الدولة الفاطمية

من ويكي الكتب
اذهب إلى: تصفح، ابحث

صفحات من التاريخ الإسلامي في الشمال الإفريقي

الدولة الفاطمية


تأليف




http://slaaby.com/






إلى أبناء الشمال الإفريقي خصوصًا, وأبناء الأمة عمومًا أهدي هذا الكتاب سائلاً المولى عز وجل بأسمائه الحسنى وصفاته العُلى أن يكون خالصًا لوجهه الكريم. +فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا" [الكهف: 110].

المؤلف د/ علي محمد محمد الصلابي




المقدمـــــــــة إن الحمد لله نحمده, ونستعينه, ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا, ومن سيئات أعمالنا, من يهد الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. +يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ" [آل عمران: 102]. +يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا"

[النساء:1].

+يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا  يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا" [الأحزاب: 70-71]. أما بعد: يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك, وعظيم سلطانك, لك الحمد حتى ترضى ولك الحمد إذا رضيت. هذا الكتاب الثالث «الدولة الفاطمية» يتحدث عن الدولة العبيدية «الفاطمية» الرافضية منذ نشأتها وحتى سقوطها, ويتعرض للبحث في فرق الشيعة وخطرها على الأمة الإسلامية المجيدة, ويحاول أن يسلط الأضواء على أسباب نجاح الدولة الباطنية في الشمال الإفريقي, ويبين حقيقة الصراع بين الرافضة وأهل السنة, ويذكر أساليب الرافضة المتنوعة في محاربة أهل السنة, وموقف أهل السنة من ذلك, ويتطرق إلى المجهودات العظيمة التي قام بها أهل الشمال الإفريقي للقضاء على الدولة العبيدية ودور العلماء من أهل السنة في التعليم والتربية وحمل السلاح ضد الروافض. ويسلط الأضواء على تأثير الدولة الصنهاجية في نشر معتقدات أهل السنة وإزالة جذور الروافض من الشمال الإفريقي كله, وخصوصًا في زمن المعز بن باديس الصنهاجي وابنه تميم بن المعز, ويسرد الأحداث التي وقعت بين الدولة العبيدية في مصر والدولة الصنهاجية, ويشرح الأسباب التي كانت سببًا في سقوط الدولة الصنهاجية, وينتقل بالقارئ إلى الصراع بين الروافض في مصر وأهل السنة في العراق ليؤكد على معنى مهم, وهو أن تاريخ الشمال الإفريقي جزء من تاريخ الأمة يتأثر بالأحداث التي تقع في مصر والحجاز والشام والعراق وفي غيرها, سلبًا وإيجابًا, وأننا لا نستطيع أن نفصل تاريخ الأمة بعضه عن بعض, ويركز على فقه التمكين عند القائدين العظيمين نور الدين محمود, وصلاح الدين الأيوبي من خلال سيرتهم الجهادية المباركة, وعن جهود العلماء والمحدِّثين والمربين الذين ساهموا في ظهور جيل النصر والتمكين, ويحاول أن يفسر سنن الله في المجتمعات والدول والشعوب من خلال التفسير التاريخي للأحداث, ويشير إلى معرفة سنن الله, وكيفية التعامل معها من خلال الوقائع التاريخية, وأهمية العلماء في قيادة الأمة نحو المجد والعزة والكرامة, والحرص على الأخذ بالأسباب المادية والمعنوية التي تحقق بها النصر على الأعداء, ويتحدث عن أهمية سنة التدرج في تغيير الشعوب, وبناء الدول, ويعطي للتربية الربانية أهمية قصوى في تحقيق الأهداف العظمى للأمة سواء على مستوى القادة في أخلاقهم وعلمهم وجهادهم, أو على مستوى الشعوب في استجابتها لكتاب ربها وسنة نبيها وقيادتها المخلصة. وهذا الجهد المتواضع لم يأت بجديد, وإنما هو جمع وترتيب ومحاولة للتحليل والتفسير للأحداث التاريخية في هذه الحقبة الزمنية التي وقعت في الشمال الإفريقي, والتي تأثرت بالمشرق الإسلامي في حركتها التاريخية, فإن كان خيرًا فمن الله وحده, وإن أخطأت السبيل فأنا عنه راجع إن تبين لي ذلك, والمجال مفتوح للنقد والرد والتعليق والتوجيه. وهدفى من هذا الكتاب: 1- التأكيد على أن أصول المد الإسلامي في بلادنا أصول سنية لا شيعية ولا خارجية, وإنما ما كان عليه النبي × وأصحابه. 2- تسهيل مبدأ الاعتبار والاتعاظ بمعرفة أحوال الدول وعوامل بنائها, وأسباب سقوطها, والنظر في سنن الله في الآفاق وفي الأنفس والمجتمعات. 3- الاهتمام بمعرفة عقيدة أهل السنة والجماعة, وتربية أبناء الأمة عليها, وكشف معتقدات الروافض التي تخالف القرآن الكريم, وسنة سيد المرسلين × وإجماع العلماء الراسخين. 4- التعريف ببعض القادة الربانيين في المغرب, كالمعز بن باديس, وتميم بن المعز, وفي المشرق كنور الدين محمود, وصلاح الدين الأيوبي, حتى تستفيد من سيرتهم العطرة أجيال المسلمين التي تنشد النصر والتمكين لدين الله تعالى. 5- إثراء المكتبة الإسلامية التاريخية بالأبحاث المنبثقة عن عقيدة صحيحة وتصور سليم بعيدًا عن سموم المستشرقين, وأفكار العلمانيين الذين يسعون لقلب الحقائق التاريخية من أجل خدمة أهدافهم. أما خطة الكتاب فقد قمت بتقسيمه إلى أربعة فصول: الفصل الأول: الدولة الشيعية في الشمال الإفريقي ويشتمل على خمسة مباحث: المبحث الأول: الشيعة في اللغة. أولاً: تعريف الشيعة لغة واصطلاحًا. ثانيًا: تعريف الرافضة. ثالثًا: سبب تسميتهم بهذا الاسم. رابعًا: بداية التشيع. المبحث الثاني: التعريف بأهم فرق الشيعة. أولاً: النصيرية- عقائدهم. ثانيًا: الشيعة الاثنى عشرية. - استمرار الاثنى عشرية في العصر الحاضر. - الإمام الشيعي في العصر الحالي ودولته التي أقامها. - تجربة الشيخ موسى جار الله. ثالثًا: الشيعة الإسماعيلية. أ- خطر المذهب الباطني على الأمة. ب- عقائد الباطنية الفاسدة. المبحث الثالث: داعية الباطنية في الشمال الإفريقي. المبحث الرابع: عبيد الله المهدي الخليفة الشيعي الرافضي. المبحث الخامس: عقيدة أهل السنة والجماعة في المهدي. - اسمه وصفاته. - مكان خروجه. أولاً: تواتر أحاديث المهدي. ثانيًا: المنكرون لأحاديث المهدي والرد عليهم. الفصل الثاني: الصراع بين الدولة العبيدية وأهالي الشمال الإفريقي. ويشمل على ثمانية مباحث: المبحث الأول: ثورة قبيلة هوارة في طرابلس. المبحث الثاني: زحف العبيديين على برقة. - ثورة أهل برقة على العبيديين. المبحث الثالث: خروج أبي يزيد الخارجي على العبيديين. المبحث الرابع: القائم بأمر الله الخليفة الثاني الرافضي. المبحث الخامس: الخليفة الرافضي الثالث المنصور. المبحث السادس: المعز لدين الله أبو تميم سعد. - رحلة المعز إلى مصر. المبحث السابع: جرائم العبيديين في الشمال الإفريقي. المبحث الثامن: موقف علماء أهل السنة وأساليب المقاومة. - مناظرات الإمام أبي عثمان سعد الحداد. الفصل الثالث: الدولة الصنهاجية ويشتمل على ستة مباحث: المبحث الأول: أبو الفتوح يوسف بلكين. المبحث الثاني: المعز بن باديس الصنهاجي. المبحث الثالث: زحف بني هلال وبني سليم. المبحث الرابع: الصدام المسلح بين المعز بن باديس والقبائل العربية. المبحث الخامس: أبناء المعز وأحفاده. أولاً: تميم بن المعز. ثانيًا: الأمير يحيى. ثالثًا: الأمير علي بن يحيى. رابعًا: الأمير الحسن بن علي بن يحيى. أ- والي طرابلس في زمن الأمير الحسن. ب- رجار يهاجم طرابلس. ج- المجاعة في طرابلس. المبحث السادس: أسباب سقوط الدولة الزيرية في الشمال الإفريقي. - حكام بني زيري في القيروان والمهدية. الفصل الرابع: أسباب سقوط الدولة العبيدية ويشتمل على ثلاثة مباحث: المبحث الأول: أسباب سقوط الدولة العبيدية. المبحث الثاني: نور الدين محمود. - توحيد بلاد الشام والديار المصرية. - وفاة نور الدين. المبحث الثالث: صلاح الدين الأيوبي. أ- القاضي الفاصل. - وفاته. ب- وفاة السلطان الناصر صلاح الدين. ج- الملامح الرئيسية في شخصية صلاح الدين. د- من أروع المراثي في صلاح الدين. هـ- من أروع الرسائل في أخبار وفاة صلاح الدين. ثم نتائج البحث. وأخيرًا:

أرجو من الله تعالى أن يكون عملاً خالصًا لوجهه الكريم, وأن يثيبني على كل حرف كتبته ويجعله في ميزان حسناتي, وأن يثيب إخواني الذين أعانوني بكل ما يملكون من أجل إتمام هذا الكتاب.

سبحانك اللهم وبحمدك, أشهد أن لا إله إلا أنت, أستغفرك وأتوب إليك, وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. المؤلف د/ علي محمد محمد الصلابي










المبحث الأول الشــــــــيعة فـــي اللغـــــــــة قال الجوهري رحمه الله: «شيعة الرجل: أتباعه وأنصاره, يقال: شايعه كما يقال: والاه من الولي.. وتشيع الرجل أي: ادعى دعوى الشيعة, وتشايع القوم صاروا شيعًا, وكل قوم أمرهم واحد يتبع بعضهم رأي بعض فهم شيع, وقوله تعالى: +كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ" [سبأ:54] أي بأمثالهم من الأمم الماضية( ). وجاء في المصباح المنير: «والشيعة: الأتباع والأنصار, وكل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة, ثم صارت الشيعة نبزًا – أي وصفًا- لجماعة مخصوصة, والجمع: شِيَع مثل سِدْرة وسِدَر, والأشياع جمع الجمع, وشيعت رمضان بست من شوال أتبعته بها»( ). فالشيعة: من حيث مدلولها اللغوي تعني: القوم والصحب والأتباع والأعوان, وقد ورد هذا المعنى في بعض آيات القرآن الكريم كما في قوله تعالى: +فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ" [القصص:15]. وقال تعالى: +وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيمَ" [الصافات:83]. فلفظ الشيعة في الآية الأولى تعني القوم, وفي الثانية: تشير إلى الأتباع الذين يوافقون على الرأي والنهج ويشاركون فيهما( ). أولاً تعريف الشيعة اصطلاحًا: كلمة «شيعة» اتخذت معنى اصطلاحيًا مستقلاً, حيث أطلقت على جماعة اعتقدوا أن الأمامة ليست من المصالح العامة التي ترجع إلى نظر الأمة, ويتعين القائم بها بتعيينهم, بل إنها ركن الدين وقاعدة الإسلام, ولا يجوز لنبي إغفالها ولا تفويضها إلى الأمة, بل يجب عليه أن يعين الإمام للأمة( ). فقد قال أبو الحسن الأشعري في صدد ذكره للشيعة: «وإنما قيل لهم الشيعة: لأنهم شايعوا عليًا - رضوان الله عليه- ويقدمونه على سائر أصحاب رسول الله ×»( ). وقال عبد الرحمن بن خلدون: «اعلم أن الشيعة لغة هم الصحب والأتباع, ويطلق في عرف الفقهاء والمتكلمين من الخلف والسلف على أتباع علي وبنيه -رضي الله عنهم- ومذهبهم جميعًا متفقين عليه أن الإمامة ليست من المصالح العامة التي تفوض إلى نظر الأمة, بل يجب عليه تعيين الإمام لهم ويكون معصومًا من الكبائر والصغائر, وإن عليًا  هو الذي عينه صلوات الله وسلامه عليه بنصوص ينقلونها ويؤولونها على مقتضى مذهبهم, لا يعرفها جهابذة السنة ولا نقلة الشريعة, بل أكثرها موضوع أو مطعون في طريقه أو بعيد عن تأويلاتهم الفاسدة»( ). ثانيًا: تعريف الرافضة: الرفض لغة: الترك, وقد رفضه يرفضه رفضًا. قال الأصمعي: «سموا بذلك لتركهم زيد بن علي »( ). فالرفض في اللغة معناه الترك والتخلي عن الشيء. وأما في الاصطلاح: هم قوم من الشيعة سموا بذلك؛ لأنهم تركوا زيد بن علي, قال الأصمعي: «كانوا بايعوه ثم قالوا له: ابرأ من الشيخين نقاتل معك, فأبى, وقال: كانا وزيري جدي فلا أبرأ منهما, فرفضوه, وارفضوه عنه فسموا رافضة»( ). قال عبد الله بن أحمد -رحمه الله-: قلت لأبي: «من الرافضي؟ قال: الذي يشتم ويسب أبا بكر وعمر»( ). ثالثًا: سبب تسميتهم بهذا الاسم: عندما خرج زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم على هشام بن عبد الملك كان في جيشه من يشتم أبا بكر وعمر فمنعهم, فرفضوه, ولم يبق معه إلا مائتا فارس, فقال لهم – أي زيد بن علي-: رفضتموني, قالوا: نعم, فبقى عليهم هذا الاسم( ), وكان ذلك في سنة ثنتين وعشرين ومائة. يقول ابن كثير – رحمه الله- في صدد بيانه ما حدث في هذه السنة: «فيها كان مقتل زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب, وكان سبب ذلك أنه لما أخذ البيعة ممن بايعه من أهل الكوفة أمرهم في أول هذه السنة بالخروج والتأهب له, فشرعوا في أخذ الأهبة لذلك, فانطلق رجل يقال له سليمان بن سراقة إلى يوسف بن عمر نائب العراق فأخبره –وهو بالحيرة يومئذ- خبر زيد بن علي هذا, وكان معه من أهل الكوفة, فبعث يوسف ابن عمر يطلبه ويلح في طلبه, فلما علمت الشيعة ذلك اجتمعوا عند زيد بن علي فقالوا له: ما قولك –يرحمك الله- في أبي بكر وعمر؟ فقال: غفر الله لهما, ما سمعت أحدًا من أهل بيتي تبرأ منهما, وأنا لا أقول فيهما إلا خيرًا, قالوا: فلم تطلب إذًا بدم أهل البيت؟ فقال: إنا كنا أحق الناس بهذا الأمر, ولكن القوم استأثروا علينا به ودفعونا عنه, ولم يبلغ ذلك عندنا بهم كفرًا, وقد ولوا فعدلوا وعملوا بالكتاب والسنة, قالوا: فلم تقاتل هؤلاء إذًا؟ قال: إن هؤلاء ليسوا كأولئك, إن هؤلاء ظلموا الناس وظلموا أنفسهم, وإني أدعو إلى كتاب الله وسنة نبيه × وإحياء السنن وإماتة البدع, فإن تسمعوا يكن خيرًا لكم ولي, وإن تأبوا فلست عليك بوكيل, فرفضوه وانصرفوا عنه ونقضوا بيعته وتركوه, فلهذا سموا الرافضة من يومئذ»( ). وبهذا يتبين سبب تسميتهم بالرافضة, لرفضهم زيد بن علي الذي منعهم من سب الشيخين رضي الله عنهما, وأصبحت كلمة الرافضة تطلق على كل من غلا في مذهب الشيعة وأجاز الطعن في الصحابة. رابعًا: بداية نشأة التشيع: تذكر كتب التاريخ أن أول من زرع فكرة التشيع في الأمة رجل يهودي يقال له: عبد الله بن سبأ, أظهر الإسلام للطعن فيه, وكان ذلك زمن الخليفة الراشد ذي النورين عثمان بن عفان , وتنقل ابن سبأ بين المدينة والبصرة والكوفة ومصر والشام, والتف حوله المفسدون والحاقدون من المنافقين والجهال بحقيقة الدين. ونشط ابن سبأ المعروف بابن السوداء في بث فكرتين أساسيتين لأهدافه اليهودية هما: الأولى: دعوته إلى اعتقاد رجعة النبي × وكان يقول: «عجبًا ممن يزعم أن عيسى سيرجع ويكذب بأن محمدًا سيرجع, وقد قال الله تعالى: +إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ" [القصص:85]. الثانية: دعوته إلى اعتقاد «أن لكل نبي وصيًا وعلي وصي لمحمد, ومحمد خاتم الأنبياء, وعلي خاتم الأوصياء, ومن أظلم ممن يمنع وصية رسول الله × ووثب على حق وصيته وتناول أمر الأمة». وأرسل ابن سبأ أصحابه وأتباعه في الأمصار ليكتبوا ظلمًا وزورًا وبهتانًا للطعن في الولاة, وينسبوا ذلك لخليفة المسلمين وحثهم على الظهور بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, حتى يلتف حولهم العوام, وزوروا رسائل نسبوها إلى عثمان  للدس والوقيعة بين الأمة وخليفتها وولاتها. وهيَّج الأمصار واستجاب أهل البصرة والكوفة ومصر لأهدافه القريبة, وكان من نتائج دسائسه قتل الخليفة الراشد عثمان  بغير حق ظلمًا وعدوانًا. قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- مبينًا أن ابن سبأ أول من أحدث الرفض والغلو المذموم, قال: «وأصل الرفض من المنافقين والزنادقة فإنه ابتدعه ابن سبأ الزنديق وأظهر الغلو في علي بدعوى الإمامة والنص عليه, وادعى العصمة له»( ). وذكر أيضًا: «أن ابن سبأ المنافق الزنديق أراد فساد دين الإسلام, وأراد أن يصنع بالمسلمين ما صنع بولس بالنصارى, لكن لم يتأت له ما تأتى لبولس لضعف النصارى وعقلهم, فإن المسيح عليه السلام رُفع ولم يتبعه خلق كثير يعلمون دينه, ويقومون به علمًا وعملاً, فلما ابتدع بولس ما ابتدع من الغلو في المسيح اتبعه على ذلك طوائف وأحبوا الغلو في المسيح, فقام أهل الحق فخالفوهم وأنكروا عليهم فقتلت الملوك بعضهم, وبعضهم اعتزلوا في الصوامع والأديرة, وهذه الأمة ولله الحمد لا يزال فيها طائفة ظاهرة على الحق, فلا يتمكن ملحد ولا مبتدع من إفساده بغلو أو انتصار على الحق, ولكن يضل من يتبعه على ضلاله»( ). ولوضوح خبثه وكيده وشدة حقده على الإسلام والمسلمين لم يذكره أحد من أهل الإيمان بخير, وإنما وصفوه بأنه أول من سن لأهل الخذلان النيل من أبي بكر وعمر رضي الله عنهما, ووصفوه بالخبث والكذب والنفاق والزندقة وبأنه ضال مضل. ذكر ابن حجر من طريق أبي إسحاق الفزاري أن سويد بن غفلة دخل على عليٍّ في إمارته, فقال: إني مررت بنفر يذكرون أبا بكر وعمر ويرون أنك تضمر لهما مثل ذلك, فقال علي: ما لي ولهذا الخبيث الأسود, ثم قال: معاذ الله أن أضمر لهما إلا الحسن الجميل, ثم أرسل إلى عبد الله بن سبأ فسيره إلى المدائن, وقال: لا يساكنني في بلدة أبدًا, ثم نهض إلى المنبر حتى اجتمع الناس, ثم أثنى على الشيخين ثناء طويلاً, وقال في آخره: «ألا ولا يبلغني عن أحد يفضلني عليهما إلا جلدته حد المفترى»( ). وتذكر بعض الروايات أن عليًا  هم بقتله ودعا بالسيف, فكلم فيه, فقال: لا يساكنني ببلد أنا فيه, فسيره إلى المدائن( ). وذكر ابن عساكر بإسناده إلى أبي الجلاسي قال: سمعت عليًا يقول لعبد الله السبئي: «ويلك, والله ما أفضى إليَّ بشيء كتمه أحد من الناس وقد سمعته يقول: «إن بين يدي الساعة ثلاثين كذابًا» وإنك لأحدهم»( ). فعلي  حكم على ابن سبأ بأنه خبيث, وهم بقتله, ولما تراجع عن قتله نفاه إلى المدائن, وبين بأنه أحد الدجالين. وقال الحافظ الذهبي في شأن ابن سبأ: عبد الله بن سبأ من غلاة الزنادقة ضال مضل, أحسب أن عليًا حرقه بالنار, وزعم أن القرآن جزء من تسعة أجزاء وعلمه علي فنفاه علي بعد ما هم به»( ). وقال الحافظ ابن حجر بعد أن أورد روايات في ذمه: «وأخبار عبد الله بن سبأ شهيرة في التواريخ, وليست له رواية ولله الحمد, وله أتباع يقال لهم السبئية يعتقدون إلهية علي بن أبي طالب, وقد أحرقهم علي بالنار في خلافته»( ). قلت: والحرق بالنار منهي عنه شرعًا, كان يكفي قتلهم بالسيف. وبذلك يتضح للقارئ الكريم أن ابن سبأ اليهودي هو أول من زرع فكرة التشيع وقال بالرجعة والوصية وتلقفها عنه أتباعه وبعض من قلت بضاعتهم من العلم والهدى( ). والدارس للتاريخ يتضح له أن الأمة في هزاتها العنيفة يكون سببها رجالاً حاقدين على الإسلام, يتقنون دور التخفي بين أوساط المسلمين ولا يكلُّون ولا يملون من بذر ونشر أفكارهم الشيطانية المناهضة للعقيدة الإسلامية المنبثقة من كتاب الله وسنة النبي ×.

