بالشم كما حكى صاحب الطرائق فهؤلاء يسلك بهم سبيل التربية السديدة من فطم النفس عن ملاذ الدنيا والإعراض عن الجاه والمال والانكباب على العمل الصالح وإخلاص النية في كل شيء والتحري لمقاصد الشيخ وحكمته في كل أمر

وهو أعلم بقومه وبزمنه ولم تخف عنه قلة تعمق الدين في العوام العموم الجهل إلا قليلا وتضاعف الأخلاق الذميمة فيهم إلا نادرا يجعل أول ما يأخذهم به بعد تقرير واجبات الدين ومندوبا ته لهم مباشرة الأعمال البد نية ليتحلل الكسل المعروف في أكثر سكان إقليمه وهو أضل الفساد دينا ودنيا ولتذوب النخوة والتيه والعجب التي رسخت فيهم لملازمتها الطبيعة الكثيفة في النفس البشرية

ثم اعتاد والعمل جميعا صدورا وورودا بلا تمييز أحد منهم عن أحد قربهم لفهم المساواة بين الناس إلا بمميز من الفضائل النفسانية القيمة أو بما يحسن من الأعمال المجيدة وبأن تفاوتهم في الفضيلة إنما هو بحسب ما اجتمع في الإنسان من الكمالات والفضائل وما ابتعد به عن الرذائل والنقائص وأن التقوى هو المعنى الجامع لأنواع الأوصاف المحمودة والمانع من جميع الأوصاف المذمومة

ويلقي إليهم في فترات الأعمال من لطائف الحكم وما يبصرهم به عيوب النفس ويفهمهم حقائق الدين ويرقيهم التحلي بحلي الكمال من تهذيب الأخلاق وتطهير القلوب وتنوير العقول في جمع الهمة على الله تعالى بالتوبة النصوح والإقبال عليه بالكلية والزهد في الدنيا وزخارفها والحب في الله والبغض فيه وسجن القلب في التفكر في خلق الله

واللسان بذكر الله والجوارح بطاعة الله

حتى إذا أشربوا كل ذلك في قلوبهم وغلب على كل ما سواه فيها وقصاه صرفهم إلى مختلف الأمور كل لما يصلح له وهو أعلم بحال المريد مع الترقب الشديد والانتقاد المستمر في جميع الحركات ما خالف منها ظاهر الشرع ردع صاحبه ورده إليه وما خالف آداب القوم زجره ونبهه على موقع الخلل منه وجميع هذا باعتدال تام واقتصاد رشيد تحت إشراف حكم الشريعة المطهرة ورقابة الحقيقة المنورة وجعل الله على يديه البركة فانتفع به خلق كثير لا يحصون وصاروا مصادر صالحة للتربية كل بقدر ما اغترق من بحره الغطمطم

وقد شوهد أنه لم يصدر عنه أحد ويرجع إلى أهله إلا إذا خالطوه يرون في سيرته وسلوكه وتواضعه وجده وانكبابه فيما يعنيه ما لا يبقي شكا في قلوبهم من تفضيل طريقته والفضلاء سراع إلى تفقد الفضل وذويه فتتابعت وفودهم عليه من علماء وشيوخ ومدرسين من كل صوب ممن أمضوا طرفا كبيرا من حياتهم على كراسي الرياسة الدينية والدنيوية وحطوا بين الخلق بمقامات رفيعة وأحوال سنية أياما مد يده فازداد إقبال العامة بكثرة إقبال الخاصة أفواجا أفواجا زمرا زمرا

لا يصبر صادر عليه ويكاد يبلغ محله إلا ويرجع ولا ينصرف الوارد عليه إلا ويتوجع لأي شيء لأنهم ما زاروه إلا لوجه الله لما تحققوا من عكوفه ببابه وارتماء فيوضه بالدرر والياقوت من معادن الحكم الربانية ومل ثملوا به من أنواره وأسراره النبوية القدسية إلى مكارم وأخلاق هي أعذب من الزلال السلسبيل للوارد الظمآن وآداب وكرم كالروح والريحان إلى سخاء وجود أعانه الله عليهما بسوقه الدنيا بحذافيرها إليه من بيضاء وصفراء من أبزاز وأنعام من عبيد وإماء

لا كذي يزن في غمدانه ولا كسرى في إيوانه بل أعلى وجل وهو يفرغ تلك الخزائن لزواره ويبدل فيهم شمل تلك الأموال كما قال فيه أحد شعرائه محمد بن المختار بن المعلى الحسني

كأن راحتيه في حناتما بورروايا لاتني سواجما

ولكن يد الله فوق أيديهم فلا يكاد يفنى عنده

إلا وردت الأرزاق عليه كالمطر وهي عنده كالمدر

فعم البلاد ذكره وتنشقت الخلائق ونشره فصار حديث السمار في أفنيتهما وراحة الركبان فوق حالها وموضع بحث الحكومات في دواوينها

وهو لم يزل هو كما مررت به في خلوته لا آنس له إلا بالله ولا صاحب إلا في الله ولا حركة ولا سكون إلا لله كل هذا ولم يوجد ولو واحدا من أهل العلم والعدالة والنهى من ينقم عليه شيئا أو ينتقد إما سالكا معه أو مسلما أو راغبا مرغبا إلا أن كل ذلك لم يكن ليحبس شياطين الإنس والجن ومن سولت لهم وأملى عن الطموح إلى دفن الحق ولو اتضح وأطفأ نور الله وإن انتفع فقام بعض ممن لا يعبأ الله بهم ولا يقيم لهم يوم القيامة وزنا أوغر صدورهم الحسد ونفخ في أنوفهم البغي والطغيان إلى المكر به والوشاية لأرباب الدولة في سنكال وهم الفرنسيين وكان ذلك أوائل استيلائهم على البلاد ولم يتمكنوامنها كل التمكن ولم يفقوا على دخائل طباعهم ولم يعرفوا بين ذو العقول الصحيحة والقلوب السليمة وبين المتملقين الذين هم في كل مكان أسرع إلى تلبية أي داع خداعا وملقا والفضلاء ذوو العقول من شأنهم التأني في كل الأمور وإذا تبينوا الحق من الباطل ودخلوا فيه ختموا الأبواب وسكنوا وأولئك المتملقون كما أنهم أسرع دخولا فكذلك أسرع خروجا إن أمكن و إلا فبالانصراف إلى المخادعة والمكر والفساد ولا كفساد الفار في خزائن القماش والسوس في خزائن الدخن والشعير بل أشنع

ومن افتراآت هؤلاء وملقهم هولوا أمر الشيخ عند أهل الدولة وخوفوهم منه وادعوا عليه أمورا بينه وبين أغراضه بعد المشرقين أو ظهوره وإقبال الخلق إليه وانقيادهم له طوع البنان وهو يخصهم على التقوى في الأويقات القليلة التي يراها حقا عليه أن يخرج إليهم لقلة فراغه من العبادات ونوافل الخير وذو الحاجات وطلاب المعونة ينبت عليهم أفانين التحق والهدايا كالبحر المترامي الأواذي فكسوا ازدحام الناس لديه غير كسوته ولبسوا على الدولة فالدولة إذا بما هي مسئولة عن أمور رعاياها لا بد أن تصيخ لهم وإذا فعلت فلا بد أن تبحث وقد تستقصيه

فبهذا طلبوا حضوره فحضر بعد أن ملأت آذانهم من الوشايات الكاذبة إلا أن الذنب أكثره على المتملقين وأخبروه بالتهمة فطلب منهم مقابلة المدعي بجراء ورباطة جاش مستغرقا في تلاوة القرآن والذكر متحريا لأوقات صلاته لا يرفع طرفه إليهم ولا يجاذبهم الكلام وتلك هي عادته مع الصديق والعدو والقوي والضعيف فهو والحق لا يقال ليس شيء حط فيه إلا العبادة وكلما حرروا عليه التهمة وطلبوه بالإثبات أو النفي ازداد نفورا من الخوض معهم فيه إلا أن يحضرون الواشي فيظهر الحق من الباطل ثقة منه بربه تعالى المبرإ وتسليما له قدم صدق في التوحيد راسخة

ولما رأى بعض الوشاة الذي هو حاضر في المجلس أن الرجل لا يهمه الجدل ولا تدهشه التهاويل المتوجهة إليه وأن همته متعلقة بربه وخوفه ورجاؤه منوطان به سبحانه حمل استخفافه بالدنيا واستهانته ببلاياها على تخصيصه برجال الحكومة ويوهمهم أنه لا يحسب لهم حسابا ولا لحكومتهم وهو رضي الله عنه من جلال هيبة مولاه عنده وأنسه به لم ير غير البتة لا محسنا ولا مسيئا إنما هو في مقام الرضى والأنس

ولما استولت الدهشة على المجلس نظر أحد أذكيائهم نظر متفكر يفهم الأحوال فقال إن هذا رجل إلهي قد غاب عن الكون لا يعرف البطل ولا يخطر بباله شر ولا عمل دنيوي خلوا سبيله فتوقف البعض ثم تنمر أحد الأعضاء فقال يجب على من يتجه أولا يهاب على مجلس ويستهين بكل شيء إلا بما هو فيه أن يعدم أو ينفى نفيا مؤبدا فصادف قوله محلا في صدر مدير المجلس ميرلين ذلك الرجل المستشيط المحنق المعجب بنفسه

فبت الحكم بالنفي البعيد والتغريب الشديد بعد شهرين أمضاهما في اندر ينظر في أمره ويمكر ليثبتوه أو يقتلوه أو يخرجوه سنن مقتفاه صلى الله عليه وسلم بين طوائف مشركي قريش في مكة المكرمة والله خير الماكرين وذلك عام1913 فقضي الأمر بالنفي إلى تلك الأرض السوداء إلى الجزر المظلمة والبحور الملطتمةإلى حيث لا يعود غالبا من يذهب من اندر إلى دكار وبعد ليلة فيها أشد ليلة باتها مبتلى في الدنيا ركب البحر إلى مستعمرة كابون كما في رحلة جزاء الشكور

وهي رحلة كتبها بطلب رجل من أهل الحاج المختار من بيضان الصحراء الكبرى وأهل الحاج مختار قبيلة صالحة كثيرة العلماء والصالحين والخص لك إن شاء الله هذه الرحلة وما أخذته عن الثقات ممن أتوا عليه أو لقوه في خلال المدة لأنه لا يكاد يعرف عنه شيء في تلك السنين السود التي لا تزال نكتة سوداء في تاريخ رجال ذلك المجلس الجائر ومديره الغشوم لشدة المراقبة والتعمية والإرجاء في زوايا الإهمال

كما لا تزال شواهد الحق والصراحة تصرح بمزايا تلك اليد البيضاء للحكومة النيرة التي خطأته ورفعت الحكم الجائر عن رجل الصدق والحق الصديق العزيز لكل ذي استقامة والكريم الوفي في كل معاملة تشهد له آثاره الحسنة في ترقية شأن المسلمين دينا ومروءة في قطره وفي أكثر الأقطار وإسعافه في الأزمات العامة أولياء الأمور والأخذ بناصرهم في كل ما يئول إلى مصلحة عمومية آثارا باقية تصدق الموالين وتكذب المعادين أبد الدهر فتى عيش في معروفه بعد موته كما كان بعد السيل مجراه مرتعا

إيضاح وتمهيد

لا يحتاج إلى زيادة بيان أن تقلبا كبيرا في تجديد الدين وظهور طريقة في الإصلاح عظيمة لم يتقدم لها مثال في قطرها يحدث دهشة في القلوب ورجفة في الجهال والأحداث وهزة في أركان الرياسات وقد رأيت فيما تقدم من هذه الورقات أن شيخنا نشأ في وسط كان يتمخض فيه ظهور أمر جديد وقلب عظيم في الدين والسياسة يعرفها من تفحص الحوادث ومجريات الأمور وحارت الملوك تتخوف من كل جانب فتنة وتتوقع من كل عصابة ثورة مما أحدث حروب مبه التي أنتجها جهاد الحاج عمر الفوتي

وانتشار حكايات انتصاراته فيما أنتج من تهييج نيران الانتقام التي كانت نائمة في صدور المسلمين من إهانة الملوك لهم واستخفافهم بهم وقتلهم في بلاد ولف وأظن أن سلسلة هذه الثورات المتتابعة المستمرة نحو مائة سنة تتصل بجهاد سليمان بال في فوت وهو بحروب ناصر الدين في الصحراء الكبرى وهو بالتأسي بأمراء المسلمين من أول الملة من ظنه بنفسه الكفاءة جماعة وعدة

إلا أن الحاج عمر ربما كان به استيناس بأحوال "هوص" وماسينا التي أدته ضرورة الحرب إلى المشابكة معها في فتن مظلمة مات في خلالها واستولت أقاربه عليها بعده إلى أن أخرجهم فرنسا منها واستولى على البلاد فيما استولى عليه والله وارث الأرض ومن عليها

فهذا النظر إن كان أجنبيا على الأمر فقد جر إليه طلب تعليل الأمر بالعلل الظاهرة بحسب الإمكان لا أنه هو الحاصل في نفس الأمر فإنه لم نفق على حقائقها إلا أن قل ما يكون هذا في النفس إستيناس لا يخلو من فائدة فلنفسح لعقلك وتعليله مجالا فلسنا بأولو منك بالنظر ونرجع إلى ما كنا بصدده من تمهيد ما أقام الحساد والوشاة وأقعدهم من أمر شيخنا فنقول إنه من المعروف أن الناس عند التغير الفاجي لا يعتمدون على عقل صحيح إنما يذهبون مع الموج وإن شيخنا من أول نشأته خالف الناس جميعا إلى تصحيح دينه وإقامة عبادته والبحث عن الحقائق والأحوال من آثار الصالحين والعارفين بالله وهم إلى إصلاح دنياهم والتمسك بعوائدهم

وأنه كان مع الشيخ الوالد ظاهرا لواجبات البرور في مواضع الأمراء لأجل الفضاء الذي الشيخ الوالد قائم به كما تقدم وبعد وفاته أستقل بالعبادة والعلم والرياضة على حسب أخلاق القوم بطريق السنة والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وصار يأخذون عنه العلم ويلازمه بعضهم للتأسي والإقتداء والتجرد من الدنيا وصدق الإرادة وجعل يصف حقيقة الإرادة لهم فسلك بعضهم سبيل الإرادة وبعضهم بقي على ما كان عليه من التعلم وهو يربي أولئك تربية المريدين الذين هو أولهم

فحصل لهم بين الصدق والإخلاص الذب لا يشك أحد في تخليصهم إياهما على الوجه الأكمل من طريق رياضة الذكر والزهد والخدمة للصالحين ولسائر المؤمنين خدمة ولاء وخدمة إيثار أذواو رائقة فظهر عليهم نور الإتباع من الورع وجرت الحكم على ألسنتهم من الأفئدة عن الجود اللدني وكان بعض من له إلمام بعلوم القوم وصفاتهم يرمقونهم بالأبصار وبعض العلماء يستخفون بهم ويقولون لا نعلم طريقا إلى الجنة غير التعلم والتعليم الرسمي وذلك مبلغهم من العلم

إلى أن كان من قضاء الله أن يسلم عليه ابن عم لتجور ملك كجور إبراهيم كد جوب وكان ذا منزلة حظية عند الأمير فأولى ما أمره به شيخنا غلام قاضيهم السالف أن يرد جميع ما أخذ من أموال أتباع أحمد شيخ وهو رجل أتى من فوت يزعم أنه يجاهد أمراء كجور لإدخالهم في الإسلام بعد صلوا وصاموا مع الشهادة والله أعلم بحقيقته وهزم أهل كجور مرات إلى أن أعانهم فرنسا وقتلوه ونهبوا أمواله ومن معه وكان الشيخ الوالد ينهى عن أخذ أموالهم لكونهم مسلمين وقتالهم فتنة الدم هدر والمال رد لأهله

وأحله فيما بلغني بعض القضاة ومشوا على فتواه إلى أن أسلم إبراهيم هذا على يد شيخنا وأمره برده فامتثل فعظمت الوقيعة في شيخنا عند الأمير وأنه نقض حكم القاضي الكبير وأنه خالف العلماء في هذه ولم يراع حرمتك إن لم توقع به في الحال فسترى ما تكره لأن أتباعه مريدون يخالفون غيرهم في الصلابة في الدين ويسمعون له أكثر من كل أتباع مع أستاذهم حتى أرسل إلى شيخنا يستقدمه ليعقد مجلسا تجتمع فيه العلماء معه للمناظرة فأجابه شيخنا بأن ذلك لا يمكن وكرر الأمير مرارا وهدده إن لم يأت

فكتب إليه شيخنا إني لم أتثاقل عن أتيان من تكبر ولا جبروت ولم أهب مقابلتك ولم أشك في مقالتي فأهاب مناظرة العلماء ولكن الطرق كما قال أحد العلماء لبعض الأمراء يوتى ولا يأتي كما قال مالك بن أنس لهارون الرشيد إن كان قصدك التعلم فأتني وإن لم تقصد التعلم وأردت سمة دنيوية فإني أستحيي من الملائكة أن يروني على باب الأمير لأمر دنيوي وحين بلغه هذا الكلام وكان أمس غلاما بين يديه وبين يدي الشيخ الوالد استغربه جدا وشاور فيه بعض العلماء لما فيه من هضمه وإياهم وأشار عليه بعض حشمه على الإيقاع به فاشتهرت الحادثة لما علمت أن الملوك هم أسواق الدنيا ولكن بوقاية الله فاجر الأمير انتقاض عهده مع فرنسا لأمور أوجبته فاستغرق هذا الهم الهموم جمعاء

قلت فسبحان الله التاريخ يعيد نفسه فإن هذه الواقعة وما صرف الله به شر الأمير عن شيخنا هي عين ما وقع لمحمد بن إسماعيل البخاري قبله بأزيد من ألف سنة فإنه رضي الله عنه لما رجع إلى قريته "بخاري" بجامعه الصحيح نصبت له القباب على فرسخ من المدينة واستقبله عامة أهلها حتى لم يبق مذكور ونثرت عليه الدراهم والدنانير وبقي مدة يحدثهم فأرسل إليه أمير البلد خالد بن محمد الدهلي نائب الخليفة يتلطق معه ليأتيه بالصحيح ويحدثهم به في قصره فامتنع البخاري من ذلك وقال للرسول قل له أنا لا أزل العلم ولا أحمله إلى أبواب السلاطين فإن كانت له حاجة إلى شيء فليحضر إلى مسجدي أو إلى داري فإن لم يعجبك هذا فأنت سلطان فامنعني من المجلس ليكون لي عذر عند الله يوم القيامة أني لا أكتم العلم فوقع بينهما وحشة فأمره الأمير بالخروج من البلد فدعا عليه فلم يأت شهر حتى نكب الأمير ونودي به على أتان وحبس إلى أن مات ولم يبق أحد ممن ساعده إلا ابتلى ببلاء شديد من القسطلاني بتصرف قليل

وهذا عين ما وقع لشيخنا مع الأمير وبعض أعوانه الذي كان يظهر البغض والتبرم في أمر شيخنا وكان يغريه ويقول في الملإ انظروا إلى البغاة يستنسر أمام النسر الحائم والعقاب الهائم يريد القاضي الكبير يهزأ بحكم شيخنا مع المستهزئين أخت الأمير أميرة البلد أما عاقبة الأمير فمعلومة من هذه الورقات أمامك وأما ذلك الوزير المستهزئ والأميرة فإن الوزير طالت به حياة بعد سيده حتى مر به شيخنا ذات يوم في موكب من المريدين خطير وألسنتهم لهجة بالذكر والتقديس والوزير المأفون قائم على حافة بئر يستسقي لبقره الذي لا راعي له إلا هو أو ابنه عليه أخلاق رثة ولما مر به الموكب وعرف شيخنا لوى رشاءه وأقبل عدوا يسابق العامة ويجهد ليحظى بمكفة لكفه رضي الله عنه

وأما الأميرة فلم تمت حتى رأيتها تتكفف عند أبواب شيخنا بل عند أبوابنا وأبواب المريدين وطابت على يد بعضهم وأسلمت وأسلم جميع ما بقي لها من العيال فسبحان من يعز أولياءه ويذل أعداءه أنظر ما في هذه من الزوائد والفوائد وقد جبله رضي الله عنه رءوفا بالأمة مشفقا على البرية لم تسبق على لسانه لعنة بل صبر لهم وتوكل على الله واعرض على أذاهم وخبأ لهم الشفقة أن يهدوا كما قال مخدومه عليه الصلاة والسلام اللهم اغفر لهم فإنهم لا يعلمون وجرحه صلى الله عليه وسلم يسيل دما بلى إن التابع المطيع على قدم المتبوع ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم فلم يبق من بيت الأمير وأكثر بيوت الأمراء بين كجور وبول ممن علمت وما أقل من لم أعلم به منهم أحد إلا وأسلم مع شيخنا لله رب العالمين جزاه الله خيرا عنه وعن دينه ونبيه صلى الله عليه وسلم

كل هذا مهد لك فيه السبب في تخصيص شيخنا وأتباعه بالرعي والرقابة والتخوف والوشاية والتشديد ولما اشتهر أمر هذه الحادثة بعد أن كان معروف بالعلم والتدين والورع وتفرس كثير من الصالحين ممن لقوه فيه الولاية أخذ بعض أحداث علماء الدنيا ينحرف عنه لما يظهره سلوكه مع أبناء الدنيا من عوراتهم وخفة دينهم وأبناء الدنيا أنفسهم ينكرونه لعدم مداراته واعتيافه أموالهم ويريدوه على منواله وبعض أبناء الآخرة ومحققوا العلماء يوالونه ويحبونه كما مر بك فصار أمره محل النزاع بين الطوائف فازداد شهرة وازداد خول الناس فيه وكتب الله أن أتته من كل قبيلة أفلاذ كبدها من الأعيان وأبناء الأعيان وذلك مما اختصه الله به أولا وآخرا فإن أصحابه من كل بلد وكل نحلة وكل حرفة هم الرءوس والأشراف يتبعهم تبعهم ولم يتبعه وضيع إلا وارتفع بين قومه كأن الله أسس أمره بالأشراف وخلق له تعالى باختياره من العامة أشرافا فأتباعه أشراف الناس أولا وآخرا وله الحمد في السماوات والأرض وربنا يخلق ما يشاء

ومن هذا الزمن وهو آخر أيا م لتجور وصمب لوب تميز عن مشائخ القطر بتميز أتباعه من سلوكهم على يده طريق الإرادة وتلقنهم عنه ومن ذلك اختصوا باسم المريدين دون غيرهم من أتباع المشائخ من قادريين وتيجانيين وغيرهم لأنهم أول جماعة جمعهم شيخ واحد يربيهم تربية السالكين المتجردين لله من كل هم وشغل دنيوي إلا الضروريات ففهموا معنى الإرادة ووضعوا عليها الأقدام وساروا إلى الله بكمال الإتباع عملا وحالا وخلقا لا أني قلت أن الإرادة لم تصدق على أحد غيرهم في القطر ولكن الجمع عليها والقيام بها بقوة ربانية ونور صمداني يجذب المختارين لها من كل دان وقاض على قدم التجريد والانقطاع لم يحصل قبل شيخنا في هذه الأقطار ولو كانوا لما خصهم العرف بكلمة المريد وهي كلمة مشتقة من الإرادة صادقة في كل من كان بوصف منها كما خصصها العرف عند المتقدمين للمتجردين لله فكذلك العرف في سنكال يخص به بين أهل التجريد لله ولرسوله أتباع شيخنا لأوليتهم فيها وظهورهم بها

وهكذا سلسلة الحوادث تتفاقم مع تعاظم فيوض شيخنا وأمداده وإقبال الخلق إليه لا تهمهم دنيا ولا يصدهم دونه شيء إلى أن مات لتجور وصمب لوب آخر أمراء كجور من فرنسا مشتغلين عنه بأنفسهم مما دعمهم من القوة الجديدة وذلك أن الأمير لتجور هاجر على سالم مرة ثانية من هذه البغتة التي مر ذكرها وذهب معه قومه وخوله وأهل بيته ومكثوا مدة في سالم لا يوافقهم من أهل سالم إلا سعيد به ابن شيخه وإمامه مبه المتقدم الذكر وقد بايعه أتباع أبيه الأجانب من مهاجرة البلاد التي فتحها والده مبه وبعض من الوطنيين واختلف عليه قوم في مقدمتهم تلميذ والده بران سيس وهو من أعرافهم في البلاد فخذل عنه جل الوطنيين أهل سالم وقام مع سعيد أخلاط المهاجرين ولا يحصي عددهم إلا الله

أما لتجور لما لم يوافقه أهل سالم إلا سعيد تكدر هو ومن معه جدا وضاقت عليهم الأرض بعض الضيق لما ألفوا من التبسط ولعدم أمن الأرض من كثرتهم الزائدة حتى لا تحملهم تلك الأرض إلا بموافقتهم أهلها جميعا فافترقت الكلمة في جيشه وساموه الرجوع إلى كجور لحرب فرنسا أو مسالمتها فلم يقبل لأمر في نفسه فنصبوا لواء الغدر مع ابن أخته صمب لوب فرجعوا به إلى كجور وسالموا فرنسا وولوه الأرض فبقي خاله في سالم حتى نبا به البلد فرجع إليهم وأبى فرنسا أن يدخل الأرض فبقي يهيم على وجهه يدبر في الكيد طورا في "جلف" وطورا بين كجور وجلف في خلوة هناك إلى أن سئم فثاب إلى عقله ورشده بعد أن غدرته أعوانه وحشمه ومواليه وانحازوا إلى ابن أخته صمب لوب وهم جميعهم إلى دولة فرنسا ولم يبق ممن يدافعهم عن البلاد إلا هو

وقد تكسرت الأجنحة التي كان يطير بها ويحوم فبقي شريدا في قوم من أهل بيته الأحرار وقليل من الذين استرقتهم الحرية وذكرى الماضي فجال فكره إلى أفراد المسلمين وأهل الإمارة فلم ير من تقدست جوانبه وطهرت سريرته من لحظات العصية الدنيوية إلا شيخنا هذا رضي الله عنه فآوى إليه يشاوره ويشتكي إليه ما وقع له من أهل بيته وأهل إمارته عموما هل ينبغي له أن يهاجر إلى البلاد النائية ليستمد منها قوة من معين يسترد بها فقيدها أو يشير من أهل الأرض من يعينه على خصومه العديدة بكل حيلة ممكنة

فقال له شيخنا رضي الله عنه وهو مأمون عند جميع الأعداء والأصدقاء إن الرأي في تولي الدنيا أن تتولى عنها فتترك لأرباب الدولة الجديدة دنياهم فإن تلك القوة مستقبلة ولا يردها شيء إلا أن يشاء الله ولا ينبغي لعاقل أن ينازع في ذلك وأهل بيتك وإمارتك من الدنيا أما أنا فأقطع لك بأنك إن صرفت هؤلاء الذين معك وتركت السلاح والخيل حتى تبقى وحدك ستجد ما هو خير لك في بينك وبين ربك وتستريح من أمور الدنيا كما فعل أخوك مختار جوب هذا

وكان مختار جوب من أول من أسلم على يد شيخنا من رؤية رأى شيخنا رضي الله عنه عند الأمير وأحسب أن ذلك كان مما يرسله الشيخ الوالد إليهم لأنه لم يأتهم من قبل نفسه قط قال مختار جوب لما وقعت عيني على الشيخ فوجدته لا يدخل فيما يخوض فيه الناس مقبلا على شأنه من التلاوة والعبادة ولا يرفع طرفه دخلني حال لا أعبره من محبته في خوف واستعظام فرجع الإسلام في قلبي أول وهلة من نظرتي هذه فذهلت عن جميع ما كنت فيه قال فأحس بذلك أخي لتجور وكان ذكيا فجعل يسارقني النظرة مدة مكث الشيخ في ضيافتنا وكان الحال يزداد في وأشربت في قلبي محبته فجعلت أقترب منه وأوثر مجالسه إلى أن فهمني أخي لتجور وحين انصرف الشيخ إلى قربته رآني ملجما مهموما فتبسم إلي وقال يا مختار جوب أخاف عليك أن يكون هذا الشيخ رضي الله عنه ذهب بك فقلت له أجل والله فقال إن شئت أن تذهب إليه فاذهب قال فكأنما أنشطت من عقال فذهبت إليه وأسلمت على يديه وسلكت معه إلى اليوم

فلنرجع إلى ما كان من محادثة لتجور لشيخنا رضي الله عنه حين قال له إن تركت خولك وحشمك وسلاحك وتجاورني على الإسلام والعزلة فأنت في أمان من كل هم وعم من أهل الدنيا فقال له لتجور إنما قلت حق وإني متيقن أنه الأولى والأفضل إلا أنه يثقل على نفس الانسلاخ من الدنيا بالمرة ولكن انصرف قلبي عن كل كنت أتفكر فيه وانقطع أملي بتنبيهك إياي بهذه النصائح من كل ما كنت أحاول فالآن لا أكلفك من أمر إلا بما يعينني عند ربي في الآخرة وبما يشفع في عنده فاسعفني بذكر ودعاء ينفع في القبر واعطني من لباسك الخاص ما أشعر به إذا مت ولا تنسني في الدعاء الصالح فأمره شيخنا رضي الله عنه بحفظ دعاء كان رتبه هو من الاستغفار وأعطاه قميصا من عنده فوادعه ولم يمض عليه أسبوعان حتى انقض عليه جيش للدولة فيه رجل الوطنيين من بيوت الإمارة ومواليه كانت تريده فقاتلهم مقتلة حر لم تدم زمنا يسيرا حتى اثخنته الجراح فمال عن جواده ميتا ولم يتزحزح عن موقفه مقبلا على نية الشهادة كما قال حين يهجم عليهم عند بئر دقله يوم الأربعاء عام 1300ودفن بمقبرتها وقد كان سهلا عليه أن يعجزهم هربا وأباه عليه إيمانه بالقدر ومروءته الوافرة رحمة الله عليه

ثم انتقل الشيخ إلى بول فتهاتفت عليه الناس كالنمل وانفتحت الطرق من جهات كجور وبول يأتون رجالا من كل ضامر يأتين من كل فج عميق فابتدأت الشكايات والوشايات إلى الدولة الفرنساوية لما سكنت الأمور من حروبها معهم وتوطدت قدمها في الملك من وزراء ولف وولاتها من كثرة أتباع شيخنا وانقطاع مريديه عن أقاربهم ومعارفهم للخدمة والذكر كما مر بك أنه بعد السلوك أول ما يأخذهم به الأعمال والانقطاع عن ملاذ الدنيا مع الذكر وتعلم فرائض الأعيان من توحيد وفقه وتصوف وكان جل ما يتعلمون به من تواليفه لكونه أعلم بما يناسب زمنه وما هو أولى بالتقديم ثم كثرت وتتابعت زيارات الخواص والرؤساء جدا فضلا عن العامة وكان دويهم فيكل ناحية من نواحي سنكال يسمع من بعيد وعليهم سيما تميزهم عن غيرهم من التشمير والجد واجتماع الهمة في أوامر شيخهم لا غير

وبهذا كثرت الشكايات كن كل جهة بعضها من المسلمين وبعضها من الأمراء لأن المسلم يخاف من اختلاء زاويته والأمير من تفر وحاشيته وذلك أمر لا بد حاصل من تيار هذا الأمر المستقبل الجديد وما كان بدعا من عظماء القوم من تكنفته الأعداء والمنازعون أول ظهور مقدمات اعتلائه على الأقران والمعاصرين وقد ورد في الخبر "المؤمن بين خمس شدائد مؤن يحسده ومنافق يبغضه وكافر يقاتله وشيطان يضله ونفس تنازعه" فالشيخ لا جرم بعد أن حفظه الشرع من الشيطان والخشية تغلبت على النفس تسلط عليه البشر وهو أظلم الثقلين وأجهله ليتم بذلك البلاء وتتحقق المحنة فيتخلص إبريزه من زائفهم فيلتحق بورثة الأنبياء وأولي العزم من الرسل ويتمكن من مقام العبودية الخاصة مقام وراثته صلى الله عليه وسلم

وجاء في الحديث "اشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل" وأِد البلاء فتنة الأصدقاء الجاهلين ومكيدة الأعداء العاقلين سموم الأقارب وهم إخوة من عامة المؤمنين إلا أن المسلمين لا تمكن لأكثرهم المجاهرة بالشكوى لكون أمر شيخنا بينا من حيث الدين والعلم واضحا صحيحا من السنة وطريق السلف وما ثم إلا إقبال الناس إليه دونهم بلا سبب يرى وتزايدهم المستمر واستخفاف مريديه بكل ما سواه لكماله في أعينهم وعظمته في قلوبهم لما هو لم يزل عليه طفلا وشيخا من هيبة الولية وعزة التقى والعدالة والقوة الخارقة في الانتصاب لأمر الله بعضهم يستمد منه على طريق الموالاة وبعضهم يتتلمذ له بعدد الرياسات وبعضهم بقوا على ما كانوا عليه وعرفوا أن لله اختصاصا يجعله حيث يشاء

أما الأمراء والوزراء ومن إليهم فكابدوا المريدين وفتنوهم وصادروهم أموالهم وكل ذلك والأمر يزداد عليه تفاقما والناس إقبالا فرفعوا شكواهم عن مواطأة إلى الحاكم العام في اندر وسألهم أين شيخهم وما منشؤهم قالوا له شيخهم الشيخ أحمد بنب وهو عالم عابد ما عرفنا عنه شيئا من الظلم وما عرف عنه العلماء نكرا فأجابهم إنهم إذا لهم إخراج مريديه من بينهم إلى بلد شيخهم في آخر أرض بول امبك طوبى مسكنه فانقضت الأمراء على المريدين من كل جهة واحرقوا بيوتهم وأخذوا زروعهم وما حصلوا على مال ولكن التلامذة إذ ذاك عيابهم خفاف لما ألفوا من التفشق والرياضة فتوافوا جميعهم لدى شيخنا فكتب إلى الحاكم العام بالخبر بالحاصل فتحسسر الأمير ولم ير موضعا للخوف ولا أثر للظلم إلا الحسد من الأمراء والغيرة من بعض المسلمين على جاههم من التلامذة المحيطة بهم وصاروا يتسللون من عندهم لإتباع شيخنا فأمرهم بأن يتركوا المريدين يسكنون حيث شاء وما لم يتميزوا عن الناس في عدم مراعات القانون العام أو مراسم الدين الإسلامي

وكانت هذه الأمور خلال سني وسش وزسش فسكت الحساد والوشاة قليلا وبقى شيخنا في طوبى خلوته مع ذوي تربيته إلى أن انتقل إلى جلف أول منزل لأجداده في بلاد ولف وبنى في امبك باري وكانت قرية مندرسة فانصرفت الوجهة إليه من كل أرض وخطب وده الرؤساء من كل بلدة وأتته زوار مريدين وأشياخ وأمراء فتمطت الوشاة من انكماشها فأخذت في تلفيق الشبهات وتصوير الأقاصيص والترهات واتصلوا بمن له قدم في الحكومة ولسان يصاخ إليه فوضعوا في الحادثة ورفعوا والحاكم لكرير حاكم لكه وجلف كان فيه خفة وطيش لا يباشر الأمور بنفسه مع ضميمة أنه قد بلغ ذكر شيخنا وكثرة مريديه مبلغا يتخوف عليه كل من لم يعرف حقيقته من استهانته بأمر الخلق وإن جل فإنه لا يراهم من كل كرهه للقتال ونعيه على الأولياء والعلماء المجاهدين ما آل إليه أمرهم من الفتن الداخلة في القلوب والحروب ورثائه لهم ومن عرفه يتحقق أنه لو لم يذهبوا به لذهب لنفسه إلى بادية وإلى الحج ويجاور في المدينة رغبة في العزلة والتمسك وإيثار للخمول لو أراده الله ولكنه تعالى لم يرده

انظر إلى ما أجاب به لتجور فيما مر وما أجاب به عال بور بعده هل رأيت من ينصح للأمراء ولا يداهن في ترك الجند ويأمرهم بالزهد في

الدنيا والإقبال إلى الله في زمن كانت آمالهم متعلقة به لو أراد كما حاوله هذا الأمير وصرح به عال بور انجاي أمير جلف وطلبه منه فأجابه بنفس الجواب للتجور وزاد فيه أن ضرب له مثالا فيم ينازع دولة فرنسا منهم أنه كمن ربط أكباشا يعدها لحادثة فأطال بها في حبال الربط ويعتني بعلفها ويلين في لمسها رغبة في سمنها فصار من الجهل تناطح القيم وتدافعه عن العلف والماء فصبره له ما هو إلا الاستعداد بها ليومها فقط فكذلك مناوشتكم أنتم وأمثالكم ممن يذكر الجهاد ما هي إلا إيماء يصير وباله على المومي فسبحان من يعلم ضمائر عباده ويسترها على الخلق غيرة عليها حتى يبلغ الحسد والتلبيس في أحد مبلغا بتهم منه بالدنيا من يعتافها وأهلها هذا الاعتياف ويظن فيمن لا يتسبب بأدنى سبب لأمر عظيم أو حقير إلا بترك التدبير والاختيار بيد ربه الكريم الذي من يتوكل عليه فهو حسبه أنه يستولي عليه الهوى حتى يدنس دينه العزيز بخرفها البالية وجيفها القدرة التي لا تقرب إلى الله ولا تنفع في الآخرة

ولكنه تعالى يهدي من يشاء ويضل وهو الحكيم العليم أراده ليكون سبب فلاح له وأسباب شر للمتسببين الذين إن رأوا حسنة دفنوها وإن رأوا سيئة أذاعوها بل وإن لم يروا خلفوها قال الشاعر

لي حيلة فيمن ينم وليس في الكذاب حيلة

من كان يخلق ما يقو ل فحيلتي فيه قليلة

ولكنه تعالى يعلم السر وأخفى يعلم بالمكر ويحضر النجوى رد كيد أعدائه على نحوره فأظهر مناقبه ومزاياه على رغم أنوفهم مما ستقف على بعده عند ذكر رجوعه من هذا السفر الذي هذه الأمور مقدمته إن شاء الله تعالى نرجع إلى طلائع الحادثة