  • * *

المبحث الثاني التعريف بأهم فرق الشيعة

إن علماء الفرق صنفوا كتبًا كثيرة في فرق الشيعة, ورأيت في بحثي أن أذكر أسماء ولا أتعرض بالتفصيل منها إلا للباطنية لكونها حكمت الشمال الإفريقي, والاثنى عشرية, لكونها لها دولة حاليًا تقوم بنشر ودعم المذهب الشيعي, وللنصيرية لكونها تحكم سوريا منذ بداية السبعينيات حتى الآن. ومن فرق الشيعة التي ذكرها علماء الفرق: السبئية, والغرابية, والبياتية, والمغيرية, والهاشمية, والخطابية, والعلبائية, والكيسانية, والزيدية الجاردوية, والسليمانية, والصالحية, والبترية, وبعض هذه الفرق غالت غلوًا عظيمًا, والبعض الآخر أقل غلوًا, ومن أراد الاستزادة فليراجع مقالات الإسلاميين لأبي الحسن الأشعري, والملل والنحل للشهرستاني, والفَرق بين الفِرق, لابن طاهر البغدادي. أولاً: النصيرية: وتعتبر هذه الفرق من غلاة الشيعة وينتسبون إلى محمد بن نصير المنيري وقد انبثقت هذه الفرقة من الاثنى عشرية «الرافضة», وغالوا في علي بن أبي طالب  حتى ألَّهُوه. واشتهرت هذه الفرقة بحرب الإسلام والمسلمين وبمناصرة النصارى الحاقدين والوقوف مع التتار المفسدين, كما اشتهرت بالإلحاد في أسماء الله وآياته وتحريف كلام الله وكلام رسوله × عن مواضعه, وإليك ما قال شيخ الإسلام عن النصيرية في إجابته عن سؤال عنهم: «الحمد لله رب العالمين, هؤلاء القوم المتسمون بالنصيرية هم وسائر أصناف القرامطة الباطنية أكفر من اليهود والنصارى, بل وأكفر من كثير من المشركين, وضررهم على أمة محمد × أعظم من ضرر الكفار المحاربين مثل كفار التتار والإفرنج وغيرهم, فإن هؤلاء يتظاهرون عند جُهال المسلمين بالتشيع وموالاة أهل البيت وهم في الحقيقة لا يؤمنون بالله ولا برسوله ولا بكتابه, ولا بأمر ولا نهي, ولا ثواب ولا عقاب, ولا جنة ولا نار, ولا بأحد من المرسلين قبل محمد × ولا بملة من الملل السابقة, بل يأخذون كلام الله ورسوله المعروف عند علماء المسلمين, يتأولونه على أمور يفترونها, يدعون أنها علم الباطن وليس لهم حد محدود فيما يدعونه من الإلحاد في أسماء الله تعالى وآياته وتحريف كلام الله تعالى ورسوله عن مواضعه» إلى أن قال: «ومن المعلوم عندنا أن السواحل الشامية إنما استولى عليها النصارى من جهتهم وهم دائمًا مع كل عدو للمسلمين, فهم مع النصارى على المسلمين, ومن أعظم المصائب عندهم انتصار المسلمين على التتار, ومن أعظم أعيادهم إذا استولى –والعياذ بالله تعالى- النصارى على ثغور المسلمين.. فهؤلاء المعادون لله ورسوله كثروا حينئذ على السواحل وغيرها, فاستولى النصارى على الساحل, ثم بسببهم استولوا على القدس الشريف وغيره, فإن أحوالهم السيئة كانت من أعظم الأسباب في ذلك, ثم لما أقام الله أمور المسلمين المجاهدين في سبيل الله تعالى كنور الدين الشهيد, وصلاح الدين وأتباعهما وفتحوا السواحل من النصارى, وممن كان بها منهم وفتحوا أيضًا أرض مصر, فإنهم كانوا مستولين عليها نحو مائتي سنة, واتفقوا هم والنصارى, فجاهدهم المسلمون حتى فتحوا البلاد... ثم إن التتار ما دخلوا بلاد الإسلام وقتلوا خليفة بغداد وغيره من ملوك المسلمين إلا بمعاونتهم ومؤازرتهم.. ولهم ألقاب معروفة عند المسلمين تارة يُسمون «الملاحدة» وتارة يسمون «القرامطة» وتارة يسمون «الباطنية» وتارة يسمون «الإسماعيلية» وتارة يسمون «الخرمية» وتارة يسمون «المحمرة». وهذه الأسماء منها ما يعمهم ومنها ما يخص بعض أصنافهم, ولا ريب أن جهاد هؤلاء وإقامة الحدود عليهم من أعظم الطاعات وأكبر الواجبات, وهو أفضل من جهاد من لا يقاتل المسلمين من المشركين وأهل الكتاب, فإن جهاد هؤلاء من جنس جهاد المرتدين, والصديق وسائر الصحابة رضي الله عنهم بدأوا بجهاد المرتدين قبل الكفار من أهل الكتاب. فضرر هؤلاء على المسلمين أعظم من ضرر أولئك.. ويجب على كل مسلم أن يقوم بذلك على حسب ما يقدر عليه من الواجب فلا يحل لأحد أن يكتم ما يعرفه عن أخبارهم, بل يفشيها ويظهرها ليعرف المسلمون حقيقة حالهم ولا يحل لأحد السكوت عن القيام عليهم بما أمر الله ورسوله.. والمعاون على كف شرهم وهدايتهم بحسب الإمكان له من الأجر والثواب ما لا يعلمه إلا الله تعالى»( ). وهذه الفرقة الخبيثة سمت نفسها في العصر الحاضر بالعلويين, وفي فترة الاحتلال الفرنسي لبلاد الشام وقفت هذه الفرقة مع النصارى الغزاة الحاقدين, وما أخرج الاستعمار الفرنسي حتى مكنهم من سوريا, وعندما تقلدوا أمور البلاد انتقموا من أهل السنة انتقامًا تشيب منه الولدان, وتضع كل ذات حمل حملها من شدة التعذيب وزهق النفوس, واغتصاب العفائف الحرائر من نساء أهل السنة, والزج بهم وبالرجال إلى السجون, ولا يزال هؤلاء الحاقدون يتقلدون أمر عاصمة بلاد الشام, نسأل الله أن يعجل بأخذهم ويمكن لأهل دينه وشريعته. وهم ينتشرون في جبال اللاذقية, وحماة وحمص في سوريا, وفي لواء الإسكندرونة وطرطوس وأدنة, أو أطنه «في تركيا حاليًا» وفي كردستان وغيرها( ). ومن عقائدهم الفاسدة: 1- تأليه الإمام علي بن أبي طالب  ويعتقدون أنه يسكن السحاب, والرعد صوته, والبرق ضحكه, وهم لهذا يعظمون السحاب, ومنهم من يعتقد أن عليًا يسكن في القمر أو الشمس. 2- تناسخ الأرواح: عقيدة من عقائدهم, فالذين لا يعبدون عليًّا يولدون – في زعمهم- من جديد على شكل إبل أو حمير, أما المؤمن «وهو من يعبد عليًّا عندهم» فيتحول عندهم سبع مرات, ثم يأخذ مكانه بين النجوم, ومن ينحرف منهم يولد من جديد, حتى يتطهر ويكفر عن سيئاته( ). وغير ذلك من العقائد الفاسدة. ولهم أعياد يحتفلون بها يقدمون فيها النبيذ ويرتكبون الفواحش وهي: عيد الغطاس, والبربارا, وهما عيدان نصرانيان, وعيد «النيروز» وهو مجوسي( ). ويعتبرون هذه الديانة الفاسدة سرًا من الأسرار, ونساؤهم لا دين لهن مطلقًا؛ لأنهم يعتبرونهن ضعيفات العقول لا يستطعن حفظ الأسرار, والرجل لا يطلع على سر دينه إلا بعد أن يبلغ التاسعة عشرة من عمره, فيلقن العقيدة النصيرية في جلسات خاصة ووسط مؤثرات شتى, وإرهاب فكري, وطقوس عجيبة, وتجد هذا في كتاب «الباروكة السليمانية» لسليمان الأردني الذي كان نصيريًا ثم تنصر, فألف هذا الكتاب, ولا زال به أهله حتى أماتوه شر ميتة بإحراقة حيًا( ). والذي يجدر الانتباه له أن الدول النصرانية «أمريكا, بريطانيا, فرنسا.. إلخ» وإسرائيل يحرصون على طعن الأمة بهذه الخناجر المسمومة بتقويتها, وفي الوقوف معها حتى تصل إلى الحكم, لعلمهم أن هذا المسلك من أفضل الوسائل في إضعاف أمة الإسلام +وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ" [الأنفال:30] ( ). ثانيًا: الشيعة الاثنى عشرية: ولهم أسماء كثيرة اشتهرت بين الناس منها: الإمامية؛ لأنهم يقولون بوجوب الإمامة بالنص الظاهر والتعيين الصادق. ويقول صاحب كتاب «أعيان الشيعة»: إن هذا الاسم «لقب ينبز به من يقدم عليًّا عليه السلام في الخلافة وأكثر ما يستعمل للتشفي والانتقام»( ). إلا أن الكليني الشيعي في كتابه الكافي وهو عمدة في مذهبهم, بل أعظم كتاب عندهم ينزلونه منزلة صحيح البخاري عند أهل السنة, ساق ما يدل على أنهم راضون بهذا الاسم واللقب ويكذبون على الله ويختلقون الإفك. ويقولون: إن الله خلع عليهم اسم الروافض( ). والقوم اشتهروا بالوقاحة وعدم المبالاة بالافتراء على الله وعلى خلقه. ومن الأسماء التي اشتهروا بها اسم «الاثنى عشرية» لقولهم واعتقادهم بإمامة اثنى عشر إمامًا وهم على الترتيب: 1- أبو الحسن علي بن أبي طالب  (ت40هـ). 2- الحسن بن علي بن أبي طالب  (ت50 هـ). 3- الحسين بن علي بن أبي طالب  (ت61هـ). 4- علي زين العابدين بن الحسين بن علي (ت95هـ). 5- محمد الباقر بن علي (ت 114هـ). 6- جعفر الصادق بن محمد (ت148هـ). 7- موسى الكاظم بن جعفر (ت 183هـ). 8- علي بن موسى الرضا (ت 203). 9- أبو جعفر محمد بن علي «الجواد» (ت 220هـ). 10- أبو الحسن علي بن محمد «الهادي» (ت 254هـ). 11- أبو محمد الحسن بن علي «العسكري» (ت 260هـ). 12- أبو القاسم محمد بن الحسن «المهدي» (ت 256هـ) ( ). هؤلاء هم الأئمة الاثنا عشر عند الشيعة الإمامية, والشيعة الاثنى عشرية يعتقدون في هؤلاء الأئمة اعتقادات كلها غلو وإطراء وضعوها من عند أنفسهم ما أنزل الله بها من سلطان. ومن معتقداتهم في أئمتهم: أنهم معصومون «من جميع الرذائل والفواحش ما ظهر منها وما بطن من سن الطفولة إلى الموت عمدًا وسهوًا, كما يجب أن يكونوا معصومين من السهو والخطأ والنسيان؛ لأن الأئمة حفظة الشرع والقوامون عليه حالهم من ذلك حال النبي»( ). ووصفوا أئمتهم بصفات جاوزوا فيها المنقول والمعقول, فعلى سبيل المثال ما ذكره الكليني في كتابه الكافي المسمى عندهم «أصول الكافي» حيث إنه عقد أبوابًا فيها أحاديث من إفكهم وزورهم كلها تضمنت غلوهم في أئمتهم. وإليك بعض عناوين تلك الأبواب: «باب أن الأئمة ولاة أمر الله وخزنة علمه»( ), «باب أن الأئمة هم أركان الأرض»( ), «باب أن الأئمة عندهم جميع الكتاب التي نزلت من عند الله عز وجل, وأنهم يعرفونها على اختلاف أدلتها»( ), «باب أنه لم يجمع القرآن كله إلا الأئمة»( ), «باب أن الأئمة يعلمون جميع العلوم التي خرجت إلى الملائكة والأنبياء والرسل»( ), «باب أن الأئمة يعلمون متى يموتون وأنهم لا يموتون إلا باختيار منهم»( ), «باب أن الأئمة يعلمون علم ما كان وما يكون وأنه لا يخفى عليهم شيء»( ), «باب أن الله لم يعلم نبيه علمًا إلا أمر أن يعلمه أمير المؤمنين وأنه شريكه في العلم»( ), «باب أن الأئمة لو ستر عليهم لأخبروا كل امرئ بما له وما عليه»( ), «باب أن الإمام يعرف الإمام الذي يكون بعده»( ), «باب في أن الأئمة إذا ظهر أمرهم حكموا بحكم داود وآل داود ولا يسألون عن البينة»( ), «باب أنه ليس شيء من الحق في أيدي الناس إلا ما خرج من عند الأئمة وأن كل شيء لم يخرج من عندهم فهو باطل»( ). وهكذا أخي القارئ: نجد الغلو الممقوت عند علماء الاثنى عشرية, فإذا راجعت (مرآة العقول) للمجلسي وجدته في مستنقع الغلو الآسن وقع حيث زعم أن عصمة الأئمة فوق عصمة الأنبياء, لأنهم أعلى درجة منهم( ). وأما إمامهم المعاصر, ومرجعهم الأعلى, وآيتهم العظمى, وهو من يعرف بزعيم الثورة الإيرانية فيحتاج إلى شيء من البيان والإيضاح, لالتباس الأمر على شباب أهل السنة, بل حتى على دعاتهم وبعض علمائهم الذين انخدعوا بشعارات الشيعة البراقة لكسب أهل السنة, غير مبالين بعهود أعطوها, ومواثيق ألزموا بها أنفسهم بل غدروا بهم في إيران وقتلوهم وسجنوهم, وهدموا بيوتهم, فإذا راجعت كتاب «وجاء دور المجوس»( ) رأيت العجب العجاب في أعمالهم الشنيعة وأقوالهم القبيحة حيث إن الكتاب أجاد في كشفهم وفضحهم وبين عوراتهم ووسائلهم في التستر وعلاقتهم ببقية فرق الشيعة في وقوفهم سدًا منيعًا ضد أهل السنة. إن الاثنى عشرية لم يحترموا عقلاً ولم يقدسوا شرعًا ولم يلتزموا نقلاً ولم يكرموا علماءهم ولا شيوخهم, بعكس أهل السنة الذين أعطوا لهؤلاء الأئمة من الحق والتكريم وإنزالهم منزلتهم التي يستحقونها, ويعجبني في هذا المقام ما قاله الإمام الذهبي -رحمه الله تعالى- مبينًا عقيدة أهل السنة فيهم: «فمولانا الإمام علي: من الخلفاء الراشدين المشهود لهم بالجنة رضي الله عنهم, نحبه أشد الحب, ولا ندعي عصمته, ولا عصمة أبي بكر الصديق, وأبناه الحسن والحسين سبطا رسول الله × وسيدا شباب أهل الجنة, ولو استخلفا لكانا أهلاً لذلك. وزين العابدين: كبير القدر, من سادة العلماء العاملين, يصلح للإمامة, وكذلك ابنه جعفر الباقر, سيد إمام فقيه يصلح للخلافة. وكذلك ولده جعفر الصادق: كبير الشأن من أئمة العلم, كان أولى بالأمر من أبي جعفر المنصور. وكان ولده موسى: كبير القدر, جيد العلم, أولى بالخلافة من هارون, وله نظراء في الشرف والفضل. وابنه علي بن موسى الرضا: كبير الشأن له علم وبيان, ووقعٌ في النفوس, صيَّره المأمون ولي عهده لجلالته, فتوفى سنة ثلاث ومائتين. وابنه محمد الجواد: من سادة قومه, لم يبلغ رتبة آبائه في العلم والفقه. وكذلك ولده الملقب بالهادي: شريف جليل. وكذلك ابنه الحسن بن علي العسكري رحمهم الله تعالى( ). وأما الإمام الثاني عشر فقال فيه: «ومحمد هذا هو الذي يزعمون أنه الخلف الحجة وأنه صاحب الزمان, وأنه صاحب السرداب بسامراء, وأنه حي لا يموت حتى يخرج فيملأ الأرض عدلاً وقسطًا, كما مُلئت ظلمًا وجورًا, فوددنا ذلك –والله- وهم في انتظاره من أربعمائة وسبعين سنة( ). ومن أحالك على غائب لم ينصفك, فكيف بمن أحال على مستحيل؟ والإنصاف عزيز, فنعوذ بالله من الجهل والهذي»( ).