ولما آمن لكرير في لوكه للوشاة أنهى الخبر إلى الحاكم العام في اندر فطلب أن يأتيه شيخنا بنفسه وحين بلغ لكرير إلى شيخنا كتاب أمير اندر وكان به عذر إذ ذاك أرسل به أخاه الشيخ إبراهيم عضده ويده اليمنى نائبا عنه ومن القضاء أن الواشي شكك الحكومة في أنه لا يأتيهم إن أرسلوا إليه وأنه لو أتاهم لا يرفع لهم رأسا ذلك لأنه عرف شيخنا وعرف منه سلامة صدره واستخفافه بالدنيا استخفاف أبله لزهده فيها زهدا حقيقيا لم يتكلفه وقد علم أنه لا يقدر أهوال الدنيا وأموره ذلك القدر ولما لم يأت وأتاهم إبراهيم كاد الحاكم العام يتميز غيظا لشبهة الواقعة فأطلق يد حاكم لوكه في شيخنا فعبأ هذا عسكره لا يشك في الحرب وشيخنا لم يعلم بالمبلغ عندهم إلى أتاه الخبر فقال إني ما كنت أظن أنه بلغ عدم إتياني هذا عندهم

فأرسل الشيخ إبراهيم ثانيا ليوضح لهم أنه ما حبسه إلا عذر فقط إذا كانوا في حاجة إلى لقائله إلى الآن فهين عليه أن يأتيهم فلا يفسدوا أموالهم في التعبيئة مع شين السمعة بجانبهم فلا هنا شر ولا حرب فوافهم الشيخ إبراهيم عند جيول ومما يبن لك أن الأمر مبدأه الحساد وشبههم فقط أن الشيخ إبراهيم حكى علي حين قابل الحاكم وأخبر الترجمان بحاجته أجابه الحاكم جوابا لا يناسب كلامه ففهمت أن الترجمان حرق وأن ذلك هو السبب في جميع هذا

فذهبت إلى بريان جو فطلبته أن يترجم لي بحاجتي عند الحاكم فأسعف وأخبر الحاكم بأني اتهمت الترجمان فأحببت أن يترجم لي غيره فأنصت الحاكم وتكلمت معه فشرح الترجمان الآخر حاجتي كلها حتى فهمها فسري عن وجهه وتهلل وقال نعم ما فعلت فإن الرجل لم يبلغني هكذا قبل

وإذا كان كذلك فإني لا آتيكم بل أمكث وترجع إلى أخيك تبلغه الرسالة ليأتيني هنا غدا وليذهب معك الترجمان الأول فلان وأنه من أكبر الوشاة أول الأمر وهو الآن حامل اللواء قال الشيخ إبراهيم وحين عرف فهمي لحاله وصار لا متعلق له بعد كشف تلبيسه في أن الشيخ لا يأتي طوعا يحتال علي في أن لا أبلغ محل الشيخ إلا بعد فوات الميعاد لتحصل شبهة أخرى على الأولى يوكد بعضها بعضا فجعل يتباطؤ ويتكاسل وقال إني لا يمكن لي الذهاب من حر الشمس أنتظر حتى يبرد النهار ولما برد النهار خرجنا إلى محل قريب فقال لي لا أذهب حتى أتعشى والعشاء لم توقد ناره بعد ثم بعد ذلك قد أخذني النعاس فاذهب أنت إن كنت مستعجلا مع هذا الضمير لأنه سلك به طريقا غير طريقه الذي عرف قال فأرسل معي رجلا وأوصاه سرا أن يضلني في ظلمة الليل ولكن الرجل الشيخ إبراهيم على دماثته وسكينته داهية لا يخدع قال ففهمت الرجل فتركته واستدلت بالنجوم وبالنجم هم يهتدون وصوبت لمحل الشيخ قبلة النجم الهادي إلى أن وصلت إليه سحيرة قال فألفيت الشيخ في مصلاهوالأمتعة حوله والمريدون الذين يحملون وقوف ولما أتيته بادرني بالسؤال ما فعلت فبلغته بعضا فقاطعني قائلا قد التبست الأمور وتدنست تدنسا يحتاج إلى صابون كبير وماء جم وقصار قوي قرب لي الفرس وأستودعكم الله لا تضيع ودائعه عليك بالعلم والتعليم والحرث وإليك الأهل العيال أمكث هنا ما أمكن وإذا نبا بك فارجع إلى بول

فركب إليهم راضيا بالقضاء والقدر ملقيا زمامه بيد رب الأمر والنهي متمسكا بكتاب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وقد وادعته الدنيا ثم وسلبته جميع زخارفها بعد هذا الإقبال العظيم ولكن بحال أعظم أقبلت إليه المعارف وخطبته المقامات السنية فكان ذلك اليوم "بابا باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب" وبقدر كلوح وجوه مريديه وأخلائه الجسمانيين من فروقه أشرقت وجوه رفيع الأعلى أرواح أهل بدر ومددهم من الملائكة العلويين لصحبته فكان بمقدار بينونة هؤلاء حضور هؤلاء في هذا السفر يقول

أسير مع الأبرار حين أسير وظن العدى أني هناك أسير

مسيري مع الأخيار لله بالنبي وما لي لغير الله عوض أسير

من قصيدة طويلة منسجمة بديعة رائقة أنشأها حين وصل إلى اندر محل الحاكم العام في المدة التي ينظرون فيها للحكم

وهاك نص الرحلة تبركا به في الكتاب ثم بعدها التخليص كما وعدتك إن شاء الله تعالى وهو الموفق للصواب ومنه وأرجو أن يسعد بالكمال والإكمال وأن يكرم بالقبول والثواب

تتمة في الغيبة

تتمةكانت هذه الغيبة من أغرب الأمور وقد هجمت من غير انتظار وتوقع لأمر الحاكم ولا من المحكوم عليه إلا ما كان منها تحت أسرار القضاء ومكنون القدر بما دبرته الحكمة الربانية وخبأته العناية الصمدانية لتتخذها حجة عن الغير في إعلاء كلمته برفع مقام شيخنا رضي الله عنه على مقامات المقربين بعد الأولياء والصحابة

حضرته ذات يوم وقد جرى ذكر لبعض ما عانى من المشاق فيها والمحن فتأوه أحدنا وتوجع وقال لله ما أشد هذا البلاء فتبسم شيخنا رضي الله عنه وقال شديد ولكن معاذ الله من أن يكون لم يقع فإن المكانة والخطوة التي مكنت منها ما كانت لتكون إلا بسبب يوازيها والأمر والله كذلك

حكى علي العلامة الشيخ امبك بص أن تلك الكوارث وما وقعت ما كانت لهم بحسبان فإن شيخنا يوم ينتقل إلى جلف أرسله إلى أمير اندر يشاوره في ذلك كما سبق من كثرة الخلق ووفودهم وخطر تفاهم الإقبال إليه بلا سبب إلا من الله ملك الملوك قال الشيخ امبك فوافيت أمير اندر فرحا بالرسالة والمشاورة فردني إليه مكرما وأرسل معي حملا كبيرا من القماش تحفة له فما درينا والأمر على ذلك حتى أظلمت علينا الدنيا بدسائس الوشاة ومكائد الجواسيس وتتابع إرسال الحكام والأمراء للبحث والتنقيب إلى أن كان ما كان

قلت ولكن الله إذا أراد أمرا هيأ له أسبابه كان شيخنا يفر من الناس ويتبرم منهم ويكره أشد الكراهة تعظيم المريدين له وتزلفهم إليه بأنواع الهدايا والخدم وإيثارهم إياه على أنفسهم وأموالهم وكثرة وفودهم الزائدة و تطلع الأمراء على مواصلته ليتخذوه ردءا دون النوائب وهو كما هو مقاطع كل ما سوى الله ورسوله متوجه إليه تعالى بكليته متفان في جلاله وتعظيمه هائم في محبة رسوله وأصحابه صلى الله تعالى عليه وسلم معهم

حكى علي حمزة خجت أنه تذكر يوما يعرف والده قد أتاه زائرا والغلام بجانبه وقال لي سمعت من جملة ما قاله للوالد أني أتهيأ لسفر بعيد في هذا الأوان فقال له الوالد لعله جلف الذي سمعت فقال لا وليس من جنس ذلك هو سفر

وحكى علي غير واحد من المريدين أنه من كرهه لازدحامهم عليه أتى المسجد وتبادروا الفرش سجادته حتى كادوا يقتتلون عليه فسكنهم ثم لا ضعن سجادتي حيث لا يقربني أحد في فراشها إن شاء الله بعضهم يقول إنه كان يضمر الحج ثم السياحة منفردا بعد ذلك وبعضهم غير ذلك والله أعلم بمراده إلا أن الحج قطعا كان في قلبه وقد أبدى لأمينه الشيخ إبراهيم بعض أسبابه ولكن الإشارة في وضع السجادة حيث لا يطمع فيه أحد يجعل معه سياحة ويومي إلى الكهوف والغيران ولعله لوح على السفر الواقع يوم أتم كتابه في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم "مقدمة الخدمة" قال لي بفمه إنه هو سبب الغربة من إجابته له نعمة في طي نقمة

قال لي ذات يوم الحمد لله ما ازددت يوما بما وجب من الإيمان به ولم ازددت تحفظا من الورع ولا حبا في الخير ولا قياما بالعبادات مذ كلفت إلى الآن فقلت له ما ازددت به في الغيبة إذا فتبسم وقال لي ازددت كثيرا منه المعرفة والوصول واليقين بمراتبه ومواهب لا تتناهى كان ما كان فذهب وترك أهله وعياله ومريديه وجعل أمرهم إلى أخيه الشيخ إبراهيم

ثم لما مكث في اندر مدة أرسل إليه كتابا وفوض إليه النظر في محل الإقامة بالعيال في أي دوره شاء ثم لما سافر إلى الجزر مكث الشيخ إبراهيم في امبك بار في جلف ريثما يصلح الحرث لأن الغيبة حصلت في أواخر خريف عام "جيسش" ثم انتقل بالعيال والأمتعة إلى امبك بول وقام بوصية شيخه وأخيه تم قيام واجتمع المريدون عليه وسعى في ذلك ابن عمه المريد الكبيرأحمد نمب وحث المريدون على مواصلة الخدمة وتجديد الإرادة وتقدم هو في ذلك وجد فجزاه الله خيرا وشكر له مسعاه

وما توقفوا عن العمل بالإرادة والقيام بأوامر شيخنا وجمع كلمتهم على المستخلف الشيخ إبراهيم إلا ريثما خشيتهم الدهشة المظلمة من فجأة فقد شيخهم الكريم ثم صاروا يدا واحدة وجاهدزا بالمال والنفس في سبيل ربهم بترقية جميع أعمال البر والمداومة على التعليم والخدمة

قام الشيخ إبراهيم بما أوصاه به من التعلم وقد اتقن فنون العلم درسا وفهما وسما بهم على المنهج الذي رسمه المربي المكرم ولم يمل عنه فنصب الشيخ الوقور عبد الرحمان لوا لتدريس القرآن وفي مكتبه أولاد شيخنا الموجودون إذ ذاك وليس منهم من لم يكن في سن التعلم وقتئذ فقام هو أيضا بوظيفته أحسن قيام وتواردت عليه أبناء المريدين وغلمانهم واسكنهم الشيخ إبراهيم في طوبى لانقطاعها عن القرى فحفظ القرآن جل من كانوا معه في سبع السنين التي مكثه شيخنا في البحر وأتقنوه

وما زالت تلك وظيفة الشيخ عبد الرحمان لوا الإقراء والتصحيح منذ ذاك إلى يوم كتابتي لهذا وهو عام جنسش فلله الحمد والمنة نيف وأربعون سنة يخدم القرآن بنفسه ويخدم به غيره ولم أر فيمن رأيت أبرك منه تدريسا وتعليما ولا أقوى منه في القيام به يختمه في اليوم والليلة مرة ومرات ويقوم به في صلاة في اليوم والليلة ومع هذا فلا يشغله شيء من لوازمه من التعليم وتفقد الضيف ولا ترى عليه أثر نصب

كنت أتحدث معه يوما في قيامه فذكر غرائب فقلنا له في ذلك فقال مل ذاك إلا من كرامات شيخنا العديدة فأنا اليوم نيفت على السبعين ولا أحس بفتور إذا قمت بالقرآن في ركعتين ولست بأعجب من الشيخ إبراهيم فال الذي يقوم بخدمة الشيخ وخدمة المسلمين ويجتمع عليه أبناء الأمراء وبناتهم الضعفاء والمريدون أهل التربية الذين لا شغل لهم إلا إصلاح النفس وتطهير القلب وهو مع كل ليلا ونهارا ويرقي هممهم كلهم إلى طلب رضى المولى والدار الآخرة وسخر الله له الأمراء وخولهم وحشمهم وأضعافهم من المريدين وقواه على تربيتهم والرفق بضفائهم فتعجبنا من تبصره وعدم رؤيته نفسه في أعماله فشكرت الله على وجود أمثال هؤلاء من آثار بركة معرفة شيخنا والسلوك على يديه

وقد ذكرني هذا ما أخبرني به ابن حسن انجاي أن أباه كان يقول لهم اجتهدوا في إقامة الفرائض وما اقتدرتم عليه من النوافل فإني منذ تعلقت بهذا الشيخ إلى يومي هذا ما أمرني بشيء يجر إليه نفعا دنيويا إنما يأمرني بما ينفعني في طاعة ربي

"قلت" وكان حين انجاي من بقية الصالحين صواما قواما لا يفتر عن القرآن دائم الاعتزال كثير أتباع المريدين من أقدم من اتبع شيخنا وعاش معه ما ينيف عن الأربعين كان ذات يوم أرسل إليه أخو شيخنا ممر جاره الكثير الصلاة والتلاوة أحد فرسان الليل وكان ورده مائة ركعة كل ليلة أرسل إلى أخيه في طريقة شيخنا الحسن انجاي وأخيه أيضا في التبتل أن طال عهدي بك فلم لا تزورنا فرد إليه الرسول وقد نزع شيبة من رأسه يقول هذا الضيف أزعجني عن كل شيء كنت أريده من أمور الدنيا

فلنرجع إلى ما كنا بصدده ليلا يخرجنا تعداد مثل هؤلاء من تربية شيخنا عن ما كنا فيه من ترتيب الحوادث وإنهم لمثال صدق من قومه الحقيقيين الذين وفوا معه بعهده واقتدوا به وإن لم يشفوا له غبار فعلمت أن الشيخ إبراهيم أبقى لعبد الرحمان رسم إقراء القرآن وعضده بجمع المتعلمين عليه وقام بلوازمه وكذلك قام الشيخ الجليل بتفقد المريدين وإحثاثهم على مواصلة السير في طريق الشيخ المرسوم لهم تربية وترقية وهو التعلم لمن تأهل له على الشيخ إبراهيم والخدمة والارتياض عنده أيضا والزيارة والاستفادة منه والقيام بالمصالح فهو من أكبر المتصدرين المقيمين مع العيال عند النائب المفخم فقام كل بما نيط به وسددوا السلوك وجددوا الطريقة وقام بالمسجد الشيخ إبراهيم كقيام مستخلفه فبهذا استدام السير على ما خطه شيخنا وتجددت الطريقة وكثر المريدون

وكان الشيخ إبراهيم فال في اندر يبحث عن شيخنا وعن أي بلد هو فيه ويكلم الدولة ويبن لهم حقيقته وأنه واثق بأن لو علموه لما أصغوا للوشاة وهو مع ذلك يرسل الهدايا الكثيرة للشيخ إبراهيم وذلك أن شيخنا قد أوصاه بمعونة العيال عند الشيخ إبراهيم وبصلة من كان تلزمه صلتهم من الأقارب وأصدقاء الدين فبر هو أيضا فيما جعل فيه فإني لم أزل أتذكر تلك الأعمال الثقيلة التي كان يرسلها إلى امبك وجلائل هداياه للشيخ ممر جاره للصلة والبر بالنيابة عن شيخنا وعطاياه الجزيلة للفقراء المنقطعين المهاجرين أوطانهم للرباط في إقامة الدين وإعلاء كلمته من عيال شيخنا فقدوا بفقده ممونهم وما أكثر ما ناله من الإذاية في اندر والسعاية لكثرة مريديه وكثرة مجاذيبهم في جمع لا يعرفون إلا المظاهر الكيسة والرفق واللين وما أعظم صبره لهم واحتماله وما أكثر فوائده عليهم وبذله لهم على أنه جاثم على شيء عظيم من مراقبة مولاه خوفا وإجلالا ولم أن تكاثرت مريدوه وأتباعه كثرة فائقة وقام بتهذيبهم أتم قيام وراضهم بالعمل والآداب فاستقاموا عليها وكان من تجسسه لحال الشيخ تبينت الحكومة الاندرية ما كان لبسه الوشاة من أمر شيخنا فأمنوا شره وعلموا أنه لا يريد عرض الدنيا فصاروا يصغون له إذا لفتهم إلى البحث في أمره حتى أدى ذلك إلى ترداد النظر في آثاره

فلم يزل أن زال الشك في كونه ربانية لا يعرج على الدنيا فهان عليهم ما كانوا يستثقلونه حتى ترتب على ذلك بعد اللأي قدومه رضي الله عنه عام كسش بقضاء الله وقدره يوم العشرين من شعبان من الجزر

فتقدمت البشرى إلى التلامذة وعين لهم يوم النزول في اندكار فذهبت أكابر التلامذة والأشياخ لتلقيه وقد تكرمت الدولة بفتح الأبواب لهم وفسح في المجال وبشت في وجوههم بشاشة أنستهم ما سلف من الأشخاص القساة المتهورة قبل فحملته في السفينة من كابون محفوفا بالإكرام وجميع أمتعته

وهي كثيرة شكر الله على مواهبه وخفي لطفه فإنه ذهب فقيرا وحيدا إلى بلد مظلم بين قوم هم أحط الناس عقولا وأرذلهم أحوالا لتهمة لطخه بها أشخاص أدنياء حجبوا الدولة عن محاسنها الجمة بخدعهم ومكث تلك المدة الطويلة لم يتسبب ولم ويقبض من الحكومة فلسا واحدا بل منقطع إلى الله لإقام العبادة والكتابة في خدمة الرسول صلى الله عليه وسلم بإحياء سنته عملا وقولا ولم يزل الله يقيض له حيث كان من يرغب في نصرته ويسخوا له بخبيئته مصداق قوله صلى الله عليه وسلم من كان لله كان الله له

وهو يختص برحمته من يشاء وبعد أربعة عشر يوما رشت السفينة بدكار في التاريخ المذكور وقد عص المصر بالمريدين ووفود القبائل لتلقيه والابتهاج به وتحركت سنكال من أقصاها من السرور والفرح بقدومه فنزل مكرما ثم ركب إلى نادر سفينة البر وامتلأت من مشيعيه إلى أأن وصل وبقي فيها أياما وهي تموج بالزوار ثم أذن له في الذهاب إلى قراه فركب منها إلى لوكا ثم منها إلى دار السلام خلوته الأولى في بول

وقد ظهر أمره بمظهر جديد نسبة ما قبله إليه نسبة الواحد إلى مائة من الحث على الإسلام وتجديده والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإحياء سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وذكره ونشر القصائد الرائقة قلائد عقيان في مدحه صلى الله عليه وسلم والثناء على الله بمناجات رقيقة تتضمن بوجهة أخرى علوما جمة دقيقة وأحوالا باهرة عظيمة فتضاعف انجذاب القلوب إليه وإقبال الخلق وأخذ الأكابر عنه والرتع بيانع روضه الغض بما تجدد له من الحقائق والشريعة على لسانه صلى الله عليه وسلم تقريرا وإذنا خاصا ضمن الأمر العام بلا ابتداع ولا تشويش أمن أخذ عن تقليد كمن أخذ عن معرفة وبصيرة لا ولا قريبا منه

فعمل على نور من ربه خلوا من ربقة التقليد إلا ما أتاه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان تابعا مقتديا لم يمل ولن يميل بكتاب الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم وإجماع أمته باختياره صلى الله عليه وسلم فصارت طريقته مستقلة لا سيتند إلا إلى مخدومه صلى الله عليه وسلم بلا واسطة سواء مما رتبه مما لم يسبق فيه أحد واختاره له وقد سبق في وضعه أحد بأمره إذ الطرق الصادقة كلها صادرة عنه وراجعة إليه وهو صاحب المقام بالإضافة الحقيقية أما لغيره فمجازية واعني بالطريق المصطلح عليها عند الصوفية وهي المعبر عنها بالورد لا الطريق الشرعي المتعبد به فذالك هو الذي خلق لأجله وجبل عليه وانتصب له عليه اندرج معه تابعوه

وهذا المعنى هو المتحرز عنه بقولنا ضمن الأمر العام بلا ابتداع ولا تشويش فقد استحكمت الشريعة وغيرها رد على صاحبه فعليها درج وبها قام وفيها مضى وجعلها كلمة باقية في عقبه ربنا اتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير فبهذا أخرج للمريدين ورده الخاص بإذن من الله تعالى بواسطة الرسول الله صلى الله عليه ويلم ولا يد لأحد فيه إلا الله ورسوله ولا منة وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكر أوراده وأحزابه وبعض وصاياه في الكتاب بعد سرد أمهات الحوادث في سلسلة الحياة الأولى

فترى أنه أتى لخلوته دار السلام ومكث فيها شهرا ثم انتقل إلى داره دار المنان فمكث فيها أشهرا لا تزال فيها الناس يموج بعضهم في بعض فطرق الجهات إليه ملأ ليلا ونهارا للقادمين والصادرين حتى كاد سير النظام يتعطل من اشتغال الخلق بأمره لعمومه وتفاقمه مما لم يتسبب فيه بأدنى سبب خفي أو جلي إلا الظهور لنصرة الدين والاستقلال بالسنة ونبذ الدنيا وراءه ظهريا بذل مصالحها المتدفقة عليه لروادها والمستحقين لها فكأنما كانت هذه المحن السابقة مقدمة لما سيفتح له في المستقبل من المزايا الجليلة والخيور الضافية كما كانت غربة يوسف عليه السلام وسنوه متقدمي فتح وملك وتمكين كما كان التضييق والإيذاء والمكر مقدمة فتح مبين ونصر عزيز واستخلاف وتمكين وأمن لمخدومه الأسنى وسيده الأكرم وسيد الوجود صلى الله عليه وسلم وأصحابه البررة الكرام وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوف أمنا ما ترك لوجه الله أخلفه الله

إلا أن كل هذا لم يكن لشني عزائم الشرار الفاسدين عن التهويل والتخويف منه جهلا بصنع الله الذي أتقن كل شيء فحركوا كل ساكن في سنكال وأقاموا الدولة وأقعدوها بافتراءات هي أعظم من ذي قبل وأنهوا إليها أن دياره ممتلئة من آلات الحرب وأن الناس حتى يعض أركان الدولة من السودان وجميع مشائخه الكبار وكل مريديه وهم أكثر من ثلث أهل القطر تعاقدوا سرا وتعاهدوا على الثورة والحرب وأضافوا إليه شبهة ثانية في عدم إتيانه حين أرسلوا إليه وبطئه لأمر بينه وبين ربه من التوقف في الأمور إلى أن يرد إذن خاص وتموج الناس أفواجا كالفراش المبثوث

أضف إلى ذلك صفة المدير المتسبب في التغريب أولا صفة الجرأة والإيمان بنفسه والتهور والاستشاطة فأمر بتعبئة الجيوش الجرارة وحشد الجنود من كل جهة فيالق وعساكر كل هذا وهو غفل عنهم لم يبلغه شيء عن نياتهم ولم يستفزه شيء من حركاتهم مكب في خدمته لرسول الله صلى الله عليه وسلم والعكوف بالعبادة إلى أن أذن له ربه على لسان نبيه مخدومه صلى الله عليه وسلم بالرحيل إليهم مع الإيقان بأنه لا يفسد شيء أمام وراء

فخرج رابع عشر من ربيع الأول عام أكسش قال له بعض آمنائه من المريدين أولي الجماعة الكثيرة إنا نلتمس منك لوجه الله تعالى أن لا تتركنا وراءك إلا نحتشد للجهاد حتى نموت أو ننتصروهم إذ ذاك ليسوا بدون من جنود الملك مع أن جل عسكره في قلوبهم الخيانة لينصروا الشيخ وأجابهم بكلمته الذهبية أني لم أرج صديقا ولم أخف عدوا وزمامي بيد الله فما أجدره بقول أبي تمام

جم التواضع والدنيا بسودده تكاد تهتز من أطرافها صلفا

قصد الخلائق إلا في ندى ووغى كلاهما سبة ما لم يكن سرفا

ثم قال هذه الحركة مع كثرتها وتشعبها لن يفسد لنا شيء ولو قل فكان كما قال فإنه ساعة ما وراءه أحد رسل الأمراء لم يتردد في القطع بأن الشيخ بعيد مما طر فيه من أمر الدنيا وحب الملك

فسقط في أيديهم ثاني مرة للاستحكام الخزي في أركان الأمر طالبوه السكنى في أرض الصحراء الكبرى لا تغريبا وهل ليكون بين الكبار من البيضان ليتضاءل أمره بين تلك البيوت العظام أو لأن تلك الأرض في ذلك الحين موضع القلاقل وفساد اللصوص يشغل الإنسان فيها حراسة حراسة نفسه دون محاولة أي أمر أو لوجود أمين الدولة الشيخ سيدي بها فيكون بقربه مع ما كان بينهما من أواصر الدين والطريقة من قبل ذها مما يحول في خاطر كل متجسس للخواطر السياسة سواء لأجلها أو لأمر آخر لا يبلغ فكرنا عمق مورده من جهابذة السياسة ورقباء الحركات أمثال ميرلين وفلان وفلان

ومهمى يك شيء فلم يلبث والحالة هذه أن مضى إلى تلك الأرض مع بعض من تلامذته وأمتعته ومن معه في هذا السفر خالي صمب جوب فخرج من داره دار السلام يوم السبت في ربيع الأول عام أكسش من هجرة المصلى عليه صلى الله عليه وسلم كما تقدم معه بعض من ذكرت إلا بل امبك ورجال آخر يحيط بهم الجيش من كل جانب من القواد البيض وصغار الحكام وجيوش الأمراء كبور سين كمب وهو الذي سبق فيه من الأمراء المحتشدين حكى علي أحد غلمانه الذين كانوا معه أنه لما اقتربوا من محل الشيخ كان يتوجع من هذا الظلم الموجه إلى أحمد المسلم الذي لم تزن عينه قط إلى الدنيا لأمور كاذبة لفقتها الحساد ويقول إنه علم يقينا إن الله لا يغفل عن هؤلاء الفساق ولن يترك عبده ليصل إليه ضرر الظلمة ولو أن يكبهم على وجوههم

قال الحاكي ولم أتعجب من شيء تعجبي يوما من أمر هذا الشيخ ومهابته وتسخير لله له الخلائق لإغن بور سين الذي أعرف تهور وقساوته وتكبره وإن كان يستر هذا الخلق بأدبه وكرمه وبشاشته ورفقه لم يلق الشيخ قط ونحن معه شبان لا نعرف لغير اللهو واللعب طريقا وراءنا جنود فرنسا يسوقنا مما أقلقهم من لسان ذلك النمام الكذوب الحاسد على ما أتاه الله هذا الشيخ من الإقبال والعفة حين وقعت أعيننا على الشيخ وهو خارج داره يقيم سبحة الضحى ليس معه إلا واحد أو اثنان وهو يريد تلقي الحاكم دخل فينا من الرعب والخوف منه ما لا يعبر عنه في مقدمتنا بور سين فلم نعلم إلا وهو جاث على ركبتيه وقد نزع خفيه وقلنسوته وسلم عليه فقال له الشيخ من أنت؟ أنا كمب جوف الذي يقال له بور سين معناه أمير سين فكلمه الشيخ كلاما وجيزا فلاطفه في أن يذهب معه إلى الحاكم جنوب قريته دار السلام وامبك بول قريبا منهما

فقبل له حتى أتياه وأخبر الأمير الحاكم خبر الشيخ وما عرف من أمره أنه خال من كل ما نسب إليه فارتاح الحاكم لما قال له فالتمس منه أن يذهب معه في الحال إلى انجربل حيث يوافيهم جواب أمير اندر عن معلومات الحاكم مما عاين وأرسل رسولا إلى قواد الجيوش القادمة من الجهات للحرب الموهومة أن النمام ذلك الحاسد صاحب انجربل مختلق كذاب وأن نيران الحرب لم تجاوز حدود صدره فخان الحكومة وأفسدت من الأموال والأوقات ما لا يعوض فذهبت تلك الإذاعة أدراج الرياح

حكى على أحد المريدين حامل الأمتعة مع الشيخ أنه لما أظلم الليل وهم على الطريق فرق الحاكم بين الطوائف المشاة والركبان من ينادون بالسلام والأمن لشدة تحفزهم للقتال ومخافة أن يدس الحاسد وقد استقبل يوم خزيه وافتضاحه من انتقاض افترائه من يرمي شررا يؤمل منه وقوع اشتباك يتذرع بها الإيقاد الفتنة ولكن كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله

قال لي أحد المريدين إنهم في تلك الليلة بين الجنود لم يفتر الشيخ عن التلاوة والصلاة كلما ازدلفت طائفة من الليل والجيش يسير بسيره ويقف بوقوفه وقد صدر من حاكم الفرق أمن بالسكوت التام فلا تسمع إلا همسا

فأتذكر من هذا صدق الصادقين وقيام المخلصين قال علي ابن أبي طالب رضي الله عنه ما تركتها ليلة قيل له ولا ليلة صفين قال ولا ليلة صفين وأصل الحديث في الصحيح قال حدثنا علي أن فاطمة اشتكت ما تلقى من الرحا في يدها وأتى النبي سبي فانطلقت فلم تجده ولقيت عائشة فأخبرتها فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته عائشة بمجيء فاطمة فجاء النبي صلى الله عليه وسلم وقد أخذنا مضاجعنا فذهبنا نقوم فقال النبي صلى الله عليه وسلم مكانكما فعقد بيننا حتى وجدت برد قدمه على صدري ثم قال ألا أعلمكما خيرا مما سألتما إذا أخذتما مضجعكما أن تكبرا الله أربعا وثلاثين وتسبحاه ثلاثا وثلاثين وتحمداه ثلاثا وثلاثين فهو خير لكما من خادم فقال علي ما تركته منذ سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم قيل له ولا ليلة صفين قال ولا ليلة صفين أنه حكى في التاريخ أنه سمع تلك الليلة منه أربع مائة تكبيرة

دجع فأتوا لانجربل فنزلوا بقرب دار الحاكم منزلا ضيقا قال لي خالي مصمب خر إنه لما عسعس الليل أخذ رؤساء الجيوش من قبل الحكومة يتسللون للسلام على "شيخنا" والتبرك به وهذا مما ينبئك بمكانته في قلوب الجميع خص بالذكر كبيرهم وأجلهم من من أهل كجور ميس بي بن دمب وار قائد أمير كجور لتجور سابقا ومن ولاه فرنسا الأرض بعد قتل أميره المذكور ولما مات خلفه ميس هذا في مقامه عند الحكومة

حكى علي الخال أنه لما سلم على شيخنا تبركا به صادق رحيلهم فتحزم وجعل يشتغل في إصلاح الأمتعة مع المريدين كأنه واحد منهم وقس عليه أمثاله ممن خانوا الحكومة في هذه الحركة

ككنار فال الذي إذ ذاك هو أمير مركز بول الذي يسمى لمباي قيل إن والدته حلفت عليه أن لا يذهب إلى حرب هذا الولي الذي لم يظلم ربه ولا عباده فيهلك مع الهالكين فاعتذر كنار للحكومة وتظاهر بالمرض حتى ذهب الجيش

وقد قدر الله أنه أسلم بعد على يدي شيخنا فحين إسلامه وله حكاية طريفة تدل على فطنته وفهمه لما هو فيه وهي أنه زار شيخنا مرة في انجربل وقد صار له أتباع أسلموا على يديه لما أسلم هو فحين وادع الشيخ لهم أعطاهم قبضات من التراب تفل عليه ليكون عليهم حجابا

ركب البحر من اندر وحده وما عبئوا بغلمانه حامل الأمتعة بل رفعوا اللوح الذي كان بين حافة السفينة متصلا بالبر وقد كان سبق جوك جاي مع الإبريق فأقلعت السفينة فبقي الغلمان حيارى أياما في اندر ثم ركبوا إلى دكن تلوه فوجدوه ثم ولما علم أهالي دكن بنزوله تسارعوا إليه وبعد لأي ما وصل إلى الدار المعدة له

انظر هذا من القبوه اللدني يأتي إلى بلد ليس له فيه تلميذ واحد يومئذ وتزدحم عليه الخلائق ازدحام الأذواد على الحوض وتتهافت عليه

تهافت الفراش على الضوء ثم أرادت الحكومة أن تخضع به البحر هناك إلى أرض البياضين لأنها تتاخم أرض سنكال ما بينهما إلا ذاك البحر والنهر جك من عند اندر إلى خاس

ولما حاولوا ذلك وتسامع به الناس تواردوا على الساحل ليطلعوا عليه ويشيعوه فتكاثروا عند الميعاد تكاثرا زائدا فخاف الحاكم من أن يؤدي ازدحامهم إلى فساد أو ضرر فأمر بأن يذهبوا به إلى معبر طريق كايه ليوهم الناس أنه يقضع هناك فخرجوا سرا حتى فات الأعين فعرجوا إلى المقطع فعبر مع فرقة قليلة عن عجل ثم علم به الناس فازدحموا على طريق كايه فلقيهم بعض المشيعين وأتوهم بالخبر فرجعوا بألم عظيم

قال لي أخي في الطريق محمد الأمين جوب أنه حضر بعد العبور وهم يتهيئون للطعام وكان معه طعام يحمله أرسله به والده إلى شيخنا وكان مدة ضيافته في دكن فحمله إليه من اختصاصه قال الغلام لما وافيتهم أشار بيده إلى شيخنا ذهب وحده وخلق أتباعه مما يدلك على أنه أكثر رغبة في الانفراد من الحكومة التي تتخوف منه الشر والجمع عليه ولكن إرادة الله فوق كل إرادة

قطع البحر إلى الصحراء المترامية الأطراف بلا زاد إلا التقى ولا أنيس من ذويه ومريده إلا الله قال لي الخال إنه طلب منه أن يرافقه هو ويترك الغلمان مخافة عليه من ضعف ظاهر بدنه وتغربه عن قومه إلى أجانب لا ينظرون إليه ولا يرقون عليه كالرقة المألوفة قال فتبسم إلي وقال لعلك تخوفت وذلك التخوف أتى في غير محله فإن هؤلاء الذين أذهب معهم يحرصون علي حرصا زائدا فلا تخف

قال فأبيت عليه إلى أن يرافقه أحدنا لأنه هو أكبر من معه ساعتئذ فقبل أن يذهب واحد فذهب أحمد جو بكمبه لأنه أقوى القوم وأكثر تمرنا على المشقات فضرب لهم الميعاد لبئر كان عندها أهل الشيخ سيديه فركب رديف شيخنا ابن داده أمينهم ووكيلهم ووكيل الشيخ سيديه إلى أن أتوا للشيخ في تلك البئر فأكرم وفادته وأحسن إليهم

وقد كان أسماع الناس ممتلئة من أخباره وكراماته في البحر وإقبال الناس إليه وتخوف الحكومة من جانبه وسلامة صدره إلى أن كان ما كان من سوء التفاهم حكى علي الشاعر العلوي الفقيه النبيل القاضي محمد عبد الله ابن فاقا وممن له القصائد السائرة البديعة فيه بعد أنه لقيه وقد أردفه شيخنا قال فسألني من سكان هذا الوادي فذكرت المشائخ العلويين الشيخ أحمد ابن الشيخ محمد الحافظ والشيخ أحمد ابن بك فقال فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون

قال الرجل فلما رجعت أخبرتهم بخبره وأني واثق بأنه هو الشيخ الذي كنا نسمع بأمره فلما تحققوا سألوني ما قال لك قلت لهم سألني من هنا فتذكرتكم له فقال فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون فقالوا الحمد لله إذ جعلنا من أهل الذكر

ومكث مع آل الشيخ سيدي مدة ينزل بنزولهم ويرتحل بارتحالهم ومن جملة الأبار التي نزولها ببكي والعيد به وتنعمير ثم صرصار وفي مكثهم عندها انفتح الطريق لزوار البلدان الأشتات وعندها ابتدأ أهل الصحراء يتفقدونه وينظرون أمره نظر نقد فتتابعت زياراتهم له وكثرت وفادتهم عليه

وأول قبيلة هديت إلى اختباره قبيلة بني ديمان وكفى بها سبرا ونقدا تلك القبيلة العريقة في المجد الدينة الكثيرة العلماء والصالحين ذات البيوتات الشهيرة والرياسات العتيدة قبيلة هي تاج تاسمشه دعائم العلم والدين والمروءات في تلك الأرض قبيلة امتازت بكثرة الأبرار المبرزين في الفنون وأنواع المروءات حتى قال فيهم ابن أختهم وابن أخت القوم منهم الإمام المجدد المفسر الكبير

الشيخ محمد اليدالي

ديمان في الناس تبر وغيرهم كالفخار

فيومهم يوم عيد وليلهم كالنهار

فهم يزين الزوايا وغيرهم كاليسار

وقال فيه محمد ابن طلب

نعم الأخلاء والديوان ديمان

قوم هم للمعالي الخمس إيوان

ولو لم يكن فيهم إلا آل محنض بابا العلماء الصلحاء وهو مألف الميسر في القه وصحح وشرح وفعل وأبناء عمه آل الشيخ أحمد ابن سليمان الشيوخ الأجلاء وبنو بيدح النبلاء الأذكياء وبنو ميجه العلماء الحفاظ وبنو سيدي الفاضل أهل المأفور الرؤوس الأجلاء وآل محمد الكريم السادة الأخيار وآل أحفغ الأمين الكرماء الفضلاء لكفاهم شرفا وسما بهم على غيرهم فخرا

عرفوه مما كان لاسمه من الدوي في الآذان كما عرفه غيرهم وكسبوا اختصاصهم بالسبق في معاملته وإن شاركهم الجميع وزاحمواهم فيه حتى صار كل يرى نفسه أخص به لحسن معاملته للكل ونصحه

شرح مقامات اليقين التسع

فلنبسط هنا شيئا مما نشره القوم من ذلك الملاء المزين بدوائر رموز الأحوال وطراز المقامات تبركا به واستينانا للقارئ الكريم راجين منالله تعالى أن يكتبنا في ديوانهم ويحشرنا بلطفه في زمرتهم ويجعلنا معهم اللهم أمين أبد الآبدين في الدارين

فنقول أن العلماء المتصفين بخشيته تعلى الملتزمين لكلمة التقوى بمنته أثر أهل التعليم منهم عن أحوالهم أن مقامات اليقين تسع ترد إليها فروع أحوال المتقين والفرق بين المقام والحال ما أشعرت به العبارة فالحال سمي حلا لتحوله واختلافه والمقام مقاما لثبوته واستقراره فالحال عند أكثر الشيوخ مواهب لا كسب فيها للعبد إلا من حيث انتظار الفرج للمريد السالك

والعناية الأزلية للمراد المجذوب وهو عبارة عما يلوح للمريد فجأة من الفهم والوجدان موهبة من الله تبارك وتعالى فتحرك رغبته من هذا الانتباه إلى الترقي للتمكن منه وداوم الاستلذاذ به فلا يزال يعاوده بحسب توفيقه واجتهاده إلى أن يستديم عليه فيصير مقاما فالأحوال مواهب ترقي إلى المقامات والمقامات مكاسب مادتها الإيمان والإتباع لأن العمل هوالذي يثمر الأحوال من حيث أنه هو فرع الباب وانتظار الفرج والمخرج قال تعالى ومن يؤمن بالله يهد قلبه وقال إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا وقال ومن يتق الله يجعل له مخرجا

والتقوى هو شعور القلب بعظمة المتقى فإذا تمكن هذا الشعور يحدث في النفس بديهة الخوف من مخالفته وإذا نبه الشارع أن هناك مضارا إذا اجتنبها يأمن مما يخاف فبديهة لا يغتر بها بعد ما دام عاقلا ومن حيلتها بعد الاعتصام بما يؤمنه ولا بد من الاستطابة لما يلائمه طبعا فيفيده الشارع أيضا أن هناك جميع ما ينفعه فيحرز على إحراز ما ينفع كما أمعن في الهروب مما يضر

فبهذا ترى أن الشعور يتقدم على العلم فتفهم شيئا من معنى تقديمه تعالى التقوى على العلم في قوله واتقوا الله ويعلمكم الله فإن الجملة استينافية لا ترتبط بما قبلها ولو كان جوابا للشرط أو جزاء لكان مجزوما كما تقرر

فإنك ترى في أن تقوى الله مجزوما وكذلك في الآيتين قبلها هذا ولا مشاحة في أن الشعور نوع من العلم إلا أنه في دقته وانتفاء الكسب للعبد فيه قد يسمى هداية ورشدا وقذف نور وكلها متقاربة

وهذا التعليم الذي التزمه الله لعباده هو الذي يبين لنا على لسان الشارع عليه صلوات الله وسلامه كيف نتقي ما نخاف ونصل إلى ما نحب وهذا العلم هو العلم النافع الذي فيه يتنافس الكرام به ارتقاؤهم لقرب الملك العلام وبه تتفاوت درجاتهم ولكل عنه مقام

فاعلم أن أول مقامات المريدين التوبة فالصبر فالشكر فالرجاء فالخوف فالزهد فالتوكل فالرضى فالمحبة الخاصة وبعضها يثمر بعضا فإذا صح مقام التوبة النصوح ترد على صاحبه أحوال لذيذة تباشر برودتها القلب فترجع همة التائب بالاتصال بها كما مر فإذا تمكن منها ترد إليه ما فوقه ثم كذلك إلى أن يصل إلى أعلى المقامات وهي المحبة الخاصة فتكمل المقامات فتبقى الأحوال تختلف عليه ما دام العمل عناية من الله لتكثير التواب واستمرار القرب والخطوة على ما يليق به سبحانه إنما يسلم به ولا ينكر ويعلم ولا يذكر قال

قد كان ما كان مما لست أذكره فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر

وفي صحة مقام التوبة تتقدم المجاهدة والمحاسبة والمرقبة والرعاية فيدخل فيه حال الصبر ومقامه وحال الرضى ومقامه لأن من لا يصبر في المكاره لا يثبت له قدم في المجاهدة لأن الجهاد مشتق من الجهد وهو المشقة فالمجاهد من يدافع ما يفسد عليه وممن يفسد وأقرب المفسدين العدو الملابس وهو النفس الأمارة بالسوء ويليها العدو المجاور وهو الدنيا بغرورها ويليها العدو الشريك وهو الخلق وأشد الكل وأثقله وأبصره بالشر وأمكره الشيطان الغرور فلا بد للمريد المقاوم لهذه الأعداء من التشمير والجد والمخاطرة بعزيمته واليقظة التامة فيما له وما عليه فإن هذا الجهاد أشد وأكثر بكثير من جهاد السيف فإن صاحب السيف إما أن يقتل أو يقتل وفي كلتا الحالتين له الراحة إما في الدارين أو في دار الجزاء قال الله تبارك وتعالى هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين

وقال عليه الصلاة والسلام تكفل الله لمن جاهد في سبيله لا يخرجه من بيته إلا الجهاد في سبيل الله وتصديق كلمته بأن يدخله الجنة أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه بما نال من أجر أو غنيمة رواه الشيخان إلا أنه لا يكون هذا الوعد لأحد إلا من انتصر في الجهاد الأول وكل شيء بعد هين انظر حين سألوه من قاتل لحمية ومن قاتل لكذا فقال من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا

هل تتكامل هذه العقيدة في من لم يقمع أعداءه حتى أسلموا أو أعطوا الجزية عن يدوهم صاغرون وهل تكمل في أحد لم يسترح من رؤية نفسه بالمرة وأسلمها لباريها على الصراط المستقيم وناحب شياطينه العداء فظهرت عليه براهين الكتاب والسنة وحقائق الأحوال ودقائقها حتى سد جميع المنافذ التي يتصور دخولها منها فعامل أفراد الخلق كلا بما أمره الشارع أن يقف عليه على غرضه هو لا على أغراضهم وأسقطهم وهو معهم عن أي تأثير في النفع والضر ويستوي عنده المدح منهم والذم ويحسن الظن بمحسنهم تمسكا بوعده تعالى للمحسنين ولا يسيء الظن بمجرمهم وقوفا على قصوره في معرفة العقبى ولا يحجر واسعا وقد قال تعالى ولا تقنطوا من رحمة الله بل بالتغيير بحسب الإمكان على حد قوله في الحديث من رأى منكم منكرا إلخ وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على حسب ما اقتضاه الشرع

فيسلم المسلمون من لسانه ويده ويسلم هو من تبعات ما هم عليه فإنه سبحانه لم يجعل الرقابة عليهم لغيره قال إن الله كان عليكم رقيبا ويتجافى عن الدنيا ويسقطها من عينه بالمرة ولا ينسى نصيبه منها وهي مطية الآخرة والوزاع في كل هذا الشرع ولا يتحقق بالوقوف معه أحد في الحقيقة إلا الورع المراقب المحاسب نفسه على النقير والقطمير ففي الحديث الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات الخ

فحققت من هذا أنه لا يكمل المقام إلا بهذا الثلاثة فتصدق عليه الإنابة وهي كمال التوبة النصوح لأن شروطها الإقلاع والندم والرجوع إلى المرضي فظهر لك أنه لا يصح مقامه إلا بكمال الصبر بأنواعه الثلاثة على الأوامر وهوحبس الجوارح عليها ومحاسبة النفس على كل تقصير ومراقبة القلب للخواطر ومراعات الوقت أن يضيع فيما لا يعني لأن الصوفي ابن وقته

وهذا حال الخوف إذا استقام عليها فهو مقاومة والصبر في المصائب والبلايا عن الركون إلى الخلق بانتظار الفرج من الحق وهو حال الرجاء فإذا استقام عليها فهو مقاومة والصبر عن الموجبات للنقص ككل ما زاد على الضرورة من شهوات المأكول والمشروب والمنكوح وحب الجاه والتكالب على طلب المال وحب الظهور والكبرياء ونحوها من الثاغلات عن السير إلى الله تعالى والمهلكات

وهذا هو عين الزهد وحبس نفسه وتوطينها على هذه حتى تسكن هو مقام الصبر جملة

هذه الأحوال المختلفة على المريد في قطع هذه العقبات الباطنة لانسحابه على جميعها لا يتخلف عن واحد منها لأن عادم الصبر لا ترسخ قدمه في مقام ولا يتأتى عليه حال لأن الأحوال تختلف على أهل المقام لترقية هممهم إلى الأعلى فالأعلى والمقامات هي موضع انتظار الفرج ومظهر الفقر والذل لرب العزة وفي تمكنه في مقام الصبر يختلف عليه الرضى إلى أن تطمئن نفسه ولا تطمئن النفس حتى ترضى وهي النفس الراضية قال تعالى يأيها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية وداوم الرضى هو مقامه وهو ثمرة التوبة النصوح والإنابة فالرضى بالعبودية هو الذي يقوم بها ويعد أركانها فيصرف النعم التي أولها نعمة الإيجاد ثم الإيمان ثم سائر النعم في طاعة المنعم

وهو حال الشكر باستدامته له يتمكن منه فيصير مقاما وهو مقام عال قال عليه الصلاة والسلام أفلا أكون عبدا شكورا ولا يصح للعبد أن يقوم بأعباء الشكر إلا بعد تحققه بمعرفة المنعم والإقبال إليه بالكلية والإعراض عما سواه وهو الزهد ولا يتأتى له ذلك إلا بالصدق والاعتماد على الله تعالى وإسقاط غيره من العين وهو التوكل ولا يذوق في الحقيقة أحد حلاوة نعم العبادة ويبتهج بفضل المنعم بصوالح العادات إلا من تحقق بهذا المقام فيثمر له حال المحبة فبدل خوفه وصبره شكرا وزهده فناء عن رؤية أثر ما فيما زهد فيه ولا يرى إلا ربه ويصير صبره شكرا على ما كان يصبر عليه فيكون رضاه أنسابه تعالى وتوبته خشية وإجلالا من هيبة رب العزة وتوكله توكلا وصارت أنفاسه قربات من فنائه في الله وبقائه به فكان أهلا لمحبته الخاصة تبارك وتعالى فيتولاه تعالى في الأمر والنهي والامتثال والاجتناب فيدرك بالحق مع الحق وهو مصطنع له تعالى لا رؤية لنفسه فضلا عن غيره فيمتدحه تعالى ويثني عليه بما هو مدح لفعله فيلهمه المحامد له وتعالى في كل أحيانه فكان طعامه وشرابه وبه قوامه كما بينه صلى الله عليه وسلم قال في حديث يطعمني ربي ويسقيني ألا إلى الله تصير الأمور

الباب الأول في مقام توبة شيخنا رضي الله عنه

هذا ولما كان لا يمكن شرح أحوال الشيخ إلا بذكر المقامات التسع وأحوالها لأنه لم يعش إلا ولم يعمل إلا بها وشرحت ما أكتبه عنه فيها بعد تمهيد قليل للمقامات والأحوال كما اصطلح عليه القوم واخترت ترتيب الشيخ أبي طالب المكي في القوت لكون كتابه أم الفن وأول ما شرح به التصوف على الإطناب

فأقول إنه كان رضي الله عنه ممن أول نشأته مجبولا على محبة موجده مما عقل عليه من حديث الصالحين فتعرف ذلك منه بأنه كان يتكلف قيام الليل وهو سمع الشيخ الوالد يقول أن من دأب الصالحين قيام الليل فكان يقوم الليل إذا نام الناس لا يعرف ما يقرأ ولا أن المقصود منه الصلاة من صغره فهذا الحب لوصلة الحبيب نشأ عليه وعقل فبديهة يرغب فيما يقربه إليه ويخاف مما يبعده وانتبه على أن المعاصي مبعدة عن الله والطاعات مقربة إليه تبارك وتعالى فاعرض عن المعاصي وأقبل على الطاعات أول أمره فكان هذا الإعراض أول توبته وهذا الإقبال فاتحة استقامته

قال الغزالي في الإحياء اعلم أن التوبة عبارة عن معنى ينتظم ويلتئم من ثلاثة أمور مرتبة علم وحال وفعل ثم قال بعد كلام فالعلم هو الأول وهو مطلع هذه الخيرات وأعني بهذا العلم الإيمان واليقين فإن الإيمان عبارة عن التصديق بأن الذنوب سموم مهلكة واليقين عبارة عن تأكيد التصديق وانتفاء الشك عنه واستيلائه على القلب فيثير نور هذا الإيمان مهما أشرق على القلب نار التألم فيتألم بها القلب حيث يبصر بإشراق نور الإيمان أنه صار محجوبا عن محبوبه كمن يشرق عليه نور الشمس وقد كان في ظلمة فيسطع النور عليه بانقشاع سحاب أو انسحار حجاب فرأى محبوبه وقد أشرق على الهلاك فتشتعل نيران الحب في قلبه وتنبعث تلك النيران بإرادته الانتهاض للتدارك بالعلم والندم والقصد المتعلق بالترك في الحال والاستقبال والتلافي للماضي ثلاثة معان مرتبة في الحصول فيطلق اسم التوبة على مجموعها

وقد رأيت أن شيخنا رضي الله عنه ولد مؤمنا فكان أول دلائل إيمانه حبه لأهل الخير وتطلبه لأعمالهم وهو في العشر الأول من عقد حياته جعله الله تعالى فيه طبعا ولما يكمل التعقل ولما عقل عليه فكان ينشط للخير ويظهر ذلك منه من لزومه لمجلس والده مع التعليم والتدريس وانكماشه على أقرانه من الغلمان والولدان حتى أيفع وراهق وقد حفظ القرآن ثم انقطع إلى العم وأهله وباعد الأقران واعتزلهم وآية ذلك داوم اختلائه في كل منزل نزلوه ومسكن أقاموه في موضع يخصه للاشتغال بالقراءة والتخلي عن الجماعة والبعد من اللهو واللعب وإتقانه الشديد لكل ما تعلم وترداده للعلماء ومجالس الشيوخ حتى أنه في محلهم في برخان في قرى سالم سكنه الشيخ الوالد في أيام مبه مع كثير من الأعيان

وشيخنا دون العشرين من عمره بكثير اتخذ شجرة يختلي تحتها حتى عرفت به وهي الآن قائمة معروفة وحين بلغ العشرين وقد ضرب في أكثر فنون العلم بسهم وافر جدد توبته لما أشرق عليه من نور العلم وانكشف له عن غرور الدنيا ومتاعها فزهد فيها وقد اتقدت نار تألمه وندمه على ما لابسه من الحياء من إظهار مقاطعتها وكل من تلبس بها فكان ذلك أول توبته وحظه من الندم والإقلاع وأعظم بها درجة من درجات التوابين توبة العارق من التقصير في الطاعات والغفلة في كل طرف ونفس فاستقل على الطريقة وأناب إلى الله سرا وعلانية وجاهر بما كان بعضه كامنا في الصدر وذلك حيث يجاهر لتلميذه المقارب له في السن مصب جوب أنه لا بد أن يفارق الشيخ الوالد إذا لم يفارق القضاء ومجالس الأمراء حيث جانب كل ما إلى الأمراء حتى قال الأمير "لتجور" يوما وقد أرسله الشيخ الوالد لفصل في أمر عند الأمير ولما بلغهم عن الشيخ الوالد وهو أمامهم مطرف انزوى إلى جانب خال ريثما ينتظر الجواب قال إن هذا الصبي سترونه حجرا صلبا على طريق تغلب الملوك ولكن نذره جانبا فلا نتضرر به وحيث يقوم لأكابر العلماء المتساهلين اللحون ولا يهاب

حكى على أنه وقف على جثة محمد ابن فاط وعال لوح وهما رجلان من أهل انجابر من بيوت الرياسة والعلم قتلهما الأمير صبرا لأمر نفساني فيه قال شيخنا رضي الله عنه لما وقفت عليهما ملقيين تحت شجرة ألقيت ما بقي عندي من الدنيا ثم وهل كانت في قلبه دنيا ما علمنا وما بلغنا ولكن التوبة واجبة على كل إنسان على الدوام وفي كل حال

قال في الإحياء وأما بيان وجوبها على الدوام وفي كل حال فهو أن كل بشر لا يخلو عن المعصية إذ لم يخل عنهما بالجوارح فإن خلا في بعض الأحوال من خطايا الجوارح فلا يخلو عن الهم بالذنوب بالقلب فإن خلا في بعض الأحوال عن الهم بالذنوب فلا يخلو عن وساوس الشيطان بإيراد الخواطر المذهلة عن ذكر الله فإن خلا عنه فلا يخلو عن غفلة وقصور في العلم بالله وصفاته وأفعاله وكل ذلك نقص وله أسباب وترك أسبابها بالتشاغل بإضدادها رجوع عن طريق إلى ضده والمراد بالتوبة الرجوع ولا يتصور الخلو في الحق الآدمي عن هذا النقص وإنما يتفاوتون في المقادير فأما الأصل فلا بد منه

ولهذا قال عليه الصلاة والسلام إنه ليغان على قلبي حتى أستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة ولهذا أكرمه الله بقوله ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر انتهى

فاسقاطه رضي الله عنه الدنيا عند ذلك المشهد دلالة عظيمة على ترقي عظيم في مقاماته وهو إلا نابة والتوبة النصوح عن الكون إلى الخلق والانقطاع إلى الحق

قال في القوت في تفسير التوبة النصوح فنصوحا من النصح جاء على وزن فعول للمبالغة في النصح وقد قرأت نصوحا بالضم فتكون حينئذ مصدر نصحت له نصحا ونصوحا فمعناها خالصة لوجه الله تعالى وقيل اشتقاقها من النصاح وهو الخيط أن مجردة لا تتعلق بشيء ولا يتعلق بها شيء وهي الاستقامة على الطاعة من غير روعان إلى معصية كما تروغ الثعاليب وأن لا يحدث نفسه بعود إلى ذنب متى قدر عليه وأن يترك الذنب لوجه الله كما ارتكبه لأجل هواه مجمعا عليه بقلبه وشهوته فمتى أتى الله بقلب سليم وعمل خالص مستقيم على السنة فقد ختم له بحسن الخاتمة فحينئذ أدركته الحسنى السابقة هذا هو التوبة النصوح وهذا هو التواب المطهر الحبيب وهذا إخبار عمن سبقت له من الله الحسنى ومن تداركته نعمة من ربه رحمه بها من تلوث السوءي وهو وصف لمن قصده بخطابه إذ يقول في كتابه إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين وكما قال صلى الله عليه وسلم التائب حبيب الله والتائب من الذنب كمن لا ذنب له

فبهذا يتبين لك ما أشرت من علو مقام شيخنا رضي الله عنه في قوله إذ وقفت على المقتولين سقط ما بقي عندي من الدنيا ثم قال سري السقطي من شروط التوبة أنه ينبغي للتائب المنيب أن يبدأ بمباينة أهل المعاصي ثم بنفسه التي كان يعصي الله بها ولا ينيلها إلا ما لا بد منه ثم الاعتزام على أن يعود إلى معصية أبدا ويلقي عن الناس مؤنته ويدع كل ما يضطره إلى جزيرة ولا يتبع هوى ويتبع من مضى من السلف ثم قال بعد كلمات ولا يقوى

فمنظر القتيلين مع ما كانا عليه من العلم والرياسة ولم يصرعهما ذلك المصرع إلا النزاع في الدين والسياسة والله أعلم رماه بمرة إلى رتبة التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود وذلك أن الإنسان قد يزهد في الدنيا ويعرض عن مفاسدها ويقبل على الله بطريق العلم والجهاد مثلا فيدخل الشيطان عليه من الاغترار دخلا في النية أولا وإن سلمت النية فيوسوس له في أثناء العمل أو يطريه على أفواه الناس ليرى عمله ونفسه في عبادته فيدخله الشرك الخفي

وفي مشاهدة هذه الأمور المتنفرة والبغتة المفجعة قد ترنو نفس الموفق بعين الاعتبار وتبصره بالأشياء كما هي فتلحق بالمفردين المستهترين كما ورد في الحديث فمجاهدته رضي الله عنه ومحاسبته ومراقبته من نوادر الزمان يراعي الشبهات حتى لا يدخل في جوفه إلا الحلال الصريح وقد يطوي أياما وليالي والطعام مبذول بفنائه للقانع والمعتر

فقد أتى مرة لمجخة ضيفا وهيأ له طعاما لا يصلحه إلا السكر فسمعه شيخنا رضي الله تعالى عنه يذكر السكر فقال له إن كنت تريده للطعام فات به فإن معي سكرا فقال مجخة إذا أخرجه هاهو قال شيخنا رضي الله عنه ووضع يده على بطنه هاهنا يشير له أن الطعام للجائع أحسن موقعا من السكر لغير الجائع فلقد صدق سري السقطي في قوله لا يقوى على ترك الشبهات إلا من ترك الشهوات

فتوبته رضي الله عنه مما مر عليه من عمره وهو في إيمانه الفطري وحبه للموجود القديم من شعور في عاطفته وميله إليه في طبعه دون أن يأخذ العقيدة من طريقه التكليفي ويوثر مولاه من شهوده المنة منه لا من الطبع الموفق وحده وتأسفه مما مضى منه على غير هذا التعبد المخلص فيه والنية كما طلب من الجن والإنس هي ما أدام حزنه وأكثر تلهفه أما جرما ارتكبه أو إثما اقترفه فليس مما في مدارك إنسان قريبا أو بعيدا هذا في أول سن التكليف فتقف على أدلة ذلك في منظومته ملين الصدور نظم به بداية الهداية للغزالي ثم في قصيدته التي هي أول ما أعرب به عن مطلبه ومرمى طرفه ومطمح عينيه وهي توسلاته إلى الله تعالى بسيد الوجود صلى الله عليه وسلم وبالأنبياء وبالملائكة وبالأئمة المقلدة في الشريعة بالإجماع بأسمائهم جميعهم

هل رأيت من أهل البدايات من ترقت همته إلى التمسك بهؤلاء ومن دونهم من أسماء الأولياء والأكابر رقاه الجذب من الله إليه تعالى على النور المحمدي فطوى له بعد مسافة ما بين المقامات وزوى له درج السلوك ليكون على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ثم دنى فتدلى إلى أول قدم السالك

فتراه ينظم ترتيب أسماء أهل السلسلة القادرية ويدور على المشائخ ليأخذ عنهم من شاذلية وتيجانية حكمة من الله لإكمال درجاتهم وإسباغ نعمه عليهم من اقتفاء آثارهم لاستحقاق مواهبهم والاستنان بسنة محمد صلى الله عليه وسلم مع الأنبياء قبله قال الله تعالى أولئك الذين هداهم الله فبهداهم افتده

فأحيى رضي الله عنه طريقهم بإحيائه التصوف والسلوك وألف مسالك الجنان نظم به خاتمة التصوف لليدالي وشحنها بالقواعد والنصائح في إجمال وتفصيل يعلم منه أنه ظهر أنه نظم به الخاتمة احتراما لمؤلفها الكريم أما أن ما أتى به في النظم أكثر مما أتى به الناثر أضعافا ولكن الأدب منعه من أن يفصلها عن الخاتمة فلا يصدق عليها من ذلك الاسم

وعلى هذه اللطيفة اعقل جميع ما ظهر به من الأوراد والتقديم وأرسلك إلى مطالعة انظامه الأولى مسالك الجنان ومغالق النيران ومواهب القدوس والجوهر النفيس كيف يقحم في خلال نظم الأصل ما ينبعث عن إحساسه القوي ومدده الفائض عن حياة قلبه من التزهيد في الدنيا والترغيب في الله تعالى والدار الآخرة وما ينشره من الفوائد والفرائد ويرشد إليه مما يعين السالك ويجذب الناسك

فهاك نظما في أول سن التكليف مما عبر بقلمه عن وجدانه وذوقه من الانجذاب بقصيدته

يالله بالمصطفى الصنديد يالله

من أول العشرين إلى الثلاثين ثم نظمها من أول السلوك اللدني ليمر على الآثار قال الله تعالى أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها من نظمه ملين الصدور ثم مسالك الجنان بعد ثم التوسلات ومدح رسول الله صلى الله عليه وسلم من عمره الثلاثين وزيادة قليلة بعد وفاة الشيخ الوالد إلى قرب الأربعين افتتحها بمسالك الجنان واختتمها بتائيته في وصف القوم وذكر مناقبهم ووصف طريقتهم وسرد مزاياهم

وفي عام التاسع والثلاثين أو الثامن والثلاثين تجرد لخدمة الرسول صلى الله عليه وسلم وأعرض عن كل انتساب إلى غير عليه الصلاة والسلام بالصلاة والمدح فما ستقل سنتين حتى وقع البلاء الذي تصدى له من رمز تصديق قوله ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون

وأي البلاء تجانس مطمح نفسه وقوة يقينه من الأنواع التي عدها الغزالي في الإحياء فلا تظن أن البلاء بلاء أيوب عليه السلام وهو الذي ينزل بالبدر فإن بلاء نوح عليه السلام من البلاء العظيم إذ بلي بجماعته لا يزيدهم دعاؤه إلى الله إلا فرارا ولذلك لما تأذى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رحم الله أخي موسى لقد أوذي أكثر من هذا فصبر والحديث في البخاري

ثم قال الغزالي فلا تخلو الأنبياء عن ابتلاء بالحاجدين ولا تخلو الأولياء عن ابتلاء بالجاهلين ولذلك فلما ينفك الأولياء عن ضروب من الإيذاء وأنواع البلاء بالإخراج من البلاد والسعاية إلى السلاطين والشهادة عليهم بالكفر والخروج عن الدين وواجب أن يكون أهل المعرفة عند الجاهلين من الكفار كما يجب أن يكون المعتاض عن الجمل الكبير جوهرة صغيرة عند الجاهلين من المبذرين المضعفين في الترميذي البلاء موكل بالأنبياء ثم الأمثل فالأمثل

فنقول ما بقي من أنواعه نوع إلا أصاب منه رضي الله عنه إلا الشهادة عليه بما يخالف دين الإسلام فإنا على كثرة الاختلاف ما عثرنا على من أساء الظن به فضلا عمن اتهمه بأمر ما من أمور الدين ولا يتأتى ذلك لمن عرفه اللهم إلا من عرفه داء الحسد فإن الحسود يعاند الله في خلقه وأمره والله يعصم منه ويعيذ ولم نقف عليه ولم يبلغنا أما من لم يعرفه كل المعرفة ولم يتحقق أمره فلا أضبط أمره لأن المتحكم قد فك عن رقبته ربقة العدل وأطلق نفسه من قيد الحق إن حكمت عليه فأنا إذا نظيره في التحكم والظن إن لم يكن وإن كان فويل له قد خسر خسرانا مبينا وآذنه الله بحربه وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون

وإن كان ذلك كذلك فأنواع البلاء تعاقبت عليه من قلة الصحة وكثرة التضرر بالماء فجاهد نفسه واتهم الشيطان يتطهر بالماء ويتداوى من ضرره بحسب السنة في التداوي حتى تغلب عليه وصار الماء شفاءه فكذلك نصيبه من بلاء أيوب عليه السلام مع أمراض مضنية لا تنفك عنه غالبا في أيام دهره فيصبر عليها ويشتغل بخدمته معها فلا يعرفها فيه من لم يعرفه أما الإخراج والسعاية فأمرهما أشهر من أن يذكر وله في الإخراج أنس بحديث الوحي إذ قال ورقة ابن نوفل له صلى الله عليه وسلم ياليتني كنت جذع أخب فيها وأضع إلى أن قال صلى الله عليه وسلم أو مخرجي هم فقال له نعم لم يأت أحد بمثل ما آتيتهم به إلا أخرجوه

فقد مر بك مما مر من هذا الكتاب تلك الكارثة من الإخراج والتغريب وما يدريك لعل الله ادخر له هذا المقام من أقدامه صلى الله عليه وسلم على أيدي قوم ما نقموا منه إلا ما نقمته قريش عليه صلى الله عليه وسلم من الظهور بأمر الله والسوق إليه وتزايد المقبلين فما علمنا من الأكابر من جازف بنفسه دون مدارات ولا مواربة لإعلاء كلمة الله كهو ولقد نفى شياطين البغي عن أحزابه الكثيرة وقمع نفوسهم عن الانتقام لأنفسهم فبقيت أنواره في أفئدتهم حية تفعل في الصدور فعله يعلمون على الصراط المستقيم كما مهد لهم سلوكه وأجلى مظهر لذلك إخراجه من بينهم وهو أعز عليهم من مهجهم وفتنتهم إياهم من بعده فصبروا صبر الموحدين الصادقين حتى خفض الله أعداءهم ورفع أقدارهم من بينهم فكان من أمره ما كان

مما تظهر على بعضه في قصائده البحرية حين اختلى بربه واختص بنبيه صلى الله عليه وسلم قلبا وقالبا أما بلاء نوح في دعائه الصم فقد أنا خ بكلكلي مما تظهر عليه في جداله ووعيده وإهرابه من قصائده المذكورة فحظه رضي الله عنه من التوبة يبتدئ من الدرجة الرابعة من أقسام التوبة لأن التوبة كما قال القوم سبع مراتب وقد نظمها في وصيته منور الصدور وهي التي جدد بها منظومته الأولى ملين الصدور الذي هي أول ما قرر في التصوف وأول ما تلألأث فيه وجهته ومطمح همته لعبت بها أيدي التلامذة حتى فقدت صحتها فصبها في قالب هذه المنظومة منور الصدور لم تختلف عن الأولى إلا في نقط قليلة لاختلاف المقامين لأن الأولى في البداية والثانية في النهاية أما التقريرات والحدود فلم تختلفا فيهما وتلك النقط التي اختلفتا فيها هي ما يهمنا في تفهيم أول سلوكه من انجذابه وهو ظاهر في خطبته الأولى أعني مقدمتها نأتي بها إن شاء الله بعد سرد مراتب التوبة من المنور قال

فسبعة عدوا من المراتب لتوبة تدرى لدى المكاتب

توبة كافر من الكفر الشريد بإذن ربه إلى الدين السديد

وتوبة المخلص من كبائر وتوبة العدول من صغائر

وتوبة المخلص ذي الخيرات مما يسوءه من العثرات

وتوبة السالك لالتفات من علل القلب ومن آفات

وتوبة الورع في الجهات مما يسوءه من الشبهات

وتوبة المشاهدين تجري من غفلات القلب خوف زجر

قال أبو طالب المكي في القوت بعد كلام في التوبة ثم يفترض على العبد إذا عصاه الرجوع إلى مولاه وهو التوبة عقب وقوفه مع نفسه وهو موافقة الهوى على الخطيئة فتأخيره التوبة وإصراره على الذنب ذنبان مضا فإن إلى الخطيئة فإذا تاب من خطيئته وأحكم التوبة منه اعتقد الاستقامة على الطاعة وداوم الافتقار إلى الله تعالى في العصمة ثم يتوب أبدا من الصغائر إلى الهم والتمني ومن الخوف والطمع في المخلوق وهي ذنوب الخصوص إلى الطرفة والنفس والسكون إلى شيء والراحة بشيء

وهذه ذنوب المقربين حتى لا تبقى على العبد فيما يعلم مخالفة وحتى يشهد له العلم بالوفاء فتبقى به عنه من علم غيبه يكاشفه به فيكون هذا الخوف مثوبة لما فزع من علم نفسه إلى ما يمكن ذكره ولا يعرف نشره من ذنوب المقربين التي من صالحات أصحاب اليمين لفقد مشاهدتها وللجهل بمعرفة مقاماتها عند العموم فيكون حال هذا المقرب الإشفاق من البعد في كل طرفة ونفس إلى وقت اللقاء والخوف من الإعراض والحجب في كل حركة في هذه الدار إلى دار البقاء

قلت هذا تفصيل لما أجملوه لأن المفترض على العبد إذا عصى مولاه الرجوع وهذا عام لجميع المراتب بنسب المقامات والتوبة عقب الوقوف مع النفس وموافقة الهوى وإصرار هي توبة الكافر من كفره إلى دين الإسلام لأن النفس أمارة بالسوء والهوى مضل عن سبيل الله المصر ناس لربه قال الله تعالى ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوئ أن كذبوا بآيات الله وقال إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب وقال في سب المنافقين نسوا الله فنسيهم

فتوبة من هذه أوصافه الرجوع إلى مولاه بذكره كلمة الإخلاص لا إله إلا الله بلسانه والعمل بالطاعة بجوارحه بعد الإيمان بقلبه وهو نفس الرجوع إلى المولى جل ثناؤه ثم إن أحكم التوبة واعتقد الاستقامة على الطاعة وداوم الافتقار إلى الله تعالى في العصمة فهو مخلص سالك سبيل الرشاد ثم يجتنب الصغائر ويراقبها ولا يرتكب شيئا منها استخفافا واستصغارا فتصير كل مخالفة في حقه كبيرة فهو عدل وتوبته توبة العدول ثم يدفع نفسه عن الهم والتمني ويصرفه قلبه عنه خوفا واستعظاما لجانب من يراه فهي توبة العباد

ثم انتقض قلبه عن خوف كل مخلوق وطمع فيه ويعد رؤية الخلق شركا فهي توبة السالكين الصادقين الذين صدقوا في الزهد في غيره جل وعز ثم إن حاسب نفسه في كل طرفة ونفس أن يذهب سدى فهي توبة الورع المحاسب الأواه المنيب

ثم انقطع إلى مولاه وارتاح لجماله وهرب من سكون لشيء ونسي كل راحة لشيء ويرى كل شيء من هذه أعظم خطيئة في حقه من عظمة مولاه وداوم حضوره فهي توبة المشاهدين وتلك ذنوب المقربين حتى لا تبقى عليه مخالفة ويشهد له العلم بالوفاء

كما قال أبو طالب فتبقى ذنوبه من مطالعة علم الله فيه فهو أبدا بين مشاهدة عظمة الجلال فتعظم خشيته لتغلغله في العظمة قال الله تعالى إنما يخشى الله من عباده العلماء وبين مشاهدة الجمال فيرتاح له وينتهج قال الله تعالى ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون فلنات برمزة توضح لك ما كان عليه رضي الله عنه من دوام التوبة وآياتها من المحاسبة والمراقبة والمجاهدة من لطيفة واحدة وهي أنه كان يعتاد في جميع حركاته ثلاثة أمور تقديم النية ثم التسمية بلفظها ثم التيامن قال صلى الله عليه وسلم إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى كما في البخاري فترى ما في تقديم النية في لك عادة وعبادة وإخلاصها للمولى تعالى لتسلم العبادة من الإشراك كما قال تعالى ولا يشرك بعبادة ربه أحدا

وتكون العادة مطية العبادة لإقامتها واستدامة القوة لها من فرط المراقبة ودام الحضور والمحاسبة والمجاهدة فإن الجسم إما متحرك أو ساكن والكل إما عن اختيار أو اضطرار وعلى كل فالنية فيه مدخل أما في حال الحركة الاختيارية فبديهة أما في حال السكون ففي الرضى بالحال الواقع والتوكل والتفويض لأن الرضى بالقضاء إنما يكون عن الإخلاص في العبودية وهو النية والنية مبدؤها وهو تمامها

كما قال سهل ابن عبد الله رضي الله عنه إنه الهاجس والسبب الأول في حدوث الهم والإرادة والعزم والقصد وعلامة الرضى الطمانينة وهي السكون فعمل النية فيه أيضا ظاهر أما الحركة الاضطرارية كالعاديات والانفعالات فمتعلق النية بها حسن الظن بالله وصدق الرجاء له وهما أساس التوكل والتفويض ممن صحت معرفته بالله وصدق يقينه ذكر الله تعالى في الضراء والسراء وشكره كما اقتضته العبودية فلزومه الذكر وقيامه بالشكر لا يكون إلا عن إخلاص تام ولا يتم ذلك إلا بصدق العزيمة على أداء الواجب للمولى عز وجل

وهو تمام النية فترى من هذا أن لا يلازم النية في جميع الأمور والأحوال إلا دائم المراقبة لإطلاع الله تعالى الرقيب على جليه وخفيه المحاسب أنفاسه ليلا تنفلت ذرة منها إلا إلى ما خلقت له ولا يتمرن عليها حتى تصير عادة مألوفة إلا من جاهد في الله حق جهاده حتى انتصر فهداه سبحانه وتعالى سبيله فكان معه والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين

ولهذا المقام قرائن وشهود في ظاهر صاحبه أولها إخلاصها الدين لربه تعالى وقصد وجهة الرضى في جميع الحركات والسكنات ودليله عمارة باطنه بالمراقبة وبعده عن الغفلة والفضول فلا تجده إلا عاملا أو ذاكرا رهبة بالذكر ورغبة بالشكر لا فضلة فيه فهذا هو حاله رضي الله عنه فقد أتاه ذات يوم صديقه العزيز سيد المختار بن الشيخ سيدي الكبير وبش شيخنا في وجهه وفرح به وتلقاه بأنواع الإكرام فجعل الشيخ سيدي المختار يكرر من الانبساط كما عرف من حسن خلقه لفظة كيف الحال فصرف "شيخنا رضي الله عنه" الوجهة إلى ما يعني فقال له حالنا ترك ما لا يعني ممازحا له بالحق وتبسم إليه وكذلك متبوعه صلى الله عليه وسلم كان يمازح ولا يقول إلا حقا

وأتاه ذات يوم مريدا يباسطه بالسلام وجعل يقول كيف حالك كيف عافيتك كما هي العادة عندهم فقاطعه شيخنا رضي الله عنه لأنه من أهل تربيته ثم قال له أتعرف العافية العافية الإيمان والإسلام والإحسان والدوام عليها

وقد قال لي يوما رضي الله عنه داري هذا ما وضع شيء منها ولا من أمتعتها على سعتها وكثرة ما فيها من أصناف الهدايا إلا وهو قائم بالتسبيح والحمد زيادة على ما جبل عليه الأشياء من قوله وإن من شيء إلا يسبح بحمده وذلك أنه لا يضع شيئا ولا يرفعه إلا بنية صالحة فيسري القبول من الله تعالى لنيته إلى الهيئة المخصوصة لأجل همته رضي الله عنه والنية إكسير الأعمال كما في الصحيح "إنما الأعمال بالنيات" فلم يبق بعد هذه الكلمة الصادرة عن الشارع مرية في قوتها العاملة إن صدرت من المخلصين الصادقين وما أعزه من وصف لا يقوم به من له أدنى حظ مع مخلوق

حكى علي مريده الكبير الشيخ إبراهيم فال وهو من فرسان النية تلو شيخه قال لي إن أول ما عاقدت عليه الشيخ رضي الله عنه من العهد والبيعة قلت له إني لم يخرجني من بيتي إلا طلب شيخ موصل أجد من حاله نور الحق تندفع أمامه ظلمات الخلق وتنجلي به آيات الحق لو لم أجد أحدا ممن هذه صفته إلا قبره لبلغني صدق ونيتي فيه أملي