  • * *

استمرار الاثنى عشرية في العصر الحاضر الإمام الشيعي في العصر الحاضر ودولته التي أقامها: تفاعل العالم الإسلامي مع المد الشيعي بعد وصوله إلى مقاليد الحكم في إيران, وإزاحة الشاه المخلوع, واستطاعت وسائل الإعلام الاثنى عشرية أن تخدع كثيرًا من المسلمين في طرحهم المعاصر, وساندتها أجهزة الإعلام الغربي, وأجاد الإمام الخميني في تمثيل الدور الماكر؛ فتعاطف كتاب وصحفيون ودعاة محسوبون على أهل السنة في تمجيد الخميني ووصفه بأنه من المجددين, بل يسير في موكب المصلحين من أمثال شيخ الإسلام ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب, وعبد الحميد بن باديس, ومحمد بن علي السنوسي وحسن البنا. وبما أن تلك المقالات والكتابات أصبحت في ذاكرة التاريخ, وكانت سببًا في تضييع الحقائق لأجيال المسلمين رأيت من النصح للأمة وأبنائها أن أبين أن الخميني امتداد لمدرسة الاثنى عشرية الشيعة ذات العقائد الفاسدة والمنحرفة عن هدى الله, وأن ثورته وجمهوريته الإسلامية المزعومة جيء بها لتكون خنجرًا مسمومًا لكل محاولة جادة لتطبيق الإسلام الصحيح, بل أتيحت للثورة الإيرانية الفرصة أمام العالم لتشويه الإسلام الصافي النقي الذي جاء به محمد بن عبد الله ×. ولكون الدولة الإيرانية امتدت في العالم الإسلامي ناشرة للعقائد الفاسدة في إفريقيا وآسيا وجمهوريات الاتحاد السوفيتي والشمال الإفريقي, وأوروبا وأستراليا وأمريكا, وتأثر بها كثير من عوام المسلمين الذين لا يملكون فهمًا ولا علمًا ولا اطلاعًا بحقيقة أمرهم, ومرمى أهدافهم, رأيت من المناسب أن أبين عقائد هذا القديس المزعوم «الخميني ومن جاء بعده», حتى نحذر الأجيال من هذه المدرسة الشيطانية التي نخرت بنيان الأمة, ولا تزال تنخر دون كلل ولا ملل. ومن عقائد الإمام الخميني الفاسدة ما ذكره في كتابه الحكومة الإسلامية: «وأن من ضروريات مذهبنا أن لأئمتنا مقامًا لا يبلغه ملك مقرب, ولا نبي مرسل», وقد ورد عنهم: «أن لنا مع الله حالات لا يسعها ملك مقرب ولا نبي مرسل»( ). فهذا اعتراف واضح في كونه يفضل أئمة الاثنى عشرية على الأنبياء والرسل, وهذا مذهب غلاة الروافض في حكم كبار أئمة السنة. يقول عبد الظاهر البغدادي (ت429هـ): «وزعمت الغلاة من الروافض أن الأئمة أفضل من الأنبياء ونعلم أن هذا باطل»( ). ويقول القاضي عياض (ت544هـ): «وكذلك نقطع بتكفير غلاة الروافض في قولهم: إن الأئمة أفضل من الأنبياء»( ). ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية (ت728هـ): «والرافضة تجعل الأئمة الاثنى عشرية أفضل من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار وغلاتهم يقولون: إنهم أفضل من الأنبياء»( ). ويقول محمد بن عبد الوهاب: «ومن اعتقد في غير الأنبياء كونه أفضل منهم أو مساويًا لهم فقد كفر, وقد نقل على ذلك الإجماع غير واحد من العلماء»( ). إن الخميني مرجعه في المعتقد والتصور الشيعي, شيوخه الذين سبقوه وواضعو هذا المنهج المنحرف, فهو يعظم ويقدس كتاب الكافي للكليني والاحتجاج للطبرسي وغيرهما, ويترحم في كتبه على المجوسي حسين النوري الطبرسي صاحب كتاب «فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب», وتجده يوثق كتابًا حوى «دعاء عليٍّ على صنمي قريش» وهما أبو بكر وعمر رضي الله عنهما, وفيه وصف الشيخين اللذين حرفا كتابك( ), وله تفسير باطني في بعض الآيات, مثلاً في قوله تعالى: +إِنَّ اللهَ يَأمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا" [النساء:58]. فقد أمر الله الرسول × برد الإمامة إلى أهلها, وهو أمير المؤمنين, وعليه هو أن يردها إلى من يليه وهكذا...» ( ). وأما اعتقاده في الصحابة: فإن معتقد الاثنى عشرية: لا ولاية إلا بالبراءة من أعدائهم وهم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين. فالخميني يرى مشروعية التبرؤ من هؤلاء الأخيار والتولي للاثنى عشرية في الصلاة, فيذكر أن المصلي يشرع له أن يقول في سجوده: «الإسلام ديني, ومحمد نبيي, وعلي والحسن والحسين –يعدهم إلى آخرهم- أئمتي, بهم أتولى ومن أعدائهم أتبرأ»( ). ويطعن في الصحابة لمخالفتهم النص المزعوم على إمامة علي يقول: «وفي غدير خم في حجة الوداع عينه –يعني عليًّا- النبي × حاكمًا من بعده, ومن حينها بدأ الخلاف يدب في نفوس القوم»( ). وكتابه الحكومة الإسلامية وغيره من كتبه مليئة بالانحراف عن الصراط المستقيم, فالخميني لا يختلف في اعتقاده عن الرافضة إن لم يكن أشد غلوًا وشططًا, ونشط الخميني قبل وفاته محاولاً بسط سلطان الشيعة على شعبه بالقوة, وقامت دولته بتصدير الثورة كما يقولون, واعتمدت الشيعة على المراوغة والكذب والتضليل, وهؤلاء الجدد لا يختلفون عن شيعة الأمس في المراوغة والكيد, وفي الغلو أيضًا. ويعتمدون على مبدأ التقية في جلب الناس حولهم, وإليك ما قاله الخميني لأتباعه في أحد خطاباته: «لا تبعدوا الناس عنكم الواحد تلو الآخر, لا تكيلوا التهم لهم بالوهابية تارة, وبالكفر تارة أخرى, فمن يبقى حولكم إذا عمدتم إلى ممارسة هذا الأسلوب؟» ( ). ولهذا أمر الخميني الحجاج الإيرانيين بأن يصلوا مع أهل السنة تقية منهم وخداعًا للناس, كما كان يفعل قادة الشيعة, حينما كانوا يصلون خلف أهل السنة أحيانًا ثم يعيدون صلاتهم بعد ذلك, كما صرح بهذا أحد علماء الشيعة المعاصرين, ولقد بلغ الحقد الشيعي على المسلمين, وخصوصًا أهل السنة في عصرنا الحاضر إلى حد الاستهتار بدماء المسلمين وأعراضهم وتهديد أمنهم في بيوتهم, ولعل ما فعلوه في مكة في 1407هـ أقوى شاهد على حقدهم ونظرتهم للمخالفين لهم, حينما تظاهر في حرم الله بمكة ما يقرب من مائة وخمسين ألفًا منهم, وهجموا يريدون الكعبة, وتجمعوا في مظاهرات غوغائية, وكانوا يهدفون إلى تحقيق مخطط رهيب رافعين شعاراتهم وصور زعيمهم الخميني, وتقدموا رجالاً ونساءً يريدون الحرم, لولا أن الله تعالى بفضله ومنه أفشل مخططهم وحيل بينهم وبين دخول الحرم, واشتبكوا مع المسلمين والجنود وبقية الحجاج في مذبحة عظيمة, وأوعزوا إلى أتباعهم وعملائهم في حج عام 1409هـ بعمل متفجرات حول الحرم المكي الشريف في يوم 7 من ذي الحجة وراح ضحيتها حجاج أبرياء جاءوا لأداء فريضة الحج( ). وأما عن تعذيبهم لأهل السنة في إيران فذكر عبد الله محمد الغريب في كتابه «أهل السنة في إيران» أنواعًا وأشكالاً من التعذيب والتنكيل والقتل والاغتصاب, وإليك بعض أساليب الاضطهاد والتعذيب والتقتيل التي اتخذها أولئك الأشرار تجاه أهل السنة في إيران: 1- ربط الأرجل بالحبال وضربها بالأسلاك. 2- ربط الأيدي من وراء, ووضع المسجون في زاوية من السجن, وصب الماء أو النفط تحته, فعلوا هذا مع عدد من المسلمين . 3- ربط المسجون وضربه في المواضع المختلفة من جسده من عشر إلى مائة وخمسين ضربة, فإن مات فذلك, وإلا فاستمروا على هذه الحالة مدة خمسة عشر يومًا. 4- يضعون المسجون في الاصطبل ويتركونه إلى أن يموت. 5- ومن أنواع التعذيب سلخ جلد الرأس وثقبه وثقب العين بالمثقب وإحراق الأسير حيًا وتقطيع الأعضاء وقلع الأظفار( ). وهذا قليل من كثير, إنهم يبغضون الصحابة, ويشككون في القرآن, ويطعنون في السنة, فماذا ننتظر منهم؟؟!. هل يمكن التقريب بين أهل السنة والشيعة؟ إن كل محاولات التقريب بين السنة والشيعة باءت بالفشل؛ لأن الخلاف بيننا وبينهم في الأصول وليس في الفروع. ولن يجتمع السنة والشيعة إلا إذا تخلى أحد الطرفين عن معتقده. فإن علماء الشيعة يرون التقريب مع أهل السنة, عندما يشتم أهل السنة الصحابة ويعتقدون معتقداتهم الباطلة, وهذا ما خرج به الشيخ الدكتور مصطفى السباعي من تجربته في هذا الموضوع مع أحد شيوخ الشيعة, واسمه عبد الحسين شرف الدين الموسوي حيث إن الدكتور السباعي كان متحمسًا لفكرة التقريب واتصل بسياسيين وأدباء وتجار, وأعطوه عهودًا وكلامًا معسولاً وعلى رأسهم الشيخ الشيعي عبد الحسين الذي كان متحمسًا ومؤمنًا بها, وإذا بالشيخ الموسوي يخرج كتابًا في أبي هريرة  مليء بالسباب والشتائم, بل انتهى فيه إلى القول: «بأن (أبا هريرة ) كان منافقًا كافرًا وأن الرسول قد أخبر عنه بأنه من أهل النار»( ). يقول السباعي: «لقد عجبت من موقف عبد الحسين في كلامه, وفي كتابه معًا, ذلك الموقف الذي لا يدل على رغبة صادقة في التقارب ونسيان الماضي»( ). وإن أهداف الشيعة من مسألة التقريب: أن يفتح لهم مجال لنشر عقائدهم في ديار السنة, وأن يستمروا في طعن الصحابة الكرام, وأن يسكت أهل السنة عن بيان الحق, وإن سمع الروافض صوت الحق يعلو ماجوا وهاجوا قائلين: إن الوحدة الإسلامية في خطر. تجربة الشيخ موسى جار الله: إن موسى جار الله من تركستان, قازاني روسي, وصل إلى منصب شيخ مشايخ روسيا, كان في نهاية العهد القيصري, وبداية الحكم السوفيتي الملحد, وكان صاحب الكلمة الأولى والأخيرة في أمور مسلمي روسيا الذين كانوا يزيدون على الثلاثين مليون نسمة, ثم هب عليه إعصار الشيوعية فأصبح بعيدًا عن دياره وأهله, له تآليف ورسائل وكتب, تنقل بين الهند والحجاز ومصر والعراق وإيران, قال عن نفسه: «كان بوسعي أن أغدو كاتب روسيا الأول وأحد زعماء الطليعة فيها لو أنني تخليت عن إيماني, ولكنني آثرت أن أشتري الآخرة بالدنيا....» ( ). وهذا العالم الجليل مُلم بلغات منها الفارسية, والتركية, والتترية, والروسية, وتضلع في اللغة العربية, وتعلم أصولها وصرفها ونحوها وبيانها وقريضها, فلا تكاد تذكر أمامه مادة من مواد اللغة إلا أجابك على الفور عما إذا كانت وردت في القرآن أم لا, وكم مرة وردت وفي أي سورة, لأنه مستظهر أتم الاستظهار»( ). فحاول هذا العالم الجليل أن يجمع شمل الأمة, وأن يوحد أهل السنة والشيعة وبذل جهودًا في هذا الجانب عظيمة, فبدأ بدراسة كتب الشيعة وطالعها باهتمام كما يذكر أنه طالع «أصول الكافي وفروعه» و «من لا يحضره الفقيه» وكتاب «الوافي» و«مرآة العقول» و «بحار الأنوار» و«غاية المرام» وكتبًا كثيرة غير هذه الكتب( ). ثم زار ديار الشيعة, وعاش فيها أكثر من سبعة أشهر, يزور معابدها ومشاهدها ومدارسها, ويحضر محافلها وحفلاتها في العزاء والمآتم, ويحضر حلقات الدروس في البيوت والمساجد وصحونها, والمدارس وحجراتها, وأقام بالنجف أيام المحرم, ورأى كل ما تأتي به الشيعة أيام العزاء ويوم عاشوراء». وخرج هذا العالم الجليل بنتيجة علمية عملية وهي أن كتب الشيعة قد أجمعت على أمور لا تتحملها الأمة. واتفقت على أشياء كثيرة لا يرتضيها الأئمة ولا تقتضيها مصلحة الإسلام, وتناقض أكثر مصالح الأمة, ثم هي جازفت في مسائل كثيرة منكرة مستبعدة ما كان ينبغي وجودها في كتب الشيعة, ولا يظن بالأئمة اعتقادها»( ). ولا يتحملها العقل والأدب ودعوى الائتلاف وليست إلا كيرًا ينفخ في ضرم العداء. وكلمة التوحيد توجب اليوم على مجتهدي الشيعة نزع تلك العقائد من الكتب لتجتث جذورها من القلوب.. وإلا فإن الكلمات هراء وأثر المؤتمرات عداء( ). فرأى الشيخ ببصيرته النافذة وعلمه الغزير أن نقد عقائد الشيعة هو أول مرحلة من تأليف قلوب الأمة, لا تأليف بدونها( ). وقد امتلأ الشيخ حسرة وألمًا مما رآه من منكرات في كتب الشيعة وواقعها, وكان أول مساعيه في التقريب لقاؤه مع شيخ الشيعة محسن الأمين في طهران, وجرى بينهما بعض الحديث, ثم قدم له الشيخ موسى ورقة صغيرة كتب فيها ما يلي: 1- أرى المساجد في بلاد الشيعة متروكة مهملة وصلاة الجماعة فيها غير قائمة, والأوقات غير مرعية, والجمعة متروكة تمامًا, وأرى المشاهد والقبور عندكم معبودة, ما أسباب كل هذا؟. 2- لم أر فيكم لا بين الأولاد, ولا بين الطلبة, ولا بين العلماء من يحفظ القرآن, ولا من يقيم تلاوته, ولا من يجيد قراءته, أرى القرآن عندكم مهجورًا, ما سبب سقوط البلاد إلى هذا الدرك الأسفل من الهجر والإهمال, أليس عليكم أن تهتموا بإقامة القرآن الكريم في مكاتبكم ومدارسكم ومساجدكم؟ 3- أرى ابتذال النساء وحرمات الإسلام في شوارع مدنكم بلغ حدًّا لا يمكن أن يراه الإنسان في غير بلادكم.