وإني أبايعك على أن لا أحظى من الدنيا بشعرة إنما همي الله والدار الآخرة قال فقال له شيخنا رضي الله عنه يا إبراهيم أنا لو لم أجد من آثاره صلى الله عليه وسلم إلا منظر هذه النجوم والسماء التي تحققت أنه صلى الله عليه وسلم كان ينظر إليها لوثقت بأن نيتي فيه ومحبتي كفيلتان لي بقضاء الحاج والأخذ باليد عن سابقة الحسنى من الله تعالى لمن رزقه الإيمان به والحب فيه على أني أبايعك على الامتثال والاجتناب وترقية الهمة إلى الله ولا ترج مني في الدنيا عريشا مظلك فضلا عن أهل ودار

وكذلك مريده الكبير آدم كي حين أتاه يبايعه قال له إن كنت تريد ذلك فشمر عن الأهل والمال واعرض عن الدنيا واقبل إلى الله والدار الآخرة ففعل وما لازمه يسيرا حتى انشرح صدره فانجذب وهو ممن كوشف له في العوالم كان كثيرا ما يظهر له ما أخفي له ويزجر تلاميذته عن الغيبة وهم بعيدون عنه

وكثيرا ما يرسل لأحد ينهاه عن أمر كان لابسه خفية عن الناس ويخبرهم بما ادخروا وما أكلوا في بيوتهم وكثيرا ما يظهر مكائد نصبت له عن ظهر غيب وكان موتى له في شفاء الأسقام والأوجاع بمجرد اللمس والمس

حكى علي بعض أهل كجور أن صمب لوب الأمير حين أسلم نفسه إلى الفرانسة في اندر وأخذوا سلاحه وخيله وهو في الجزيرة لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا دل على هذا الشيخ المريد آدم كي لبتوجه في استخلاصه بالدعاء فقال لهم آدم ذلك هين على الله إيتوني بتراب من كجور وأتوه به فبات معه فلما أصبح قال لهم تم أمركم فقد حصل مرغوبكم فسترجعون بالإمارة من عند هذه الدولة فما مضت أيام حتى صالحتهم الدولة ونصبوه أميرا

فقال له بعض إخوانه من المريدين بم حصلت لهم على هذا فقال لا من شيء إلا أني وضعت التراب أمامي واستحضرت باطن شيخنا رضي الله عنه مخاطبا له يا سيدي رد هؤلاء إلى أرضهم بالإمارة فكان ما كان وما أصبحت حتى لم أشك في قضاء الحاجة ببركته

وكذلك إبراهيم فال لم تمض على مبايعته له سنون حتى اجتمعت في أمره ونهيه على التربية ألوف من المريدين السالكين على يده وعشرات ألوف وأسلم بسببه ألوف من فساق كجور وبول وسين من بيوت الأمراء وأتباعهم فسبحان من يعطي ما يشاء لمن يشاء رغبوا عن الدنيا فطوعها لهم ورغبوا في الله فأفناهم عن أنفسهم وأبقاهم بمعرفته

فلقد عرفت من هذين الذين هما أول المريدين ما فتح لهم من الدنيا والثروة والغنى إنما هو فضل من الله تعالى لا طلبا منهم فبذلك وفقوا القيام بشكره تعالى من الإنفاق وأعمال البر والسخاء وإصلاح ذات البين وهدايا الصالحين ما لم يوفق لمثله أحد بعد الصحابة والتابعين قال عليه الصلاة والسلام في الإمارة من طلبها وكل إليها ومن لم يطلبها أعين عليها فلنمسك عند ذكرهم القلم إلى أوانه ونرجع إلى شرح بعض أحواله في مقاماته رضي الله عنه

فنقول ومن دلائلها ملازمة الذكر باللسان في جميع حالاته كما كان حاله صلى الله عليه وسلم فقد صح من حديث عائشة رضي الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم كان يذكر الله في كل أحيانه وقال تعالى الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم

فظهرت القرينة جلية من حاله رضي الله عنه فإنه لا يغفل ولا يتساهل عن التسمية في كل حركة وتصرف يتلفظ بها مرادفة للنية يعرفه المشاهد والمشاهد يرى ما لا يرى الغائب فترى بشرة وجهه تنبسط وتنقبض من أثر شهود الجمال والجلال عند كل تصرف ويمد بتعظيم وهيبة اللهم اسم الجلالة مدا ينبئ عن هيبة المذكور وعظمته في قلب الذاكر فإذا تم العمل ينشرح وينبسط انبساط من ارتاح بقرب محبوبه وتحضن في مقنط من عدوه

فكان رضي الله عنه يصرف كل ما لم يسم الله عليه حتى يجعله في هيئة سمي له كأن تضع عنده شيئا أو فرشت له فراشا أو صببت ماء أو صنعت طعاما إذا لم يسم عليه في التصرف يرفعه إلى أن يرده بتسمية

فإني قد حضرت ذات يوم أتاه مريد بطعام من صنع من لم يمارسه حتى يعرف عادته فقال له رضي الله عنه إلى الآن تأتيني بمثل هذه الأطعمة التي هي عندي كالميتة أما تعلم أن ما لم يسم الله عليه فهو كالميتة عندي ثم تبسم له وكان هذا منه رضي الله عنه تربية وحرصا على الحمل على السنة أما إنه لو لم يكن الرجل ممن ائتمنوه على دينهم وصار هم المسئول عن إرشادهم لما صرح له فضلا عن التأنيب فمراعته للتسمية في كل تصرف وعمل دليل قائم على قيامه بالسنة

فإن التسمية مشروعة في كثير من العادات والعبادات انظر في حديث البخاري إذا استجنح الليل فكفوا صبيانكم إلى أن قال فأغلق بابك واذكر اسم الله وأطفأ مصباحك واذكر اسم الله وأوك سقاءك واذكر اسم الله وخمر أناءك واذكر اسم الله مما هو مشير إلى أهمية التسمية في التصرفات كما هو معروف من أحوالهم رضي الله عنهم من مراعات الآداب من شهود المقام ومتابعة السنة وتحريها في جميع الأعمال فكان رضي الله عنه يتحرى السنة على الدوام ومنه ملازمة التيامن كما في حديث البخاري كان صلى الله عليه وسلم يعجبه التيامن في تنعله وترجله وطهوره وشأنه كله فلا تصدر منه رضي الله عنه لفتة ولا حركة إلا وتحرى التيامن فيها

أتـيته ذات يوم وفي جيبي هدية أرسله إليه معي مريده المجتهد العابد محمد فال فلما أتيته أدخلت يدي اليسرى في جيبي لأن شق الجيب كثيرا ما يكون في ذات الشمال ولما أخرجتها له انتهرني وسدد النظر إلي وقال أكذلك فارتعبت لأني كنت شديدي الحياء ممنه والهيبة له كما هي عادة قومه معه ثم قال ذات الشمال أي تعمل بها فحولتها إلى يميني وعلمت أنما بقي من أدبي واستناني أضعاف ما حصل

ومن شواهدها تنبهه وتنبيهه في كل طرفة إلى إيثار الأعلى فالأعلى والأفضل فالأفضل من إقامة العبادات والتشدد في الورع فإنه لا يفتتح مناجات من مناجاته إلا بالاستغفار ولا يمضي عليه يوم إلا ويعه حسرة من استحقار ما يحمله ظرف ذلك اليوم من الأعمال تغرب عليه الشمس كل يوم وهو في تأسف من قصر النهار من كثرة ما يحمله من القربات تلك الفرائض بشروط صحتها فكما لها وفضائلها

وتلك الرواتب في ذرى مواقعها قلا الفريضة وبعدها وتلك الفضائل من سبحة الضحى والمصحف فيما بينها فالمناجات في القلب ثم باللسان ثم بالقلم من الصلاة على سيد الوجود صلى الله عليه وسلم يرتدف عليها الاستغفار ثم الطلب والدعاء بكل إنابة وخضوع ثم فترات في حاجات المسترشدين والزائرين ينتقل بين هذه المراحل ولا يدخل في المرحلة إلا منيبا متأسفا لما يفتح أمامه من أبواب المراخي في تلك الفضيلة فيعد ما كان فيه عبثا مما استقبل فتجاذبه مزايا بعض الفضائل وتكر عليه ودواعيها من كثرة ترداده في الآي والسنن

فتنفتق نهمته نحوها ولا يغشاه الليل إلا قد طال انتظاره له حرصا على إحرار فضائل فرسانه فيقومه أجمع بين صلاة وتلاوة وتسبيح وكتابة في منحى هذه من الصلاة ومدح النبي صلى الله عليه وسلم إعظاما لجانب المولى سبحانه وتعالى من ظهور قدوته باصطحاب إرادته على كمال أول الخلق وأكرم نبي للحق غرقا في بحر محبته صلى الله عليه وسلم

فما التوبة النصوح في حقه رضي الله عنه إلا تنقلاته من كراسي الفضائل من بعضها إلى بعض ثم ترداده في أوساطها توبة لا يقف على كنهها إلا من يطلعها الله من غيب علمه كل لحظة توبة تقاعس عنها حظوظ العارفين

فيرتقي في مقامات وأحوال المكانة والقرب الزلفى إلى ما لا نهاية له من خزائن مزيده تعالى الذي لا يستغني عنه نبي مرسل ولا ملك مقرب قال الله تعالى مخاطبا لسيد الخلق "وقل رب زدني علما" وقال "لئن شكرتم لأزيدنكم" ولم يستغن عنه أصحاب الفردوس في روضات الجنات لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد ألم تره في أول بدايته يقول في يالله بالمصطفى التي ذكرت لك أنها أول انجذاب بعد سرد من توسل بهم إلى الله من أسمائه وأسماء نبيه خاتم النبيين وإمام المرسلين عليه الصلاة والسلام وسرد أسماء الأنبياء وأئمة مذاهب الفروع الإسلامية بعد الملائكة المقربين ثم بالأولياء والصالحين تفصيلا أو إجمالا فتراه في هذه القصيدة يقدم الاستغفار ثم طلب كفاية القطاع عنه دون الوصول فصل فيها وأجمل أليست هذه المنظومة تمهيدا لما سيحظى به من الكمالات والتحصين انظر كيف يقسم على الله تعالى بسيد الوجود وبالأنبياء والملائكة والصالحين ويقول

يالله بالمصطفى الصنديد يالله وبخليلك إبراهيم يالله

إلى أن قال

بلغ صلاتي وتسليمي عليه له والآل والصحب والأزواج يالله

ثم يقول

وأسبلن علينا رب عافية وهب لنا القصد في الدارين يالله

انظر كيف يوحد همومه ويصحح نيته على العبادة بالصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم كما أمر به فإنه لم يترك شيئا مما يتوسل به إلى الله من كتبه ورسله وملائكته إثباتا لأسباب المعرفة منه وجريا على مقتضى حكمة الباري وحمله الكل على السبيل المرضية عند الله تعالى تخليا عن نفسه وتحليا بكلمات ربه

أنظر كيف أظهر الفقر والعجز ومد إليه سبحانه يد الافتقار في إقامة حق العبودية من الامتثال يدعوه خفيا باسم الجلالة ويتوكل بالصالحين بعد صلاته على رسول الله صلى الله عليه وسلم إقرارا بأي الأعمال وإن بالغ العبد في تزكيتها فلا تتأهل للرفع إلا بكرمه تعالى لعدمية العبد في نفسه فضلا عن كسبه فاستشفع ربه في قبول عمله عنده

انظر كيف انجذب عن نفسه ورؤية أثر للغير إلا به تعالى ما ذاك إلا طي عجيب للمبتدئ ثم يتضرع إليه أن يوفقه لأسباب السعادات ويكفيه أسباب الشقاوات فيقول

وافتح لنا كل باب كنت فاتحه للصالحين من الخيرات يالله

واسلك بنا نهج رشد واكفنا زللا واطرد لنا الجن والشيطان يالله

وكملن كلما ننحو ونقصده وهب لنا كلما نختار يالله

ورض لنا كل ذي صعب وذي حرن ويسرن كل ذي التعسير يالله

فترى كيف وفق إلى هذه الجمل الجامعة التي أجمل فيها جميع المطالب ثم بعد هذا يفصل كما هو المختار في آداب الدعاء كما في زروق فإن طلب العافية وهو أول المطالب وفي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم علم عمه العباس الدعاء فقال له قل اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي فقو له رضي الله عنه وأسبلن علينا رب عافية

أراد بلفظ أسبل تمام العافية وعمومها على الأهل والمال في الدنيا والدين كما في لفظ الحديث وهو في النسائي وابن ماجه قال ابن حجر وصححه الحاكم اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي واحفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي وأعوذ بعظمتك أن اغتال من تحتي

قلت وهو بهذا اللفظ بكماله في الدعاء الكبير لشيخنا رضي الله عنه نبذة نفيسة من غوالي نفائس الدرر من مجموعاته في الأدعية المأثورة فإن إسبال العافية أكبر نعم الحياة لأن عافية الدين السلامة من المعاصي وسلامة العقيدة صحتها وسلامة الصدر السلامة من الابتداع والنجاة من جميع آفات القلب والجوارح وعافية الدنيا السلامة من وبالها والنجاة من شرورها ومصائبها وفي الأهل والمال السلامة من الخوف والنقص وسوء العشرة وكلما يشغل القلب من الآفات فمن أتم الله عليه العافية وأسبلها فقد تهيأ له أكثر أسباب النجاة إن وفق لهمة عالية ونية صادقة وإخلاص تام فلذالك أردفها بطلب القصد وهو الاستقامة على السبيل الأقوم قال تعالى وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر فجعلها مقابل الجائر ونقيضه وقال واقصد في مشيك

وفي الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لن ينجي أحدكم عمله قالوا أولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا يتغمدني الله برحمته سددوا وقاربوا والقصد تبلغوا قال في الفتح بالنصب على الإغراء أي إلزموا الطريق الأوسط المعتدل وقريب منه السداد وقال البخاري سددا صدقا وسددوا اقصدوا السداد أي الصواب والمقاربة كذلك أي لا تفرطوا فتجهدوا أنفسكم فيفضي إلى الملل والتفريط ومعنى الكل يرجع إلى الاقتصاد والدوام ومجموع ذلك هو الاستقامة فلذلك قالوا في قوله صلى الله عليه وسلم لمن طلب منه الوصية قل آمنت بالله ثم استقم إنه من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم فقال رضي الله عنه وهب لنا القصد في الدارين يعني الاستقامة في الدنيا بإقامة العبادة قلبا وقالبا وفي الآخرة بثمرتها في قوله تعالى تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا

وقال الغزالي ما معناه إن تعود السير على الصراط المستقيم في الدنيا يسهل المرور على الصراط الممدود على جسر جهنم من العادة الأولى ثم قال شيخنا رضي الله عنه

وافتح لنا كل باب كنت فاتحه للصالحين من الخيرات يالله

طلب من ربه أن بأخذ بيده وييسره لليسرى فإنه لا يجدي العبد كسبه وإن أكثر ما لم يرحمه الله تعالى ويوفقه بلطفه كما قال صلى الله عليه وسلم اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد فجرى على الأدب المطلوب الرائق علم على أن الله قادر على أن يعطيه ما أراد بلا عمل ولكنه إنما كلف الله عباده بالأعمال فترك العبد القيام بتكليفه مع رغبته فيما عنده جهل وسوء أدب

فطلب التوفيق للعمل المقبول ليسعى بتيسيره تعالى إليه سعيا مشكورا ولكمال معرفته بعظم كرم الباري عظم الرغبة فقال رضي الله عنه "كل باب" فقيد فقال "من الخيرات" لأن هناك أبوابا هي خير محض وأبوابا هي أيضا خير لكن باعتبار الغاية وقد تكون في الصورة إبتلاء وفتنة فكأن الله تعالى أسر إليه سيواجه به من البلاء والفتن فألهمه التقييد ثم الاعتصام به وطلب الدفع عنه

فإن الدعاء لا يضيع كما في حديث الإمام أحمد ابن حنبل وصححه الحاكم أنه لا يضيع الدعاء بل لا بد من إحدى ثلاث إما أن يعجل له دعوته وإما أن يدخرها له في الآخرة وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها وهو تعالى يقول فيما أتى في الحديث الصحيح أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا دعاني

فلذلك أكثر منه فما علمنا وما بلغنا ممن سلف من الصالحين أكثر منه طلبا ولا أوسع منه رغبة ولا أعظم أملا أولا ولا آخرا وقد استجيب له

فما بقي شيء يجوز وقوعه في الدنيا أو وقوع دلائله إلا وقامت لنا براهين صادقة وأعيان قائمة منه فكانت له قرائن أحوال ودلائل ترجح لنا إجابته فيما مقتضاه الآخرة وإن كانت كلها مآلها إليها عند النظر لذوي الألباب

ثم قال رضي الله عنه وايلك بنا نهج رشد واكفنا زللا واطرد لنا الجن والشيطان يالله

طلب من الله أن يرشده لأن السالك ملاك أمره الرشد وفاتحه قال تعالى ولقد أتينا إبراهيم رشده من قبل وقال حكاية عن أصحاب الكهف ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا فأول ما يهم السالك الرشد ولا يوفق له إلا الله وبعد الرشد قد تعرض الآفات والزلات من مضلة عن الطريق ومن مانعة من الوصول فقال واكفنا زللا نكره ليعم في سياق النفي والزال غير القاطع ولكنه عائق ومنه الفتور والكسل والتذبذب ورؤية العمل والعجب ونحوها من المهلكات

وطلب طرد الشياطين فذكر الجن والشيطان وإن كان إبليس من الجن لما كان من الجن من هم مسلمون لا تصدق عليهم الشيطانة ولمن فيهم فساق عصاة كالإنس وضررهم أخص من ضرر الإنس لما يحدث عنهم من الخبال في العقل والجنون والصرع وما أعطوا من التكييف والتسلط على الخيال خصوصا مع أهل الرياضة لاشتراكهم مع الملائكة في التروحر وما لهم من التلبيس في ذلك فالناشئ على المعارف الباطنية المحدث عن الوارد إلا لهي أما بمعزل عن الملك وإما عن ملك يستحق له أن يستعيذ من ضرر الجن والشيطان وتلبيسه وحين استعاذ بربه من العوائق والمفسدين بعد الإرشاد طلب منه تعالى أن يكمل له ما نحى إليه وما نوى من القيام بأوامره وفوض إليه الأمر والاختيار فقال "وهب لنا كلما نختار يالله"

فالله تعالى هو المختار أزلا وأبدا إلا أنه نسب لنفسه اختيارا في المصطفى من خلقه وإضافته إليه ليست بإضافة مخلوق لخالقه فقط بل إضافة تشريف أراده بحكمته وفضله فهذا الاختيار هو الذي ينافس في الاختصاص به والفوز أهل الله وخاصته وهو جار في الأقوال والأفعال والأحوال والأمكنة والملائكة والإنس والجن وبه تكريم بني آدم وتفضيلهم على كثير

ولعموم الاختيار في عموم الخلق سور المطلوب بكل يطلب منه أن يجعله من المختارين المصطفين الأخيار وأن يوفقه في كل أمر لخيره فقد أظهر بهذه العبارة الاستسلام وترك الاختيار والتدبير بأجلى مظاهرها فإنك ترى أنه ما طلب مطالبه إلا لعلمه على لسان الشارع صلى الله عليه وسلم أنه خيور وأنه تعالى مرغب فيها عباده مما هو معروف في دعائه صلى الله عليه وسلم ودعاء الأنبياء والصالحين في القديم والحديث

ثم كر ثانيا على بقية الأقران يستنصره تعالى عليهم ليظهرهم فيصرفون على النهج القويم وهو النفس والهوى والشيطان والدنيا

لأن الطرد إنما يحق عن الشر المحض الذي الشر ذات فيه أما ماله وجوه خير وجهة شر وهو قابل للصلاح وإنما يسخر ويراض بالتزكية ونواميس الخير وتخفيض وجهة الشر عنه وتضعيفها حتى تنعدم بالكلية فيصير خيرا محضا أو يغلب الخير في طبيعته بحيث يسهل الانتفاع به وتجنب شره ونفس المؤمن ليست شرا بذاتها بل هينة لينة مع قابلية الصلاح

وإنما يطرأ لها الشر من الجهل والمعاصي والاسترسال في أسبابها فلذلك قال رضي الله عنه

ورض لنا كل ذي صعب وذي حرن ويسرن كل ذي التعسير يالله

فإن النفوس ليست كلها خيرا محضا ولا شرا محضا بل منها ومنها كما قال في منظومة له وصية

إن نفوس الناس في أقسام أتت ثلاثة من الأقسام

نفس تكون حرة سليمة من كل عيب بالهدى معلومه

وبعد كريمة لدى الإله كارهة لما يجر عيب لاه

وبعدها خسيسة توجهت ولما يضر بالهدى ما انتبهت

حرتها ليس الشراء يقع قطعا عليها وعلاها تقع

ويقع الشرى على الكريمة من قائد لمن يشا تكريمه

أما الخسيسة فليست تشترى للخسة التي بأعين ترى

حرتها انسب لجميع الأنبياء عليهم أزكى سلامي ربيا

وانم الكريمة لقوم يؤمنون بالعمل الصالح أيضا يذعنون

وانم الخسيسة لمن لم يسلموا وغير أنفس لهم لم يظلموا

فنفس المؤمن تراض وتساس على الهدى والصلاح إلى أن تطمئن وتزكو فتفلح وكذلك هواه حتى يكون تابعا لما يرضاه الرب تعالى وينقاد فيلتذ بالطاعات والمناجات بدلا من التكلف

وكذلك الدنيا تمتطى للآخرة وتزرع لتحصد فيها بالأعمال الصالحة والحلال الطيب من الرزق قل من حرم زينة التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق وفي حديث عمر ابن العاص في غزوة بعثة إليها صلى الله عليه وسلم فقال له من جملة ما قال نعم المال الصالح للرجل الصالح فقد رأيت هذا الإعراض عما ما سوى الله ورسوله والدار الآخرة يستنصر الله في الإعراض عما سواه ويعزم على الإقبال بالكلية إليه

ودمرن كل أعداء تضر بنا قبل الوصول لنا يالله يالله

تحصن بالدعاء والنداء المكرر ليسبق السريع بنصره على الأعداء فيدمرهم وهي عبارة عن استيصال شأ فتهم ليؤمن جانبهم فيتفرغ لما انتصب له بعد أن قال

طول لنا عمرنا صحح لنا بدنا وهب لنا الرشد والتوفيق يالله

عطف على ورض لنا كل ذي صعب لأنه لا يكمل الأمن غالبا خصوصا لمن هو مثله في الحرص والأكثار من الخيرات إلا من طال عمره في الطاعة فيكثر عمله ويطول قيامه بالعبودية في دار التكليف

ففي الترمذي أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم أي الناس خير فقال من طال عمره وحسن عمله وقال حسن صحيح ولا يتأتى إقامة أركان العبادات ورسومها إلا مع صحة البدن ليلا تنخرم عزيمة من العزائم فلا تؤتى الرخص إلا في أمور جزئية إظهار الافتقار والعجز لا تكاسلا وقصورا

وملاك الجميع الرشد كما تقدم والتوفيق وأول التوفيق الإيمان والهداية له وكماله الرشد بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان ومن استهدى إلى الصراط المستقيم فحر أن يستعصم بالله من العوائق والقطاع ولذلك أتبعها بقوله

ودمرن كل أعداء تضر بنا البيت ومن يعتصم بالله فقد هدى إلى الصراط المستقيم ففي هذا البيت إيجاز عجيب مع جمع عظيم أما علمت أن المهدي إلى الصراط المستقيم إذا سلم من العوائق عن الوصول فقد فاز مع الذين أنعمت عليهم كما في أم القرآن غير المغضوب عليهم ولا الضالين

لأن كل سالك إلى أمر وهو غير منقطع هو واصل وقوله رضي الله عنه ودمرن ألبيت أجمل فيه ما في الآية ولا يريد غيره

ثم أخذ يعتصم بربه من مصائب الدنيا وبلاياها ما دام حيا لكونه عرضة للنوائب إرشادا من الله تعالى له ليرتب عليه الإجابة فضلا منه وحكمة فقال

وكن لنا عاصما من كل مهلكة ونجنا من بلايا الدهر يالله تأمل السر في العبارتين من الهلاك والنجاة فإن الأولياء محفوظون من الهلاك لأن حقيقته الفساد والله لا يحب الفساد والأولياء يحبهم ويحبونه فهما على طرفي نقيض فعلمنا أنهم معصومون من الهلاك لأنهم محبوبون والله لا يعذب حبيبه

فبذلك طلب العصمة من كل مهلكة لأن الإجابة مرتبة على الطلب وأنواعها على أنواعه وطلب النجاة من البلايا لكونهم لا ينفكون عن البلاء ليبلوكم أيكم أحسن عملا ولحديث أشدكم بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل إلا أنه ينجي المؤمنون ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون وكذلك ننجي المؤمنين

والنجاة إنما يكون بعد الملابسة أو المقاربة من الرعب والفزع والعصمة تكون ابتداء وتمنع الملابسة فبذلك عبر عن السلامة من المهالك بالعصمة ومن البلاء بالنجاة فأعظم به أدبا من آداب المعرفة ومراعاة لسر القدر ثم فصل بعد هذا واسترد أشياء كثيرة مما يصاب به الإنسان فقال

وآفة عاهة مع غصة محن زلزلة شدة والفقر يالله

إهانة ذلة مع غلب وفاقة عطش والجوع يالله

وفتنة والوبا والحرق مع غرق والبرق مع سرق والكد يالله

حر وبرد ونهب كربة نعم ضلالة عرج والغم يالله

وهامة وخطايا ضالة زال والمسخ والقذف ثم الخسف يالله

وقلة مع جنون علة مرض ثم الجذامين والنقصان يالله

ومن قبيحة دنيا ثم آخرة ومن فضوحهما يالله يالله

سرد هذه الأشياء سردا يستعيذ بالله منها إقرارا بالعجز وإمعانا في الفرار من سوء القضاء والقدر إلى الله ورحمته وصدق الالتجاء إليه وخوفا من مكره تعالى مع التعبد بالإتباع في ذكر المخوفات كما ذكرها الحديث أو أكثرها كما سنبينه قريبا تبركا بلفظ الحديث لنكفى المستعاذ منها به وبلفظ القديم المقبول

فصل

ولما فصل هذا التفصيل شرع يستأنف الافتقار إلى ربه ويقيم شعار التعظيم بالقلم عن القلب فقال

يا من على كل شيء قادر وعلى العرش العظيم استولى بالقهر يالله

إني سألتك قلبا خاشعا متوا ضعا وعلما كثير النفع يالله

وتوبة قبلت مع مكنة رفعت مع زوجة صلحت بالدين يالله

وبمثل هذا الإلحاح تعرف هجيراه في العبودية والإلحاح شعار الكمل من الأنبياء والأولياء وهو حال العبد القائم بأوصافه لما فيه من مغايرة أوصاف الرب فإنه تعالى الغني الحميد ونحن الفقراء العبيد

وأيما عبد من العباد أصدق فقرا إليه وأخلص دينا له فهو أجدر بالحظوة عنده وأولى بالتقريب ولو لم يشهد لهذا إلا اختياره لنبيه وإيحاؤه إليه قل أدعو الله وأدعو الرحمان أيما تدعو إهدنا إلى الصراط المستقيم رب زدني علما حتى في دار الجزاء في موقفه تحت العرش في المقام المحمود يقول صلى الله عليه وسلم فأحمد ربي بمحامد علمنيها وفي طريق فأثني على ربي بثناء وتحميد يعلمنيه لكفى أعدل شاهد فمن شواهد شيخنا رضي الله عنه إرشاد الله إلى الإلحاح في الدعاء وإلهامه له ما هو أولى وأشمل من غيره كالمنصوص في الآثار وما فتح به عليه وحاله مع الطلب رضي الله عنه عجيب فإنه لا ينفك عنه حال بدايته وحال نهايته سواء في حال استغاثاته في المجاهدة وحال تحدثه بالنعم بعد الوصول والتمكين مما يدل على كماله في المعرفة وصدق استيلاء عظمة المولى عليه في حالتي الهيبة والأنس والفناء والبقاء

ومن أسنى أحواله الأدب العام مع ربه عز وجل في كل شيء ومع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وإيثاره ويظهر ذلك في آدابه في الدعاء الذي هي أكثر أعماله بعد الذكر المفرد ومفهومه أن الدعاء ذكر كله لأن المدعو مذكور بالضرورة فليس بينهما أكثر من أن الأول نعت مولوي خاص به من حيث أنه الرب تبارك وتعالى والثاني النعت من العبد من حيث أنه مربوة فما ثم إلا ما هو ذكر له بالالتزام

وأدب الدعاء استنزال المدعو الكريم بتمجيده والثناء عليه والتقرب إليه بامتثال أمره وتقديم ما قدم الأولى فالأولى ورسوله صلى الله عليه وسلم أولى بالمؤمنين من أنفسهم ومن حقه علينا الصلاة وجوبا في العمر ولو مرة وقربة على الدوام فكان رضي الله عنه يقدم الحمد والثناء ويثني بالصلاة عليه السلامان ثم يأتي بالطلب بلوازمه من التضرع والخضوع

وفي الحديث الصحيحي إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد ربه والثناء عليه ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يدعو بما شاء كما في الترمذي وصححه وستظهر على نمط من طلباته في أنظامه إن شاء الله تعالى

وهكذا رتب هذه القصيدة من تجديد الطلب وداوم الاعتكاف والعكوف بالباب وصدق التوجه وأفراد الهمة قد قلنا لك إنه أنشأها أول ما ظهر للناس استقلاله دونهم إلى بارئه وما نريد منك إلا أن تقف على بعض ملامح بداية سلوكه وأنه ما عرج ولا عول على شيء ولا على أحد إلا على الله بطاعته وحب رسوله صلى الله عليه وسلم

فما تخلل ذلك من الجولان وطلب المشائخ ما هو إلا طلب تحقيق الرجاء أن يعثر على من يأخذه بيده إلى منتهى همته يستعين بكتب القوم أخص الغزالي بالذكر ثم اليدالي أما الغزالي ففي التحقيق ووزن الأمور بميزان الشرع في المجاهدات والسلوك وأما اليدالي ففي التحقق والتصوف

فمن أقدم كتاب في التصوف نظم بداية الهداية للغزالي كما مر بك وتعرف في فاتحة نظمه لها ملين الصدور مقدار ما بلغ إليه قلبه من مقاطعته الدنيا وصدق العزيمة في طلب الآخرة ترى منه ذلك الانتزاع الشديد من أمر لأمر كيف صدره بالافتقار على عادته والتعرض لنفحات ربه ثم الثناء على الله بتقديسه بجلائل أسمائه الحسنى وصفته العلى

يقول أحمد البكي المرتجي من ربه عفوا وفتح المرتجي

الحمد لله الذي التصوفا جعله علم التقى وشرفا

سبحانه ربا لمسلك سريد هدى بالاختيار صفوة العبيد

المالك الديان ذي العرش المجيد المبدئ المعيد ذي البطش الشديد

الخالق الانسان والجن معا ليعبدوه مخلصين أجمعا

أنظر ما تضمنه هذا التقديس بهذه الأسماء العظام كيف تجلى فيه جلال الهيبة عنده وعظمة المعبود وما استحضرت هذه الصفات في قلب ثم يشاركه شيء فيه البتة كيف لمن نظر إلى مولاه بهذه العين أن يسكن إلا تحت أمره ويسجد له سجودا أبديا لا يرفع منه من مراقبته تعالى

كما قال سهل ابن عبد الله وقد سئل هل القلب يسجد فقال نعم إلى الأبد قال بعضهم ولقد صدق الشيخ أبو مدين رضي الله عنه حيث قال ليس للقلب إلا وجهة واحدة متى توجه إليها حجب عن غيرها ثم قرن رضي الله عنه التوحيد بالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وتلك عادة نشأ عليها بفطرة الله صلاة ضمنها ثناء بذكر بعض أوصافه الحميدة وقطعا أول ما يسبق إلى روعه تلك الأوصاف التي رأى فيها أعظم غبطة ولا يرغب في شيء رغبته فيها إلا أن صاحب الحاجة أعمى كما يقال وحاجته الإقبال إلى الله والزهد في غيره ولذلك قال

ثم الصلاة والسلام ما اجتهد وأهل التقى في طاعة الله الصمد

على الرسول الزاهد الأواه المرشد الخلق لدين الله

القائل لدنيا لنا سجن شديد محمد ذي العقل والرأي السريد

وآله وصحبه الناهينا أنفسهم عن الهوى الهادينا

هذه الأوصاف هي أمدح وصف عنده لأن فيها قلبه وطمعه وفيها صغوه ورغبته قال تعالى ولتعرفنهم في لحن القول ألا تراه يقول عند التخلص إلى نظم الكتاب

وبعد فاعلم أن خير ما اشتغل فتى به علم ودين الله جل

من فاته هذان في دنياه مشتغلا بالمال عن هداه

فما له غدا سوى العذاب ونقمة الله بلا ارتياب

فلنمسك القلم عن سرد القصيدة لأن ما يهمنا أن نفهمك من أحواله ما تفهم به بعض أموره لا أنا نريد من نقل هذه الأبيات من منظومته أن نعلمك التربية ولا أن نزيدك علما بالتصوف أو بعلم من العلوم ولكن لتقف على مثال شعوره الديني وتأثر عواطفه صبيا في أول السن من بواعث الإحساس الديني من أعماق قلبه غريزة لدنية بينها وبين انفتاق نوره القدسي تعالى هو ما بين اصطكاك السحب لينبثق منها البرق الخاطف

هذا ولم يزل ذلك دأبه وديدنه من المحاسبة والمراقبة ومجانبة الشبهات إلى أن أده التشدد إلى العزلة الباطنة عن الخلق وفي المخالطة الضرورية فكان من أمره ما كان من التماس الأصحاب والرفقاء من فرسان الطريق وقد أرشد الله إليه بعض رواد التحقيق وطلاب الصدق لما اطلعوا عليه من تنسكه وسلوكه ووقفوا عليه من تقييداته وتآليفه ومن سلك على يديه فبعثهم إلى المقام معه باعث العلوم

إلا أنهم ما لبثوا أن غشيهم من كمال تقواه وعزيمة همته ما غلب على شعورهم وتسلط على هواهم فتاهوا في محبته وانجذبوا لطاعته فساح بهم عن سوء العادات وسما بهم إلى آداب المعاملات فقام في تحقيق الورد القادري إذ قد تنبه عليه من انتظام أهل بيته في سلك

وأول ذلك أنه كان شيخ من أقارب الشيخ الوالد يسمى صمب تكلور وكان ابن خالته ويقاربه في السن سبقت له رحلة في طلب العلم إلى أن حصل على حظ وافر منه ثم بلغه ذكر آل الشيخ سيدي تلميذ آل الشيخ سيدي المختار الكنتي فكتب الله في قلبه زيارتهم والأخذ عنهم

فذهب إلى الشيخ سيدي باب ثم مكث معه زمانا ثم رجع إلى أهله بالورد المذكور وكان يذكر لهم من صلاحه ما قبلته فأخذوه منه ثم من جيرن إبراهيم بعده تجديدا

وكان صمب تكلور هذا رجلا صالحا وعالما بارعا قرأ عليه شيخنا رضي الله عنه بعض مبادئ العلم وأتذكر منها الرسالة وأظن أن منها السنوسي ولا أدري هل منها بعض النحو والقوم إذ ذاك في سالم أيام مبه المتقدم الذكر ثم بعد خروج الشيخ الوالد إلى كجور بعام وشيخنا في سالم مع معلمه ذاك استقدمه الشيخ الوالد وشرع في إتمام تعليمه كما أخبرني العلامة امبك بص والشيخ المسن بك مان

وهذا السبب في أخذ القادرية أولا ثم يعد التحقيق لم يكفه ما تحصل عليه منهم فذهب إلى الحاج كمر في اندر وكان ممن تخرج على يد الشيخ سيدي وتردد إليه مرارا ثم لم يحصل عنده على مراده مما يرقي همته إلى الحقائق الشرعية ودقائق التصوف فأبقى له الأدب وذهب إلى آل الشيخ سيدي

والشيخ قد توفى فخلفه ابنه سيدي محمد وتوفي قريبا منه ثم خلفه ابنه باب الشيخ سيدي الأخير فلبث معهم بريهة فحصل على ما عندهم وأكثر أسرار كتبهم فلم يشق غليله لأنه لو كان يريد شيخا لكفاه من لقي شيخا ولكنه كان يريد دليل حق على الله ورسوله بالأقوال والأحوال والإشارات والأعمال ليصل إلى الله بلا إشراك على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم

فانقلب من عندهم راضيا بسيرتهم بلا ري من سقيهم فبحث عن التيجانية والشاذلية فزار آل حمد ورؤساء الطريقتين فلم يكن نصيبهم من ترقيته أكثر من نصيب الطائفة الأولى

فجدد التوبة وانقطع رجاؤه من مشائخ العصر وتضعضعت ثقته بظواهر الأوراد فأقبل إلى الله بقلب منيب وتوصل برسوله صلى الله عليه وسلم بالخدمة والصلاة على السنة والعمل بالقرآن تلاوة وتدبرا

فكان هذا الإعراض وهذا الإقبال فاتحة عصر جديد في التوبة من التقليد لإلى الإقتداء ومن التمسك بالرجال على التمسك برسول الله صلى الله عليه وسلم

فإن من العباد من يجعل الله فيه غريزة فتحركه للاستدلال ثم يوفقه للدليل الحق فيتبعه فيوافي به الحق وآيته الصدق في الطلب والتحفز من الاضطرار وانتظار الفرج من اللطيف الخبير والأصل في ذلك صحة الإيمان فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يؤمن بالله يهدي قلبه

فترى الانقلاب الذي برزقه مسالك الجنان وفاتحته التائية لأن ما قبل المسالك ففي البحث والتحقيق يتخلله التشوق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والدعاء والاعتصام وفي زمن المنظومة ففي التحقق وتنزيل الأمور منازلها والتعويل على حقيقة الحق وهو الكتاب العزيز ومقتضاه من أتباع الرسول صلى الله عليه وسلم وما جاء به وتعزيره وتوفيره والتنويه به افتداء بالكتاب في مدحه وتركيته

أما التائية ففي الترقي عن الأسباب إلى المسبب ومن تعود الأعمال إلى الاتصاف بالأحوال فكانت بداية في التوبة أيضا وولادة معنوية أخرى يحضنه فيها اللطف وتربيه المشاهدة في كنف خير البرية صلى الله عليه وسلم