وكان تاريخ تلك الرسالة 26/8/1934م ثم أرسل رسالة إلى علماء النجف, وأرسل الرسالة نفسها إلى علماء الكاظمية.

فكتب فيها: «أقدم هذه المسائل لأساتذة النجف الأشرف بيد الاحترام, بأمل الاستفادة, بقلب سليم صادق, كله رغبة في تأليف قلوب عالمي الإسلام( ) الشيعة الإمامية الطائفة المحقة –يعني على زعمهم( )- وعامة أهل السنة والجماعة راجيًا إجابة الأساتذة جميعًا أو فرادى, كل ببيانه البليغ, وبتوقيع يده مؤكدًا بخاتمه ومهره». ثم أورد في الرسالة ما في كتب الشيعة من أمور منكرة مشيرًا إلى أرقام الصفحات في كل ما يذكره, فذكر عدة قضايا خطيرة في كتب الشيعة تحول بين الأمة والائتلاف مثل: 1- تكفير الصحابة. 2- اللعنات على العصر الأول. 3- تحريف القرآن الكريم. 4- حكومات الدول الإسلامية وقضاتها وكل علمائها طواغيت في كتب الشيعة. 5- كل الفرق الإسلامية كافرة ملعونة خالدة في النار إلا الشيعة. 6- الجهاد في كتب الشيعة مع غير الإمام المفترض طاعته حرام مثل حرمة الميتة وحرمة الخنزير, ولا شهيد إلا للشيعة, والشيعي شهيد ولو مات على فراشه, والذين يقاتلون في سبيل الله من غير الشيعة فالويل يتعجلون. ثم قال الشيخ بعدما نقل شواهد هذه المسائل من كتب الشيعة المعتمدة مخاطبًا شيوخ الشيعة: هذه ست من المسائل, عقيدة الشيعة فيها يقين, فهل يبقى في توحيد كلمة المسلمين في عالم الإسلام أمل وهذه عقيدة الشيعة؟. وهل يبقى بعد هذه المسألة, وبعد هذه العقيدة, لكلمة التوحيد في قلوب أهليها من أثر, وهل يمكن أن يكون للأمم الإسلامية, ولهم هذه العقيدة, في سبيل غلبة الإسلام في مستقبل الأيام من سعي؟. وذكر غير ذلك من المسائل, في انحراف الشيعة ثم قال: «فتفضلوا أيها الأساتذة السادة بالإفادة حتى يتوحد الإسلام وتجتمع كلمة المسلمين حول كتاب الله المبين» فانتظر الشيخ سنة وزيادة, ولم يسمع جوابًا من أحد إلا من كبير مجتهدي الشيعة بالبصرة, قد قام بوظيفته وتفضل على بكل أجوبته في كتاب تزيد صفحاته على تسعين, وما كان كتابه إلا طعنًا في العصر الأول, وكان طعنه أشد من كتب الشيعة, ثم كتب الشيخ موسى جار الله كتابه القيم وسماه «الوشيعة في نقد عقائد الشيعة» ويقول: إنني أدافع بذلك عن شرف الأمة وحرمة الدين, وأقضي به حقوق العصر الأول عليَّ وعلى كل الأمة( ). وتوفى هذا الشيخ الجليل بمصر سنة 1369 هـ فعليه من الله الرحمة والرضوان وجمعنا به مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. وتعمدت هذا الإطناب لخطورة الدعوة الشيعية في العصر الحديث, حيث إنها تحالفت مع النصيرية في سوريا, ومع حزب أمل الشيعي في لبنان, وتحالفت سرًا مع اليهود والنصارى للقضاء على هذه الأمة العظيمة, كما أنني طالعت اهتمامهم البالغ بالشمال الأفريقي وغربه وحرصهم على إيصال نفوذهم إليه, والعمل على إرجاع ركامهم القديم. ونجحوا في المغرب, وجندوا شبابًا في الجزائر, وأثروا في تونس, وتحالفوا مع ليبيا في أهدافهم الاستراتيجية في حرب العراق. بل تأكدت وجود مجموعات لا يستهان بها من أبناء الشمال الإفريقي في إيران للتتلمذ على يد شيوخهم والرجوع بأفكارهم المسمومة إلى بلاد الفاتحين العظام مراعين في ذلك السرية والتدرج ودقة التنظيم. واستغلوا الأحداث الدامية في الجزائر بين الحكومة وإخواننا المسلمين, فأظهر الإعلام الإيراني عطفه وتأييده للحركة الإسلامية في الجزائر, فتأثر كثير من إخواننا بهذا الإعلام المزيف الماكر الخادع. ومن أراد من أبناء الصحوة أن يوسع مداركه وثقافته في هذا الباب فليراجع ما كتبه الشيخ سعيد حوي –رحمه الله- «الخمينية شذوذ في العقائد والمواقف» وما كتبه أحمد عبد العزيز الحمدان «ما يجب أن يعرفه المسلم عن عقائد الروافض الإمامية». +سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ  وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ" [القلم: 45،44]. ثالثًا: الشيعة الإسماعيلية بعد موت الإمام جعفر بن محمد الصادق افترقت الشيعة إلى فرقتين: فرقة: ساقت الإمامة إلى ابنه موسى الكاظم, وهؤلاء هم الشيعة الاثنى عشرية. وفرقة: نفت عنه الإمامة, وقالت: إن الإمام بعد جعفر, هو ابنه إسماعيل, وهذه الفرقة عرفت بالشيعة الإسماعيلية. قال عبد القاهر البغدادي في شأن الإسماعيلية: «وهؤلاء ساقوا الإمامة على جعفر وزعموا أن الإمام بعده ابنه إسماعيل»( ). وقال الشهرستاني: «الإسماعيلية امتازت عن الموسوية وعن الاثنى عشرية بإثبات الإمامة لإسماعيل بن جعفر وهو ابنه الأكبر المنصوص عليه في بدء الأمر». قالوا: ولم يتزوج الصادق رضي الله عنه على أمه –أم إسماعيل- بواحدة من النساء, ولا تسرى بجارية كسنة رسول الله × في حق خديجة رضي الله عنها, وكسنة علي  في حق فاطمة رضي الله عنها»( ). فالإسماعيلية إحدى فرق الشيعة, وهي تنسب إلى إسماعيل بن جعفر الصادق, ولهم ألقاب كثيرة عرفوا بها غير لقب «الإسماعيلية» منها: الباطنية, وإنما أطلق عليهم هذا اللقب لقولهم بأن لكل ظاهر باطنًا, ولكل تنزيل تأويلاً, ويطلق عليهم القرامطة, وقد عرفوا بهذين اللقبين في بلاد العراق, ويطلق عليهم في خراسان «التعليمية والملحدة», وهم لا يحبون أن يعرفوا بهذه الأسماء, وإنما يقولون: نحن الإسماعيلية لأنا تميزنا عن فرق الشيعة بهذا الاسم»( ). أ- خطر المذهب الباطني على الأمة: اعلم أخي الكريم أن المذهب الباطني من الأسباب التي أضعفت الأمة, وأنهكت قواها, لقد أدخل أهله عقائد فاسدة مبنية على الفلسفة القديمة, والأصول الإلحادية, فخدعوا ضعاف العقول, والذين لا حظ لهم من المنهج الرباني القويم, وتحالفوا مع النصارى والتتار ضد الإسلام والمسلمين. وعندما قوت شوكتهم وأقاموا دولة البحرين فعلوا ما تقشعر منه الجلود, وتشيب منه الرؤوس من قتل وسفك ونهب واغتصاب. بل تجرؤوا على حجيج بيت الله الحرام, ففعل أبو طاهر الجنابي بالحجيج أفاعيل قبيحة, فدفن منهم في بئر زمزم الكثير, ودفن كثيرًا منهم في أماكنهم من الحرم, وفي المسجد الحرام. وعندما أقاموا دولتهم في الشمال الإفريقي أظهروا عقائدهم الفاسدة, وقتلوا العلماء, وأذلوا أهل السنة, وهذا ما سوف نعرفه؛ لأنه من صميم البحث. إن العلامة البغدادي أوجز عداوة الفرق الباطنية للإسلام والمسلمين فقال: «اعلموا -أسعدكم الله- أن ضرر الباطنية على فرق المسلمين أعظم من ضرر اليهود والنصارى والمجوس, بل وأعظم من الدهرية وسائر أصناف الكفرة عليهم, بل أعظم من ضرر الدجال الذي يظهر آخر الزمان؛ لأن الذين ضلوا عن الدين بدعوة الباطنية من وقت ظهور دعوتهم إلى يومنا أكثر من الذين يضلون بالدجال من وقت ظهوره؛ لأن فتنة الدجال لا تزيد مدتها عن أربعين يومًا, وفضائح الباطنية أكثر من عدد الرمل والقطر»( ). وذكر ابن كثير أعمالهم التي قادها أبو طاهر الجنابي الباطني حين وصل مكة فقال: «فانتهب أموالهم واستباح قتالهم, فقتل في رحاب مكة وشعابها وفي المسجد الحرام وفي جوف الكعبة من الحجاج خلقًا كثيرًا, وجلس أميرهم أبو طاهر -لعنه الله- على باب الكعبة والرجال تصرع حوله, والسيوف تعمل في الناس في المسجد الحرام, في الشهر الحرام, في يوم التروية الذي هو من أشرف الأيام وهو يقول: أنـــا اللـــه وباللــــه أنــا أنــا أخلــق الخــلق وأفنيـهم أنـا فكان الناس يفرون منهم, فيتعلقون بأستار الكعبة, فلا يجدي ذلك عنهم شيءًا, بل يقتلون وهم كذلك, ويطوفون فيقتلون وهم في الطواف.. إلى أن قال: «فلما قضى القرمطي -لعنه الله- أمره, وفعل ما فعل بالحجيج من الأفاعيل القبيحة أمر أن تدفن القتلى في بئر زمزم, ودفن كثيرًا منهم في أماكنهم من الحرم وفي المسجد الحرام, وهدم قبة زمزم, وأمر بقلع باب الكعبة, ونزع كسوتها عنها وشققها بين أصحابه....» ( ), وقد حدد بعض العلماء عدد من قتل بثلاثة عشر ألف نسمة وقيل: زهاء الثلاثين ألفًا( ) وكان ذلك سنة 317هـ. وأما متى ظهر مذهب الباطنية فاختلف العلماء في ذلك, فبعضهم قال سنة 205هـ, والبعض الآخر يرى سنة 250 هـ, ونتيجة للسرية المفروضة على أتباع هذا المذهب يتعذر التحديد الدقيق لزمن ظهورهم, وإن كانت أقوال العلماء تترجح ما بين سنة 200هـ, أي بعد انتشار الإسلام وإعزاز أهله, وانطفاء نار المجوسية واندحار اليهودية, واندثار الأصنام الوثنية, وانهزام الأمة الصليبية, فأكل الحسد قلوب الخارجين عن الإسلام من هذه الأمم المهزومة, وبدؤوا يخططون في الخفاء بطريقة ينفسون فيها عن أحقادهم للطعن في الإسلام وأهله, ورفع راية الشيطان وحزبه, فاتخذوا لهذا الهدف الدنيء عدة أقنعة تستروا بها لتحقيق ما يهدفون إليه منها: 1- اعتمادهم على تأويل النصوص تأويلات تنافي ما يقرره الإسلام ويأمر به. 2- إظهار مذهب التشيع لعلمهم بأن مذهب التشيع يحتمل كلامهم, إذ لم يجدوا مدخلاً إلى الإسلام إلا من جهة إظهار التشيع والانتساب إلى المذهب الشيعي, وقد تم تأسيس هذا المذهب فيما يذكر الغزالي كما يلي: «تم في اجتماع لقوم من أولاد المجوس والمزدكية من الثنوية الملحدين, وطائفة كبيرة من ملاحدة الفلاسفة المتقدمين –زاد الديلمي- وبقايا الخرمية واليهود.. جمعهم نادو شنو( ) في حيلة يدفعون بها الإسلام» وقالوا: إن محمدًا غلب علينا, وأبطل ديننا, واتفق له من الأعوان ما لا نقدر على مقابلتهم, ولا مطمع لنا في نزع ما في أيدي المسلمين من المملكة بالسيف والحرب, لقوة شوكتهم وكثرة جنودهم, وكذلك لا مطمع لنا فيهم من قبيل المناظرة لما فيهم من العلماء والفضلاء والمتكلمين والمحققين, فلم يبق إلا اللجوء إلى الحيل والدسائس, ثم اتفقوا على وضع حيل وخطط مدروسة يسيرون عليها لتحقيق أهدافهم. ومن وسائلهم في تحقيق الأهداف الدخول على المسلمين عن طريق التشيع, وعلى مذهب الرافضة, وإن كان هؤلاء الباطنيون يعتبرون الروافض أيضًا على ضلال, إلا أنهم رأوهم -علىحد ما ذكر الغزالي- أقل الناس عقولاً, وأسخفهم رأيًا, وألينهم عريكة لقبول المحالات, وأطوعهم للتصديق بالأكاذيب المزخرفات( ), وأكثر الناس قبولاً لما يلقى عليهم من الروايات الواهية الكاذبة, فتستروا بالانتساب إليهم ظاهرًا للوصول إلى إضعاف الناس, فكان ظاهرهم الرفض, وباطنهم الكفر المحض, كما ذكر الغزالي ( ), أوكما قال بعض العلماء: إن الإمامية دهليز الباطنية.. وهذا هو التفسير المعقول لما نلاحظ من التقارب الشديد بين الباطنية والرافضة( ). وقال ابن كثير في حوادث سنة (278هـ): وفيها تحركت القرامطة, وهم فرقة من الزنادقة الملاحدة أتباع الفلاسفة من الفرس الذين يعتقدون بنبوة زرادشت مزدك, وكانوا يبيحون المحرمات, ثم هم بعد ذلك أتباع كل ناعق إلى باطل, وأكثر ما ينقادون من جهة الرافضة ويدخلون إلى الباطل من جهتهم؛ لأنهم أقل الناس عقولاً ويقال لهم: الإسماعيلية لانتسابهم إلى إسماعيل الأعرج ابن جعفر الصادق( ). ب- عقائد الباطنية الفاسدة: إن المتتبع لأخبار الباطنية وفرقهم ومذاهبهم يلاحظ تناقضًا واضحًا, ويرجع ذلك إلى أهل هذه الفرقة الباطنية الخبيثة إذ أرادوا ذلك لكي تتضارب الأقوال فيهم عند الناس, وبذلك ينفون ما يريدون, ويثبتون ما يريدون, وأصل مذهبهم كله مبني على الكذب والحيل والخداع, كما أن مذهبهم لا يقوم إلى على هذا التلون الكثير؛ ولذلك قال الغزالي: «والذي قدمناه في جملة مذهبهم يقتضي –لا محالة- أن يكون النقل عنهم مختلفًا مضطربًا, فإنهم لا يخاطبون الخلق بمسلك واحد, بل غرضهم الاستتباع والاحتيال, فلذلك تختلف كلماتهم ويتفاوت نقل المذهب عنهم»( ). ولذلك يتضح للدارس أن عقائد الباطنية عبارة عن مجموعة من أفكار منحرفة من مذاهب متفرقة, كلها تخبط واضطراب واختلاف, وأحيانًا يستدلون بأحاديث موضوعة ويحرفون الآيات عن مدلولها ومرادها. وترجع عقائدهم إلى عدة نقاط منها: 1- إنكار وجود الله. 2- جحد أسمائه وصفاته. 3- تحريف شرائع النبيين والمرسلين. 4- ويسترشدون في ذلك كله بالتشيع لآل البيت أو بزعمهم التجديد والتقديم ولهم مقدرة عجيبة في وضع الشعارات والأكاذيب. والموضوع أوسع من ذلك, ومن الكتب النافعة في هذا الباب فضائح الباطنية للغزالي, وفرق معاصرة للعواجي.