فصل

وكان التحقق في أواخر عام يسش وفيه حصل التعرف بالأشياخ الكرام بواسطة العناية من طريق الأوراد لا ترقية الملقين وإن كانت لهم منه الاعتناء والعهد المرعي فتراه يصرح بمبايعة الشيخ الجليلي بقصيدته التي أولها

يقول أحمد الفقير جدا الطوبوي القادري وردا

الحمد لله على كوني خديم لحضرة الخطب المكرم الكريم

إلى أن قال بعد أبيات في التنويه والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم

هذا وإني اليوم ذو رضاء بالله ربا حق بالثناء

وبهدى الإسلام دينا وسبيل وبمحمد نبيا ورسول

وبكتابه وبالبيت دليل وقبلة لغيرها لست أميل

وبعقائد السنوسي الشريف عقائدا في حق ربنا اللطيف

وبطريقة الشريف الجيلي طريقة تمنع من تضليل

وبتفقه الإمام مالك تفقها يمنع من مهالك

إلى أن قال بعد أبيات في التوسل إلى الله بأسماء الجيلي وألقابه المعروفة عند أهل طريقته

يا شيخنا يا غوثنا يا قطبنا يا بعضنا بل كلنا ياحبنا

ها إنني اليوم مبايعا لكا وخادما لا تحرمني فضلكا

ضمنها كل ثناء وتفخيم وتلطق وعقيدة صادقة مع الالتجاء إلى الله في الترقية بالشيخ ثم ما وقع له مع الجيلي هو الواقع له مع شيخي الطريقتين إلا أنه مع الجيلي في رتبة المبتدإ ولم يأخذ الطريقتين إلا بعد الاستبصار ولتنبهه عليه في أول السلوك كما تقدم

فتفاوت المراتب فلذلك لم يكثر ذكرهما والدوران لملقني ورديهما كما أكثر في طريق الشيخ المتقدم لما تبين الفرق بين المريد الذي لم يزل في رتبة الصحبة وبين من ارتقى إلى درجة الملاقات والترقية

فتراه يحلهم محلا واحدا بعد الارتقاء لخدمة الرسول والأخذ عنه صلى الله عليه وسلم وله في كل منهم ثناء وشكر ولهم عليه منة الاقتداء بهم والشاهد على ذلك إسباله الحرمة لهم ولأصحابهم من أول أمره إلى آخره

فما منا من لم ير رسل القادريين يهدي لهم الهدايا الوافرة ومشائخ الشاذلية يجلهم ويوفر لهم النوافل واللهى العظام من آل حمد وآل متال وغيرهم وكذلك التيجانية لم يزالوا في مواصلة معه ويكرمهم الإكرام الزائد ويجل مشائخهم كالأشياخ العلويين الذين كثرت وفادتهم عليه ورفده لهم وشاع ذكره بين صغارهم وكبارهم وملأ الدفاتر محاسن شعر شعرائهم

وكذلك إخوانهم في الورد من السودان طال ما أراهم ينزلون عنده ويوسع عليهم ويهيئ لهم المجالس الطاهرة ليؤدوا وظائفهم

وكذلك غير الثلاثة ممن عرف بالصلاح يحفظهم في بينهم ويحيي ما أمكنه من تواليفهم وذكرهم جزاه الله خيرا هذا و لما تقبل الله منه ولقنه الشيخ أوراده مشافهة لم يقنعه ولم يقعد بهمته وقد علق القلب بمحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم تعلقا لا يكفيه منه إلا المخالطة ومتى عهد في العرائس أن تبلغ الخلة منهن مبلغ الإيثار بالفراش فرجع إلى الله وإليه المئاب مخلصا إليه في الافتقار والاعتماد ليرفعه إلى مواصلة الحبيب الذي لا يقر له قرار إلا بوصلته

كيف وقد تخلل العشق بين أفنية الدم والعروق منه وكذلك الإيمان حين تباشر بشاشته القلوب فكان هذا الرجوع والإنابة إلى الله تعالى فاتحة عصر جديد في حياته وتوبة جديدة في مقامه وكان ذلك في عام أيسش

فتقرأ في قصيدته المرتبة على حروف أبتثجح رجوعه من الافتقار إلى المخلوق إلى الافتقار إلى الخالق ومن التوسل بالأسباب إلى التوسل بخير سبب وأوله سيد الوجود صلى الله عليه وسلم ويصرح بمبايعته له عليه السلام وتفريده من بين الوسائل ولكل حرف من حروف الهجائية أبيات قال في أولها

الحمد لله الذي صرفني بلطفه عن بدع للسنن

أشكره جل على الكتاب والسنة البيضاء والصواب

أشكره على الفروض والسنن ثم على غيرهما من المنن

أستغفر الله الذي يجري القضاء بإذنه مما جنيت ومضى

أبايع اليوم الرسول المصطفى بخدمة وأسأل الله الوفا

أعاهد الله على أخذ الكتاب بخدمة المصطفى باب الصواب

أحق جملة الورى بخدمتي بالنظم والنشر رسول الرحمة

ثم قال في حرف الباء

بالله آمنت ووجهي أسلم عبدا له ولنبي أخدم

بالله آمنت وبالقرآن وبرسول الله بدء شأني

بمدحي الدهر رسول الله وبصلاتي عليه جاهي

بمدحه الفوز عند موتي كما به أدرك كل فوت

بخدمة الكتاب والحديث يثبت لا بذهب موروثي

ثم طفق يعدد المناقب الكثيرة من آخر هذه الحروف فقال

بجاه أحمد حبيب الله لم تخرق النار خليل الله

بها نجا الكليم من فرعونا كما بها نال عليه العونا

ثم سرد أبياتا كثيرة على هذا النمط النفيس وما أحسن قوله فيها في حرف الزاي

زينة أهل الأرض والسماء وزينة الدارين ذو اللواء

زينت نظمي بذكر المنتقى وارتجي بذكره كل ارتقا

زهدني طلوع شمس في نظر إلى النجوم في السماء والقمر

زهدني خدمته المرضية في خدمة الملوك الهديه

زمامي اليوم جعلته أبد في يد أحمد لطاعة الصمد

إلى أن قال في حرف الظاء

ظفرت بالكتاب والحديث شاكر من مر بالتحديث

ظفرني الوهاب بالقرآن والسنة الغراء بالعيان

ظهر لي أن اعتصاما بالكتاب وبحديث المصطفى وهو الصواب

ظهر إلى الله التجا من يومي هذا بذين لأجل يوم

ظللت عابدا خديما للرسول من عام أيسش إلى عام الرحيل

ظلم نفسه الذي لم يعتصم بالعروة الوثقى الذي لا تتفصم

إلى أن قال في حرف الكاف

كتاب ربي غدا أنيسي من بعد كون المصطفى رئيسي

كراماتي ومفخر وجاهي كتاب ربي ورسول الله

فهل بعد هذا التصريح شك في تقلب أموره بفضل مقلب القلوب إلى أرقى ما فيه إمكان العبد من التوجه إليه والصدق فيه

قلب قلبي لامتداح أحمدا وارتجي بها الشفى من كل دا

قلبت الخدمة نحو المجتبي وذاك فاق ملء الأرض ذهبا

فهكذا تراه لا يعول إلا عليه سبحانه وتعالى برسول الله صلى الله عليه وسلم لتلاشي أنوار الأقطاب في نوره الباهر عمد معاينته له عليه الصلاة والسلام كما في البيت المتقدم

زهدني طلوع شمس في نظر إلى النجوم في السماء والقمر

وهذه العبارات بهذه الاستعارات لطيفة وهي ذكر النجوم قبل القمر لأن النجوم أكثرها أكبر جرما من القمر وأبعد فلكا ونور أكثرها ذاتي ويقدم مارئ منها عند بعد المتقدمين بقكد ألوفا عدد الأنبياء والمرسلين

فكأنه يشير بها إلى الأنبياء لكون النبوة ذاتية في النبي غير مكتسبة وهم أعلى مقاما وذكر القمر يعبر عن القطب لأن أل للشمول إذ لا يمتنع من كونه لم يوجد منه إلا واحد تعدده في العقل والخيال عند التصور بل في الواقع أيضا عند أهل الهيئة لأن القمر عبارة عن كل سيار تابع لنظام الشمس مستفيد منها كما تقرر

ولا ينبغي أن نطيل فيه لأنه ليس من قصدنا وإنما ذكرنا منه ما ذكرنا من أجل إبراز بعض اللطائف والرقائق من كتاباته وعلومه التي لا نزال قطرة من بحورها وذلك أن نور الأولياء مستمد من نور شمسه صلى الله عليه وسلم عبر عنه بالشمس في مقام تجليه في عالم دار التكليف من تنزله لختم الرسالة وإفادة العبادة في بقية الدهر فلذلك قال شمس بالنكرة ليؤذي أن هناك شمسا باطنة وهي حقيقته صلى الله عليه وسلم الفائضة على النيرات كلها في العوالم من نبي وملك وولي

فسبحان من يعلم من لدنه من يشاء من عباده ويوفقه لرضاة تعالى جده فانقلب كل أمر من أموره رضي الله عنه فقد كانت الوجهة إلى بيوت المشائخ فصارت إلى بيوت العلم والعلماء لإحيائه وإجلال ذويه وأبقى لمشائخ الطرق الإكرام والإسعاف والاحترام على حد الحظ من التحابب في الله والمزاورة كما ورد في الحديث "وجبت محبتي للمتحابين في والمتزاورين"

مع ما للمنتسب من حق يراعى فيه من أجل ما انتسب له كما قال الشيخ زروق الانتساب مشعر بعظمة المنتسب إليه والمنتسب فيه في نظر المنتسب فلذلك لزم احترام المنتسب لجنان الله تعالى بأي وجه كان وعلى أي وجه كان ما لم يأت بما ينقصه عن التعظيم فالنقص كمخالفة الشريعة صريحا فيتعين مراعات نسبته وإقامة الحق عليه الخ

وعلى حد ما قال الجنيد وقد ريئت السبحة في يده فيقل له أما استغنيت عن هذه فقال طريق وصلت بها إلى ربي لا أحب مفارقتها

وليست السبحة هي الطريق ولكنها آلة من آلاته وما ماعون من مواعينه فتكون له حرمة يحفظ له الأدب

وكانت التربية بالأوراد فصارت بإقامة شعائر الإسلام واستدامة الذكر والتذاكر فصارت تابعة بعد أن كانت مسايرة وكانت التواليف في تحقيق العلوم الشرعية فصارت الكتابة في التحقيق بحقائقها والاتصاف بمحامدها وغادرها رسوما ثبت عليها مدارج السلوك لمن عني بالهدى وكانت المعاملة مع المعاصرين بالمدارات والمصالحات فصارت إلى الصراحة في الحق والمقاطعة على حدود الشرع أعني به أن تكون المعاملة بحسب مقتضى الشرع حبا وبغضا بلا مدارات ولا مداهنة

وقد أوضح ذلك عالم كجور وقاضيها مجخة كل الذي هو محك النابغين في الفنون والأحوال إذ بعث إليه تلميذه اللبيب ذا المروءة الكاملة والعقل الرزين عبد الله جان لحاجات دنيوية في هذه النوبة فرد شيخنا رضي الله عنه بصراحة أسعفه بما أمكن وما لا يوافق منها وقته بين له فيه العذر في محاورة قصيرة

حكى علي الرجل أنه مكث ببابه طويلا وهو لم يألف أن يحتجب عنه لا عند العلماء كمجخة كل الذي هو من أعظم رياسة في ذلك الوقت ولا عن أمراء كجور وبول قال ولما لقيته بعد الاحتجاب لم ينبسط لي انبساطا واسعا كما كنت أتوقع لي

ثم لما بلغته الحاجة صرفني في الحال قال فثقل ذلك علي حتى عرفه في فقال لا يثقل عليك ما وقع ولا تهب مجخة أن تبلغه جوابي فليكن نطقك وحبك وبغضك في لله ولله فقط فإذا لا يسخط عليك من أرسلك وإن استحقرك وسخط عليك لا يضرك شيئا لأن احتجاجي وقلة فراغي إنما هو لشغل شاغل أهم من الأمور الدنيوية بل لا نسبة بينهما ولا مفاضلة

قال الرجل فدخلني شيء في نفسي هون علي بعض ما كان ثم رجع إلى شيخه ولعله تفطر بعض التفطر لذلك الشغل فتفكر شيخنا رضي الله عنه في تحريكه لوجهة أخرى ليقف على كنه ضميره ومبلغ عزيمته وموضع بسطه فكتب إليه هذا البيت

حق البكاء على سادات أموات تبكى الأراضي عليهم كالأموات

وهي التائية التي كررت ذكرها في تتبع سير شيخنا رضي الله عنه وكيفيته كثيرا ليطلع على مقامه هل هو ممن يحب القوم ولما يلحق بهم فيرحم بالمعية وهو مقام نبيه أم من المجاهدين المنقطعين على أثر الفرسان المشمرين للالتحاق بهم أينما كانوا وحيثما هو من الفريقين فقد فاز

ألا أنه كما عرف من بعد الهمة والرجولية والقيام بحق العبودية لا يتخلق عن الفرسان ولا يرضي بدون من المقامين فإن المعنية لمجرد الحب مع عدم القيام بكل الواجب فقل عظيم وحظ كريم ولكن من صدق الحب صدق في الإتباع والافتقاء واستوعب ما وجب عليه واستكمل الأدب أعظم فضلا وأكمل حظا والكل بتوفيق الله تعالى وفضله

وزاد المشمر على الأول أنه موعود بالإلحاق بهم وبالنصر وممدوح بلسان القرآن قال الله تعالى والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وقال إن تنصروا الله ينصركم وقال فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى

فجعل اللحوق للمتبع بإيمان والإيمان قول وعمل كما عليه جمهور علماء أهل الشرع قال صلى الله عليه وسلم في الصحيح الإيمان بضع وسبعون أو ستون شعة فأفضلها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق

فعلمنا من تفاصيل صاحب الشرع عليه صلوات الله عليه وسلامه أنه أقوال وأعمال وفيه الحياء من الإيمان قال في المواهب قال القاضي عياض وإنما جعل الحياء من الإيمان وإن كان غريزة لأن استعماله على قانون يحتاج إلى اكتساب وعلم وقال القرطبي الحياء المكتسب هو الذي جعله الشرع من الإيمان دون الغريزي الخ

قلت لم لا يكون الحياء من الإيمان من باب الكمال والتضمن فيكون الحياء من لازم الإيمان فيكون من كمال الإيمان أن يكون المؤمن يستحيي من الله أن يراه مخالفا فيكون المستحيي حبيبا في كل مرتبة من مراتب إيمانه بتسديد العلم

ولا مانع من أن يكون مكتسبا كما قال القرطبي إن من كان فيه الحياء غريزة فإنه يعينه على المكتسب حتى يكاد يكون غريزة والاكتساب يصح في جميع الأخلاط وهو التخلق ولا بد منه للمريد

وقد أبان لك ذلك سيدنا أنس رضي الله عنه في الحديث الصحيح حين سأله صلى الله عليه وسلم السائل عن الساعة فقال له صلى الله عليه وسلم ماذا أعددت لها فقال لا شيء إلا أني أحب الله ورسوله فقال له أنت مع من أحببت

ثم قال أنس رضي الله عنه حين حكى الحديث فأنا أحب النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان وأرجو أن أكون معهم وإن لم أعمل بمثل أعمالهم فعلمنا أن المعية درجات وكلها خير بمعيته تعالى للخلق عامة غير معيته لخصوصهم وهو معكم أنما كنتم وقال ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم الخ وقال إن الله مع المؤمنين وقال مع الصابرين وقال مع المتقين وقال نع المحسنين فدل أن لخصوص كل وصف خصوص معية ولعموم الصحابة مزية على غيرهم ثم لكل أمة وطبقة خصوص معية للخاصة العليا منها

ثم لما كان مجخة فهم كثيرا من هذا المنحى جعل يستخبر شيخنا رضي الله عنه فرماه بهذا البيت مفردا وقد صادف شرره وقصا في صدره كاد يستعل بنفسه فأطنب رضي الله عنه في وصف القوم الذين هو معهم معية كاملة قلبا وقالبا

وبعبارة أخرى يصف نفسه وقومه وذوي تربيته يومئذ في طوبى عام أيسش لعد التعلق بالرسول المصطفى صلى الله عليه وسلم وإن كان يذكر قوما مضوا كما قد يقول في القصيدة إلا أنه لو شاء قائل أن يقول إنما ورى بهم عنه لما بعد عن الصدق

على أني لم أكتب إخباره إياي قرأته في تتبع أحواله وسلوكه مع مريديه ساعتئذ صحفا منشرة وما أحسن قوله في أول قصيدته

أبكي عليهم وأرجو في البكاء غدا رضوان من فيه غابوا بالحلاوات

هل يظن ظان أن كان يرجو بمجرد البكاء رضوان الله وفي وسعه أن يعمل مثل عملهم حشاه بل إنما ذكر البكاء مجاراة للكاتب في مضمار لفظه

وإنما كتب ما كتب عن وحي شعور انبعث عن أعماق ضمير يسطع عليه نور شعشعاني من مشكاة نور النبوة على صاحبها الصلاة والسلام

أخبرني أحد كتابه وهو حمزة جخت أنه أخبره أن في هذا الشهر رمضان الذي نظم فيه القصيدة كان أول ما عاين رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن وراء ستر رفيق شفاق

قلت ومن هنا الانتزاع المهاجئ والانجذاب والغيبة فيه صلى الله عليه وسلم وخدمته ومن عناية الله تعالى بشيخنا أجراؤه الستر الرفيق بينه وبينه عليه السلام في أول الأمر ليشتد الشوق ويتعاظم العشق لأجل المعاينة فإن العمل على العشق بعد المعاينة أشد استهلاكا في سبيل طلبه من المصدق وبالشيء دون رؤية وإن صح يقينه فإن عين القين أصدق من علم اليقين

قال قاسم الجرعي كما حكى صاحب الرسالة ما ملخصه أن رجلا كان يقول في دعائه إلهي قضيت حوائج الكل ولم تقض حاجتي فسئل بما اقتصر على هذا الدعاء قال إنه خرج في ستة من بلدان شتى للجهاد فما قتل أحد منهم إلا ورأى جارية نزلت من السماء معها منديل تقبض روحه وقد رأى أبواب السماء مفتحة حتى قتل الستة وسلم هو فرجعت الحوراء التي كانت تنتظره وقالت له أي بشيء فاتك يا محروم وغلفت الأبواب قال فأنا يا أخي متأسف على ما فاتني

قال قاسم الجرعي أراه أفضلهم لأنه رأى ما لم يروا وعمل على الشوق بعدهم فالمنقطع للطلب إذا عاين وقارب ورق الحجاب الشفاف فلا يعبر عن حاله واستماتته قطعا

فمن أول توفيقات شيخنا رضي الله عنه استحثاث مولاه بهذه اللطيفة وما هو بآخرها إذ رفع الحجاب ما كان أسرع ما زجه في نوره القدسي صلى الله عليه وسلم من وثبة غريبة نشأت عن أمر غريب والله يختص برحمته من يشاء

وعمل بالأوراد لأنه إذا كان بعد الأخذ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فما الحاجة إلى الواسطة بعد وصال الموسوط إليه وإذا كان قبله فهل ترك القادرية لأنك هو تقول إنه هو أول تنبهه عليه ولا بد إذا أن يكون عاد إليه لأن الظاهر من تاريخ القصيدتين يناقض المدد التي ذكر عن نفسه أنه عمل بكل ورد قربها

فاعلم أني بنيت لك أن أخذه للقادرية أخذ مقلد وأخذ غيره عن استبصار ودليل فكان التلقن على أيدي الملقنين متفاوتا ففي الأول كان قائده التصديق وحسن الظن فلا يمكنه إلا الوقوف عمد حدودهم والوفاء بشروطهم شأن المقلدين مع الأشياخ من الإطراء والإفراد والتجرد من غيره كما هو معروف من شروط المريدوفي الآخر إنما أخذ استحسانا وشهود سر وبركة بعد تحقيق المناط من الأصل الحق فكان الأخذ بها تعبدا يسد به الفروغ بين صرائح الفروض والسنن ولم يحمل على الأخذ من الملقنين بعد إلا مراعاة آداب الأوضاع والرسوم

فبذلك كان العمل بها بعد الأخذ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتخصيصه بالخدمة لأن الكل من خدمته لأنه إحياء لسنته بالعموم وإن اختلفت الأوضاع والرسوم والقوالب مع بركة الإقتداء

كما قدمنا مرارا للاستنان بسنته صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى فبهداهم اقتره فنقول لكم إن أخذه الأوراد غير القادرية كان قبل عام المبايعة المذكورة في القصيدة وكان التلقين قبل العمل بها لما في الجمع في زمن واحد من تثتيت الهمة حتى حصل على منتهاه ثم عمل بالباقين على الترتيب تعبدا واستيفاء للشروط ووفاء بالنذور كسائر القربات والنوافل الملتزمة

لا تربية إلا وفى لها ولأصحابها حقوقهم وحصل اللقاء مع المشائخ والتسليم له أو الإيصاء

ثم انتزعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطاه القرآن وردا أبديا وأعمال الإسلام قوتا سرمديا قال رضي الله عنه

كتابه العزيز صار وردا لي ونفى عني عداي طردا

ثم أورثه الأوراد عن نفسه بلا واسطة المشائخ فهناك استولى على أمد الفضائل فوصل واتصل فتمكن وما انفصل عن جهاد صدق وعظيمة حق قال فيه أحد شعرائه الحسنيين المفلق الخنذيذ محمد فال ابن عينين رحمهما الله وقد أصاب الفص

لما رأى المجد صعبا لا ينال وما في الناس إلا ضعيف عنه مسترق

شد القتود على كوماء همته تعدو به الولقى في سيرها هطق

وأيقن العزم منه أنه رجل لم تثنه عن بلوغ الغاية الشفق

وجرع النفس مر الصبر مبتهلا وقد جفى النوم واحلولى له الأرق

ولم تزل ترتمي بين الغفار به يقرب المجد منه السير والعنق

حتى أنيخت بباب المجد مرتتقا قد طال ما هو عن هذا الورى غلق

ففتحت يده الأبواب فانفتحت منها المصارع لا قفل ولا غلق

فدوخ المجد واستولى عليه على رغم الحسود وقد أودى به الحنق

وهاك منظومة توقفك على حقيقة سلوكه وبمن سلك مع من سلك وما آل إليه الخدم لجانب الله وجانب رسوله صلى الله عليه وسلم بالكتاب والسنة وأوراد المشائخ وكيف لم يبخسهم حقهم عند انتهاء سيره إلى الله ورسوله بلا واسطة إلا الكتاب والسنة وبالمنظومة أختم الفصل تبركا وقد رتبها على حروف

بسم الله الرحمان الرحيم وهي المسماة بالتوبة النصوح فقال

بنيت طاعتي بإتباع بالذكر والحديث والإجماع

سلبت بالكتاب والحديث وبالتقى أسلحة الخبيث

من على الله بالإقلاع له بتوبتي من ابتداع

الحمد لله المكرم الجميل على الذي أولى جنابي من جميل

له علي الشكر في تماد أكرم به من واهب جواد

له علي خدمة الإمام لوجهه جل إلى حمامي

هذا وإني الدهر قد فوضت أمري له ومن ذنوبي تبت

الله ربي وهدى الإسلام ديني وأفضل الورى إمامي

رضيت بالإسلام دينا لا يزول وبمحمد نبيا ورسول

رضيت بالقرآن أنسا ودليل أعبده جل به إلى الرحيل

حباني الوهاب بالكتاب وبرسوله وبالأقطاب

مشائخي سيدنا الجيلاني والشاذلي معه التيجاني

أئمتي في الفقه مالك العلي والشافعي والحنفي والحنبل

نبذت في اليبت وفي يوم الأحد نبذا به أعاهد الله الأحد

أطلب رحمة الرحيم ورضاه بخدمة المصطفى باب هداه

رب بجاهه امح ذنبي واستر عيبي به ونجني من خط

رب بجاهه العظيم أسأل مغفرة من بعدها لا أسأل

حطني في الدارين بالمختار عن كل ما يسوءني يا باري

يقيني اليقين في ذا اليوم للموت فعلة تجر لومي

من علي باستقامة وصل على الذي من اكتفى به وصل

فقد أبان لك في هذا الوقت حيث أسس بنيان سلوكه على بصيرة منه على التقوى وهي الامتثال والاجتناب كما نزل به الذكر وبينه الحديث وقرره الاجماع أنه عليها عول وبها اعتمد فعز بها وبز كما قال سلبت بالكتاب "البيت"

وأنه يشكر الله بتعداد النعم والثناء عليه والنعم هي ما ألهمه الله تعالى من لدنه من حقائق الإسلام ونور النبوة وأسرار القرآن وحلاوته فرضي بالله تعالى ربا وبمحمد نبيا ورسولا وبالقرآن أنيسا ودليلا ثم عطف على من لهم عليه منة ما فقال

وذلك لأن من لم يشكر الناس لم يشكر الله فإن للأسباب حقا عند ذوي الألباب ثم لوح بآخر البيت الأخير من المنظومة بما استقر عليه أمره بقوله وصل على الذي اكتفى به وصل بلا واسطة فوصل هكذا كان

وقد يصرح به لبعض المتنطعين كما وقع لأحمد تلميذ الشيخ سيدي الكبير حين كان مع الشيخ الكبير إمام مسجدهم ومعلم صبيانهم وشيخنا رضي الله عنه معهم في أيام دورانه معهم من إرسال الحكومة إياه لتلك الأرض كما تقدم لائتمامهم الشيخ سيدي عليه لما عرفوا بينهما من الوصلة التي هي في زعمهم وزعم كثيرين في ذلك الزمن أنها تعلق

وقد كان آل الشيخ سيدي ذات يوم يريدون الارتحال من محل لآخر لضرورة الماشية فتثاقل شيخنا رضي الله عنه في الارتحال وترددت رسل آل الشيخ إليه فلما طال عليهم الأمر قال له في عرض الكلام أيها الشيخ أنت أعلم منا فنسألك أهكذا يفعل المريدون مع أشياخهم يعرض بأنه يخالف أمر الشيخ سيدي شيخه بزعم القائل فقال له شيخنا رضي الله عنه يأتيك الجواب إن شاء الله تعالى

وكتب إلى الشيخ سيدي براوة قال فيها لست بتلميذ لكم والشيخ يعلم أنه ليس بشيخ لي وحرام علي أن تعلق بأحد على وجه الأرض وذلك ليس بازدراء للمشائخ ولا استحقارا لهم إنما ذلك من وجه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل علي يربيني ويرقيني ويحرم علي الادبار عنه عليه الصلاة والسلام ولما وصلهم الكتاب زال اللبس والدعوى عن جاهليه واتصل صفاء المودة في الله ورسوله بينهما من فضل الله ورحمته

فلنمسك القلم هنا ليلا نكسبك الملل في جلي حكايات أمارات استمرار توبته من أول بدايته وأول انتباهه ثم مكاشفته ثم مشاهدته ثم في الهيبة والأنس ثم هو مع ربه في المطالعة الخفية في مقام الزلفى التي لا نهاية لها حتى حق الرسل عليهم الصلاة والسلام

قال تعالى فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول وأشار لها وقال رب زدني علما فتوبته كما تقدم عناية من الله تبارك وتعالى لا عن جناية مقترفة ولا إثم مرتكب ولكن نظر المقربين فيما به الكمال لا فيما يسقط به الحرج ومقامهم العبودة وحالهم الترقي في العلوم والازدياد منها رضي الله عنه وعنهم ورضوا عنه ونفعنا بهم اللهم آمين

وهذا بعض ما أردنا ذكره في مقام التوبة له في البدايات وشرح بعض تفاصيله لتفق عليه ولما كانت التوبة تستغرق أعمال الإنسان من أولها إلى آخرها وكانت مقاما يستولي في دخولها المبتدأ في أول السلوك والمنتهى في أحظى حال التمكن فلا مطمع في قطع عقباتها وتركها ظهريا إنما هي درجات بعضها فوق بعض كما تبين وقد ألممنا بكثير منها في هذه الورقات إجمالا وتفصيلا

فلنات ببعض آثاره رضي الله عنه في سائر المقامات بقدر ما أسلفنا من مقامنا ولها في كل مقام درجة وسريان قد نميط اللثام عنها فيه إن شاء الله ونلوح عليها في بعض عرض الكلام لأن كل مقام بعض أس ما يليه من المقامات تنبي عليه ويسري معها وباستكمالها يتحقق العبد الكمال الإنساني فيكون نعته بالمقام الأعلى نعة بالجميع لاشتماله عليها اشتمال العام على الخاص

الباب الثاني في مقام صبره رضي الله عنه

كان رضي الله عنه متصفا بالصبر وعاملا بالشكر والصبر والشكر متلازمان لا يتم أحدهما إلا ويورث الآخر قال أبو طالب المكي رحمة الله عليه قد جعل الله عز وجل الصابرين أئمة المتقين وتتم الكلمة الحسنى عليهم في الدين قال تعالى وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وقال وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا إلى أن قال أبو طالب بعد كلام طويل

فمعنى الصبر حبس النفس عن السعي في هواها وحبسها أيضا على مجاهدتها لمرضات ربها والحبس عن نحو الشرود وحبسها على دوام الطاعة وصبرها عن شره الطبع الذي يظهر سوء الأدب بين يدي الرب سبحانه وتعالى وصبرها على حسن الأدب في المعاملة

ثم يتفرع الصبر إلى معان شتى من الصبر عن تفاوت الأهواء والصبر على الثبات في خدمة المولى فمن ذلك ما توجب المجاهدة صرف الهمة عنه وتظهير القلب منه من خطرات الهوى ونزغات الأعداء وتزيين الدنيا ومن الأفات ما يوجب كف الجوارح عنها وحبس النفس عن المشي فيها ومن الصبر حبس النفس عن الحق عكوفها عليه بمعاملة اللسان والقلب والجسم

إلى أن قال ومن الصبر حبس النفس على عبادة الخلق سبحانه وتعالى وصبره على القناعة وعلى صنع الرزاق ومن الصبر كف الأذى عن الخلق إلى أن قال ثم احتمال الأذى عن الخلق والصبر على الإنفاق والصبر عن البغي والصبر على العوافي والصبر على الأذى توكلا على المولى والصبر على الأحكام والصبر على المكافات والصبر على الله بالمجالسة وهو أعلاها إلى آخر كلامه

وقال القسيري في الرسالة ثم الصصبر على أقسام صبر على ما هو كسب العبد وصبر على ما ليس بكسب فالصبر على المكتسب على قسمين صبر على ما أمر الله تعالى به و صبر عن ما نهى عنه وأما الصبر على ما ليس بكسب للعبد فصبر على مقاسات ما يتصل به من حكم الله فكأنه تفصيل لما في القوت من وجه وإجمال له من وجه

وقال فيه وروينا عن ابن عباس رضي الله عنهما الصبر على ثلاثة وجه صبر على أداء فرائض الله وصبر على محارم الله تعالى وصبر في المصيبة عند الصدمة الأولى ونحوه في الإحياء إلا أن الكل يغني عنه القوت في الأكثر إلا من يريد زيادة التبسط فالإحياء هو الغاية وقد نلخص البعد إيثارا للاختصار فترجع هذه الأقسام كلها إلى نوعين ما يلائم الطبع وما يخالفه

وقد قال الغزالي النوع الأول ما يوافق الهدى وهو الصحة والسلامة والمال والجاه وكثرة العشيرة واتساع الأسباب وكثرة الإتباع والأنصار وجميع ملاذ الدنيا وما أحوج العبد إلى الصبر على هذه الأمور فإنه إن لم يضبط نفسه عن الاسترسال والركون إليها والانهماك في ملاذها المباحة منها أخرجه ذلك إلى البطن والطغيان كلا إن الكانسان ليطغى أن رآه استغنى

حتى قال بعض العارفين البلاء يصبر عليه المؤمن والعوافي لا يصبر عليها إلا صديق وقال في الرسالة قال الخواص الصبر الثبات على أحكام الكتاب والسنة وفي القوت كان سهل ابن عبد الله يقول الصبر على العافية أشد من الصبر على البلاء وكذلك قالت الصحابة ابتلينا بفتنة السراء فلم نصبر

إنما أموالكم وأولادكم فتنة وفي الحديث لما نظر عليه الصلاة والسلام إلى ولده الحسن رضي الله عنه يتعثر في قميصه فنزل عن المنبر واحتضنه وقال الولد مبخلة مجبنة إنما أموالكم وأولادكم فتنة

والصبر على العوافي أن لا يجريها في المخالفة والصبر على الغنى أن يبذله في الهوى والصبر على النعمة أن لا يستعين بها على معصية فحاجة المؤمن إلى الصبر في هذه الأمور كحاجته إلى الصبر على المكاره والفقر والشدائد والضر

ثم قال النوع الثاني ما لا يوافق الهوى والطبع وذلك لا يخلو إما أن يرتبط باختيار العبد كالطاعة والمعاصي أولاكا المصائب والنوائب أو لا يرتبط باختياره ولكن له اختيار في إزالته كالتشفي من المؤذي بالانتقام منه وهو تفسير لما تقدم عن صاحب الرسالة

فإذا أثبت ذلك فاعلم أن الصبر إما أن يكون فرضا أو فضلا والفرض الصبر على الطاعة الصبر عن المعصية والفضل الصبر على الإنفاق الغير اللازم وعلى نية القربة فيه قبل المباشرة والصبر عن المكافأة والانتقام والصبر في المصيبة عند الصدمة الأولى عن التسخط والتبرم واتهام المولى

فيؤخذ من تفاسيمهم أ، الصبر أربع مقامات صبر العادلين وهم الذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون وجزاء سيئة سيئة مثلها وصبر المتوكلين وهو الصبر على الأذى قال تعالى فاصبر على ما يقولون ولنصبرن على ما أديتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلين ودع أذاهم وتوكل على الله وقال فمن عفا وأصلح فأجره على الله وقال فمن يتوكل على الله فهو حسبه وصبر الراضين وهو الصبر على الأحكام وهو صبر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ثم الأمثل فالأمثل

قال القشيري باستاده إلى الجنيد رضي الله عنه المسير من الدنيا إلى الآخرة سهل هين على المؤمن وهجران الخلق في جنب الله شديد والمسير من النفس على الله تعالى صعب شديد والصبر مع الله عز وجل أشد فسئل الصبر فقال تجرع المرارات من غير تعبيس وفيها قوله تعالى واصبر أمر بالعبادة وما صبرك إلا أمر بالله بالعبودية وقال ذو النون الصبر التباعد عن المخالفة والسكون عند التجرع غصص البلية وإظهار الغنى مع حلول الفقر في ساحة المعيشة وفيها الصبر الثبات مع الله وتلاقي بلائه بالرحب والسعة فهذا صبر الراضين

وفوقه صبر المتقين وهو الصبر على الله بالمجالسة له والإصغاء إليه وعكوف الهم عليه وقوة الوجد به وهو خصوص المقربين كما قال أبو طالب و قال أو حياء منه أو تسليما له أو تفويضا إليه وهو سكون تحت جريان الأقدار وشهودها من الأنعام

قلت وهل أوفى تقسيمه لتنوع الأحوال على صاحب المقام وما هو ببعيد

فلنمسك القلم في هذا المحل من هذا الميدان فقد تمهد قبلنا بأجيال ونتخلص إلى ما كنا بصدده من الزمن إلى بعض آثار باقيات شيخنا رضي الله عنه الصالحات

فنقول إن مقامه في الصبر رضي الله عنه معلوم عند ممارسه مقروء في سطور عمره من أول ما عقل إلى يوم قدومه إلى ربه عز وجل كان رضي الله عنه في صباه كثير الاعتزال لأقرانه حبب الله إليه الخلوة وكانت العفة وما تحتها من الحياء والتورع ومجانبة الظلم مركوز في طبيعته لم يعرف له الولدان رغبة قط ولا حفظوا عنه رهبة

وكانت هذه الدماثة والخلق السجيح أول دلائل ما فيه من قوة استعداده لمكافحة الحوادث في طالع حياته الأولى

فاتضح من صبره عن لذائذ مراغب الخلق ورقائق رأفة الأبوين

فكانت الحاضنة تخشى عليه من سكونه وعدم معرفته اللهو واللعب وقلة استلذاذه لما يستلذه من هو في سنه وعدم اكتراثه من التهويلات والترهيبات التي قد يفرق منها الصبي إلى أن ترعرع فانكب على لوحه لا يفارقه ولا يفتر عن الدرس

وبلغني أنه لم يكن بأسرع أهل بيته حفظا للدروس وإنما كان أقوى منهم ذاكرة فيما حفظ وأشد منهم انقطاعا لما اهتم به واستفراغا واجتماع الهمة

فكان صبره لتعب التعلم غريبا في بابه وأوانه لما عرف في طبع الصبيان من الكسل عن الألواح خصوصا أبناء الرؤساء كما كنت أيها الكاتب مع معلمي

إلى أن بلغ سن الوجوب وجمع كثيرا من الفنون من هذه الهمة بلا فترة ومما تعرف به بعد همته من أول نشوئه اجتهاده في اكتمال فنون علم الشرع وآدابها وآلاتها من فقه ونحو وعروض وبيان ومنطق وأصول وتفسير بنوعيه تفسير العلماء وتأويل أهل الإشارات من الصوفية والمحققين

حتى أنه لما كان بعض هذه الفنون غير مستقصى فيه عند السودان في ذلك الزمن ولم تمكنه الرحلة مراعاة لخاطر الشيخ الوالد جعل يختبر مظنة العلم ممن يسافرون إلى أهله من البياضين ويباحثهم ليأخذ منهم ما بقي عليه مما يدرس في المدارس بين السودان والصحراء الكبرى

من أولاد سيد الفاضل أعني به الشيخ النبيل الكريم محمد ابن محمذن كريم السادات الصلحاء

كان له بعض موال في انجاج قرب بتار مدرسة الشيخ الوالد كان كثيرا ما يأتيهم لخراج يأخذه عليهم وتعرف به شيخنا رضي الله عنه ووجده بحرا من العلوم فأخذ عنه تلك المتمات حتى اتضلع مناه أجمع

وبذلك أربى على أقرانه ومعاصريه في العلوم الظاهرة التي تكون عنها الرياسة في بلده والصيت فضلا عن العلوم الوهبية التي خص به من لدنه تبارك وتعالى