  • * *

المبحث الثالث داعية الباطنية في الشمال الإفريقي أبو عبد الله الشيعي

وقع الاختيار على اليمن لكي تكون مركزًا لدعوة الشيعة الإسماعيلية لبعدها عن أنظار الدولة العباسية, ومن هناك بدؤوا في إعداد القوة العسكرية السرية التي هي عدتهم في المستقبل, وتسلم القيادة في اليمن رجل يدعى رستم بن حوشب الذي استطاع أن يستقطب بعض الفرس المعادين للمسلمين, إلا أن ابن حوشب رأى أن أرض المغرب خصبة للبذور الشيعية, فأرسل من اليمن رجلين من أنصاره هما «سفيان والحلواني» إلى طرابلس وتونس لنشر المذهب الشيعي, واستطاعا أن يتوغلا بأفكارهما في قبائل البرانس ذات القوة والشكيمة والعدة والعتاد, والتي تتطلع إلى إقامة دولة في المغرب على نهج الأدارسة في المغرب الأقصى, والأغالبة الذين عاصمتهم تونس. ومن بين الذين اختارهم ابن حوشب في اليمن: أبو عبد الله الشيعي حسن بن أحمد بن محمد بن زكريا الشيعي من أهل صنعاء, وكان قد وقع اختيار ابن حوشب على هذا الرجل لما لمس فيه من صفات قيادية بارزة من علم وذكاء ومقدرة في التعامل مع الناس, ويعتبر أبو عبد الله الشيعي اليماني الصنعاني المؤسس الفعلي لدولة العبيديين الرافضية الإسماعيلية في المغرب, فأرسله ابن حوشب بعد موت الحلواني وأبي سفيان الداعيتين بالمغرب, وقال له: «إن أرض كتامة في بلاد المغرب قد حرثها الحلواني وسفيان, وقد ماتا, وليس لك غيرها فبادر فإنها موطأة ممهدة لك»( ). وفي ما بين 288هـ إلى 289هـ وصل أبو عبد الله الشيعي الرجل الداهية المراوغ الماكر صاحب الحيل العجيبة إلى مكة, وبحث عن وفود المغاربة التي جاءت للحج واستطاع أن يتعرف على حجيج كتامة, وتقرب إليهم بما أظهره لهم من زهد وفقه وعلم, وتمكن هذا الداعية من قلوب الشيوخ الكتاميين, ورجع معهم موهمًا إياهم أنه يريد مصر لتعليم الأولاد القرآن, وعرضوا عليه الذهاب معهم إلى المغرب, فأظهر عدم الرغبة, ثم بسياسته الماكرة لبى طلبهم ونزل في القيروان ليبحث عن مواطن الضعف في دولة الأغالبة, ويجمع المعلومات لمعرفة أقوى القبائل, وما هي الوسائل النافعة للدخول في بلاد المغرب, وبعد أن أيقن أن أقوى القبائل في المغرب هي الكتامية قرر الذهاب إلى بلدة تسمى «إيكجان» وهي بلدة في جبل وعر, وعرف أنها منازل قبيلة «سكتاتة» التي هي بطن من بطون كتامة( ), ونهج في حياته نهج المعلم المؤدب الورع, وسلك سلوك الزهد والعفاف حتى تملك قلوبهم, واشتهر صيته, وأقبلت عليه القبائل البربرية وتصدى لتعليمهم وتفقيههم المذهب الشيعي, ثم دخل في الأمور السياسية ونظام الحكم ودور الإسلام في الحكم بالشورى, وفضل العلويين وأحقيتهم في الحكم. وبسبب الظلم الذي مارسته دولة الأغالبة على الناس استجابت بعض القبائل للداعية الشيعي الذي رأوا فيه المخلص وبدأ الصدام مع الأغالبة, وانتقل أبو عبد الله الشيعي إلى حصن منيع في جبال الأوراس في بلدة «تازروت» ومن هناك كان يوجه الضربات المتتالية لدولة الأغالبة, واعتمد في ذلك على فضح الأغالبة ونشر ظلمهم, وبيان أن حكمهم خارج عن الإسلام وشريعة الرحمن, وأثار الأحقاد القديمة بين الدولة الأغلبية وبعض القبائل, وأعطى عهودًا ومواثيق لرجال وزعماء كتامة أن المستقبل والدولة والتمكن لهم, فخضعت له القبائل وتوالت المدن في السقوط, وغنم غنائم عظيمة واشتد حماس أتباعه, وساعده على ذلك انحلال وضعف دولة الأغالبة وانغماسهم في الترف, وتذمر الناس من الأمراء ومن ظلمهم, وأظهر أبو عبد الله من الحزم والشجاعة والمقدرة السياسية والكفاءة العسكرية ما جعله ثقة لمن حوله من القادة والجنود, فأعطاه ذلك شعورًا بأن الوقت حان لكشف دعوته بأن يدعو للرضى من آل البيت النبوي الذي سيظهر عن قريب وتولى أمور الحكم. واستطاع أبو عبد الله الشيعي أن يستولي على جميع النقط الحربية ما بين حصنه في جبال الأوراس حتى عاصمة الأغالبة. وفي أوائل جمادى الأولى عام 296هـ/909م سقطت مدينة الأريس في يد قوات أبي عبد الله الشيعي, وهذه المدينة هي مفتاح دخول القيروان العاصمة السياسية للبلاد, فعجل زيادة الله الأخير بالرحيل إلى مصر في جمادى الآخرة عام 296هـ, ودخل أبو عبد الله الشيعي القيروان( ). وأعلن أبو عبد الله إثر هذا النصر الحاسم على الأغالبة أن الإمام الحقيقي للمسلمين هو عبيد الله المهدي وأنه قريبًا سيصل إلى بلاد المغرب ويظهر العدل والمساواة, فانضم إليه بعض قواد الأغالبة, وأصبح جيشه مائتي ألف مقاتل لكي يدافعوا عن المذهب الشيعي الإسماعيلي والدولة الجديدة, ومعلوم من دراسة التاريخ أن الانتصارات تستحوذ على عوام الناس ويظنون أن المنتصر على الحق, ومع الإشاعة الشيعية القوية والانتصارات الملموسة وإيمان الناس بالمهدي المنتظر, أصبح الناس قادة وجنودًا لا رأي لهم, ولا عقل, بل مثل الآلات في التنفيذ, وحاول أبو عبد الله الشيعي أن يعتمد في نشر مذهبه بالدعاية والمناظرة لإقناع علماء السنة والجماعة من أمثال عثمان بن سعيد الحداد, إلا أنه أسقط في يديه عندما أقاموا الحجة عليه وعلى دعاته, ولذلك اضطر أخو أبي عبد الله الشيعي «أبو العباس» أن يستخدم القوة لقلع مذهب أهل السنة والجماعة من عاصمة الشمال الإفريقي, فمارس مع علماء أهل السنة أصناف العنف والشدة والتعذيب وضربوا الفقهاء بالسياط وقطعوا ألسنة بعضهم, وضربوا الرقاب, وقطعوا أجزاء الجسم إلى عدة أجزاء, وصلبوا الفقهاء, وصادروا الأموال, وبطحوا الناس على ظهورهم وأمروا عبيدهم بأن يدوسوهم بالأقدام. واشتد الصراع المذهبي, وهز الدولة الوليدة فتدخل الداهية أبو عبد الله الشيعي ومنع المناظرة والمجادلة حسمًا للصراع وعزل أخاه عن ولاية القيروان. ونجح أبو عبد الله الشيعي في تثبيت دعائم الحكم في القيروان بواسطة زعماء قبيلة كتامة وخصوصًا سيدهم ومطاعهم «غزوية بن يوسف» وأخاه وبقية قومه, وأرسل إلى عبيد الله المهدي وابنه القاسم للمجئ إلى القيروان, وشد عبيد الله من الشام رحله «من مدينة سلمية» إلى مصر, ثم برقة, ثم طرابلس متخفيًا في ثياب التجار, ولفقت قصص عجيبة في نجاته من ولاة الدولة العباسية, ووقع في أسر بني مدرار أمراء سجلماسة( ). واستطاع أبو عبد الله الشيعي الصنعاني في 297هـ/910م أن يجهز جيشًا ضخمًا حطم به دولة بني مدرار وخلص عبيد الله المهدي وابنه من السجن, وفي طريق عودته مر الجيش بتاهرت وأزال دولة بني رستم في عام 297هـ/910م وأصبح المغرب الأوسط إلى تلمسان دولة عبيدية. وتولى عبيد الله المهدي الذي أعلن قيام الدولة الفاطمية التي نسبها إلى فاطمة الزهراء بنت رسول الله × لخداع الناس وتضليلهم. وبدأت الدولة الفاطمية المزعومة تسعى للقضاء على الخلافة العباسية خصوصًا بعد أن تمكنوا من القضاء على دولة بني مدرار في سجلماسة, ودولة رستم في تاهرت, ودولة الأغالبة في إفريقية «تونس». وكانت بيعة عبيد الله المهدي في القيروان عام 297هـ/ 910م وانتهت ولاية أبي عبد الله الشيعي بعد أن دامت عشر سنوات على قول بعض المؤرخين( ). وكطبيعة الثورات تخلص عبيد الله المهدي من أبي عبد الله الشيعي وأخيه أبي العباس وغزوية بن يوسف بمؤامرات متتالية وكل من كان من أنصارهم. وهذا ملاحظ أيضًا في دراسة التاريخ القديم والحديث, وهو أن الأصدقاء والرفقاء الذين لا تقوى لهم, وإنما تجمعهم مصالح ومبادئ فاسدة يصفُّون بعضهم بعضًا, وهذا حدث في الثورة الفرنسية 1879م, والثورة الجزائرية, والثورة السورية, والمصرية, والليبية, والعراقية, وهكذا قديمًا وحديثًا. وظهر لي أن ذلك سنة من سنن الله الجارية في المجتمعات «من أعان ظالمًا سلطه الله عليه» +وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ" [الأنعام:129]. وذكر المؤرخون أن الخلاف وقع بين عبيد الله المهدي, وأبي عبد الله الشيعي على الأموال التي استأثر بها النزق الكاذب عبيد الله المهدي, وبعضهم يرى أن أبا عبد الله الشيعي شك في عبيد الله المهدي بأنه ليس المهدي المنتظر. وصاحب موسوعة المغرب العربي الدكتور عبد الفتاح مقلد الغنيمي ذكر السببين( ) ولم يرجح, ثم إنه دافع عن نسب العبيديين وأنه في رأيه يرجع إلى فاطمة الزهراء, وشن حملة على من طعن في نسب العبيديين ونسبهم إلى اليهود, أو إلى المجوس, واتهمهم أنهم موالون للخلافة العباسية في بغداد أو الأموية في الأندلس وأن الخلافتين شنتا حملة شعواء على النسب العبيدي. وأقول: إن ابن كثير -رحمه الله- الذي نقل أقوال العلماء في البداية والنهاية في الطعن في النسب العبيدي أقوى حجة, وأمتن سندًا, وأعرف بحقائق الدول ومؤسسيها, وعرف بالصدق والأمانة المتناهية, وكلامه واضح في البداية والنهاية, وأما ابن الأثير فلم يجزم ومال إلى إثبات النسب بدون تصريح, وذلك في «الكامل في التاريخ»( ) وهو معروف بميوله الشيعية, وابن تيمية في الفتاوى يؤكد ويصرح على عدم ثبات النسب الفاطمي, وإليك شهادة المؤرخ القدير ابن خلكان حيث قال: «والمحققون ينكرون دعواه في النسب, وينصون على أن هؤلاء المنتسبين بالفاطميين أدعياء, وأنهم من أصل يهودي من سلمية بالشام, وأن والده لقب بالقداح, لأنه كان كحالاً يقدح العيون, وقد هلك عبيد الله سنة 322هـ, وتمكن حفيده المعز من الاستيلاء على مصر, واستمر ملك العبيديين نحو قرنين من الزمان إلى أن قضى عليهم بطل الإسلام صلاح الدين الأيوبي في سنة 564هـ, وأزال منها كل آثار العبيديين, وقطع شرورهم عن الناس وأراح الله العباد منهم»( ). وعلى كل حال فأعمالهم وعقائدهم تدل على أن أبناء المسلمين من السلالة النبوية الشريفة وعلماءهم الأبرار الأطهار وفقهاءهم الأخيار برآء من هذه الأقوال الشنيعة, والأفعال القبيحة, وأنا شخصيًا أميل إلى أن أبا عبد الله الشيعي اتضح له أن عبيد الله المهدي رجل طامع في الملك والجاه, ومستبد ويسعى لمجده, وشعر أبو عبيد الله ببعده عن مكانته فعمل على الخلاص منه, عندما حاول إقناع من حوله بأنه ليس هذا هو الذي يحدثهم عنه, إلا أن عبيد الله المهدي كان أسرع منه فتخلص الأخير من خصومه, وأما عن نسبه فالحق الواضح البين أن عبيد الله المهدي دعي في نسبه, ولا صلة له بأهل البيت, وهذا ما سنبرهن عليه في ترجمته إن شاء الله.

  • * *

المبحث الرابع عبيد الله المهدي الخليفة الشيعي الرافضي الأول (297- 322هـ/ 910- 934م) ذكر الإمام الذهبي ترجمة لعبيد الله المهدي في سير أعلام النبلاء فقال: «عبيد الله أبو محمد أول من قام من الخلفاء الخوارج العبيدية الباطنية الذين قلبوا الإسلام, وأعلنوا بالرفض, وأبطنوا مذهب الإسماعيلية وبثوا الدعاة يستغوون الجبلية والجهلة»( ). وذكر ما قيل عنه في نسبه ثم قال: والمحققون على أنه دعي بحيث إن المعز منهم لما سأله السيد ابن طباطبا عن نسبه, قال: غدًا أخرجه لك, ثم أصبح وقد ألقى عُرَمَة من الذهب, ثم جذب نصف سيفه من غمده, فقال: هذا نسبي, وأمرهم بنهب الذهب, وقال: وهذا حسبي( ). أما مفتي الديار الليبية -رحمه الله- الشيخ طاهر الزاوي فقد قال في ترجمة عبيد الله المهدي: «هو مؤسس الدولة العبيدية وأول حاكم فيها, وهو عراقي الأصل, ولد في الكوفة سنة 260هـ, واختبأ في بلدة سلمية بؤرة الإسماعيلية الباطنية في شمال الشام. ومن يوم أن ولد إلى أن استقر في سَلمية كان يعرف باسم سعيد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن ميمون القداح. وفي منطقة سلمية مقر الإسماعيلية مات علي بن حسن بن أحمد بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق, وأقام له الإسماعيلية مزارات سرية, وقرروا نقل الإمامة من ذرية إسماعيل بن جعفر الصادق إلى ابنهم بالنكاح الروحي( ), ثم قال: «هذا أصل عبيد الله المهدي, وهذا أصل العبيديين المنسوبين إليه». وقد خالفهم في نسبتهم إلى إسماعيل بن جعفر الصادق جميع المسلمين في المغرب وفي كل مكان, وفي مقدمة الذين أنكروا عليهم هذا النسب الأشراف العلويون, وإنما هم منسوبون إلى سعيد بن أحمد القداح الذين ادعوا أنه ابن إسماعيل بن جعفر الصادق من طريق النكاح الروحي الذي ذكرناه آنفًا. وبعد أن تخلص عبيد الله المهدي من خصومه أراد أن ينشر مذهبه في القيروان, ومن ثم الشمال الإفريقي, ولكن طلائع علماء أهل السنة والجماعة نابذوه العداء, وأقنعوا الناس بأن دولة العبيديين كفرية بعيدة عن الشريعة الإسلامية, وحدث بين العبيديين وأهل السنة حروب طاحنة فانتقل عبيد الله المهدي إلى المهدية بعد أن بذل في بنائها وتحصينها أموالاً طائلة, إلا أن شعور الاستقرار والاطمئنان جانب العبيديين في الشمال الإفريقي لضراوة المقاومة التي قادها علماء أهل السنة ضدهم, فأخضع المدن بقوة السلاح, وفكر في الانتقال إلى مصر, وأرسل عدة حملات إليها إلا أنها فشلت أمام جيوش العباسيين التي قادها «مؤنس الخادم». وكانت أشد هذه الحملات خطرًا على مصر الحملة التي كانت في عام 321هـ, واستطاع العباسيون صد هذه الحملة بفضل جهود «محمد الإخشيدي»( ). واستمر عبيد الله في حكمه إلى أن هلك في عام 322هـ وله اثنتان وستون سنة, وكانت دولته خمسًا وعشرين سنة وأشهر( ). وبهذا نلحظ أن قبائل المصاميد وكتامة التفت حول الدعوة العبيدية لظنهم أنه هو المهدي المنتظر, ونجد في التاريخ الإسلامي كثيرًا من الثورات والدول التي قامت واعتمدت على هذا المعتقد. فرأيت من المناسب والمهم في بناء السياج العقائدي الصحيح على أصول أهل السنة والجماعة في هذه المسألة أن أبين معتقد أهل السنة في قضية المهدي المنتظر, حتى يسهل على الناس كشف الدجالين الأفاكين, وسأجعل معتقد أهل السنة في المهدي عقب انتهاء ترجمة العبيدي. كما نجد أن عبيد الله المهدي اعتمد على ادعائه على هذه الدعوى, حتى بعد أن استطاع أبو عبد الله الشيعي أن يزعزع ثقة البرابرة فيه ذهب إليه كبير كتامة وقال لعبيد الله المهدي: قد شككنا فيك, فائت بآية, فأجاب بأجوبة قبلها عقله وقال: إنكم تيقنتم, واليقين لا يزول إلا بيقين لا بشك. وكانت المسائل التشكيكية في المهدي التي طرحها أبو عبد الله الشيعي على زعماء كتامة من أن الإمام يعلم الأمور قبل وقوعها, وهذا قد دخل معه بولدين, ونص أن الأمر في الصغير بعده, ومات الولد بعد عشرين يومًا, فلما سأل كبير زعماء كتامة عبيد الله المهدي عن الطفل قال عبيد الله المهدي: إن الطفل لم يمت, وإنه إمامك, وإنما الأئمة ينتقلون, وقد انتقل لإصلاح جهة أخرى, قال كبير زعماء كتامة: آمنت. وقال أبو عبد الله الشيعي: إن الإمام لا يلبس الحرير والذهب, وهذا قد لبسهما. وليس له أن يطأ إلا ما تحقق أمره, وهذا قد وطئ نساء زيادة الله التغلبي, يعني عبيد الله المهدي, فلما سأل كبير كتامة عبيد الله المهدي فأجاب: أنا نائب الشرع أحلل لنفسي ما أريد, وكل الأموال, وزيادة الله كان عاصيًا( ). والمقصود في نقلي هذا اعتماد الدجالين على استخفاف عقول الناس وتغريرهم لجهلهم, واعتمادهم على معتقدات في الأئمة من تعظيم آل البيت والإيمان بالمهدي المنتظر, وغير ذلك, فالمقام مناسب لبيان عقيدة أهل السنة في المهدي المنتظر.