فخالف العامة وأكثر الخاصة من لزومه مطالب الشرع وتدقيقه في إكمال أدائها فجعلوا يستهزئون به بعضهم يقولون دعوه يعدوا أمامنا فعما قريب يني ويتخلق وراءنا أو يماشينا

وبعضهم يظن أنه ما حمله على ذلك إلا احتقارا لهم واستخفافا بدينهم على أنهم من العلماء العاملين

إلا أن العادة لا يولف خرقها فلا بد من تعليله وتوجيهه إلى أن يتبين الحق وسرعان ما يتبين فلم يكمل العشرين حتى استصفى خلاصات العلوم الشرعية وتحلى بآدابها وزهد في زخارف الدنيا وبنيها

ولست أتعبك بذكر ما جرى له في هذه المدة مع قومه من الاسخفاف به وإهانته وتقديم بعض إخوته عليه ممن بلغوا في العم شأوا بعيدا وفي الصيت مكانا قصيا في ديانة صالحة إلا أنه خرق العادة في الانتصاب والاعتزال والاجتناب خرقا حيرهم فلا بد من التخبيط فكانوا يسمونه السفيه وبعضهم الأبله ويعضهم المجنون من شدة المعاكسة لهم مع صالحات العادات وهو إلى الأصلح من بين أشراف قديمي الشرف في العلم والدين

ولقد صدق ورقة ابن نوفل إذ يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين فاجأه الوحي لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا وأوذي وإن كان أولئك كفارا وهؤلاء مسلمين إلا أن البون الشاسع بين درجات الإسلام جعله في واد وهم في واد كما قال صديقه الأعز الشيخ سيدي

وهو كما قال لم يخالل قط أو يعاد إلا في الله وبالله ولله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم فكانت معاملته معهم في هذه العقبة أدل دليل على عظم صبره رضي الله عنه

كان يتواضع لهم إذا شمتوه ويعتذر إليهم إذا عاتبوه ولا ينتقم بكلمة فضلا عن غيرها لمن واجهه منهم بمكروه وكان يقوم بحوائجهم بحسب الإمكان وما كان يدخر ما فضل عن الواجب من طعام أو لباس عنهم

فكانت هذه الحال فاتحة صبره المطلوب بعد التكليف وإن كان ما قبله صبرا بلغ الحد إلا أنه كان من الطبع الموفق وقوة الاستعداد لما كتب له في القدم من عناية الكريم به

فصار الصبر على نية الامتثال والاجتناب فصرح العبودة ليستحق الثناء من المولى سبحانه والأجر المصبوب بلا كيل فاعتدل على الصراط المستقيم

فكان صبره صبر العادلين ولم ينتقم قط لنفسه فينتصر لله لا لنفسه وبالله وحوله وقوته لا بنفيه فكان هذا الانتصار مقامه في صبر العادبين فتوكل على الله وقال في معناه هذه الأبيات في مقتضى حاله مع الخلق فيما مر

فقالوا لي اركن لأبواب السلاطين تحز جوائز تغني كلما حين

فقلت حسبي ربي واكتفيت به ولست راضي غير العلم والدين

ولست أخشى ولا أرجو سوى ملكي لأنه جل يغنيني وينجيني

أني أفوض أحوالي لمن عجزوا عن حال أنفسهم عجز المساكين

أو كيف يبعثني حب الحطام إلى جوار من دورهم روض الشياطين

إن كنت ذا حزن أو كنت ذا وطر دعوت ذا العين ثم الراء والشين

هو المعين الذي لا شيء يعجزه هو المكون ما شاء أي تكوين

إن شاء تعجيل أمر كان ذا عجل أو شاء تأجيله يبطا إلى حين

يا من يلوم فلا تكثر ودع عذلي إذ لست من فقدتي الدنيا بمحزون

إن كان عيبي زهد في حطامهم فذاك عيب نفيس ليس يخزيني

فصبره رضي الله عنه صبر المتوكلين وهو الصبر على الأذى والتعويل على الله لا على النفس والحول والقوة فإنه رضي الله عنه ما أوذي أحد بمثل ما أوذي به

آذاوه بألسنتهم وهو على الحق وفي قومه ودوره وماله المعصوم فلم ينتقم قط ولم يستنصر مخلوقا ولم يشك إليه وما أوذي من أمر في حظ نفسه فإنه خارج عنه ولا يعد الظلم ظلما ولو وقع عليه وإنما يعده حسن تصرف من الله تعالى فيه

إلا أن الأذى إنما يكون أبدا في الله فيكون استنصاره الله على الموذين مدافعة عن عبادته تعالى وإعلاء لكلمته كما قال صلى الله عليه وسلم اللهم اهد دوسا وات بهم مسلين اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون فيمن لم يدع عليهم لأمر علمه الله وقال في قريش اللهم اجعلنا سنينا كسني يوسف

وفي الحديث الصحيح عن عمر رضي الله عنه يوم بدر حكاية عن حاله عليه الصلاة والسلام قال فجعل يهتف بربه اللهم أنجز لي ما وعدتني اللهم آت ما وعدتني اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض

فما زال يهتف بربه مادا يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداءه عن منكبيه فأتاه أبو بكر رضي الله عنه فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من وراءه وقال يا نبي الله كفاك من مناشدتك لربك فإنه لينجز لك ما وعدك

فيعلم من حاله صلى الله عليه وسلم وكلام أبي بكر هذا أن من الدعاء ما هو كمال في العبودة لتغلغل المعرفة في عظمة جلاله تعالى لا خوفا من غيره ولا منازعة له في فضائه وقدره كما يستفاد من كلام الصديق كماله رشي الله عنه في مقام الصديقية وإمامته فيه

فإنه لم يطب خاطره ليزيده علما بإنجاز الوعد منه تعالى ولم ستقر به الاطمئنان ولم يستفزه الرعب فالحال إنه وسخ في قلبه تصديقه رسوخا لا يتزعزع فلا تحركه الأهوال الحادثة بعد إخباره إياه بما سيكون وإن اشتبه على غيره فهو الصديق في كل حال

والصدق لا يقتضي التجدد والتنوع ولا دقائق ولا رقائق تلوح عليه لأن ذلك من عوارض التغير وضده وإنما يقتضي الثبوت والدوام بعد كماله وهو رضي الله عنه أكمل الصديقين صدقا وبه امتاز على غيره

وحاله صلى الله عليه وسلم العلم وهو يقتضي المزيد على الدوام والاستمرار ومعلوماته تعالى لا تتناهى وازدياد العلم به تعالى يلزم منه استيلاء الخشية وتضاعف غشيانها على قلب العالم قال الله تعالى إنما يخشى الله من عباده العلماء وقال صلى الله عليه وسلم أنا أعلمكم بالله وأخشاكم له

وقد أمر بطلب المزيد من العلم فيكون سببا لحصوله بلا انقطاع فكان حال أبي بكر رضي الله عنه أكمل من حال إتباع الرسل لكون غاية ما يطلب منهم التصديق قولا وعملا وتلك المنزلة من الصدق هي التي أمر المؤمنون والمتقون بالكون مع أهلها قال تعالى وقوله الحق يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين

وحاله صلى الله عليه وسلم أكمل من حال جميع الرسل لزيادته عليهم الصلاة والسلام في العلم والخشية والدعاء عنوان العبودية

وإلا فهو صلى الله عليه وسلم أشجع الناس قال عنه ليث بني غالب علي ابن أبي طالب رضي الله عنه أشد شجعان العرب والعجم قال ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما إلى شجرة يصلي ويدعو حتى الصبح

وقال ولما كان يوم بدر وحضر الناس اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم

وكما قال تعالى حكاية عن نبيه موسى عليه السلام ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم وقال عن نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا وقال عن محمد صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه فانصرنا على القوم الكافرين مرات فهذا الاستنصار عبادة وعبودية رغبة في إعلاء كلمة الله وإسقاط كلمة الذين كفروا

فكذلك استنصار شيخنا رضي الله عنه لربه لم يخرج عن هذه الحال وكذلك طلباته ورغباته لإعزاز الدين وتقوية دعائمه وإسعاف أهله لا للهوى وهو في مقام الصبر مقروء في قصائده البحرية ومناجاته الربانية

فأخذ لك إنموذجها من قصائد قليلة تستبين بها حقيقته فإن في كلام المتكلم يدرك السامع معناه القائم بنفسه فإن أول ما قال من الأنظام قصيدة أنشأها في حروف حسبنا الله ونعم الوكيل يوم خروجه من داره امبك باري أخبرني بها مشافهة وقرأها علي وقال قبيل خروجه

حمدت من يعصمني من الضرر من كل شيطان وجن وبشر

سبحانه ربا حفيظا احتمي بحفظه من البلا والنقم

به أعوذ من هواي واللعين ومن جميع المؤذيات كل حين

نويت أن أدعوه مستشفعا بجاه حبه شفيع الشفعا

أحمد سيد الورى مصليا عليه ذا توسل لربيا

أسأل ربي بجاهه النجاة من الرزايا وتنازع البغات

لك الورى يا رب هب لي العصمة منهم ومن كل بلا ونقمة

لك جعلت يا حفيظ نفسي وديعة فأنت دأبا أنسي

هب لي ما أحب في الدارين وفيهما اعصمني من العارين

وجهت وجهي إليك ربي مع وسيلتي وذاك حسبي

نج جنابي من جميع ما يسو وعني اكف كلما يوسوس

عني اصرف الأعداء طرا بالنبي وأهل بدر الكرام النجب

من علي بالدخول ساكنا في حصنك الحصين منهم آمنا

أنت الذي تعتصم من بك اعتصم من كل ما يؤمه من النقم

لك أموري أبدا أفوض وكل من بك التجأ لا يرفض

وقيتني يا رب كفرا وقني ضرر أهله وكل فتن

كف أكف المشركين عني بأهل بدر واجعلنهم حصني

يا رب كن لي ولا تخجلني دنيا وأخرى وتجاوز عني

للمصطفى اكتب الصلاة والسلام بآله وصحبه على الدوام

كتب الحسبلة أولا بعد البسملة ثم كتب بعد القصيدة آية فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم الآية ثم الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ثم وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين فكانت عاقبة السفر كذلك

ومما كتبه من المناجات في مقام الصبر وحال الشكر والرضى والرائية الأولى التي ابتدأ نظمها في اندر وأتمها في البحر في السفينة وما أعلى مشاهدته في التوحيد إذ يقول في ترجمتها وهو محاط بالحرس الفرنساوي

اللهم إني أتخذك ربا ووليا ونصيرا أبدا وسيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا ووسيلة أبدا وأهل بدر رضي الله عنهم رفقة أبدا والمؤمنين والمؤمنات إخوة أبدا فصل وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه صلاة وسلاما وبركة تجعل بها قصيدتي هذه من أحب الشكر إليك يا بديع آمين يا رب العالمين

فهذا هو الشكر على ما يصبر عليه فإنه في هذا الأوان في أشد البلاء وفي الصدمة الأولى

وقيل إن كل شيء يبدأ صغيرا ثم يعظم إلا المصيبة فإنها تبدأ صغيرة ثم تتصاغر فلذلك كان الصبر عند الصدمة الأولى كما صح في حديث المرأة الصبر عند الصدمة الأولى

ففرحه رضي الله عنه بالتغريب ليستريح من كل شاغل سوى الله ورسوله وإن كان شغله كله قبل ذلك بالعبادة والخدمة ولكن التجريد الكائن عند هجمات الفتن لعباد الله المخلصين لا يعادله عندهم شيء

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل بيعة الرضوان وهم تحت الشجرة أنتم اليوم خير أهل الأرض وإن كانوا خيارا قبله فهم في هذا الموقف أشد تميزا عن سواهم لخلو قلوبهم وأيديهم عن غير الله تبارك وتعالى ورسوله بما يشبههم بأهل الحضرة من الملائكة المقربين

فشكره رضي الله عنه في هذا الموطن الشديد هو شكر المحبين في أعلى مقام الصبر للفائزين شكرا اكسبه إياه تخلل بوادر النور الأقدس دقائق قلبه فارتاحت له نفسه وانتعشت بها روحه فصارت الدنيا وما فيها نسيا وراءه

انظر ما جمعته هذه الألفاظ من العقائد السنية لله ورسوله عليه الصلاة والسلام ولسائر المؤمنين والمؤمنات ما هو إلا اطمئنان في النفس وسكون إلى الله وغيبة عن الخلق وفتنتهم في ذلك الموقف الحرج يوم انتظروا به تسجيل الحكم بأحد الأمرين الأسر والقتل وقد سير به عن داره ومريديه وحصروه في دار أحمد خرسين وبثوا الجواويس في البلد وكثير من البلدان البحث في أمره وحقيقته

وحكي على أن أخاه ومريده الشيخ هنت بك وكان ممن معه وقليل من المريدين يحملون أمتعته أن الأخ طلب من المدير أن يسمح للشيخ أن يخرج في أوقات الصلاة ليؤمهم لأنه في البيت الأسفل وهم في الأعلى للضيق وكانوا يصلون بصلاته فأبى عليهم المدير

ولا يأتيه أحد من مسلمي اندر إلا بمشاورة الحكومة مع حرصهم على مواصلته لشهرته وصحة دينه وولايته عندهم عن عدولهم الذين عرفوه قبل كالقاضي أحمد انجاي وأحمد جنك ودمب جنك وأضرابهم وما ظهر التوكل على أحد بعه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم كظهوره رضي الله عنه

لتوفر الأسباب عنده ورفضه وليس المفوض مع عدم الأسباب وإن كان ماجورا ممدوحا لحسن صبره كمن رفض الأسباب وقد تمكن منها لقوة اليقين

قال رضي الله عنه طلب الشيء من الحكومة قليلا أو كثيرا كالكفر عندي وذلك والله أعلم معاهدته مع الله أن لا يشكو إلى بشر فنقض العهد كبيرة عند القوم كما أن الوفاء من مزاياهم كما في التنزيل الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق و الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه

كما وقع لأبي حمزة الخراساني قال سنة من السنين فبينما أنا أمشي في الطريق إذ وقعت في بير فنازعتني نفسي أن أستغيث فما استتممت هذا الخاطر حتى مر برأس البير رجلان فقال أحدهما للآخر تعال نسد هذه البير ليلا يقع فيها أحد فأتوا بقصبة وبارية وطموا رأس البير فهممت أن أصيح فقلت في نفسي إلى من أقرب منهما وسكنت فبينما أنا بعد ساعة إذا أنا بشيء جاء وكشف عن رأس البير وأدلى رجله وكأنه يقول لي تعلق بي في همهمة له كنت أعرف ذلك منها فتعلقت به فأخرجني فإذا هو سبع فمر بي وهتف هاتف يا أبا حمزة أليس أحسن هذا أنجيناك من التلف بالتلف من القشيري

فعهده رحمة الله تعالى عليه مع الله مقسمه به إن لا يستغيث منعه من الشكاية إلى مخلوق وشيخنا رضي الله عنه قال مخاطبا لربه

مد يدي بعد امتداد هالكا للخلق ساءني لكونها لكا

وقال في أول الأمر

وإن مسني ضر واحتجت أدعه دعاء خفيا بعد ما الليل قد دجى

وقال بعد انتهاء السير

مد يدي لغير ذي الجلال عندي من الضلال والإضلال

فصبره على حكم ربه في هذه المحن ورفضه كل من شاوره في السعي بينه وبين دولته بالإصلاح لصدق يقينه لهي درجة عالية من درجات اليقين قال ذو النون رضي الله عنه ثلاثة من أعلام اليقين قلة مخالطة الناس في العشرة وترك المدح لهم في العطية والتنزه عن مذمتهم عند المنع وثلاثة من أعلام يقين اليقين النظر إلى الله تعالى في كل شيء والرجوع إليه في كل أمر والاستعانة به في كل حال وقال الجنيد اليقين هو استقرار العلم الذي لا ينقلب ولا يحول ولا يتغير في القلب

قلت فأعلام اليقين لم تزل ظاهرة من حال شيخنا رضي الله عنه من صبوته فتقرأ في مواضع كثيرة من هذه الورقات عزلته ومجانبته للناس أما ترك المدح والذم فقد استغنى عنهما بعدم رؤيتهم في جلب والدفع وأما الثلاثة الأخر في حد ذي النون وحد الجنيد رضي الله عنهما فكان حاله لو لم ينظر إلى الله في كل شيء لما نسي العداوة التي نصبها لها الوشاة ودفعها بالأحسن حتى تابوا على يديه وضرب عن ذكر ما مضى بينه وبين رجال السوء صفحا بعد حتى نسي ما كان

ولو لم يرجع إلى الله تعالى في كل أمر لأجاب رؤساء انجامبور إلى أن تشفعوا فيه إلى الدولة ولقبل لمريديه وبعض الوزراء النصيحة والإدلاء بها إلى الحكام لينجو ولكن رجع إلى الله منيبا ورفع الشكوى إليه مع التفويض والرضى بما أجرى كما قال

يا رب أعطيتني فشكر وإن منعت فرضى وصبر

وقال في أول الرائية ما ينبئ عن حاله النفسية

أسير مع الأبرار حين أسير وظن العدى أني هناك أسير

هل هذا الصبر في هذه المحن بعد المكاشفة بما يعوض به عنها ومقابلة الرسول صلى الله عليه وسلم له حين خرج من داره لملاقاتهم ووعده بالسلامة وأنه مكفي أذاهم من الأنواع الأربعة إلا صبر المتقين من أهل الاختصاص من المقربين ويصح أن يسمى بصبر الفائزين لأنه رضي الله عنه كان متوكلا إلى ربه في جميع ما مضى عليه من أسباب المحنة وآية ذلك عدم تبرئته نفسه وزهده في السعي فيما كان يرجى فيه خلاصه وتفويضه إلى الله تعالى في إماطة التهمة عن نفي ثيابه وذلك حيث قال لأخيه وخليله الشيخ إبراهيم لما لقي الحاكم في جيول ورده إلى شيخنا رضي الله عنه وبقي الحاكم في انتظاره ليأتيه شيخنا ليذهب به إلى حيث يحكم عليه بما أراده الحاكم من الإعدام أو النفي المؤبد كما تقدم طرق من الأسباب قال له كثرت الأوساخ بيني وبين الدولة كثرة لا يطهره إلا الماء الكثير والصابون الكبير على يد قصار قوي فقال "حسبنا الله ونعم الوكيل" وذلك قبل لقاء الرسول عليه الصلاة والسلام لأنه إنما لقيه بعد الخروج

فعلمنا أنك تركه الاختيار والتدبير بيد ربه تعالى قبل معاينته العوض ومعرفته على لسان مخدومه صلى الله عليه وسلم بالعافية وإن عرف إجمالا أن العاقبة للمتقين وهل هو صبر الراضين وهو الثبات مع الله وتلقي بلائه بالرحب والسعة ففيه شبه لأن هذا كان متصفا به من قبل المحنة أيضا وفيها أنه لم تزعجه قط فجأة مصيبة ولا تأسف على فائت ولا يتوجع من فاجعة إنما يزيده البلاء في النفس والملل والرجال الدماثة والرحب وسعة الصدر وعظيمة الصبر في الصدمة الأولى

فقد فرقوا جموعه كما مر من وزراء كجور وبول وحرقوا أمتعتهم واحتشدوا عنده فلم يزده قلقلهم وشكايتهم إلا استغراقا في العبادة ولم يشكهم أو يسكنهم بشيء إلا بالأمر بالمعروف ومجاهدة النفوس وظهر ذلك في إرساله تلميذه عبد الله جو إليهم لكونهم في دار السلام وهو في طوبى خلوته الثانية قال لهم إن من كان همته متعلقة بالدنيا أو بالآخرة مجردتين أو إحداهما مجردة فلينصرف عني ورد كل صبي إلى أوليائه

هل هذه الكلمة يطيق أحد أن يشافه بها ألوفا لا يرجون سواه في التوجيه إلى الله والهداية إلى الصراط المستقيم كلا اللهم إلا من خرج عن حظ نفسه وعلق رضاه برضى ربه لأنه ما عاهدهم إلا في الدلالة على الله لا على شيء غيره في الحال والمآل كما قال الشيخ الجيلي من أراد الآخرة فعليه بالزهد في الدنيا ومن أراد الله فعليه بالزهد في الآخرة يعني والله أعلم بنسيانها لتلاشيه في باهر نور المحبة ولذة المناجات وشاهده قائم من حديث رؤية أهل الجنة ربهم كما قال تعالى فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين

ونعم المريدون هم صدقوا ما عاهدوا الله عليه نادوا على أتباعهم بكلمته وردوا الأولاد إلى الآباء وازدادوا حرصا على ملازمته وازدادت أتباعهم حرصا على ملازمتهم وتأسست في أفئدة الصبيان أغراس شجرة اليقين فبقيت تنموا مع أبدانهم إلى أن بلغوا الحلم فرجعوا كلهم إلى طريقه هل هذا إلا هو حقيقة الرضى بالقضاء وكيف وادع أخوه الشيخ إبراهيم أمينه يوم يركب إلى الحاكم بعد أن صلى ركعتين وأوصاه على العيال والمريدين وأكد إليه في التعليم وأن يجعل كسبه في الحراثة لما غيرها من الغرر وكيف خرج إليهم فريدا أما معه إلا غلمان من أهل تربيته مديما على عادته من التلاوة

فلم يبق إلا أن يكون صبره بعد المواصلة صبر المتقين الصادقين في البأساء والضراء وحين البأس ويكون حاله الشكر في البأساء بواصلة الطاعات والقربات وفي الضراء وهو ما يقع في الأبدان وما أكثر ما عانى منها لقلة صحته وقلة تداويه من توكله كلن لا يستشفي إلا بالقرآن فصبره في الضراء بالخضوع والخشوع كما اقتضه آداب المجالسة والإصغاء وحين البأس بالإيثار والإخلاص والفناء عن النفس والبقاء به تعالى لما يؤذن به تجدد الصروق من مزيد المبالات وما تضمنها من القرب والمجالسة لأن البأساء هي شدة الفقر وأين الفقر ممن أخرج من دوره وقومه كما قال رضي الله عنه

قصوري خلت والأهل عني تفرقت ولمدح الذي عنه المديح قصير

فهو في حال الرضى والابتهاج بالله تعالى في حالتي الهيبة والأنس فيكون الابتلاء لصاحب هذه الصفة لرفع الدرجات كما يشهد له قول الشيخ المعظم عبد القادر الجيلي علامة الابتلاء على وجه العقوبة والمقابلة عدم الصبر عند وجود البلاء والجزع والشكوى إلى الخلق وعلامة الابتلاء تكفيرا أو تمحيصا للخطيئات وجود الصبر مع غير شكوى ولا جزع ولا ضجر ولا ثقل في أداء الأوامر والطاعات وعلامة الابتلاء لارتفاع الدرجات وجود الرضى والموافقة وطمأنينة النفس والسكون للأقدار حتى تنكشف

فالأولى لم تحم حوله والثانية ما علمنا وقوعها ولا نتخبط في التعليل قال الله تعالى ولا تقف ما ليس لك به علم وأما الثالثة فقد شهدنا وقوعها القيام دليلها عليه وهو الرضى والموافقة والطمأنينة في هذه الدرجات وفي البداية في أمور مختلفة فيصح الحكم عليه والعمل به كما اتضح من عادته مع الأمراء وأعداء الدين إذا ساموا الدين خسفا يقاطعهم الكلام وينفض عنهم ويقول أنا لا أنازعكم شيئا من دنياكم وإياكم والتعرض لديني وما حبسته قط مقابلة حاكم أو رئيس عن تلاوة القرآن مطرقا لا ينظر إليهم ولا يعرف وجه أحد من وجه صاحبه ولو طال مقامه معهم ولو يؤخره عن سجود تلاوة أو وقت صلاة ضيق المكان أو الحال يؤد الواجب حيث وجب كما وجب ولدقة نظر مير لين الحاكم في دكار قال عنه إن من أدل دليل على صدقه في أمره أن نفسه وحياته متوقفتان على دينه فقد إنهما في سبيله أهون شيء عليه والحق ما شهدت به الأعداء كانت قدمه رضي الله عنه راسخة في مقام الصبر من صدق يقينه ونفوذ بصيرته وحاله في مقامي الرضى والشكر حال خصوص المقربين من المتقين من الأنبياء والمرسلين والمصطفين من كمل الأولياء أئمة اليقين

قال رضي الله عنه وهو في السفينة تمخر به إلى منفاه السحيق في أشد مقاسات آلام الغربة والبعد عن الأنصار لو لم يكن فاقد حسه من سكرة خمر الحب والإجلال لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم في ذاته عز وجل

غرور الورى غر النصارى بكيده وظنوا الظنونا والظنون غرو

لربي التفاتي لا لهم تائبا له من الذنب والآفات وهو غفور

له تبت من غيب التفاتي لغيره ومني له عهد علي ضمير

له تبت ذا بيع وأرجو رضاءه مني له شكر يدوم كثير

فجئت ببشر منه أبغي شكوره عليه صفاء والمكوث حبور

وفي القلب من رضوانه ما أكنه ضنينا به إن الصدور قبور

لمولاي حمدي راضيا عنه شاكرا على سر سري والخبير خبير

رضيت به ربا يسخر ما يشا لمن شاء بالتيسير وهو قدير

فأكرم به ربا نفى عني العدى وساق المنى لي والجناب حقير

غنيت به ربا وليا يقود لي مرامي وإني شاكر وفقير

أموري له فوضت والقلب طيب غريبا لدى الأعداء وهو بصير

رفيقي كتاب الله والمصطفى النبي وأصحابه في البحر حين أدور

انظر زادنا الله وإياك حرصا على طاعته وأورثنا بفضله ومنه حب أوليائه فيه عز وجل ما تضمنته هذه الأبيات من الأحوال السنية في هذه الدرجة العليا من درجات الصابرين حال الرضى بالله تعالى وبقضائه والشكر له على لطائف مننه التي لا تحصى ما ظهر منها وما بطن في طيات صدور البلايا والمصائب وهي في الحقيقة نعم وأسباب نعم والثقة التامة بسعة رحمته والرغبة الزائدة في مرغب ربه كما ألهم عباده الصالحين والرجوع إليه تعالى في كل أمر رجوعا منه إليه من عدله إلى فضله له الحكم وإليه ترجعون

والتقليد على مقتضى الكتابة وسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم في الترغيب والترهيب قال غرور الورى البيت صرف اللوم والعتاب إلى الشيطان ممد المشركين ومحثهم على الظلم والسبب الأول في كل فساد وإمام المفسدين أولا وآخرا وعفا عن البرية وفوض أمرهم إلى الله وإليه تصير الأمور كما قال

عفوت عن الأعداء طرا لوجه من نفاهم لغير سرمدا لست أدفع

فقوله لربي التفاتي لا لهم مما أشعر أنه لم يعادهم في معاملاتهم إنما رجع إلى ربه بكليته وعادى الشيطان الذي عداوته ذاتية وأصلية عملا بالعدالة وتوقفا مع القضاء والقدر في تقرير المصير

ولذلك لا تراه يصب على عدوه جام انتقامه إلا على صفته المتلبس هو بها ما دام متصفا بها يذم المشرك والكافر والضال والظالم والمثلث معاديا لهم بمعادات القرآن إياهم لا بعداوة خصوصية له على غير الدين على أن تلك العداوة غير متصورة في حقه إذ لا وجود له إلا بالدين كلية وجزئية إيجابا وسلبا كما لا يتصور حبه رضي الله تعالى عنه إلا بحب الله تعالى وحب رسوله صلى الله عليه وسلم وحبه دينه القويم وليس الهجاء لغرض نفساني بل لإعلاء كلمة الله بإذلال عدوه فتقرأ غشيان الخشية والخوف والإجلال على قلبه في قوله

له تبت من عيب التفاتي لغيره إلى آخره لأن الخوف لا يفارقهم في جميع سيرهم إلى الله تعالى وفي حال الوصول والتمكن كما قال في تائيته

منها تلازم خوف الله مالكهم حال البدايات مع حال النهايات

إذ في البداية خوف الذنب يزجرهم وفي النهايات إجلال الجلالات

فبهذا ترى البلايا لا تزيده إلا خوفا من الله تعالى ورجوعا إليه وهو التوبة لما فيه من الأدب المرضي وهو معرفة كمال الرب جل ملكه واتهام النفس ومعرفة خستها وهو أول قدم في تحقيق الأدب المرضي ثم الشكر الأعلى وهو الشكر على ما يصبر عليه مما يكاشف به من حسن المعاملة وجودة التصرف فقال

له تبت ذا بيع وأرجو رخاءه ومني له الشكر يدوم كثير

فجئت ببشر البيت فالبيت الأول في حسن المعاملة والتسليم له والثاني في جودة التصرف والإصغاء إليه تعالى وهو أعلى درجة فيما علمت من درجة مقام الصبر ومنه صبر أولي العزم من الرسل الذين أوحي إلى سيد الوجود لحكمة الترتيب أن يأتسي بهم فقيل له صلى الله عليه وسلم فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل وقال تعالى واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون أن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون

وهو صلى الله عليه وسلم إمام المرسلين والمحسنين فصبره على مشقات الأعداء وأذاهم وفتنتهم صبر موقن بالعاقبة فيكون الحال الشكر عليه حقيقة لا بواسطة معاينة المصير فبهذه الدرجة نالها شيخنا رضي الله عنه بملاقاة الرسول صلى الله عليه وسلم له يوم خروجه إلى جيول فكان صبره في جميع المحن صبرا جميلا آل إلى الشكر على ما يصبر عليه لوعده صلى الله عليه وسلم وملازمته وأهل بدر إياه من فنائه فيه بهم لأن الصابر الذي يصبر لنظره إلى العوض أعلى منه الذي صبر نظرا للمعوض

قال أو طالب ولا يصبر العبد إلا بأحد المعنيين مشاهدة العوض وهو أدناهما وهو حال المؤمنين ومقام أصحاب اليمين أو النظر إلى المعوض وهو حال الموقنين ومقام المقربين فمن شهد العوض غني بالصبر ومن نظر إلى المعوض حمله النظر والناظر للمعوض بعين الرضى والثقة به هو الكامل من المقربين ومع الوعد الصادق والكشف للعواقب والامتثال لأمر خاص فذلك الفائز وصاحب الاختصاص من المقربين لأن عبوديته متمحضة بتوكله ورضاه والمحبة الخاصة من الله تعالى أيدته ومكنته

أنظر كيف يأمر جل شأنه رسوله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالصبر في المواطن والأحوال ثم يزيدهم طمأنينة بوعده ومكاشفته إياهم بالنصر والنجاة والمعية والفلاح والحفظ كما قال الخليل ولكن ليطمئن قلبي قال تعالى لهم إن تصبروا أو تتقوا لا يضركم كيدهم شيئا واصبر وما صبرك إلا بالله واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون

فالناظر إلى المعوض مقبول محبوب وإن تنزل له الحبيب بالإيناس فهو محبوب محفوظ يختص برحمته من يشاء فمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه فالأول على بينة من ربه والثاني يتلوه شاهد منه مما أفرد له وكوشف بما وعد به من تجدد الخطاب اللذيذ في التخصيص الخاص بين عامة المخصوصين قال الله تعالى إنما يوفى الصابرين أجرهم بغير حساب هذا عام لكل صابر غير ممقوت والكتاب لمعين ومكاشفته أمر خاص لخصيصى من أهل المحبة الخاصة في كل مقام وفي التخصيص هذه الدرجة من مقام الصبر قال شيخنا رضي الله عنه

وفي القلب من رضوانه ما أكنه ضنينا به إن الصدور قبور

لمولاي حمدي راضيا عنه شاكرا على سر سري والخبير خبير

فعلم أنما كن في قلبه من الرضى وما شكره عليه من سر السر لشيء عظيم لا سبيل إليه مصون عند الله ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم قال لي ذات يوم إن السبع السنين التي مكثتها في كونكو ما ضاعت وسيظهر ذلك يوم تبلى السرائر ما خدعت ربي في عبوديتي ولم يخدعني تبارك وتعالى في ربوبيته من صدق وعده وحسن جزائه ولكن الدنيا ليست بدار جزاء إنما شأن في الآخرة

ولقد صدق والله عن نفسه لم يشبع قط من طعام ولا انبسط لمحادثة دنيوية ولم يوطأ له فراش لنوم إنما نومه غلبة في قلة وخفة أشبه شيء بغيبة لدنية يغيب بها الحس الطاهر لرحلة سريعة يقطع بها مفاوز بطي غريب بين درجات معارف لا تتناهى قدسية ثم يرجع لمواصلة القيام بوظائف الجوارح ما بقيت على وجهه البسيطة كما قال رضي الله عنه

نومي عبادة رب لا شريك له قلبي يدبر آيا تورث الحكما

فإن الشطر الثاني تعليل وتفسير للأول يفني إن الذي جعل نومه عبادة كون قلبه وهو نائم يدبر الآن قال صلى الله عليه وسلم إن عيني ينامان ولا ينام قلبي وقال صاحبه معاذ بن جبل رضي الله عنه حين قال له أبو موسى الأشعري رضي الله عنهما في بعثة النبي صلى الله عليه وسلم لهما إلى اليمن أقوم كذا قال معاذ أنا أقوم كذا وأنام كذا واحتسب نومتي كما احتسب قومتي وما فرح رضي الله عنه بمتجدد من نعم الدنيا إلا ما صرف في الطاعة فيفرح لله تعالى على كثرة تهافت الدنيا عنده بما تكل عن ضبطه الأرقام وتكبو عنه جياد الأقلام

وما أدري ما مزية السبع السنين على غيرها من عمره فإنه كله طاعة على الدوام وامتثال واجتناب على الدوام بلى مزيتها على غيرها مزية الصبر والأحوال المختلفة على صاحبه من مقامات اليقين فإنه يحتاج إليه في كل مقام وحاله في المقام أبدا به يكون كمال المقام فالصبر على أذى الخلق بألسنتهم وأقلامهم شديد وأشد منه الصبر في مصائب أيديهم لأنها هي نهاية مقدورات الإنسان أعني الإيذاء باليد فالأنبياء والأولياء كلهم صابرون ولكن "أولوا العزم" أكمل صبرا لتكامل أنواع الأذى الآدمي عليهم فلعل هذا ما جعل السبع السنين قلب عمره ملب جهاده

وكان رضي الله عنه يتهلل بشرا إذا تذكر شيئا من حوادثه المفجعة تهلل المنتصر في مواطن جهاده سمعته كثيرا ما يقول ربما أتذكر ذلك فأغتبط به لما كنت أجده من اللذة في المناجات وما يتجدد لي من الأحوال المتنوعة مما كنت فيه من المعاملة القلبية والحضور بين يدي الرب في مختلف الوقائع بيني وبين أعدائي فيرق قلبه لما يرى من خفايا لطف مولاه به وحفظه إياه وقد يقع ذلك لأهل الوصول قال الصديق رضي الله عنه وراء قوما حديثا إسلامهم يذرفون الدموع من الشفقة هكذا كنا في نأنأة الإسلام يعني في أول إسلامهم

وقال شيخنا رضي الله عنه يوما وأنا حاضر من أعجب لطف ربي بي أني أجرب نفسي في ترغيبها في دنيا الكفار وترهيبها من أموالهم فلا تطاوعني فعلمت أني لا ولاية لي عليها إنما هي بيد الله وولايته إنما وليكم الله ورسوله والشيء بالشيء يذكر كان صديقه الأعز الشيخ سيدي يقول إن من أعجب حفظ الله الشيخ أحمد رضي الله عنه طول مدة مخالطته لمن عادوه وكثرة قوامهم وانفراده به عن أهل المروءات من أشراف الدولة ومعاملتهم له بكل قسوة ولم توثر عنه فعلة يستحيى من حكايتها أو كلمة يندم عليها قط فقد صدق والله كما صدق في كلمة له فيه

وما كان من رب العباد وليه ومخدومه خير الأنام ليخسرا

وقال فيه

ولم تلتفت في السير غيرا ولم تزل ترى أن ذكر الله أعلى وأرجح

وكما قال في آخر عمره في قصيدة أخرى فيه

يرضى إذا جرت الأمور مسلما علما بأن إلهه أجراها

لا تحجب الأسباب عنه حقيقة إن تاه في ظلماتها من تاها

وقد حكى علي تلميذه الكبير مرب غي أنه قال له وهو يوادعه في السفينة وهي تقلع إلى الجزيرة المظلمة أيها المريدون ارجعوا والزموا طاعة الله فقد أودعتكم من ما أودعته شيئا وحصل فيه ما سيوءني ارجعوا فلن ينكسر مما خلفت شيئا ولو عود

وكذلك قال لمريده الكبير الصادق الشيخ إبراهيم فال حين وادعه في السفينة اجتهدوا في الطاعة فلم أذهب إلا لخدمة قمت بها وصلاحها في هذا السفر فقط وسأرجع إليكم إن شاء الله "لطيفة" حكى علي مفر انجاي أحد المريدين المحبين ذوي الدين أنه كان يوما مع أبي محمد الكنتي في قرية انجاصان قال ولما خلا بنا المجلس سألني من شيخك قلت له الشيخ أحمد قال فقال غرب قلت نعم قال يظنون أن الدولة أرادت نفيه وترغيبه كلا ما ذاك إلا سبب طاهر أما الحقيقة هي إن الله تعالى كشف للأولياء عن مقام عزيز عنده لا ينال إلا ببلاء من أعظم البلوى فلم يترشح له إلا شيخك فوقعت عليه المحنة كما رأيت أما أنه سيرجع سالما ويضع الله له القبول في الأرض خصوصا سنكال وتكون البركة على يديه لمن اتبعه فلا يمكن لأحد أن ينازعه فيه فبسبب ذلك تراني لم أختر أن تكون تلامذتي من أهل السنكال بل مما وراءه أما من أراد ذلك فلا يحصل على طائل لأنها صارت له بولاية الله تعالى

ثم قال رضي الله عنه "غنيت به ربا" البيت من باب الغنى بالله على حد قول من قال إن الغني الشاكر خير من الفقير الصابر قال الجنيد وقد سئل عن الافتقار إلى الله تعالى هو أتم أم الاستغناء بالله فقال إذا صح الإفتقار إلى الله تعالى فقد صح الاستغناء إلى الله عز وجل وإذا صح الاستغناء بالله كمل الغنى به تعالى فلا يقال أيهما أتم الافتقار أو الغنى لأنهما حالتان لا تتم إحداهما إلا بالأخرى وهو القدوة فبدا من كلامه هذا أن الطرف الأخير من الكمال لجهة العلو الغنى بالله تعالى والأس الافتقار إليه فيستوي البناء فبقي الأمر إضافيا العبارة وإن كان الحكم للمقام فبالأمرين يقوم هو بكماله فصار الخلاف بهذا لفطيا لاقتضاء النسب إياه ثم يكون وسم صاحب هذا المقام الفقر وحاله الشكر لأن الشكر صرف النعم على مقتضى رضى المنعم وكماله رفع العين عن النعم ونسيانها للالتذاذ بالمنعم ولا يتم إلا بالاتصاف قبله ومعه وفيه في فنائه عن نفسه وبقائه بربه وفي حال تولي الله تعالى له في محو المحو ومحوه حيث يحفظ عليه شعائر الإسلام ويجري حركاته وسكناته على مقتضى الشرع من غير اختيار وتدبير من العبد فهو غني في كل حلل وفقير في كل حال وكذلك شاكر أبدا وصابر

قال الشيخ عبد القادر الجيلي الصابر مع الله أفضل من الغني الشاكر له والفقير الشاكر أفضل منهما والفقير الصابر الشاكر أفضل منهم وهو القول الفصل وتفصيله فيما تقدم وتخليصه أن المعترف بفقره دائما الصابر في عكوفه على عتبة باب سيده المفتقر إليه الشاكر على الحال الذي أقيم فيه من سراء والضراء هو الفضل لأنه أكمل معرفة وأحسن عبودة لأن الشاكر لم يشكر إلا لغناه بما يشكر عليه فكان قول شيخنا رضي الله عنه وإني شاكر وفقير قياما بالوصف الكامل وهو جميع الثلاثة يفيد أنه في الحال التي كتب فيها القصيدة قائم بحقيقة الصبر يدل عليه ما تراه في فحوى الكلام من السكون والرضى والإخلاص مع أنه في الحال في أحرج موقف وأشده في السفينة المغربة وحيدا فريدا إلا من كتبه بين أعداء له يسومونه من أنواع الفتن ما لم يسبق له مثل وأما الفقر فلا تحتاج أن أزيدك علما بما أصابه منه و إلا فأعد النظر في القصيدة تجد الافتقار البالغ الحد عن ذي فقر مدفع إلى ربه تعالى حيث يقول

قصوري خلت والأهل عني تفرفت لمدح الذي عنه المديح قصير

قال القشيري فهو محو في وجود العين فلا هيبة ولا أنس ولا علم ولا حس قلت فهذا هو حقيقة الفقر وهو المنعوت بالوجود قال في الرسالة وأما الوجود فهو بعد الارتقاء عن الوجد ولا يكون وجود الحق إلا بعد خمود البشرية لأنه لا يكون البشرية بقاء عند ظهور سلطان الحقيقة وصاحب هذا الوجد لا علم له بنفسه ولا إرادة ولا تشريف ولا تكليف وإنما يوفق وتجري أعماله على مقتضى الشرع حفظا لظاهر الشريعة وإقامة دليل على العهدي واستدامة تكريم للعبد باستحقاق والزيادة والحسنى على الدوام من إقامة عبادته وحمل الخلق عليها بأقواله وأعماله وأحواله وإن تطيعوه تهتدوا

وآية المقام استمرار لاستقامة والقوة الخارقة في الحمل عليها والجذب إليها لكل مريد ومراد ومجاور وسامع به من أهل السعادة كما تبين من حال شيخنا رضي الله عنه وسيرته وسريان نوره وبركته في جميع معاصريه من أهل الخير ثم قال رضي الله عنه في صدق التوكل والتفويض

أموري له فوضت والقلب طيب

رفيقي كتاب الله

أخاطبه بالمدح وهو بطيبة

يعد للدعاء عدته من تجريد التوحيد وتوحيد التفريد وقد اتحد فيها قوله وفعله والإخلاص والتسليم بأقصى ما في إمكان العبد امتثلا لأوامر كتاب العزيز أدعوني استجب لكم ثم قال إن الذين يستكبرون عن عبادتي

فلذلك قال صلى الله عليه وسلم الدعاء هو العبادة وفي الخبر الدعاء مخ العبادة لما فيه من حسن الظن بالله ورجاء رحمته وقد ذكرهما ممتنا مرجيا فقال جل شأنه أدعو ربكم خوفا وطمعا وقال في الحديث "القدسي" أنا عند ظن عبدي بي وقال ورحمتي وسعت كل شيء فالداعي إن جمع آداب الدعاء فهو أكمل وإن كان المستغني بمعرفته كاملا عليا فلذلك كان صلى الله عليه وسلم أكثر تعوذ بالله وأكثر ثناء ورغبا ورغب عليه السلام أمته فيه كما سنه لهم فإنه لم يتركه حتى كان آخر ما سمع من كلامه كما في حديث عائشة رضي الله عنها اللهم الرفيق الأعلى كما في البخاري

فالكامل في أدب الدعاء هو المتوكل المفوض في الحقيقة لأن حقيقتهما إسقاط غير الله وصدق التوجه إليه فزاد الطالب على الساكن مراعاة الحكمة في وضع الأسباب وما خلق شيئا عبثا فتخلص لذكره الكتاب ثم لذكر من جاء به ليؤدي واجب الشكر عليهما لله تعالى ولهما في الله عز وجل وجعل الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما طلبه من العباد ربهم بمحكم كتابه فقال تعالى لتومنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وقال صلوا عليه وسلموا تسليما وهو آية هداه ورحمته للعالمين

فحصر على سنته ومحبته جميع أقواله وأعماله قلبا وقالبا وجعل ذكره والثناء عليه مأواه وراحته بين أوقات الفرائض والسنن ثم جعل الأمر إليه فقال نبي الهدى البيت قال رضي الله عنه

أخاطبه بالمدح وهو بطيبة وإني له هناك جار يزور

أخاطبه وهو الوسيلة سرمدا وفي القلب مني من رضاه سرور

وخاطبته في البحر إذ سيري انتهى إلى الله والمختار وهو منير

نبي الهدى تابت لي النفس ها هنا وأنت بمدحي كالصلاة جدير

فسل خالقي تعجيل أوفي بمنيتي فذاك على المولى الكريم يسير

عليك صلاة الله جل مسلما مع الآل والأصحاب نعم بدور

وهكذا تلت هذه الأبيات ما قبلها التي ليس فيها إلا تجريد التوحيد وإقامة العبودة لمستحقها والشكر والرضى مع السكنون التام تحت الأمر والنهي كما عرف من سجايا الصديقين من عباد الله المخلصين ثم رد إلى نفسه ليسوقها إلى ربها لما جعلت من الحق عليه فدب بها ليحملها على مطايا الرحمة المنزلة والفضل العظيم لحضرة ربها فيقطع بها مسافتها على مراحل الترفي وتقتحم عقبات الطريقة المثلى رسمتها الحكمة الأزلية وعبدتها بقيادته تعالى أقدام أنبيائه المصطفين وكمل أوليائه الأعلين فقال بلسانه

رضيت به ربا البيت مما يشعر به أنه لا يعرف طريق الشكوى إلا بما أرشده تعالى إليه بكلامه وكلام نبيه صلى الله عليه وسلم من أن له تعالى صنائع في عباده ووضع أسبابا اختارها سبلا لرحمته وأبوابا لفضله يسلكها بشروطها من يشاء من عباده وهذا الافتقار وإظهار العجز والمسكنة والرغبة فيما عنده والانتصار به على مظاهر أقداره بسابق إرادته ليرتب عليه الفوز والفلاح بإتقان حكمته وغلبة رحمته قال صلى الله عليه وسلم لما خلق الله الخلق كتب عنده فوق عرشه إن رحمتي سبقت غضبي

وقد علق إجابته تعالى لعبده على دعائه فقال عز من قائل أجيب دعوة الله إذا دعاني ثم رغبهم فقال فليستجيبوا لي فحرك سبحانه وتعالى في عباده دواعي الطلب وأطمعهم في عظيم فضله وجعله قربة في مقام الزلفى فكان من علامات التوفيق للمحبوبين من أهل البلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل تنوع الدواعي لتنوع الشكايات فترتب عليها فنون الإجابات والتنزلات بالرحمة والقربة والحظوة في المقام الأمين عنده تعالى كما قال الجيلي ودوام البلاء خاص بأهل الولاية الكبرى وذلك ليكونوا أبدا في الحضرة ويمتنعوا من الميل إلى غير الله تعالى

وكان من أوضح الدلائل على علو منزلة شيخنا فوق منازل الأكابر من ما دون الصحابة خلوص عبودته وصحة يقينه ودوام مشاهدته وجريانه المستمر على هدى سيد الوجود صلى الله عليه وسلم من تنوع البلايا وتكثير الطلب ورفع الشكوى إلى ربه تبارك وتعالى والتفنن فيها بحيث لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا طلبها افتقارا وإظهار عجز فيقدس جناب المولى بقدر ذلك فتجده لم تبق ذلة ولا مسكنة إلا ظهر بها بين يديه تعالى في الجلب والدفع كما أنه لم يبق تنزيها ولا تقديسا ولا كمالا إلا ووفاه حقه لجانب الله تعالى لم يفرط في شيء ما فيه

فكان من الجزاء أنه لم يبق فتح ولا نصر مما جاءه صلى الله عليه وسلم إلا وخلع عليه منه ما لم يكن عند بشر بعد أصحابه عليهم رضوان الله تعالى كرامة من الله الكريم ومعجزة ظاهرة لمصطفى عليه السلام من معجزاته المتأخرة وسأشير إلى بعضها إن شاء الله تعالى في مقام الشكر والاستطرادات وفقنا الله لأكماله وتفضل بقبوله كلاما طيبا وعملا صالحا يرفعه آمين فقوله يسخر ما يشا لمن شاء الخ تعريض حسن من الأدب المرضي كما يمر بك في قصص الأنبياء

قال أيوب عليه السلام رب إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين وقال ذو النون إذ نادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ففي التعرض عند الكرام أدب نبيه وفتوة ظريفة ففيه إظهار الثقة بمعرفة السامع وفيه الحشمة لعظمته وفيه الخضوع لقدره بحيث لم تر لنفسك حقا وغير وغير عرفه هؤلاء ومن سلك مسلكهم من أهل الاصطفاء ثم قال شكرا على ما كوشف له به ولما تظهر لائحة من لوائحه فأكرم به ربا نفى عني العدى البيت فقوله والجناب حقير فيه لطائف منها

حقارته بالنسبة لجانب المالك وحقارته عند نفسه لجانب المبالات التي عومل بها حتى صار محلا لتصرفه تعالى وهو من باب إسقاط النفس ورؤية الله تعالى في مقام الإحسان ومنها حقارته في أعين حاملي البلوى وأسبابه الطاهرة على ما سيظهر منهم من مظاهر يستعظمونها ويهتدون فسبحان من يخفي ليظهر ويهين ليعز إنه هو العزيز الحكيم فقوله رضي الله عنه وعنا به آمين يا رب العالمين

رفيقي كتاب الله والمصطفى النبي وأصحابه في البحر حين أدور

وخاطبته في البحر إذ سيري انتهى إلى الله والمختار وهو منير

نبي الهدى طابت لي النفس هاهنا وأنت بمدحي كالصلاة جدير

فسل خالقي تعجيل أو يمنيتي فذاك على المولى الكريم يسير

وسل خالقي روض العدى إلى معا بما أأوب به للبر أنت نذير

عليك صلاة الله جل مسلما مع الآل والأصحاب نعم بدور

ومنه صلاة مع سلام إليك يا منى كلكلي يا من نداه بحور

يخاطبه صلى الله عليه وسلم بعد انتهاء سيره إلى الله تعالى وإليه صلى الله عليه وسلم سار من دنياه إلى دينه وهجر النفس والهوى إلى طاعته وطلب رضاه وأسقط الخلق لتفريد الحق سبحانه وسار من رؤية الآثار إلى رؤية ومشاهدة المؤثر وتخلى عن الأسباب الثانوية إلى السبب الأول عليه عليه السلامان حكي عن أبي سعيد الخراز أنه قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت له أعذرني فقد شغلتني محبة الله تعالى عن محبتك فقال لي يا مبارك من أحب الله فقد أحبني وهذا هو حقيقتهم

فلا يتوهم متوهم أن أحدا من الأكابر يقول ما يقول وهو ناس له صلى الله عليه وسلم ولكن فناؤهم فيه عليه الصلاة والسلام واندماج نوره في النور الأقدس لشدة سطوعه عليه ودوامه يفقدهم التمييز بينه وبينه ويذهلهم عن دقة الفرق بينهما إلى أن يبلغ ضيق العبارة ببعضهم إلى ما يشبه اعتقاد الحلول أو الاتحاد وإن كان التوحيد أعلى من ذلك سمعت شيخنا يقول إنه كان في بعض مناجاته يغلب عليه التوحيد لدوام المشاهدة بحيث يناجيه مولاه فهل نسيت أن بيننا واسطة وهو إلينا الوسيلة

قال فأرجع إلى معرفتي وألتزم الأدب بين يديه صلى الله عليه وسلم فتنسيني فضائله ومناقبه فأتيه في جماله وأنقطع إليه وأهيم به في خدمته وإحياء سنته إلى أن يقول لي ألا تعرف أن لك ربا هو الصمد قال فأقوم بتجريد توحيده تعالى فعلمت أن الشأن الدوران بينهما فجعلت السكون عند الله تعالى برسوله صلى الله عليه وسلم لأن العندية تقتضي السكون والاستقرار وهو منتهى السير قال تعالى في مقعد صدق وعند مليك مقتدر وقال رضي الله عنه في منظومة

دلني الله على محمد وقادني محمد للصمد

وذلك بيان للكيفية ثم قال في موضع آخر

دلني الله على الله بلا تغرر وعمري تقبلا

وهذا البيت أيضا للعافية وهو السكون وإيضاحه أنه إذا كان دلالة الله تعالى لعبده على الوسيلة عليه الصلاة والسلام إنما يكون من سابق العناية وإجراء توفيقه للعبد لكونه صلى الله عليه وسلم لا يقود إلا إليه تعالى وهو في كل نفس ولحظة وأقل من ذلك لا يفتر عن القيادة إليه فالدلالة عليه صلى الله عليه وسلم هي عين الدلالة على الله تعالى وأما دلالته تعالى له عليه السلامان في البيت الأول إنما هي ترقية وزيادة محبة بتعريفه وفي الأخير بصنعته تعالى بعد أن استهلك كليته في نور رسول الله صلى الله عليه وسلم

وبعبارة أخرى فالأولى دلالة على رسول الله صلى الله عليه وسلم والأخرى دلالة برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ثن تولى عنه الحركة والسكون بحسب أوامره وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام بلا شذوذ ولا ميل وهو الذي نبه عليه في قوله بلا تغرر وعمري تقبلا لأن الجيد عن الصراط المستقيم كيف ما كان فجيد وقد عمم منه وذلك ليترب عليه الأجر بدوام استمراره كما قال وعمري تقبلا وذلك حيث لاحظ لغيره تعالى من عمره تولاه وفي الحديث إن الله يربي الصدقة كما يربي أحد كم فلوه

وهو رضي الله عنه إنما أهدى كليته فتقبل منه فكان تعالى الكفيل والولي وحده لا شريك له وهذا هو السكون في الانتهاء كما قال

يجدني عند مليك مقتدر كل ولي للجنان يبتدر

كان رضي الله عنه يقول من أراد أن يعرفني بتركيب الأقسية من ما مضى من الحكايات والاستقراء ممن حفظ التاريخ فهو أجهل الناس بي إنما أنا عبد تولاني ربي عنده فكما لا شريك له في فلا سبيل لأحد إلى معرفة أمري غيره تعالى ورسوله كل هذا لتعرف أن معيته لرسول الله صلى الله عليه وسلم معية خاصة لا يغيب عنها جميع أنواع التلوينات وفنون التمكينات والولايات

وتلك قوة لا توجد إلا في أكابر الصديقين كأصحابه صلى الله عليه وسلم أو في المحبين النازلين عن رتبة الكمل الأفراد منهم وذي الولايات العظمى ممن وفقوا أعمارهم في مدحه والصلاة عليه صلى الله عليه وسلم كثير منهم فاتتهم العناية السابقة من الله بالمجاهدين الذاكرين الله كثير المستهترين المفردين الذين ذابوا في الله وقاموا به تعالى وكلا وعد الله الحسنى إلى أن حصول الذوقين في الآل القاهر على جميع الأحوال عزيز وأمر غريب نادر لم يظهر في أحد ظهوره في هجيرى شيخنا رضي الله عنه

فإنه لا يذكر الله في حين من أحيانه إلا مقرونا بذكره صلى الله عليه وسلم في جميع أنواع العبودة من الذل والفقر إلى الله ومن العز بالله والغنى به عز وجل إن افتقارا أو طلبا فإلى الله تعالى به عليه الصلاة والسلام وإن شكرا وثناء فلله سبحانه عليه صلى الله عليه وسلم أوله على الدلالة على الله تعالى وإن كان بالظهور بالمواهب حيث أمر به وأذن فيه من التحدث بالنعم كما أذن لمتبوعه عليه السلامان إذ خوطب به وأما بنعمة ربك فحدث فيه يظهر وإياه يطري وبإحسانه ومحاسنه يهيم

فما استقام أحد على طريقة أداء حقه كما يرضى الله تعالى مثله بعد الصحابة الذين لا يذكرون الله تعالى إلا مقرونا بذكره كما يجري في محاوراتهم معه عليه السلامان فيقول أحدهم الله ورسوله أعلم ويقول أحدهم صدقة لله ورسوله كما قال الصديق رضي الله عنه وقد قدم جميع ماله لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أبقيت لأهلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وصححه الترميذي وغير وغير وقال الفاروق في قصة "حاطب" بن أبي بلتعة رضي الله عنهما وعيناه تذرفان الله ورسوله أعلم وفي غيره في البخاري وقال كعب بن مالك شكرا لله ورسوله حين تاب الله عليه فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم من علامة شكري أن أنخلع من جميع مالي ثم قال رضي الله عنه

فبشر ذوي الإسلام بي عاجلا وكن منيرا بي الإسلام أنت منير

صلاة وتسليم من الله سرمدا على خير من تشكى إليه الأمور

ذكر الآل والصحب إجمالا ثم ذكر الخلفاء الراشدين تفصيلا ينعت كلا بنعمته الذي يناسب حاله رضي الله عنه في ذلك الوقت لأن المرء أول ما يسبق فيه أول وهلة من النعوت النعت الذي يلائم تبعه لأنه أول ما يبدو له من الفضائل لتصوره إياه في نفسه وقيامه بوصف منه إلى أن قال رضي الله عنه

بهم أرتجي من مالك نصره على ذوي الشرك والتثليث حين تجور

ثم انعطف من ثم إلى عزته تعالى فتشبع واغتنى فتاه على الأقتال واختال إذ يقول

يظنوني وقت اغترابي لديهم أسيرا لهم والكل ثم يحور

حيارى أسارى للشياطين والهوى وإني لرب العرش جل أسير

أسير إلى ذي البر والبحر عابدا ولست إلى الفجار عوض أسير

مسيري إلى الوهاب جل جلاله ومالي إلى غير الكريم مسير

تمسكت بالحبل المتين مرتلا وبالعروة الوثقى التي هي نور

به سرت من ربي لربي موحدا وحولي النصارى والبحور تمور

هو الكنز والكبريت والزاد هنا به تنتفي نار غدا وثبور

أنظر ما أحسن هذا التيه وهذا الاختيال في هذا الموقف فلا والله ليس بدون من اختيال سيدنا أبي دجانة وكان رجلا شجاعا شهد بدرا ومن قصته في غزوة أحد أنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من يأخذ هذا السيف بحقه فقام إليه وجال فأمسكه عنهم حتى قام إليه أبو دجانة رضي الله عنه فقال وما حقه يا رسول الله قال أتضرب به العدو حتى ينحني فقال أنا آخذه بحقه يا رسول الله فأعطاه إياه وكان أبو دجانة رضي الله عنه بطلا شجاعا يختال عند الحرب إذا كانت وكانت إذا أعلم على رأسه بعصابة حمراء علم الناس أنه سيقاتل فلما أخذ السيف من يد رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ عصابته فصب بها ثم جعل يتبختر بين الصفين فقال صلى الله عليه وسلم إنها لمشية يبغضها الله إلا في هذا الموطن

فهل رأيت أين رمى البلوى التي هو يعوم في بحورها رماها بعيدا حيث رمى زخرف الدنيا وزينتها وقذرها وجيفتها حجبته عزة مولاه وغناه عن شم رائحة تهاويل الأعداء وأنساه شهود عظمة ربوبيته تعالى فنون محن المتسلط عليه بمكائده وجبروته كما استعاض بأنسه من وحشة الرفقاء واصطناع الأصحاب والشوق إلى الأحباب فكيف لا يحجب عن مضرة الأعداء من غيب عن منفعة الأحباء فإليك بعض ما تضمنته هذه المناجات والحال النفيسة من العجائب والغرائب

صدر القصيدة بالانقياد والاستسلام للقضاء والقدر اللذين هما مهاد الصبر الجميل ثم الإنابة والمعاهدة ثم التوكل ثم الرضى والتفويض والسكون تحت الربوبية سكونا تاما مطمئنا ثم القيام بمقتضاها من العمل بالكتاب والسنةوخدمتهما ثم معاملة الرسول صلى الله عليه وسلم بالنصر والتعزيز والتوفير ثم الاستقامة على هذه الحقائق بالاهتداء والاقتداء به صلى الله عليه وسلم وأصحابه وتوفية حقوقهم ثم التيه على السوى بالله لله ثم العبودة القصوى حيث قال

به سرت من ربي لربي موحدا وذلك آخر العهد به والله أعلم بما يطالعه به من خزائن فضله قال وقوله الحق وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم فلم يبق إلا أن يفوت أجره في صبره هذا العد والحصر إنما يوفى الصابرون أجرهم بخير حساب فصبره رضي الله عنه لا يتاح إلا من هيأ الله لمكافحة أمم الضلال ووزراء السوء وشياطين الإنس والجن وأنه لعزيمة صبر لا تتاح إلا لمن اصطفاه الله لرفع منار الإسلام وشد أزر حقائقه وأهله لإعلاء كلمته تعالى من بين صم بكم عمي فهم لا يرجعون

فرق أكثرهم لا يعرفون من الدين إلا رسمه ومن الحق إلا اسمه إلا قليل منهم يهدون بالحق وبه يعدلون نور الله بصائرهم فتمسكوا بأذياله ووالوه في الله وحذوا على منواله صبر من يحب في الله ويبغض فيه ويوالي فيه وفيه يعادي به أعادي وبه أوالي وهو تعالى المتعالي الوالي صبر من استحقر في جنب الله كل ما سوى الله صبر من تنسيه لذة الطاعات مقاساة آلام جميع الموذيات صبر من لا يداهن في الدين ويتأنف تأنفا عزيزا من الاستعانة بغير الله وأهله

فإنه رضي الله عنه أتى عليه شهر رمضان وهو في مايمب تلك الجزيرة المظلمة في مجاهيل أطراف المعمور في بحر الظلمات مودع من حكومته في يد ذلك الوحش الشيطاني الشرير حاكم كابون وهو رضي الله عنه صفر اليدين إلا من الكتب في أشد غربة وفقر مدفع وشهر رمضان لا يعرفه هو ولا سائر الشهور إلا بتقييده في كتاب لعدم من يومن عليه في الدين لغربة الإسلام هنا لك غربة لا يوازيها إلا غربته هو أتى عليه هذا الشهر ولا يملك نقيرا ولا قطميرا إلا ما تدفعه الحكومة من الرواتب وقد كان من قبل ذلك من أول ما عقل لا ينتفع بأموال الأمراء في نفسه وحاجته تورعا قبل فرنسا ومعها

يا خير ضيف أتى بالبشر والمدد أهلا وسهلا وترحيبا بلا عدد

لا زلت ضيفا كريما زائرا أبدا مكرما بقرى الطاعات والسدد

معظما عند رب لا شريك له وعند أهل التقى والعلم والرشد

إلى آخرها ووادعه بأخرى وهي

يا ذا البشارات بالآيات والسور لي اشهد بكوني عبد المحسن الصور

لي بكوني عبد الله فيك بلا غش ولي اشهد بأني تبت من خوري

سر ذا قفول لرب لا شريك له في الملك والحمد رب الجن والبشر

لا زلت ضيفا كريما قد يبشرني في السر والجهر بالإحسان ذا بشر

إلى آخرها

وفي هذين البيتين تعرف نفسيته إذا اصطكت بالمحن المتتابعة وفيهما تقرأ أنفته واستصغاره الأهوال واستهانته بها وذويها وصدقه في الله وحبه وشوقه واعتماده على رسول الله صلى الله عليه وسلم ووفاءه مع ربه في العهد أما الأولى ففي ابتهاجه بالضيف القادم واستعداد نزله من الطاعات والأخرى في المناجات والاشتسهاد له بكونه عبد الله تعالى وفي التوبة والإنابة ثم الاستغاثة والافتقار على عادته من التذلل والخضوع

ثم الاعتماد على الله ورجائه والإقبال إليه بالكلية مع رسول الله عليه الصلاة والسلام والاستهانة بما سواه تعالى والتيه والأنفة على غيره تعالى وأهله وإسقاط ذلك الغير والزهد فيه وصرف الوجهة عنه واستقذاره الدنيا الذميمة فما أظهر نفسيته إذ يقول فيها

إني إلى النافع الرزاق مفتقر ولم أكن لسوى المغني بمفتقر

أأشكي الضر للمخلوق تجديا من بعد كوني عبد الله بالفقر

وقبله

إليك يا خير وهاب أمد يدي في البر والبحر سخر لي ذوي الأشر

أنى أمد يدي من غربة وأذى إلى عدى قلب كل كان كالحجب

من بعد كوني عبد الله في أبد وبعد كوني خديم الفجر ذي الفجر

أو كيف أركن للدنيا مجردة من بعد ما بعتها في العسر واليسر

أو كيف أشكو لمن غرو ببهجتها ذوي التنازع والتثليث والخسر

وبالجملة فكان رضي الله عنه صابرا لا متصابرا وكان مصابرا مرابطا ثهلان ذو الهضبات لا يتحلحل كما قال حاكم مايمب المتفرنج المتسلط عليه وبيده إذ ذاك جميع آلات الدناءة وأنواع أدوات اللؤم ذلك الشيطان المتجسم في صورة الآدمي الذي كان يهجم عليه بأنواع الموذيات ويطلق عليه ضروب المضرات يهدده بالعسف تارة وبالمدافع أخرى يتمنى أن يحسب له شيخنا رضي الله عنه يوما واحدا حسب الإجلال والإعظام فأعجزه ذلك أو أن يراه سببا ثانويا لأمر ما فحرم ذلك

حكى علي أنه أتاه يوما يكتب بعض مناجاته مع الله وبيده آلات الإهلاك يهدده يقول أما تكف أما تعلم أني لا أومر فيك بشيء إلا وفعلته يريد القتل ويوهم بورود الأمر به فلم ياتفت إليه شيخنا رضي الله عنه حتى أكثر عليه فرفع بصره إليه وقال له بلهجته وأنت تعلم أني لا يأمرني ربي بشيء إلا وفعلته فبهت المرتد وتراخت أعصابه ثم تجلد تجلدا باردا وكسر في نفسه وقال لشيخنا رضي الله عنه وما أمرك ربك به فقال أمرني ربي بالصبر على كل ما فعلتم بي فخجل الرجل وقال نعم أن الله أمرنا جميعا بالصبر إن الله مع الصابرين فقال له وإن كان يشملنا فالذي امتثله أنا

قلت وهذا الجواب على هذه الحال ينبئ عن علو قدره في التوحيد وصدقه في العبودة ورباطه مع الله في جميع المواقف والكرمات الخلفية أعز عند أهل الله المقربين من سائر الكرامات فبذلك كان الصبر أعلى ما اتصف به العبد لأن حقيقته ترجع إلى ملاءمة الحوادث ومماشاة الأقدار على الرحب والدعية وهي المعبر عنها عند الحكماء بالعفة إلا أن بينهما عموما وخصوصا في عرف الصوفية لأن العفة يوصف بها أهل المروءة وغيرهم ممن لا نية لهم إلا الاعتياد والصبر لا يجري على ألسنتهم إلا والمقصود به الصبر لحكم الرب تعالى تعبدا وإذا كان حال الصبر الشكر على ما يصبر عليه من كمال قربه فهو صاحب الجزاء الأوفى

كان الشبلي يقول كل صديق ليست له معجزة فهو كاذب فمرض مرضا شديدا وأدخل في المرستان فقيل له كنت تقول كذا وكذا فأين معجزتك قال معجزتي موافقة الرب في الأمر والنهي فبخ بخ هكذا يحمل الصبر ويشكر عليه وكان عروة بن مسعود يكلم النبي صلى الله عليه وسلم ويتناول لحيته المغيرة بن شعبة يكف يده بالسيف يقول اكفف يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان سهيل بن ينازعهم ويقول لو أعلم أنه رسول الله ما خالفته ويقول له اكتب اسمك واسم أبيم واكتب باسمك اللهم على عادتهم

كل هذا يوافقه صلى الله عليه وسلم صبرا لعظم شفقته وكثرة رأفته رجاء أن يهتدوا وقد بركت ناقته فقال الناس خلأت القصوى فقال صلى الله عليه وسلم ما خلأت وليس لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل فما زال معهم على هذه السجايا من الصبر حتى فتح مكة ولم تكن حرب تحصدهم ولا قتل يفنيهم وحتى أسلم سهيل بن عمر وبعد فحسن إسلامه وخطب خطبته المشهورة حين تحدث أهل مكة بالردة فثبتهم الله بكلامه رضي الله عنه فكان من عظائم معجزاته صلى اله عليه وسلم لما قال عمر بن الخطاب وقد تمكنوا من سهيل دعني يا رسول الله أضرب عنقه وأنزع ثنيتيه فأبى عليه وقال سيقف موقفا لا تكرهه فكان موقفه يوم أتى الناس نعي رسول الله صلى الله عليه وسلم يثبت أهل البطحاء على الإسلام

فكرامات شيخنا رضي الله عنه في هذه الأخلاق كثيرة أنظر جوابه لذلك المرتد وصبره عن الانتقام والشكوى على أن الرجل كان كثيرا ما يفتشه ولا كان يوصل إليه براوة من أرضه أو شيئا ملفوفا إلا بعد أن يشقه ويعرف ما فيه وما هو وقد يكون سائغا له من جهة السياسة لأن المغرب لم تعرف حقيقته إلى ذلك الحين ولكنه يزيد على التفتيش البعثرة والفساد والتشويش وسوء الأدب الكثير قال شيخنا رضي الله عنه إنه وقف عليه يوما ليأخذ بعض ما أرسل به إليه فرآه يقلب ويلوي هذا ويرمي بهذا ويفسد هذا فقال له شيخنا يا فلان ظلمتني وتماديت على ظلمي كأنك لم تعلم أن الآخرة آتية فقام الرجل مغضبا يسب ويعنف ويفعل حتى تحركت عليه حشمه وجعلوا يقولون له يا فلان دع عنك هذا الشيخ واترك ظلمه فقد جاوزت الحد في أمره وقد أحزننا نحن معشرك هذا الظلم فأدبر شيخنا رضي الله عنه ومكثت تلك الليلة إلى الصبح فما علمت إلا والرجل ارتمى أمامي يتمرغ على الأرض وجعل في عنقه حبلا مده إلي يقول لي خذ هذا الحبل وجرني حيث شئت فقد تبت من ظلمك وندمت عليه فلم أعود أبدا فاصفح أو افعل بي ما أردت فلاطفه الشيخ رضي الله عنه حتى قام وطيب خاطره ثم رجع إلى بيت حكمه

أنظر كيف أجاب هذا الرجل نفسه وحكم لشيخنا رضي الله عنه حين تلا إن الله مع الصابرين في الواقعة الأولى صبر لحكم ربه فقذف له في قلب عدوه الرعب بلا سبب فأسلم نفسه إليه ليقتص منه إن هذا لعجب عجاب إن هي إلا معجزة تأخرت لمخدومه كما تقدمت له في قصته مع سهيل وأهل مكة ووقعت له مع حاكم آخر من حكام كابون واقعة بينه وبين شيخنا رضي الله عنه نفرة من جراء سوء معاملتهم للمعتقلين هناك على السواء لا فرق عندهم بين المجرمين الأنذال ذوي الطباع السخيفة والسياسين المعارضين أهل الجراءة والإقدام ولا بين الدعاة المدخول عليهم من جهة الرياضة غير المهذبة التي توجب كثيرا آفات تشبه الجنون في أدمغة ذويها ولا بين المحققين من الصوفية أهل المشاهدة من أهل اليقين الغافلين عن الدنيا والناظرين للآخرة أولئك الذين يستلذون الآلام في ذات محبوبهم المستخفين بسواه والناسين لغيره أهل القلوب الذين غلبت روحانيتهم على بشريتهم مثل شيخنا رضي الله عنه الذي كان يقول كلما لا يجاوز الدنيا إلى الآخرة فلا مبالاة لي به كلما يفنى فخطبه "سهل"

كان ذلك الحاكم يستعرض المعتقلين يوما حتى أتى على شيخنا رضي الله عنه فوجده في عبادته ذاهلا عما الناس فيه فعد ذلك استهانة كأضرابه ممن سبقوا فيه ولما يقفوا على حقيقته وقد مضى طرف في المقدمة من هذا النوع الذي للقائل أن يقول كلما جرى له من الحكومة منشؤه سوء التفاهم لا أكثر فإنه لم يصادمهم في إرادة ولما رأى الحاكم أنه لم يعبأ به عده ظلما فوق كل ظلم وزاد في تضييقه وإتعابه تشفيا منه حتى بلغ معه أقصى ما في إمكانه مما دون النفس

قال شيخنا رضي الله عنه وفي هذه الفتنة أتاني أحد رؤساء العسكر لأن الجزيرة إذ ذاك لم يزل الحكم فيها حكما عسكريا نوعيا وكان هو يسكن في بيوتهم لا يوبه به قال فقال الرئيس هذه المعاملة يسوءني وأرى أن تلاطف الحاكم بكيت وكيت قال فقلت له لا أحتاج إلى مصالحته فقد قرب تمام نحت كيسه الذي يقبر به فما أتى عليه شيء حتى مرض وأعجز أطباء الجزيرة وقد كان خرج من تلك المدينة إلى غيرها ثم مر به في السفينة محمولا إلى اندكار فمات فأتى الرئيس الذي كان يناصحه فقال له أيها الشيخ والله ما أدري ما حالك حاكمنا الذي كنا نشكوه مر به في السفينة إلى دكار لمرض أصابه عندما خرج المدينة فمات وهو في كيسه كما قلت وما ذاك إلا الانتقام الله من العدو لعبده

كما وقع لحاكم اللوكه القائم بأمر التغريب المالئ صكوكه بالتقريرات المموهة قبل وقد بلغ العزم أن قال لحاكمه العام في اندر أخرجوا عني هذا الشيخ أو أخرج أنا من الحكم فلا يجمعني وإياه بلد فإنه ما لبث شيخنا رضي الله عنه في منفاه سنة أو سنتين حتى أرسل عليه حاكما على ذلك البلد فلم يعلم حتى وجده في عقر داره في الجزيرة كابون محل ولايته فكان من العجب أن قلب الله قلبه على شيخنا رضي الله تعالى عنه لما علم بوجوده فجعل يقول لقومه إن هذا الرجل كان في حكمي وإنه كان جليلا في أرضه كثير الأتباع فاعرفوا له حقه ولا توجهوا إليه الأذى والإهانة فإنه لم يعمل سوءا ولم يعارض قانونا ولا دخل في السياسة إنما كان ما نقم عليه صراحته في دينه وشدة ظهوره من إقبال الناس إليه أما هو فليس في شيء من الفساد وأمر الدنيا

فصار يلاطفه ويوضح أمره في السجلات فكان بسببه انصرام الأذيات كما كان به ابتداؤها فسبحان مقلب القلوب كان إرساله إلى الجزيرة حاكما لتكذيب نفسه ولغسله بيده الأدناس التي هو لطخ بها ولم يقف عند هذا الحد من الانتقام المعنوي حتى تجلى له الانتقام الصوري بأجلى مظهر اتهم هو أيضا من جهة حكومته فحرقوا حرمته ونزعوا خطوطه وعزلوه فافتقر من كل ما كان حصل عليه فصار يجول في البلدان يبحث عن مناجم الذهب ومصانع الحذاق ليحصل على الكفاف ثم رجع إلى سنكال للبحث عن مادة رزق يعيش به فلم يحصل على طائل فجعل يتيه في الأرض خانته أعوانه كما خان حكومته فلم يزل على ذلك حتى مات حزنا وكمدا

قال شيخنا رضي الله عنه في بعض مناجاته الشكرية

له شكوري وأمات من مكن في جيسش موته زاد الفكر

ليس له سوى سوى نكال وفتر بعد اجتهاده وعاقه الفتر

هو له انتقام ربي وفر في البر والبحر وخانه النفر

ومن شواهدها ما وقع له رضي الله عنه مع دكتور لشلو الذي ورد إلى انجربل جاء حاكما في بعض السنين وكان هذا الحاكم شرس الطباع أشب شيء بالصفراويين ذوي الأمزجة الحادة قوي العارضة شديد الشكيمة جهير الصوت خفيفا نشيطا لا يكل أمره إلى غيره ولا يخادع ولا يحابي ولا يظهر خلاف ما أضمر إن خيرا فخير وإن شرا فشر هكذا عرفته وعرفه غيري من أهل بول أرسل إلى انجربل حاكما وقد أكسبته هذه الأخلاق مهابة في النفوس وثقلا على القلوب أتى بهذه الصفات وكان القصد في توليته أن يسبر حال شيخنا رضي الله عنه ويقلب أمره ظهر البدر ليقف على كنهه وحقيقته ويحرك قلبه ويحمله على إرادته متسلحا بكل سلاح من السلطة والنفاسة ليخرج لحكومته دروسا صحيحا عنه تقطع بثبوته وامتناع تبدله ما دام الإنسان إنسانا