  • * *


المبحث الخامس عقيدة أهل السنة والجماعة في المهدي بينت الأحاديث الصحيحة أن الله تعالى يخرج في آخر الزمان رجلاً من أهل البيت يؤيد الله به الدين, يملك سبع سنين يملأ الأرض عدلاً وسلامًا, كما ملئت جورًا وظلمًا, تنعم الأمة في عهده نعمًا لم تنعمها قط, وتخرج الأرض نباتها, وتمطر السماء قطرها, ويعطى المال بغير عدد. قال ابن كثير -رحمه الله تعالى-: «في زمانه تكون الثمار كثيرة, والزروع غزيرة, والمال وافر, والسلطان قاهر, والدين قائم, والعدو راغم, والخير في أيامه دائم»( ). اسمه وصفته: وهذا الرجل اسمه كاسم رسول الله ×, واسم أبيه كاسم أبي النبي ×, فيكون اسمه محمد أو أحمد بن عبد الله, وهو من ذرية فاطمة بنت رسول الله × ثم من ولد الحسن بن علي رضي الله عنهما. قال ابن كثير -رحمه الله- في المهدي: «وهو محمد بن عبد الله العلوي الفاطمي الحسني »( ). وصفته الواردة: «أنه أجلى الجبهة, أقنى الأنف»( ). مكان خروجه: يكون ظهور المهدي من قبل المشرق, فقد جاء في الحديث عن ثوبان  قال: قال رسول الله ×: «يقتل عند كنزكم ثلاثة: كلهم ابن خليفة, ثم تطلع الرايات السود من قبل المشرق, فيقتلونكم قتلاً لم يقتله قوم...» ثم ذكر شيءًا لا أحفظه.. فقال: «فإذا رأيتموه, فبايعوه, ولو حبوًا على الثلج, فإنه خليفة الله المهدي» ( ). قال ابن كثير -رحمه الله-: «والمراد بالكنز المذكور في هذا السياق كنز الكعبة, يقتتل عنده ليأخذه ثلاثة من أولاء الخلفاء, حتى يكون آخر الزمان, فيخرج المهدي, ويكون ظهوره من بلاد المشرق» لا من سرداب سامراء, كما يزعم جهلة الرافضة من أنه موجود فيه إلى الآن, وهم ينتظرون خروجه في آخر الزمان, فإن هذا نوع من الهذيان, وقسط كبير من الخذلان شديد من الشيطان, إذ لا دليل على ذلك, ولا برهان, لا من كتاب, ولا من سنة, ولا معقول صحيح, ولا استحسان.. إلى أن قال: «ويؤيد بناس من أهل المشرق ينصرونه, ويقيمون سلطانه, ويشيدون أركانه, وتكون راياتهم سودًا أيضًا وهو زي عليه الوقار؛ لأن راية رسول الله × كانت سوداء يقال لها: «العقاب». إلى أن قال: «والمقصود أن المهدي الممدوح الموعود بجوده في آخر الزمان يكون أصل ظهوره وخروجه من ناحية المشرق, ويبايع له عند البيت, كما دلت على ذلك بعض الأحاديث»( ). 2- وذكر الإمام البخاري في صحيحه عن أبي هريرة  قال: قال رسول الله ×: «كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم؟!» ( ). 3- وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله × يقول: «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة» إلى أن قال: «فينزل عيسى ابن مريم عليه السلام, فيقول أميرهم: تعال صلِّ بنا فيقول: لا, إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الأمة»( ). والأحاديث التي وردت في الصحيحين تدل على أمرين: أحدهما: أنه عند نزول عيسى ابن مريم عليه السلام من السماء يكون المتولي لإمرة المسلمين رجل منهم. والثاني: أن حضور أميرهم للصلاة, وصلاته للمسلمين, وطلبه من عيسى عليه السلام عند نزوله أن يتقدم ليصلي لهم يدل على صلاح هذا الأمير وهداه. وجاءت الأحاديث في السنن والمسانيد وغيرهما مفسرة لهذه الأحاديث التي في الصحيحين, ودالة على أن ذلك الرجل الصالح يسمى: محمد بن عبد الله, ويقال له المهدي, والسنة يفسر بعضها بعضًا. 1- فعن أبي سعيد الخدري  قال: قال رسول الله ×: «منا الذي يصلي عيسى ابن مريم خلفه» ( ). 2- وعن جابر  قال: قال رسول الله ×: «ينزل عيسى ابن مريم, فيقول أميرهم المهدي: تعال صلِّ بنا, فيقول: لا, إن بعضهم أمير بعض, تكرمة الله هذه الأمة» ( ). 3- وعن أبي سعيد الخدري  قال: قال رسول الله ×: «المهدي مني أجلى الجبهة, أقنى الأنف, يملأ الأرض قسطًا وعدلاً كما مُلئت ظلمًا وجورًا يملك سبع سنين» ( ). أولاً: تواتر أحاديث المهدي: 1- قال الشوكاني: «الأحاديث في تواتر ما جاء في المهدي المنتظر التي أمكن الوقوف عليها منها خمسون حديثًا, فيها الصحيح والحسن والضعيف والمنجبر, وهي متواترة في جميع الاصطلاحات المحررة في الأصول, وأما الآثار عن الصحابة المصرحة بالمهدي, فهي كثيرة أيضًا, إذ لا مجال للاجتهاد في مثل ذلك»( ). 2- قال صديق حسن خان: «الأحاديث الواردة في المهدي على اختلاف رواياتها كثيرة جدًا, تبلغ حد التواتر المعنوي, وهي في السنن وغيرها من دواوين الإسلام من المعاجم والمسانيد»( ). 3- وقال الشيخ محمد بن جعفر الكتاني: «والحاصل أن الأحاديث الواردة في المهدي المنتظر متواترة, وكذا الواردة في الدجال, وفي نزول سيدنا عيسى ابن مريم عليه السلام»( ). وأما العلماء الذين صنفوا كتبًا في المهدي بالإضافة إلى كتب الحديث المشهورة, كالسنن الأربعة, والمسانيد, «مسند أحمد», و«مسند البزار», و«مسند أبي يعلي» و«مسند الحارث بن أبي أسامة» و «مستدرك الحاكم» و«مصنف ابن أبي شيبة» و«صحيح ابن خزيمة» وغيرها من المصنفات( ) التي ذكرت فيها أحاديث المهدي فإن طائفة من العلماء أفردوا في المهدي المنتظر مؤلفات ذكروا فيها جمعًا كبيرًا من الأحاديث الواردة فيه. ثانيًا: المنكرون لأحاديث المهدي والرد عليهم: ومما يؤسف له أن طائفة من الكُتَّاب من أمثال الشيخ محمد رشيد رضا, في تفسير المنار وصف أحاديث المهدي بالتناقض والبطلان, وأن المهدي ليس إلا أسطورة اخترعها الشيعة, ثم دخلت كتب أهل السنة( ). وممن أنكر أحاديث المهدي صاحب «دائرة معارف القرن العشرين»( ) محمد فريد وجدي, وسار على نفس الخط أحمد أمين في كتابه ضحى الإسلام. ويبدو أن هؤلاء الكُتَّاب تأثروا بما ذكره المؤرخ ابن خلدون من تضعيفه لأحاديث المهدي, مع العلم أن ابن خلدون ليس من فرسان هذا الميدان حتى يقبل قوله في التصحيح والتضعيف, ومع هذا فقد قال – بعد أن استعرض كثيرًا من أحاديث المهدي وطعن في كثير من أسانيدها-: «فهذه جملة الأحاديث التي خرجها الأئمة في شأن المهدي, وخروجه آخر الزمان, وهي كما رأيت لم يخلص منها من النقد إلا القليل أو الأقل منه»( ). قال يوسف الوابل في أشراط الساعة تعليقًا على قول ابن خلدون: «ونقول: لو صح حديث واحد, لكفى به حجة في شأن المهدي, كيف والأحاديث فيه صحيحة متواترة»( ). قال الشيخ أحمد شاكر ردًا على ابن خلدون: «إن ابن خلدون لم يحسن قول المحدثين: الجرح مقدَّم على التعديل, ولو اطلع على أقوالهم وفقهها, ما قال شيءًا مما قال, وقد يكون قرأ وعرف, ولكنه أراد تضعيف أحاديث المهدي بما غلب عليه من الرأي السياسي في عصره»( ). ثم بين أن ما كتبه ابن خلدون في هذا الفصل عن المهدي مملوء بالأغاليط في أسماء الرجال ونقل العلل, واعتذر عنه بأن ذلك قد يكون من الناسخين, وإهمال المصححين. وما ذهب إليه محمد رشيد رضا وابن خلدون ومحمد فريد -رحمهم الله- ليس صوابًا, وإنما الحجة في كتاب الله وسنة رسوله ×, والروايات المذكورة في خروج المهدي صحيحة متواترة معنويًا, وهذا يكفي, وأما كون الأحاديث قد دخلها كثير من الإسرائيليات, وأن بعضها من وضع الشيعة وغيرهم من أهل العصبيات, فهذا صحيح, ولكن أئمة الحديث بينوا الصحيح من غيره, وصنَّفوا الكتب في الموضوعات وبيان الروايات الضعيفة, ووضعوا قواعد دقيقة في الحكم على الرجال, حتى لم يبق صاحب بدعة أو كذاب إلا وأظهروا أمره, فحفظ الله السنة من عبث العابثين وتحريف الغالين, وانتحال المبطلين, وهذا من حفظ الله لهذا الدين. وإذا كانت هناك روايات موضوعة في المهدي تعصبًا فإن ذلك لا يجعلنا نترك ما صح من الروايات فيه, والروايات الصحيحة جاء فيها ذكر صفته واسمه واسم أبيه, فإن عيَّن إنسان شخصًا, وزعم أنه هو المهدي, دون أن يساعده على ذلك ما جاء من الأحاديث الصحيحة, فإن ذلك لا يؤدي إلى إنكار المهدي على ما في الحديث, ثم إن المهدي الحقيقي لا يحتاج إلى أن يدعو له أحد, بل يظهره الله إلى الناس إذا شاء, ويعرفونه بعلامات تدل عليه. وأما دعوى التعارض, فقد نشأت عن الروايات التي لم تصح, وأما الأحاديث الصحيحة, فلا تعارض فيها والحمد لله. وأيضًا, فإن خلاف الشيعة مع أهل السنة لا يُعتدّ به, والحكم العدل هو الكتاب والسنة الصحيحة, وأما خرافات الشيعة وأباطيلهم, فلا يجوز أن تكون عمدة يُرد بها ما ثبت من حديث رسول الله ×( ). قال العلامة ابن القيم في كلامه عن المهدي: «وأما الرافضة الإمامية, فلهم قول رابع, وهو: أن المهدي هو محمد بن الحسن العسكري المنتظر, من ولد الحسين بن علي لا من ولد الحسن, الحاضر في الأمصار الغائب عن الأبصار, الذي يورث العصا, ويختم الفضا, دخل سرداب سامراء طفلاً صغيرًا من أكثر من خمسمائة سنة, فلم تره بعد ذلك عين, ولم يُحس فيه بخبر ولا أثر, وهم ينتظرونه كل يوم !! ويقفون بالخيل على باب السرداب ويصيحون به أن يخرج إليهم: اخرج يا مولانا! اخرج يا مولانا! ثم يرجعون بالخيبة والحرمان, فهذا دأبهم ودأبه, ولقد أحسن من قال: ما آن للسرداب أن يلد الذي كلمتموه بجهلكم ما آنا؟

فعلى عقولكم العفاء فإنكم ثلثتم العنقاء والغيلانا

ولقد أصبح هؤلاء عارًا على بني آدم وضحكة يسخر منها كل عاقل»( ). وإلى هنا يكفي الإيضاح في بيان حقيقة المهدي عند أهل السنة والجماعة, وبذلك يتضح للقارئ الكريم الميزان الصحيح في دعوة كل مدعٍ للمهدية. إن من أسباب الكارثة الكبرى التي وقعت في قبائل الشمال الإفريقي هي جهلهم بحقائق الأمور المستنبطة من الكتاب والسنة؛ ولذلك سهل على أبي عبد الله الشيعي أن يقود القبائل الكتامية إلى معتقداته الباطنية الرافضية الفاسدة.











المبحث الأول ثورة قبيلة هوارة في طرابلس

بعد أن احتل عبيد الله المهدي طرابلس عين ماكنون بن ضبارة اللحياني الكتامي واليًا عليها, وثارت قبيلة هوارة على والي طرابلس لعدم استقرار الأمور, وحاولت أن تستفيد من فرصة العهد الجديد الذي لم تستقر فيه الأحوال في الشمال الإفريقي. وانضمت قبائل من زناتة ولماية وغيرها من القبائل البربرية إلى قبيلة هوارة, وقاد هذه الثورة ضد العبيديين في طرابلس أبو هارون الهواري, وحاصروا طرابلس واحتمى ماكنون بسور المدينة. وأنجده عبيد الله المهدي بجيش بقيادة تمام بن معارك «أبازاكي- وهو ابن أخي ماكنون». واستطاعت جيوش العبيديين أن تقضي على هذه الثورة الوليدة في مهدها. وأوعز عبيد الله المهدي إلى ماكنون بن ضبارة للتخلص من تمام بن معارك بزعمه أنه يتآمر عليه, فقتل العم ابن أخيه تمام في غرة ذي الحجة سنة 298هـ وشعر ماكنون بأمان واستقرار, فتطاول في الحكم وسمح لبني قومه من كتامة بالتعدي على أموال الناس والاستهانة بأعراضهم والتدخل في أمورهم, فثار به أهل طرابلس سنة 300 هـ وأخرجوه منها, فلحق بالمهدي برقادة وقتل أهل طرابلس من كان فيها من أنصار ماكنون الكتاميين, وأغلقوا أسوار المدينة, فأرسل عبيد الله المهدي أسطولاً بحريًا استطاع الأسطول الطرابلسي أن يحرقه وأن يقتل من فيه, فأرسل عبيد الله ابنه أبو القاسم بجيش عرمرم بطريق البر فاعترضت له هوارة, إلا أنه استطاع أن يهزمها ووصل إلى أسوار المدينة وضرب عليها حصارًا أفنى ما بقى من أقوات الناس في المدينة حتى أكلوا الميتة, ولم يستطع ابن إسحاق أن يواصل المقاومة, وتفاوض أعيان طرابلس مع أبي القاسم الشيعي وطلبوا منه الأمان فأمنهم بشرط أن يسلموا محمد بن إسحاق, ومحمد بن نصر, ورجلاً آخر يقال له: الحوححة فقبلوا ذلك وسلموهم إليه, ودخل طرابلس وأرهق أهلها بغرامة مالية قدرها ثلاثمائة ألف دينار, وتخلص أبو القاسم الشيعي من الأغالبة الذين كانوا في المدينة مدعيًا أنهم هم الذين حرضوا على الفتنة. وتولى جباية مال الغرامة رجل يقال له الخليل بن إسحاق من أبناء جند طرابلس. وجابي مال الغرامة هو الذي أتم بناء جامع طرابلس الكبير أيام العبيديين وبنى منارته, وقد قتل على يد ابن كيداد اليفرني لما استولى على القيروان سنة 322هـ. وبعد أن استقرت الحال في طرابلس قفل أبو القاسم الرافض إلى رقادة, وطاف بالرجال الثلاثة الذين تسلمهم من طرابلس في شوارع القيروان على الجمال تشهيرًا بهم ثم قتلهم( ). ويتضح من هذا الثورة المبكرة ضد العبيديين أن أهل طرابلس غير راغبين في الحكم العبيدي إلا أنهم خضعوا له بقوة السلاح. وكتب التاريخ تؤكد على دور علماء وفقهاء طرابلس وجهادهم في مواجهة الفكر الشيعي والمد الرافض والمعتقد الباطني الذي تكفلت دولة بني عبيد بنشره في الشمال الإفريقي.