فهجم بعدته هذه عليه رضوان الله تعالى يناديه في أوان الحر والحرور والغر والزمهرير وربما يأتيه هو بنفسه في عقر داره بغتة وفد تبلغ به الشراسة أن يقدم أحد أبنائه يكسر الأبواب ويقد البناء لأنه لا بد له أن يراه من هيئته الخلوية من غير علم به وقد تسور داره يوما ليعرف ما ذا يكون عليه وهو في حاله العادي ولم يعثر قط على ريبة ولم يلفه يوما ما فارغا أو في تدبير دنيوي إما أن يجده كاتبا تاليا أو في عمل آخر من أعمال البر ولم يتغير له شيخنا رضي الله عنه ساعة واحدة من سلوكه غير المرضي

وكنا نقول لشيخنا رضي الله عنه إنه يجعل في همته أن يطرد هذا الحاكم أو يقع له ما يمسكه عن تفتيشه أو يعزل وهو يقول لنا متبسما في هذه الأمور الغريبة الرائعة إنه قيل لي إن هذا الحاكم لم يأت هنا إلا لمحو ما جرى بيني وبين دولته من التهم وتبرأتي من الطنة فنقول إن هذا عجيب كيف يقول الشيخ هذا والحاكم أشد من جميع الحكام قسوة وأشد معاملة ثم إنه لم يلبث أكثر من ثلاثة أشهر في حكومته حتى جعل يكتب في صكوك سره للحكومة العليا في اندر إنه سبر الشيخ وأزعجه وفتنه وبلا غائر حقائقه فلم يجد منه إلا رجلا كلها ديانة إسلامية

وكان يقول إن في هذا الشيخ قوة غير مكتسبة ولا تدرك العقول مادتها في التسلط على العواطف وإن طواعية الخلق له خارقة للعادة ومحبتهم إياه تعميهم وتصمهم كأن معه نور نبوي وأمر سماوي كما نقرأ في قصص الأنبياء مع أممهم ثم قال إلى أن هذا من سلامة الصدر وطيب الخاطر وحب الخير للعدو والصديق بمكان يجسده عليه كل متقدم مهما كانت فضيلته وتقواه وكمال قبوله في البرية فأظلم الناس وأجهلهم بحقائق الإنسان أولئك الذين رموه بما هو برئ منه من التهم وحب الظهور وتمني الملك فأنا أعرف أن الأنبياء والأولياء الذين جاهدوا كلهم ظهر بضميره ولم يتهيأ له من القوة نصف ما تم عند هذا الشيخ من القوة وبمثل هذه الصراحة والاحتجاج والاستشهاد تابع كتاباته حتى تقرر عند الدولة صدقه فعملت عليه بالاستمرار فكيف لا يجمل صبره في هذه الوقائع مع هذا الحاكم وقد أيقن بما يئول إليه أمره صبر شاكر مطمئن راض رضاء مبتهج بمحبوبه موافق لأمره والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار كل هذا والصبر سجيته والشكر حاله سواء فيما ليس له فيه اكتساب كهذه الحوادث التي لو أردنا حكايتها لامتلأت القراطيس ولا نأتي بعشرها وسواء فيما للعبد فيه اكتساب كالصبر على العبادات والصبر في العوافي فكان رائده في جميع الأمور موافقة الرضى

قال ذات يوم وقد ورمت يده ورما عظيما يجري منها الدم والقيح وقد انشق الجلد عنها وانكسح فبقيت لحما أحمر ولم يزل يتوضأ ويغسلها قال وقد جرى الدم الكثير وهو يتوضأ أيتها اليد سواء دميت أو برئت علي فأنا عبد مأمور وإني لماض فيما أمرت به لا بد من غسلك كان العضو غير متصل به كيف لا وهو الوارث الكامل قال صلى الله عليه وسلم متمثلا "هل أنت إلا أصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت" وقال صاحبه خبيب بن عدي رضي الله عنه لما أسر وأرادوا قتله مكة وخرجوا به إلى الحل

ولست أبالي حين أقتل مسلما على أي جنب كان في الله مصرعي

وذلك في ذات الإله وإن يشا يبارك على أوصال شلو ممزع

على أنه قال صلى الله عليه وسلم قبل الإنشاد اللهم أحصهم عددا واقتلهم بددا ولا تبق منهم أحدا كل هذا يدلك على أن جميل الصبر لا ينافي الشكوى إلى الله والصفح لا ينافي في الدعاء على الكفار على أن علم العقبى موكول إلى الله وعلى مشيئته التوقف وعلى رضاه الوفاق فأقول ولا أحاشي لم يقم بحقيقة اليقين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أحد كقيامه به هذا ولم يزل على ذلك الحال حتى برئت يده ولا ينكر عليه في أخذه على نفسه بالشدة فما ذلك إلا لتحققه بقدم مخدومه عليه الصلاة والسلام

ففي البخاري أنه كان صلى الله عليه وسلم ليقوم أو ليصلي حتى ترم قدماه أو ساقاه فيقال له فيه فيقول أفلا أكون عبدا شكورا قال بن بطال في هذا الحديث أخذ الإنسان على نفسه بالشدة وإن تضر ربه لأنه صلى الله عليه وسلم إذا فعل ذلك مع علمه بما سبق فكيف بمن لم يعلم بذلك فشيخنا رضي الله عنه مع إيقانه بوعد الله تعالى إياه بجاه رسول الله صلى الله عليه وسلم بثبوت سعادة بلا محو أبدا فأخذ على نفسه بالشدة في جميع العبادات من امتثال واجتناب وكذلك في الانتصار لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم لدينه أخذا يكاد يعد منه مخاطرا بحياته قياما بأعباء الشكر لله تعالى وسكرا من شراب محبته صلى الله عليه وسلم

كيف لا وقد عاين من الغيب ما عبر عنه بقلمه ولا يكتب إلا بإذن من الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم حيث يقول

سعادتي بخير محو كتبت وكوني العبد الخديم قد ثبت

فبخ بخ أعلى درجة في الشكر وأسنى مقام في المحبة الخاصة وسمعته رضي الله عنه في مرض شديد لا يكاد يرفع رأسه منه يقول إن بلاء كاد يقع بالناس فتحملته عنهم

لطيفة كان عند سهوة الماء في أرض البياضين أصابه مرض شديد دام معه أياما كثيرة نحو شهر ولم يحبسه يوما عن الإمامة في المسجد إلا أن أجحف به غاية فجمع القوم خارج بيته تلميذه الفاضل المحب لأهل الله الناصح له ولمريديه أولا وآخرا مختار بند جنك رحمة الله عليه رحمة واسعة فقال لهم إن الشيخ أجحف به المرض وإني صرت أخاف عليه ومع هذا الإجحاف لا يصبر بعد سمع الآذان عن الحضور وهو كما تعرفون لا يكاد يعرف الليل من النهار فأريد من المؤذن أن يخفض صوته ثم يتقدم سيد بن عبد الله هذا فإذا فرقنا من الصلاة يخبر بالوقت وبأن الجماعة صلوا لئلا يتكلف الحضور فصاروا إلى قوله ورأيه

على أني سمعته يقول إن من أكبر الكرامات التي خصصت بها تقوية الله لي على الصلوات في صحتي وسقمي حتى أنه قد يقع في ما لا يمكن معه القيام ويثقل منه النهوض ثم إذا سمعت الأذان يخففه الله حتى أقيم صلواتي في الجماعة ثم إذا فرغت يعادني إلى أن يقدر البرء ومن كمال صبره في مقام التوكل والتفويض أنه لا يتداوى لا يسترقي إلا ما كان منه استنانا ولا يسمح لأحد أن يدعو الله له في تخفيف مرضه أو بلائه مما يدلك يقينا أن دعاءه لله واستكانته له وذله له عبودة محضة كما يليق بالعبد مع ربه لا خوفا ولا طمعا إلا منه وفيه تعالى مع الرضى بكل ما قضى من الأمرين وأجرى من قدره

وقد اجتمعت التلامذة في مرضه الماضي ذكره على رجل صالح منهم لينشأ نظما يدعون له ويتوسلون إلى الله تعالى له بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ونحوها من القربات ليشفى ولما عمل الرجل القصيدة التي طلبوها منه فرحوا بها وتناقلوها وأرسلوا صبيا لا يكاد يحتجب عني ليلا ولا نهارا فأتيته بها فلما نظره قال هذه لمن فقلت له لفلان فردها لي وقال قل له فليتب إلى الله من هذا أمري بيد الله تعالى ولقد صدق والله فتوكله وتفويضه من أعجب العجائب بين الأعداء وبين الأحباب على حد سواء كان شفاؤه القرآن وخدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم

دقيقة فإنك أيها المطالع تستأنس في قوله في بعض أمراضه إنه أمر توجه إلى الخلق فتحمله فإني تذكرت يوما قبل ظهور هذا المرض على شيخنا رضي الله عنه بأيام قليلة وأنا في بيت معلمي أبي بكر خجت بن القاضي مجخت كل وهو من أصدق الناس في حب الحق وأكثرهم تشددا في الورع ومن أحظاهم عند شيخنا رضي الله عنه في جميع مدة مكثه معه ومن أقوم مريديه طريقة وأحسنهم أن أتاه أخوه مختار بنت خجت وكان من المريدين السائحين الزاهدين المخفيين طاف في أنحاء المغرب الأقصى وأتى لفاس ومكث فيه مدة وقد جعل يتحدث مع أخيه أبي بكر هذا وسمعته يقول له رأيت رؤيا أفزعتني عجيبة لا أدري ما هي

وهي أن الشيخ رضي الله عنه وقع به مرض شديد ذهب بحسه وألفيته في موضع مضطجعا كان لم تكن به حركة فتحيرنا معشر المريدين حتى كادت عقولنا تغيب فقلت للناس أيها المريدين تعالوا نتحمل على الشيخ بعض المرض ليخف ثم تقدمت وأخذت شيئا فانقلبت فقلت لهم أما أنا فقد أخذت نصيبي ثم لم يمض على هذه القصة إلا قليل حتى مرض شيخنا رضي الله عنه مرضه هذا ثم نحو أسبوع مرض هذا المريد ومكث قليلا فتوفي رضي الله عنه بعد فأنا الذي أرسلني معلمي أخبر الشيخ رضي الله عنه بوفاة المريد فرق له وأمن بأن يدفن في مدافن الصالحين في إن يلف قريبا سهوة الماء

ومما يلاحظ من كما لمراعات شيخنا رضي الله عنه للشريعة المطهرة أنه كان خلع على مريديه هذا أشياء للتبرك لأن المريدين يرغبون في ذلك إلى مشائخهم وكانت عادة في جميع الصوفية من أول الزمان وما زالوا يتمنون أن تكون تلك الخلع معهم في قبورهم رجاء نفسها فشاورا شيخنا رضي الله عنه في هذه الأشياء فقال لا ينبغي دفن كثير له وبال وبقية ينتفع بها معه فاستفصلهم عما هي فذكروا فيما ذكروا نعلين فقال ألبسوه النعلين لتكونا له شهيدتين وأبقوا غيرهما انظر هذا من مراعات الشرع في عدم الإسراف وعدم التزبين والتفخيم لضيف الآخرة أجارنا الله من عذابه وجعل رحمته ومغرته قرانا في الدارين بفضله ومنه

وأصل بقاء النعلين ما جاء في قصة عبد الله بن أنيس الصحابي رضي الله عنه الشهيرة كما في الزرقاني وغيره في سرية عبد الله بن رواحة الأنصاري البدري إلى أسير بن رازم اليهودي وأنه صلى الله عليه تفل على شجته إذ قدموا وقد قتل عبد الله بن أنيس العدو فلم يقح ولم يؤذيه حتى مات رضي الله عنه وقد كان العظم نغل أي فسد قال ومسح وجهي ودعا لي وقطع لي قطعة من عصاه فقال امسك هذا علامة بيني وبينك يوم القيامة أعرفك بها فإنك تأتي يوم القيامة مقتصرا فلما مات عبد الله جعلت معه على جلده دون ثيابه وهذا وقع لجماعة مع شيخنا رضي الله عنه وقال عز من قائل لقد كان لكم في رسول الله إسوة حسنة

فالاستقامة على التأسي من قديم أثمرت له التكريم بالتخصص والمعاينة بحكم التبعية ومن جميل صبره ما حكى علي أحد غلمانه الذين كانوا معه في السفر إلى أرض البياضين أنه لم يزل يتذكر يوما قالوه بحسي تسمى ببكي في معمعان الصيف والرمل يتوقد من الحر في قفر قصير الأشجار لا ماء ولا زرع بعد سرى وتهجير قال نزلنا عند الحسي تحت شجرة ونحو القامة قصيرة الأغصان شائكها قليلة الظل لا يحيط ظلها بأكثر من شخصين بين عروشها أشعة الشمس فقسمنا أسمالنا البالية فلويناها عليها ليتقارب الظل فنزل الشيخ رضي الله عنه تحتها وكان يجلس القرفصاء والشوك يناول عمامته إلا أن نكفه عنه ويتصبب جبينه عرقا وبحر الآل محيط بنا ترقص أجزاؤه بعضها في بعض وقد يبست الشفاه من العطش من جميعنا

فتفرقنا نطلب الماء إلى أن عثرنا بعد لأي على بير معطلة أدلينا أحدنا فيها بعد أن ربطنا رجليه في مزادتين فارغتين مخافة النزول على مؤذ حتى إذا هبط على بلة طين يعلوها ماء آسر فحل إحدى المزادتين فغرق بيديه ما أمكنه منه فأتيناه به فلم يزد على التبسم فتوضأ وناولنا ما بقي أسود له رائحة من طول ما هجر ولم يزدد الشيخ رضي الله عنه إلا جدا واجتهادا في تلاوته وإقامة عبادته يتهلل وجهه وتستنير أسرته وعلينا الرواح إلى محل بعيد ليس بدون منه في الغربة

ومنها صبره رضي الله عنه على العبادات لم يأخذ قط بالرخص ولا كان يمنع منها من أرادها بل ربما يحل عيها من استفتاه نظرا للمسلمين ما لم يؤد إلى تتبع الرخص المذموم عند الجميع وكان يقول لا ينبغي الإقتداء بي في التشديد فإني في أمر لستم فيه ليقف كل امرئ عند قدره ولا يزري بالأشياخ ولا العلماء إذا تعاطوا الرخص لمزيد علمه وتعظيمه للشريعة ومعرفته بكمال الشارع وبأنه أدرى بما فيه صلاح الكل وقد ورد في الحديث إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه

كان رضي الله عنه قليل التيمم مكث خمسين سنة لم يتيمم بما فيها من الأمراض والأوجاع والغربة وأشغالها ولا كان يمسح على الجبائر بل يسقطها وما أقل ما كان يحملها في قليل من الأحيان للاستنان وأظهار الفقر بقبول صدقته تعالى كما في الحديث الذي أنزل الداء هو الذي أزل الدواء وهذه الخسون التي هي الأخيرة من عمره لم يسبقها أيضا تعود التيمم ذكر أنه إنما التيمم من رأس هذا التاريخ من عدم الماء وخوف خروج لكونه في فلاة مع بعض مريديه وكان من اجتهاده واحتياطه للدين أنه لا يفارق إبريقه الماء حتى صار ذلك معتادا عنده وعند تلامذته

وكان من قضاء الله أنه في هذه المرة نسي القائم بأمر الطهور وتفقد الماء وكانوا سبقوه في السير لما حضر الوقت جعل يجد في السير ليدركهم وما أدركهم حتى آخر الوقت ووجد الإبريق فارغا فلا بد من التيمم فتيمم ولم يزل مذ ذاك لا يعتمد على أحد في ذلك إلى آخر عمره فتبارك الله أحسن الخالقين على أنه يجدد الوضوء لكل صلاة لا يصلي فريضتين بوضوء واحد طاهرا أو غير طاهر مما يوقفك على أخذه بالعزائم والشدائد من أمور الدين في كل ما له أصل من السنة كهذا التجديد كما في حديث البخاري عن أنس كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ عند كل صلاة قال في الفتح أي مفروضة وفيه زاد الترميذي من طريق حميد عن أنس طاهرا أو غير طاهر وظاهره أن تلك كانت عادته

وقد ثبت من حديث مسلم صلاته الصلوات بوضوء واحد وهل كان وحيا ثم نسخ أو فعله لبيان الجواز وهو الأقرب من الفتح وعلى كل حال فحال شيخنا رضي الله عنه من الحرص على الخير والجمود على سنته صلى الله عليه وسلم معروف أما صبره رضي الله عنه في العوافي فأوضح شيء وأجمله كان إقبال الخلق إليه أمرا كل عن وصفه الرقم والنطق وانقيادهم لإشاراته تكل عنه العبارة ودرر الهدايا لمجالسه المتعددة في كل يوم لإرشاد الخلق وإصلاح شئونهم ليفوت القياس والاستقراء والتمثيل

كنت أقول في نفسي وأبديت لبعض أصحابي من أهل العلم ووافقني أن تحكيم العقل في قياس النظائر والأشباه من الحكايات التاريخية وتطبيقها بالحاضر لا ينكر قد يكون صوبا من وجوه كثيرة إذا كان عن عقل مجرب سليم وقد يخطئ في بعض وإن ندر خطأه كما وقع لابن خلدون في مقدمته من أنكار أشياء قد يصيب فيها من الحكايات مع تحذير وزير السلطان أبي فارس له من تخطئة بن بطوطة في حكاياته عن ثروة ملوك الشرق وتجاره لبعد ما بين ما يحكى وبين الموجود في الغرب وقال له إياك أن تكون كابن الوزير الذي ولد في السجن مع والده في نكد العيش إذا تحدث الوزير بالعيش واللحوم الطيبة إذا ذكر طيب اللحوم الغنم السمين يقول له أتراه مثل الفار

وكذلك أنا ما أظنني أستقصي في قصص فتوحاته وسرعة ذات يده وانصباب الأرزاق نحوه وتبديدها تبديد سرف لو كان في الخير سرف كما قال أمير المؤمنين المأمون وقد قيل لا خير في السرف فنقض القضية بعكسها وقال لا سرف في الخير لأن ما فتح الله له فيها لم يسمع ولم يقرأ في التاريخ من فتح له بقريب منه إلا لمن تقوم لهم أسباب طاهرة وطريق مألوف لجلبها كالملوك العظام والأمراء الكبار ومن نحا نحوهم ممن أصل فتحهم كرامة لولايتهم ثم أعدوا لتنميته وإدراره عدته من العادة المباحة

أما من لم يتسبب لشيء ولم يثمر شيئا ولم يتخذ خزانة ولا صناديق تصون ماله ولا أمناء لحفظه ويستوي عنده من يهدي له عشرات الألوف في السنة والفقير من المسلمين الذين لم يتزود إليه إلا سلامة صدره وحسن اعتقاده والزاهد المتعرض لفيضه وإسعافه من هذا المال الكثيرة كلهم يرشدهم إلى الله ويرحب بهم ويفرغ في الجراب الأخير ما طفحت به يد الأول ويتفرغ لدلالتهم على الله فتترادف الجموع الكثيرة من هذه الأصناف الثلاثة ليلا ونهارا ويعاملهم بعادته المعتادة فإنا لم نقف على شكله كان انبساطه للسائل أكثر من انبساطه للمهدي لأم جانب ربه أعظم عنده في كل حال فإن المهدي يرضي ربه بهديته للشيخ وهو يرضي مولاه بإنفاقه على السائل كما قال الشاعر وهو عبد الله بن السالم بن محمد الأمين بن الشيخ الحسني

فلولا الشيخ لم ينعش عديم ولا ملأ المزاود والمزادا

رأى الدنيا بعين الزهد منه فما صان الجياد ولا الجلادا

ولم يركن إلى دعة وخفض ولم يخبأ طريقا أو تلادا

يقسم ما له كالفيء فينا فلا يدع النقود ولا النقادا

إذا راحت لراحته الهدايا غدت منها إلى أخرى تعادا

تفر إليه مهما فر منها وإن لحقته شردها وذادا

فما وجبت عليه زكاة مال فكيف وقد يجود بما استفادا

كريم من كريم من كريم له شيم تذم له الشهادا

إلى آخرها

فكان رضي الله عنه سعادة لمريديه المهديين وربيعا نضرا لسائله والزائرين وعبدا خديما لله ولرسوله قائما بالوراثة الكاملة والخلافة العظمى على ما يطالعه به من القرب والمحبة رب الخلق والأمر في كل حال ومن شواهد خرقه العادة في انصباب الرزق وكثرة تبديده له وعظم لهاه ما قال الشيخ أبو محمد الكنتي في أمر جرى بينه وبين أخي الشيخ محمد المصطفى يستجلب أموالا منه لأمر سوغه له

فقال له الشيخ الكنتي اعلم أني أرغب إليك في أموال عظيمة من هذا الأمر الذي جرى بيننا لأن المال متوفر عندكم ومتكاثر ونحن أيضا لنا حظ كثير منه ولكنكم لا تدخرونه ولا تحتاجون إليه كل حاجة بخلافنا نحن فإنا مكثرون ولكنا راغبون فيه ومثمرون له والشيخ أبو محمد الكنتي من أجلاء مشائخ السنكال كثير الأتباع وجلهم من سكان السودان من بمبر وسوس وقد مر سرد ذلك فيما حكاه مفر انجاي عنخ في أول الباب ومنها ما كتبه الشيخ الجليل المفخم ذو الولايات الشهيرة والقبول الفائق الشيخ سعد أبيه قرأت كتابه فقال فيه من جملة ما قال أما طلبي منك المال والدنيا فلما رأيت من تفاهتها عندك وزهدك فيها

وكان صبره رضي الله عنه على أذى الجهال من سواء الأدب والوقاحة في الطلب والإلحاح في السؤال عظيما ربما يرد عليه ضعيف أجنبي يعدد عليه حاجات كثيرة ولا سبب بينهما إلا جامع الدين فيقضي له الجميع في الحال كأنه مطالب بدين قد حل ولا يزيده ذلك رضي الله عنه إلا تهللا تذكرت يوما من عليه رجل في طريقه وقد كان كتب إليه أني سأمر بك وبي حاجة إلى جمل موقر وكذا من كذا إلى الأشياء كثيرة ولما نزل عليه ذكره بما كتب له فأمر بقضاء حاجته في الحال

ورأيت يوما أبكى راع له غلاما من البياضين لظلم من الغلام فـأتى شيخنا رضي الله عنه يبكي ويولول فسأل عن خبره وأمر بغنم الراعي للغلام فاستاقها كذلك فبقي الراعي مستريحا من ذلك بالمرة وأمثال هذا من صبر المحسنين كثير وهو أعلى أحوال الصبر لأن الإحسان هو ثمرة التقوى فكل إحسان لم يصدر عن التقوى فليس بإحسان مخلص لأن كل ما شابه غيره فهو غير خالص ولا يصدر خالصا إلا بإزاحة كل شائبة من المحظورات والمتنزهات عنه من خلاف الأولى عن ساحته ولا يكون ذلك إلا بكمال التقوى الصارفة عن المخالفة ولا يكون الإحسان قويا بعد الخلوص إلا بكثرة قوة مادته وذلك باستكمال الامتثال للمأمورات واجباتها ومندوباتها ودوام الصدود عن المنهيات وما إليها حتى عن خلاف الأولى فيكون الإحسان صريحا قويا كاملا فيستحق الإحسان الكامل من ربه وهو الحب الخالص الجامع والرضى الأكبر فيلتحق بالسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار قال تعالى والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنه ورضوا عنهم

فإن المحسن لا يكمل إلا بعد التحقق في مقام التقوى قال تعالى إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا أو آمنوا ثم اتقوا أو أحسنوا والله يحب المحسنين والمتقي لا يستكمل حقائق التقوى إلا بأن يحسن فيها بالإخلاص والدوام كما قيل في الآية إنها إشارة إلى مراتب التقوى الثلاث تقوى العوام وهي اتقاء المحارم وتقوى الخواص من أصحاب اليمين وهي اتقاء الشبهات وتقوى المقربين من عباد الله المخلصين وهي اتقاء غير الله وربط السر على الله والصبر حال كل محسن في ذروة مقامه الذي هو فيه لأنه حبس النفس على المقام فصبره رضي الله عنه عن المحارم يسعنا أن لا نطلق عليه اسم الصبر إلا بالاصطلاح أما لحقيقته الصبر الموضوع لها اللفظ في اللغة الذي هو حبس النفس عن المحظور مكرهة فما أظنه يصدق عليه حتى في بدايته لأن اتقاء المحارم عادة جبل عليها مألوفة بتاليف العناية السابقة التي من صغره تنتقش بها في قلبه حكايات الصالحين وتعاليم الدين القويم ويغفل غفول البله عن مكاسب الدنيا ومداخلة قرنائها ويسمج عنده أماني لذائذها ويخس عنده التفكر في خلاف عادات الصالحين وهذا أمر لا تنتطح فيه عنزان عند من تربى بينهم أما اتقاء الشبهات أيضا فلم يزل يتورع عن كل ما لم يتبين فيه وجه الحل كما تقدم في الأخلاق حتى عن مال والده ووالدته فضلا عن غيرهما

أما صبره على الصمت والسهر والعزلة فهو عجيبة من عجائب الدهر ونادرة من نوادره كان صامتا إلا عن الذكر والتعليم لم توثر عنه قط كلمة فضول حتى في المباسطات والأنس لضيق وغيره إلا إذا تضمت بالقصد لطيفة ذكر أو وعظ من باب المزاح الحق كما في الحديث كان صلى الله عليه وسلم يمازح ولا يقول إلا حقا مع كثرة مباسطته للمتأهلين لها ويضمنها دقائق من دقائق الدين كان يصنع الأتاي ذات يوم في بعض المجالس وطلب نعنعا فأتي بنعنع يابس فتبسم إلى مناوله فقال له أنا لست من أهل القديد قديد النعنع وقديد الدين ثم قال أتعرفون قديد هو الصلاة بوضوء واحد فريضتين لا تجديد بينهما وكان القصد في ذكر القديد أوله أو التذرع على أحسنية الأخذ بالإكمال من مطالب الشرع

ومنه كان جل جلوسه على الرمل من غير أن يفرش له فراش من سجادة أو غيرها وقد خرج يوما وأراد أحد المريدين أن يفرش له فسبقه إلى الجلوس وتبسم رضي الله عنه وقال لنا في المباشرة حلاوة إلا وهي مباشرة ظاهر حاله لظاهر لفظ الآية "والأرض فرشناها فنعم الماهدون" وباطنه باطنها ليستكمل وجوه اللفظ ومعانيه وقبل ذلك استلذاذه بالتواضع والخضوع لله تعالى بلصوقه الأرض التي هي منتهى التزلزل وكما قال لرجل سأله عن مثلث الغزالي الإيمان والإسلام والإحسان فمن دام عليها يجد الأنوار والأسرار والبركات فاشغل بها عن غيرها

بحث قد اختلفوا في الصمت والكلام أيهما أفضل والفصل فيه ما في الرسالة القشيرية عن أستاذه رحمهما الله تعالى قال الصمت سلامة وهو الأصل وقد تكون عليه ندامة إذ ورد عنه الزجر فالواجب أن يعتبر فيه أمر الشرع والأمر والنهي فالسكوت في وقته صفة الرجال كما أن النطق في موضعه أشرف الخصال وهذا ظاهر في ظاهر من ميزان الشرع وآدابه واضح لمن وفق وفي الباطن فالأمر فيه إلى ما اقتضاه المقام من آداب المقربين فإن الأول يسكت تصاونا وتورعا عما لا ينبغي والثانييسكت هيبة وإصغاء

قالوا والسكوت على قسمين سكوت بالظاهر وسكوت بالباطن سكوت المتوكلين عن تقاضي الأزراق وسكوت العارفين لمقابلة الحكم بالوفاق في هذه الدرجة من سكوت العارفين يقول رضي الله عنه وعنا به آمين يا رب العالمين شغلني الشكر عن الشكايه البيت بلسان مقاله وسكوته بحاله عن سوس الشرطي حين يقول له اجتهد في الدعاء والحرص فإن الحكومة تنوي لك كل شر فلم يحبه مرات ثم بعد ذلك سأله لم لم يجبه حينئذ قال له الله قادر حاضر لا يغيب فكيف أعترض على حكمه ولا يكون إلا ما يشاء

عمل على هذا وهو مسوق لمحل الحكم عليه بالقتل والتغريب المؤبد فصبر لحكم ربه عارفا أنه بعينه وفوض أمره إليه فوقاه الله سيئات ما مكروا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون قال رضي الله عنه كفاني المستهزئين الله بنصر لا إله إلا الله قلت وسكوت أهل المحبة الخاصة لاضمحلال رسومهم واصطلامهم عن أنفسهم وهذا ولم أتخيله عن عدم قال في الرسالة وربما يكون السكوت سبب حيرة البديهة فإنه إذا ورد كشف عن وصف البغتة خرست العبارات عند ذلك فلا بيان ولا نطق وطمست الشواهد هنالك فلا علم ولا حس قال الله تعالى

يوم يجمع الله الرسل فيقول ما ذا أجبتم قالوا لا علم لنا إلا ما علمتنا وقد استقرأته من أحوال شيخنا رضي الله عنه فقد يكون كثيرا من أوقاته كائنا مع الخلق بائنا عنهم يقم عباداته ويتصرف في قليل من عادته الئائلة إليها وإذا تأملته تجده رزينا رفيقا لا يتأثر بمؤثر ما من مغيرات الطبع من الملائم والمصادم إذا صار يسير خفيفا وإذا قرأ لا يكاد يرى من دلائلها إلا حركة الشفتين وإذا صلى يخفض صوته وأكثر ما يكون في هذه الحال منزويا في زاوية مظلمة من زوايا بيته لا تظهر عليه تلك السطوة من الهيبة القهرية التي يكتسيها في أحيانه حتى لا يتجرأ ملك ذو سلطان ولا ولي مقرب ولا خادم ملازم على مقابلته من غير ارتعاد أو مخاطبته من غير انخفاض ولا يتهلل أيضا ذلك التهلل النيرة والابتسام اللذيذ الذي لا يتمالك معه أي إنسان أن يشغف قلبه منه وتتقاد عواطفه نحوه وتلك إحدى حالتي الجمال والجلال المختلفتين المتصرفتين عليه من تصرف الخلاف العليم فبهاتين الحالتين شاهدنا اندفاع الأعداء وانقماعهم وانجذاب الأولياء وانتفاعهم

قال الشيخ داوود بن ماخلا رضي الله عنه للولي نوران نور عطف ورحمة يجذب بها أهل العناية ونور قبض وعزة وقهر يدفع به أهل البعد والغواية لأنه يتصفح بين دائرتي فضل وعدل فإذا أقيم بالفضل جلب ونفع وإذا أقيم بالعدل والعز حجب ودفع ولذلك أقبل بعض وأدبر بعض فالتغيير بالفضل والعدل وتغيير بالأحوال التنزيلية والتغيير بالجلال تغيير بالنعوت المعنوية من أسمائه تعالى أما حال السكوت التي هو اصطلام فقد يغشاه في بعض الأحيان ولا نعرفه إلا بهذه الصفة التي ذكرت وتعقبها إحدى الحالتين المذكورتين لما اقتصته صروف عوامل الكون والفساد بتدبير من هو كل يوم هو في شأن

على أنه لا يكذب أن يقال عنه إن دهره كله في سكوت إلا في الذكر والشكر وما يتوسل به إليهما أو يئول إليهما من الوعظ والتعليم والنصيحة وما لا بد منه من المباح الصالح لها والعادات المركبة عليها العبادات كان رضي الله عنه لا يفلت لسانه في الفضول فضلا عن غيره وكان صمته فكرا كثيرا ما تسمعه يهمهم بصدره أو تصدر منه أنة فيعقبها بالتهليل والتقديس من استيلاء سلطان عظمة القدرة عليه إثر تفكره إن كان في ملإ بذكره العجائب والغرائب في الأمر الذي كان يتفكر فيه أو بغرور الدنيا لمن تذكر من أرباب دول بنيها

وكان رضي الله عنه لا يتكلم إلا بنفسه من الأذكار إذا كان في الحاضرين معنى يجعل الكلام عديم جدوى من عدم تأهل السامع أو سوء استماع أو قلة اهتمام بما يفيد وذلك هو المعبر عنه بالسكوت ويكون أبدا في غير مجالس خلوته يلتحق بثوبه ويلفه على عمامته ويلويه على لحيته حتى يسترسل على المنكب الأيسر ويجعل نظره إلى محل سجوده ونحو قدميه ويستغرق في التلاوة إن كان الموضع طاهرا أو في الذكر والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم لا ينبس ببنت شفه كما إذا كان خارج داره في غير قومه لأمر عارض مثل جمع الحكومة الناس والأعيان لأمر أو نحوه

أو في سفر في أول أمره قبل أن يبلغ الزحام مبلغه في الشطر الأخير من عمره حتى اضطره ذلك إلى لزوم السكون واضطرت الحكومة إلى مطالعته خوف اختلال النظم وأن أمنوا شره وانتقامه وذلك فضل الله يختص به من يشاء وإلا فهو في داره بين المصحف ولوح الكتابة في خدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع قومه في الإرشاد والتهذيب والإسعاف والانفاق والتذكير والاستغراق في التوعظ والوعظ وذكر الآلات والورع الشامل لجميع الأعضاء والحال أن سكوته وصمته عما لا يعني فقد فات فيه غيره كما بذهم في الاستهتار في الذكر والتذكير

وليعلم أن الصمت الممدوح عند القوم في الأحاديث الواردة في فضله إنما هو فرض عن المحظورات وفضل في الفضول وكل ما لا يعني فالاستقامة هي الثبوت على أوسطه فرضا وفضلا بحيث لا يكون له أذى ملابسة بما لا يعني والاستغراق في الذكر القلبي واللساني لحد الاستهتار والتفريد كما في حديث مسلم المتقدم ذكره سبق المفردون الخ لأن الأمر بالشيء قد يكون نهيا عن ضده كما تقرر في أصول الفقه وإلا فالصمت من غير ذكر وفكر هو إلى الغفلة أقرب بالعي أشبه فصبر شيخنا رضي الله عنه عما لا فائدة فيه بلسانه وصبره عما يرغب فيه به بالغ النهاية

كنت أنظر يوما نيل الابتهاج التنبكتي ذيل الديباج لابن فرحون حتى وقفت على ترجمة الشيخ محمد بن أبي حمزة يذكر فيه أنه قال إنه بحمد الله تعالى لم تقع منه معصية قط فجعلت أتعجب من هذا التوفيق لهاذ الإمام وحق له التعجب في حق مثلي وكان معي في المجلس محمد بن أحمد تياه فقال لي كيف قال الشيخ رضي الله عنه في إحدى قصائد الشكرية أليس قال لم أنح ما لم يفد؟ هذا أعلى مقاما بكثير قاله بديهة ففهمت بعد غور الغلام وعلو نظره في دقائق المعاني لأحوال القوم

وكان هذا الغلام محمد من بني ديمان وكان ناشئا على التقوى والاستقامة تربى على يد شيخنا رضي الله عنه حسن الدين محافظا على الصلوات مواظبا عليها في الجماعة حفظت عنه سنين مع شيخنا رضي الله عنه لا يصلي إلا خلفه ما لم يكن له عذر مع بعد منزله من المسجد وكثرة خدمته من كتب المصاحف والنظر الدائم في العلم والقيام في مصالح أقاربه الغرباء في البلد وما أكثر ما فرعت باب زاويتهم في أوقات الليل المختلفة فأجده قائما يصلي وقد هجع الناس

وكان معه ذلك اليوم غلمان ليسوا بدون منه في القيام بواجبات الدين ومندوباته حتى امتازوا بذلك عن أقرانهم المجتهدين وهم محمد الأيمن جوب أمين بعد الأسرار بعد ومحمد البشير بن جاخ سيس من أهل اندر ومفاتم لوح ابن المدرس الكبير لي لوح وقد بلغ تمييزهم عن الجماعة أن قال فيهم العالم المتفنن المدفق عبد القادر الكمليلي

رأيت قوما من ور النبراس والقوم جن في لباس الناس

وقد قلت أنا قبل أبياتا أرسلتها إليهم لأني كنت منقطعا إليهم لشغفي بسيرتهم وإن تباعدت الأحوال وتباينت الأوصاف

وقد توفوا ثلاثتهم عني البشير ومحمد شهداء من الطاعون الذي وقع في تلك الأيام لا أوقعه الله بعد ويجيرنا من جميع البلايا والمصائب وقد قلت في مرثيتهم قصيدة مطلعها

وفدت على مولاهم الفتيان فعليهم الرحمات والرضوان

وكانوا والله فتية صدق أشبه شيء بفتية الكهف عليهم رضوان الله تعالى إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعوا من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا

كانوا امتثال حق وصورة قائمة من نماذج تربية شيخنا رضي الله عنه تربيتهم الخدمة للقرآن كتابة وتلاوة وراحتهم التذاكر والتواجد بأشعاره رضي الله تعالى عنه النبوية ثم تربيتهم بإشارته وتذكيره ويبصرهم بتلويحات ورقائق حاله فتبارك الله أحسن الخالقين سهر دائم وعزلة مستمرة وخلوة خالية عن غير الذكر وجلوة تجلو عن القلوب الصدأ والغفلات تروحهم بأداء لوازم شكر ربهم من تجدد آلائه تعالى على يد مربيهم الكامل رضي الله عنه وعنا به وعن أضرابهم خلفا وسلفا وأعاد بركته علينا وعلى الخلق أجمع

فلا على الكاتب البليغ أن يكل عن عشر معشار أوصاف من من بعد آثاره أمثال هؤلاء في كل قطر وفي كل جيل من لدن قيامه بالتربية وستبقى بركته سارية في سعداء الأجيال إلى آخر الدهر إن شاء الله وإني أرجو لطائفته أن تكون من الطائفة الطاهرة على الحق من أمته صلى الله عليه وسلم كما في الحديث لا تزال طائفة من أمتي ظاهرة على الحق حتى تقوم الساعة أو كما قال فإنه قال رضي الله عنه عن إذن من ربه تبارك وتعالى

بركتي بركة لا تنصرم توسعتي كمددي لا تنخرم

وما هي الاستمرار آثاره الصالحة من التربية الدينية والنعم السابقة من بركات الإسلام

فالحمد لله تعالى قد ظهر لنا ممن بركته أنه من طائفة من طوائف الإسلام ولا حزب يسر الله تعالى عليهم أعمال البر سبل الخيرات بأكثر مما قدره تعالى لمريديه ولا دليل أدل على السعادة من هذا التيسير فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى فالحمد لله ثم الحمد لله تبارك وتعالى حمدا يوافي نعمه ويكافي مزيده لا نحصي ثناء عليك رب أنت كما أثنيت على نفسك

والسلام على من اتبع الهدى