  • * *

المبحث الثاني زحف العبيديين على برقة فلما استقر أمر طرابلس أرسل عبيد الله جيوشه نحو برقة بقيادة حباسة بن يوسف الكتامي, وكان قاسيًا شديدًا نزعت الرحمة من قلبه, فتوجه في عام 301هـ نحو سرت, لأنها لا زالت تحت حكم الأغالبة فدخلها بدون حرب, وهجرها من كان فيها من جنود العباسيين والأغالبة, ثم تقدم حباسة إلى أجدابية فهجرها من كان فيها من العباسيين والأغالبة, وطلب أهلها الأمان فأمنهم ودخلها بدون قتال, واحتل مدينة برقة وكانت جيوش العبيديين تتدافع نحو حباسة بدون انقطاع. وكان حباسة هذا لا يفي بوعد, وكلما دخل مدينة قتل أهلها وأخذ أموالهم وسبى نساءهم, ومن فظاعة أعماله التي ذكرتها كتب التاريخ ما فعله بمجموعة من الناس كانوا يلعبون بالحمام في برقة فأمر بهم فأجلسهم حول النار, وأمر بلحومهم أن تقطع وتشوى, ثم أمر بهم فألقوا في النار. إن هذه الأعمال الوحشية تدل علىعداوة العبيديين لكل من له رائحة سُنية, وربما يتقربون بها إلى الله على زعمهم الفاسد. ومن أعماله الشنيعة ما قام بإعلانه في برقة: من أراد العطاء فليأت إلينا, فحضر إليه من الغد ألف رجل, فأمر بهم فقتلوا جميعًا, ثم وضع جثثهم بعضًا على بعض, وجيء له بكرسي فوضع على الجثث وجلس عليه, وأمر بالوجهاء من أهل البلد فدخلوا عليه فحبسهم وأهانهم, وقد مات منهم أناس من هول ما رأوا, وقال لهم: إن لم تأتوني غدًا بمائة ألف مثقال قتلتكم جميعًا, فأحضروها له. وانتقم من حارث ونزار ابني جمال المزاتي في نفر من أبناء عمومتهم في مدينة برقة, وباع نساءهم وأخذ جميع أموالهم وخيراتهم, وقد اغتم أهالي برقة من هذه الأفعال الشنيعة والأعمال القبيحة فأرسلوا إلى عبيد الله المهدي, فاعتذر الملعون وحلف يمينًا كاذبة أنه ما أمر بشيء من ذلك, وكتب إلى حباسة أن يرحل عن برقة فرحل إلى جهة مصر, وأتى أمورى أقبح مما كان يفعله في برقة( ). وفي سنة 302هـ تقدمت جيوش أبي القاسم الرافضي إلى الإسكندرية ولم ينل ما أراده ورجع مهزومًا, ذلك أن أبا القاسم أرسل قصيدة إلى بغداد يفخر فيها ببيته وبما وصل إليه ملكهم فرد عليه الصولي بقصيدة على وزنها ومنها: فلــو كانــت الدنيـا مثــالاً لطائـر لكان لكم منها بمـا حـزتم الــذنب فغضب من هذا البيت وقال: «والله لا أزال حتى أملك صدر الطائر ورأسه إن قدرت أو أهلك دونه»( ). ثورة أهل برقة على العبيديين: وفي هذه السنة 302هـ انتقم أهل برقة من العبيديين فقتلوا عاملهم وكثيرًا من رجال كتامة, فأرسل المهدي جيوشه سنة 303هـ لتأديبهم والانتقام منهم, وقاد هذه الجيوش أبو مديني ابن فروخ اللهيفي, وحاصر مدينة برقة ثمانية عشر شهرًا ودخلها سنة 304هـ عنوة, فقتل أكثر أهلها, وأحرق دورها, وهتك أعراض نساءها وبعث بالأسرى إلى عبيد الله الذي أمر بقتلهم, وبقى أبو مديني ببرقة إلى أن مات بها سنة 306هـ( ). وفي سنة 304هـ حارب العبيديون أهل صقلية وغزوا مصر في ذي القعدة سنة 306هـ واستولوا على الإسكندرية وأكثر الصعيد ولم يستقروا بل رجعوا. وفي سنة 308هـ تم بناء المهدية وانتقل إليها المهدي, وفي سنة 310هـ خرجت نفوسة على عبيد الله وقدموا عليهم أبابطة, فقوى شأنه وعظمت شوكته وكان مذهبهم إباضيًا فأرسل إليهم عبيد الله جيشًا بقيادة علي بن سليمان الداعي فانهزم جيش العبيديين وفر علي إلى طرابلس, ثم أعاد الكرة على نفوسة وحاصروها. وعيَّن محمد بن عمر النفطي قاضيًا على طرابلس, واستطاعت الدولة العبيدية أن تفرد نفوذها بقوة السلاح على إفريقية, وطرابلس, وبرقة, وجزيرة صقلية في حكم عبيد الله المهدي.

المبحث الثالث خروج أبي يزيد الخارجي على العبيديين

هو مخلد بن كيداد اليفرني بن سعد الله بن مغيث بن كرمان بن مخلد بن عثمان بن يفرن, ويفرن هذا أخو مغراو الذي تنسب إليه قبيلة مغراوة, وأمه أم ولد واسمها سيكة, وهي من بلاد السودان التي كان يتردد عليها والده للتجارة فاتخذها جارية له( ). وعاش أبو يزيد فقيرًا وطلب المذهب الخارجي فتتلمذ على النكارية( ), وكان في أول أمره معلمًا لتحفيظ القرآن الكريم, وقضى معظم وقته في التعليم وظهر في بداية أمره بمظهر الزهاد, فكان يركب حمارًا ينتقل به بين القبائل والجبال فلقب بصاحب الحمار, وتذكر بعض كتب التاريخ أنه لما قاد الثورة ضد العبيديين كانت سنه تقارب التسعين, واستغل العداء بين زناتة والعبيديين وما مارسته دولة الروافض من أخذ الضرائب حتى فاقوا في ظلمهم الأغالبة واشتدت معارضة البرابرة بعد أن أعلن الروافض لعن الشيخين «أبي بكر وعمر رضي الله عنهما» على المنابر وفي المنتديات والحلقات وفي خطب الجمعة, فبدأ أبو يزيد في إعداد العدة في منطقة الجريد وأشغل الشمال الإفريقي بحروب طاحنة, وكانت بداية ثورته في زمن عبيد الله في جهات طرابلس وتابعه كثير من البرابرة من شدة جور محمد بن عبيد الله المهدي لأهل السنة, وظلمه لهم, وتعذيبه إياهم, ورأى علماء أهل السنة الوقوف مع أبي يزيد ضد بني عبيد وقال: هم أهل القبلة -أي أصحاب أبي يزيد- وأولئك ليسوا من أهل القبلة -وهم بنو عدو الله-( ), وسمى أبو يزيد نفسه شيخ المؤمنين, وكان يضمر لأهل السنة أشد العداوة, لأنه كان نكاريًا( ) يستحل أموال أهل السنة ونساءهم, فانتهز كراهية أهل السنة لمحمد بن عبيد الله وأخفى عليهم عقيدته وأظهر لهم صداقته, ولما رأى القدرة من نفسه غدر بأهل السنة وخلى بينهم وبين محمد بن عبيد الله يقتلهم ويستبيح نساءهم ويغتصب أموالهم, ولولا أنه خاف أن يقال عنه قتل خلفاءه وأعوانه فينفض الناس من حوله لفعل بأهل السنة الأعاجيب. ومع ذلك فقد فُضِح أمره وانفض الناس من حوله, وكان أبو يزيد الخارجي قاسي القلب, جبارًا عنيدًا, قال الشيخ طاهر الزاوي: «تدل أفعاله على نبذ الأديان, وعدم احترام الإنسانية, دخل القيروان بعد أن خرب البلاد, وقتل الرجال, وسبى النساء وشق فروجهن, وبقر بطون الحوامل, والتجأ الناس إلى القيروان حُفاة عُراة, ومات كثير منهم عطشًا وجوعًا, وشكا إليه بعض الناس ما حل بالبلاد من خراب, فقال لهم في سخرية واستهزاء: «وما يكون لو خربت مكة والبيت المقدس»( ). وهكذا إذا غابت العقيدة السليمة, وغاب التصور الصحيح, والمنهج الرباني يصبح الإنسان وحشًا مفترسًا في حروبه لا منهج يلزمه, ولا عقل يمنعه, ولا شرع يوجهه. إن عقيدة أبا يزيد الخارجي الفاسدة جعلته جبارًا عنيدًا وغادرًا ومفسدًا لا يراعي عهدًا ولا ذمة لأحد, وهذا دليل على انطماس الفطرة, وانغماسه في وحول المستنقعات النتنة البعيدة عن نور الوحيين «كتاب الله وسنة رسوله ×». واستطاع العبيديون الروافض القضاء على ثورة أبي يزيد في زمن إسماعيل محمد المهدي الملقب «بالمنصور» حيث استطاع المنصور أن يوقع بجيوش أبي يزيد خسائر فادحة في الأموال والرجال, وتابعه حتى تمكن منه بعد جهد جهيد وظفر به مثخنًا بجراحه ومات متأثرًا بها, فسلخ المنصور جلده وحشاه تبنًا وصلبه»( ). وقال العبيديون في هذا الموقف شعرًا نظمه علي بن محمد الأيادي الشاعر: فارتقى الملعون من خيفته في ذرى أعيط عال مُصعد

في ذرى حلقاء ملساء على ذلك المعقل ليست بصدد

معقل من فوقه الله ومن تحته المنصور في جيش معد

فارتقى المنصور بالسيف له يوم طعن كشآبيب البرد

فإذا مخلد في كف الردى موثق الجيد بحبل من مسد

فأبى الله سوى إعجاله وعذاب الله للجسم أهد

فنفى عنه أيد ما دنسًا كان قد أسرف فيه ومرد

كأديم التيس لما لم يطب ريحه جرد منه فانجرد

وحشاه سالخوه سعفًا ماليًا ما بين كعب وكند

ثم رقاه على مستحصد باسق أجرد ما فيه أود

وبقى مصلوبًا حتى تمزق جلده وأذرته الرياح, وكان ذلك في المحرم سنة 336هـ, وواصل ابنه الثورة مطالبًا بثأر أبيه, فأرسل إليه المنصور قائده زيري بن مناد( ) فقتله, وانتهى أمر أبي يزيد الخارجي وابنه. لم تكن ثورة أبي يزيد ذات خطة واضحة, ولم تكن لها أهداف لتكوين دولة, حيث إنه استطاع بجيوشه أن يكبل العبيديين خسائر فادحة, وينتزع منهم الملك ويحاصرهم في المهدية, ومع هذا وقف حائرًا فأساء السيرة مع كثير من القبائل, ففقدت الثقة فيه وانفضت من حوله, وإنما الواضح في ثورته الانتقام وسفك الدماء من مخالفيه بطريقة وحشية همجية تدل على قلب حقود لكل من يخالفه, واستغرقت هذه الثورة النارية أربعة عشر عامًا انشغلت بها دولة العبيديين الروافض. ولعل هذا من سنة الله في تسليط بعض الظالمين على بعض, حيث قتل الألوف من أتباع الطرفين وفقد الأمن والأمان في الشمال الإفريقي.

  • * *

المبحث الرابع القائم بأمر الله الخليفة الثاني الرافضي أبو القاسم نزار بن عبيد الله (322-334هـ , 934- 945م) هو أبو القاسم محمد بن المهدي بن عبيد الله, ولد في سلمية سنة ثمان وسبعين ومائتين, بويع له بخلافة الروافض في سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة. وكان مهيبًا شجاعًا قليل الخير, فاسد العقيدة, خرج عليه في سنة اثنتين وثلاثمائة أبو يزيد مخلد بن كيداد البربري الخارجي, وجرت بينهما ملاحم وحروب, وحصره مخلد بالمهدية, وضيق عليه واستولى على بلاده ثم وسوس القائم, واختلط وزال عقله, وكان شيطانًا مريدًا يتزندق فأظهر سب الأنبياء, وكان أتباعه يصيحون: العنوا الغار وما حوى. وأباد عددًا من العلماء, وكان يراسل قرامطة البحرين, ويأمر بإحراق المساجد والمصاحف. واستغل أبو يزيد الخارجي كفر أبي القاسم وألب عليه إباضية المغرب وجموع القبائل وفقهاء وزهاد القيروان, وكاد أن يتملك أبو يزيد المغرب بأجمعه وركزت ألويته عند جامع القيروان فيها: لا إله إلا الله لا حكم إلا لله, وعلمان أصفران فيهما: نصر من الله وفتح قريب, وعلم لأبي يزيد فيه: اللهم انصر وليك على من سب نبيك( ). وكان القائم العبيدي يقذف الصحابة علنًا ويطعن في النبي × حتى إنه أمر بتعليق رؤوس كباش على الحوانيت, وكتب عليها إنها رؤوس الصحابة, وبسبب كفرهم وطغيانهم قال الشاعر في بني عبيد: الماكر الغادر الغاوي لشيعته شرُّ الزنادقة من صحب وتُبَّاع

العابدين إذاً عجلاً يخاطبهم بسحر هاروت من كفر وإبداع

لو قيل للروم أنتم مثلهم لبكوا أو لليهود لسدوا صمخ أسماع( )

المبحث الخامس الخليفة الشيعي الرافضي الثالث في الشمال الإفريقي المنصور بنصر الله أبو طاهر إسماعيل (334- 341هـ ، 945- 952م) هو أبو الطاهر إسماعيل بن القائم المهدي, العبيدي الباطني صاحب المغرب. تولى خلافة الروافض بعد أبيه, وهو الذي قضى على ثورة أبي يزيد الخارجي النكاري. قال عنه الذهبي: «وكان بطلاً شجاعًا, رابط الجأش, فصيحًا مفوهًا يرتجل الخطب, وفيه إسلام في الجملة وعقل بخلاف أبيه الزنديق»( ). قلت: وقول الذهبي: وفيه إسلام في الجملة فيه نظر. وذكر الذهبي شيءًا من كرمه فقال: «وقد جمع مرة من أولاد جنده ورعيته عشرة آلاف صبي, وكساهم كسوة فاخرة, وعمل لهم وليمة لم يسمع قط بمثلها, وختنهم جميعًا, وكان يهب للواحد منهم المائة دينار والخمسين دينارًا على أقدامهم. ومن محاسنه أنه ولى محمد بن أبي المنظور الأنصاري قضاء القيروان, وكان من كبار أصحاب الحديث, ولقد لقى إسماعيل القاضي, والحارث بن أبي أسامة, فقال: بشرط أن لا آخذ رزقًا ولا أركب دابة, فولاه يتألف الرعية, فأحضر إليه يهودي قد سب فبطحه, وضربه إلى أن مات تحت الضرب لعلمه أنه لو رفع إلى المنصور لا يقتله فضربه القاضي مظهرًا ضرب الأدب حتى قتله»( ). توفي في سنة إحدى وأربعين ومائة بسبب برد وريح عظيمة أصابته مع جنوده وحاشيته عندما كان يتنزه. وكان يتودد إلى رعيته واقتصر على إظهار التشيع, وقام بعده المعز ولده( ).

المبحث السادس المعــــــز لدين الله أبو تميــم ســـــعد ذو الحجة 341- ربيع 362هـ

هو معد بن إسماعيل المنصور, وكنيته أبو تميم, ولد بالمهدية في 11 من رمضان سنة 319هـ, وعهد له والده بالخلافة بعده وجلس على سرير الملك من ذي الحجة سنة 341هـ, وهو الخليفة العبيدي الرابع الذي حكم الشمال الإفريقي. واستطاع أن يمد نفوذه على معظم الشمال شرقًا وغربًا, ففي سنة 342هـ ولى باسيل الصقلي عاملاً على سرت, وولى على إجدابية ابن كافي الكتامي, وولى على برقة وأعمالها أفلح الناسب. وتوسعت أملاكه في صقلية سنة 354هـ, وفي أيامه دخل اليهود إفريقية, وأصبحت حدود مملكته إلى حدود مصر, ومن ثم استطاع أن يتابع أحوال الحكام والأمراء في مصر عن كثب, وأصبحت نفسه تسول له الاستيلاء على مصر, وبموت كافور الإخشيدي في سنة 355هـ اضطربت الديار المصرية, فاقتنص المعز الفرصة ولم يجعلها تمر مر السحاب, فعزم ودبر وأقدم على حفر الآبار والقصور فيما بين القيروان إلى حدود مصر, وحشد الجيوش العظيمة, وجمع الأموال الجزيلة, واختار جوهر الصقلي قائدًا لتلك الجيوش التي كانت تزيد على مائة ألف, وأمر المعز كل أمرائه أن يسمعوا ويطيعوا ويترجلوا في ركاب الصقلي, وتحركت الجيوش العبيدية لنقل المذهب الباطني إلى مصر ليتخلص من الأزمات والثورات والصراعات العنيفة التي قادها علماء السنة في خمسة عقود متتالية في الشمال الإفريقي, رافضين المذهب الإخشيدي التابع للدولة العباسية في مصر, فرمى بسهامه المسمومة إليها, ودفع إليها جيوشه المحمومة طالبًا من أعوانه وشياطينه أن يقضوا على الخلافة العباسية الأبية ذات التوجهات السنية. وقد حاول المعز أن يضم الأندلس السنية إلا أن رجالها البواسل منعوه من أن يصل إلى هدفه, وفي جمادى الآخرة سنة 358هـ استطاعت جيوش المعز دخول مصر بقيادة خادمه جوهر الصقلي الذي لم يجد أي عناء في ضمها لأملاك العبيديين. وجوهر الصقلي هذا هو الذي بنى الأزهر سنة 361هـ ليكون منبرًا من منابر العبيديين الروافض في بث معتقداتهم الباطلة وأفكارهم الفاسدة, ثم تحول بفضل الله ثم جهود صلاح الدين الأيوبي الذي قضى على العبيديين في مصر إلى قلعة من قلاع أهل السنة, ودخلت جيوش العبيديين على دمشق سنة 358هـ بقيادة جعفر بن خلاف أحد قواد العبيديين( ). رحلة المعز إلى مصر: وبعد أن مهدت مصر للمعز العبيدي جهز جيوشه وحاشيته وأهله وأمواله, وسار مفارقًا شمال إفريقيا إلى مصر, ليتولى أمرها, فأسند زعامة الشمال الإفريقي إلى الأمير الصنهاجي بلكين ابن زيري وضم المعز إلى مصر كلاً من طرابلس وسرت وبرقة, وكان معه شاعره الملحد الذي غالى في مدح المعز محمد بن هانئ الأندلسي الذي قال: فكأنما أنت النبي محمد وكأنما أنصارك الأنصار

ما شئت أنت لا ما شاءت الأقدار الأقدار فاحكم فأنت الواحد القهار

هذا الذي تجدي شفاعته غدًا حقًا وتخمد أن تراه النار

ومن شعره في المعز: النور أنت وكل نور ظلمة والفوق أنت وكل فوق دون

فارزق عبادك فضل شفاعة واقرب بهم زلفى فأنت مكين

ومنه: تدعوه منتقمًا عزيزًا قادرًا غفارًا موبقة الذنوب صفوحًا

أقسمت لولا أن دعيت خليفة لدعيت من بعد المسيح مسيحًا

شهدت بمفخرك السموات العلا وتنزل القرآن فيك مديحًا

ومنه: وعلمت من مكنون سر الله ما لم يؤت في الملكوت ميكائيلا

لو كان آتى الخلق ما أوتيته لم يخلق التشبيه والتأويلا

وكان المعز وكذلك أجداده يستمعون إلى مثل هذه الكفريات ولا ينكرونها ويقرونهم عليها, وكانت بداية رحلة المعز نحو مصر في 362هـ. وقتل الملحد الكافر ابن هانئ في برقة «مقبرة الملاحدة» في رجب سنة 362هـ, وهو في الثانية والأربعين من عمره, ووجدوا جثته مرمية رمي الكلاب على ساحل بحر برقة. وتأسف المعز على قتله وقال: هذا الرجل كنا نرجو أن نفاخر به شعراء المشرق فلم يقدر لنا ذلك( ), واستمر المعز في سيره, حتى قارب الحدود المصرية, ووصل الإسكندرية يوم 23 من شعبان سنة 362هـ واستقبله وفود عظيمة من أعيان القادة والزعماء والحكام في مصر. وامتد ملك المعز من سبتة بالمغرب إلى مكة بالمشرق يأتمر بأوامره سكان سواحل المحيط الأطلنطي. وبقى المعز في مصر سنتين ونصفًا, وتوفى بالقاهرة في السابع من ربيع الأول سنة 365هـ, ودامت ولايته بإفريقية ومصر ثلاثًا وعشرين سنة( ). قال الشيخ طاهر الزاوي -رحمه الله-: «ودامت دولة الفاطميين 260 سنة, منها اثنتان وخمسون سنة بالمغرب, ومائتان وثماني سنوات بمصر, وعدد خلفائها أربعة عشر خليفة, أولهم عبيد الله المهدي, وآخرهم العاضد الذي توفى بمصر يوم عاشوراء سنة 567هـ, وبموته انقرضت دولة الفاطميين من المشرق والمغرب. والملك لله وحده يؤتيه من يشاء وينزعه ممن يشاء»( ). قال الذهبي -رحمه الله-: «ظهر في هذا الوقت الرفض, وأبدى صفحته وشمخ بأنفه في مصر والشام والحجاز والمغرب بالدولة العبيدية, وبالعراق والجزيرة والعجم بني بويه, وكان الخليفة المطيع ضعيف الرتبة مع بني بويه وضعف بدنه ثم أصابه فالج, وخرس فعزلوه وأقاموا ابنه الطائع لله, وله السكة والخطبة, وقليل من الأمور فكانت مملكة المعز أعظم وأمكن( ). وكان المعز شاعرًا, ومن شعره: لله ما صنعت بنا تلك المحاجر في المعاجر ( )

أمضى وأقضي في النفو س الخناجر في الحناجر

ولقد تعبت ببينكم تعب المهاجر في الهواجر ( )

وقال الذهبي -رحمه الله- في المعز: «وعاش ستًا وأربعين سنة وكان مولده بالمهدية ودفن بالمعزية بالقاهرة في عام خمس وستين وثلاثمائة»( ).

  • * *

المبحث السابع جرائم العبيديين في الشمال الإفريقي

لقد ارتكب الباطنيون الروافض الشيعة في أهالي الشمال الإفريقي من أهل السنة ما تشيب منه الولدان ولا تصدقه العقول, وأنزلوا غضبهم وصبوا سخطهم على العلماء خاصة: 1- فعندما ادعى عبيد الله الرسالة أحضر فقيهين من فقهاء القيروان وهو جالس على كرسي ملكه وأوعز إلى أحد خدمه, فقال للشيخين: «أتشهدان أن هذا رسول الله؟ فقالا بلفظ واحد: والله لو جاءنا هذا والشمس عن يمينه والقمر عن يساره يقولان: إنه رسول الله, ما قلنا ذلك. فأمر بذبحهما»( ) وهذا الشيخان المغربيان هما: ابن هذيل وابن البردون. قال الذهبي عن ابن بردون: «هو الإمام الشهيد المفتي, أبو إسحاق, إبراهيم بن البردون الضبي مولاهم الإفريقي المالكي, تلميذ أبي عثمان الحداد»( ). وطلب منه لما جرد للقتل: أترجع عن مذهبك؟ قال: أعن الإسلام أرجع؟ وقيل: في سنة تسع وتسعين ومائتين( ) إن عبيد الله المهدي الزنديق لم يدع الرسالة فحسب, بل سمح لأتباعه أن يغرقوا في كفرهم حتى ألهوه فقد كانت أيمانهم المغلظة: «وحق عالم الغيب والشهادة, مولانا الذي برقادة». ومن أهم ما ادعى معرفة الغيب, والغيب لا يعلمه إلا الله, وهذا الأمر من خصوصيات الألوهية, فمن ادعاه لغير الله يقع في الشرك والكفر العظيم, قال تعالى: +وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ" [الأنعام: 59]. +قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ"

[النمل: 65].

كما أن الحلف لا يكون بمخلوق وإنما يكون بالخالق, قال رسول الله ×: «من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت...» وجاءت الأحاديث في النهي عن الحلف بالآباء( ). 2- لقد كان شعراء الدولة العبيدية يمدحون خلفاءهم إلى درجة الكفر البواح وينشرونها بين الناس, وقد ظهر ذلك في شعر ابن هانئ الأندلسي في مدحه للمعز وكان أحد شعرائهم, مدح عبيد الله فقال: حل برقادة المسيح حل بها آدم ونوح

حل بها الله ذو المعالي فكل شيء سواه رايح ( )

كما شبه شعراؤهم المهدية بمكة المكرمة وقصر المهدي بالكعبة. هي المهدية الحرم الموقى كما بتهامة البلد الحرام

وإن لثم الحجيج الركن أضحى لنا بعراص قصركم التثام ( )

3- شنوا حربًا نفسية على أهل السنة وذلك بتعليق رؤوس الأكباش والحمير على أبواب الحوانيت والدواب, وكتبوا عليها أسماء الصحابة رضي الله عنهم, (لعنهم الله أنى يؤفكون), وأظهروا سب الصحابة رضي الله عنهم, وطعنوا فيهم وزعموا أنهم ارتدوا بعد النبي × وخصصوا دعاة للنداء بذلك في الأسواق. ومن ذكر الصحابة بخير أو فضل بعضهم على علي  قتل أو سجن( ). 4- عمل العبيديون على إزالة آثار بعض من تقدمهم من الخلفاء السنيين؛ ولذلك أصدر عبيد الله أمرًا بإزالة أسماء الحكام الذين بنوا الحصون والمساجد, وجعل اسمه بديلاً منهم, واستولى هذا الرافضي الخبيث على أموال الأحباس وسلاح الحصون, وطرد العباد والمرابطين بقصر زياد الأغلبي وجعله مخزنًا للسلاح( ). 5- حرص العبيديون على منع التجمعات خوفًا من الثورة والخروج عليهم؛ ولذلك جعلوا بوقًا يضربونه في أول الليل, فمن وجد بعد ذلك ضرب عنقه, كما أنهم كانوا يفرقون الناس الذين يجتمعون على جنازة من يموت من العلماء( ). وهذا الفعل لا يزال مستمرًا في الأنظمة القمعية البوليسية التي لا ترى إلا ما يراه حاكمها وطاغوتها وفرعونها +مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ" [غافر: 29]. 6- أتلفوا مصنفات أهل السنة, ومنعوا الناس من تداولها كما فعلوا بكتب أبي محمد بن أبي هاشم التجيبي (ت 346هـ) الذي توفي وترك سبعة قناطير كتب, كلها بخط يده, فرفعت إلى سلطان بني عبيد فأخذها «ومنع الناس منها كيدًا للإسلام وبغضًا فيه»( ). 7- حرموا على الفقهاء الفتوى بمذهب الإمام مالك, واعتبروا ذلك جريمة يعاقب عليها بالضرب والسجن أو القتل أحيانًا, ويعقب ذلك نوع من الإرهاب النفسي, حيث يدار بالمقتول في أسواق القيروان وينادي عليه: «هذا جزاء من يذهب مذهب مالك», ولم يبيحوا الفتوى إلا لمن كان على مذهبهم كما فعلوا بالفقيه المعروف بالهزلي «أبو عبد الله محمد بن العباس بن الوليد» المتوفي عام تسع وعشرين وثلاثمائة( ). 8- منعوا علماء أهل السنة من التدريس في المساجد, ونشر العلم, والاجتماع بالطلاب, فكانت كتب السنة لا تقرأ إلا في البيوت خوفًا من بني عبيد, فكان أبو محمد بن أبي زيد, وأبو محمد بن التبان وغيرهما, يأتيان إلى أبي بكر بن اللباد, شيخ السنة بالقيروان في خفية, ويجعلان الكتب في أوساطهما حتى تبتل بالعرق خوفًا من بني عبيد»( ). وهذا المسلك لا زالت الدول القمعية في العالم الإسلامي تمارسه على شعوبها فبعضها تمنع هذا الأمر كليًا, وبعضها تسمح ببعض أمور الدين التي لا تصطدم مع مصالح الدول الكبرى. 9- أجبروا الناس على الدخول في دعوتهم فمن أجاب تركوه, وربما ولوه بعض المناصب, ومن رفض قُتل, كما فعلوا عقب أول جمعة خطبها عبيد الله بالقيروان, وقعت بين الدولة العبيدية وأهل القيروان مقتلة عظيمة, فأمر الشيعي بالكف عن العوام, وافتعل مناظرات صورية, فدارت على علماء السنة محن عظيمة, وقتل منهم عدة آلاف بسبب تمسكهم بإسلامهم ودفاعهم المستميت عن السنة, قال القابسي: «إن الذين ماتوا في دار البحر -سجن العبيديين- بالمهدية من حين دخل عبيد الله إلى الآن أربعة آلاف رجل في العذاب, ما بين عالم وعابد ورجل صالح»( ), هذا عدا من كانوا يقتلون دون سجن ويمثل بهم في شوارع القيروان, فأثر ذلك على سير الحياة العلمية, وقد خمل ذكر كثير من العلماء الذي آثروا اعتزال الفتنة, مثل أبي محمد الورداني( ), ومع ذلك فإن هذه المحنة لم تزد أهل الشمال الإفريقي إلا عزيمة وصبرًا واحتسابًا وتمسكًا بأصول أهل السنة والجماعة( ). 10- عطلوا الشرائع, وأسقطوا الفرائض عمن تبع دعوتهم حيث يتم إدخالهم إلى داموس ويدخل عليهم عبيد الله لابسًا فروًا مقلوبًا, دابًا على يديه ورجليه, فيقول لهم: «بَحْ» ثم يخرجهم ويفسر لهم هذا العمل بقوله: «فأما دخولي على يدي ورجلي فإنما أردت بذلك أن أعلمكم أنكم مثل البهائم لا شيء, لا وضوء, ولا صلاة, ولا زكاة, ولا أي فرض من الفروض, وسقط جميع ذلك عنكم, وأما لبس الفرو مقلوبًا فإنما أردت أن أعلمكم أنكم قلبتم الدين, وأما قولي لكم بَحْ, فإنما أردت أن أعلمكم أن الأشياء كلها مباحة لكم من الزنى وشراب الخمر....» ( ). ويعجبني في هذا المقام ما قاله شاعر أهل السنة في الشمال الإفريقي أبو القاسم الفزاري في هجاء بني عبيد: عبدوا ملوكهم وظنوا أنهم نالوا لهم سبب النجاة عمومًا

وتمكن الشيطان من خطواتهم فأراهم عوج الضلال قويمًا

رغبوا عن الصديق والفاروق في أحكامهم لا سلموا تسليمًا

واستبدلوا بهما ابن أسود نابحًا وأبا قدرة واللعين تميمًا

تبعوا كلاب جهنم وتأخروا عمن أصارهم الإله نجومًا

ياليت شعري من هم إن جهلوا دنيا, ومن هم إن عددت صميمًا

أمن اليهود؟ أم النصارى؟ أم هم دهرية جعلوا الحديث قديمًا

أم هم من الصابين أم من عصبة عبدوا النجوم وأكثروا التنجيما

أم هم زنادقة معطلة رأوا أن لا عذاب غدًا ولا تنعيمًا؟

أم عصبة ثنوية قد عظموا النورين عن ظلماتهم تعظيمًا؟

من كل مذهب فرقة معلومة أخذوا بفرع وادعوه أروما ( )

وستأتي قصيدته الرائية التي هجا فيها بني عبيد وكيف نجاه الله منهم بإذن الله تعالى. 11- زادوا في الأذان: «حي على خير العمل», وأسقطوا من أذان الفجر «الصلاة خير من النوم», ومنعوا الناس من قيام رمضان, وليس شيء أشد على بني عبيد من هذه الصلاة, ومنعوا صلاة الضحى, وقدموا صلاة الظهر لفتنة الناس, أما خطبة الجمعة فقد أظهروا فيها سب الصحابة وضروبًا من الكفر, فتركها الناس, وأقفرت المساجد في زمانهم, وكان بعض أئمتهم يصلون إلى رقادة, فلما انتقل عبيد الله إلى المهدية صلوا إليها( ), وكثيرًا ما كانوا يجبرون الناس على الفطر قبل رؤية هلال شوال( ) بل قتلوا من أفتى بأن لا فطر إلا مع رؤية الهلال كما فعلوا بالفقيه محمد بن الحبلي قاضي مدينة برقة. قال الذهبي رحمه الله في ترجمته: «الإمام الشهيد قاضي مدينة برقة, محمد بن الحبلي. أتاه أمير برقة, فقال: غدًا العيد, قال: حتى نرى الهلال, ولا أفطر الناس, وأتقلد إثمهم, فقال: بهذا جاء كتاب المنصور, وكان هذا من رأي العبيدية يفطرون بالحساب, ولا يعتبرون رؤية فلم ير هلال, فأصبح الأمير بالطبول والبنود وأهبة العيد, فقال القاضي: لا أخرج ولا أصلي, فأمر الأمير رجلاً خطب, وكتب بما جرى إلى المنصور, فطلب القاضي إليه, فأحضر, فقال له: تنصل, وأعفو عنك, فامتنع, فأمر, فعلق في الشمس إلى أن مات, وكان يستغيث من العطش, فلم يسق, ثم صلبوه على خشبة. فلعنة الله على الظالمين»( ). 12- من جرائم عبيد الله الكثيرة أن خيله دخلت المسجد, فقيل لأصحابها: كيف تدخلون المسجد؟ فقالوا: إن أرواثها وأبوالها طاهرة, لأنها خيل المهدي, فأنكر عليهم قيم المسجد, فذهبوا به إلى المهدي فقتله, يقول ابن عذارى: وامتحن عبيد الله في آخر حياته بعلة قبيحة: دود في آخر مخرجه يأكل أحشاءه فلم يزل به حتى هلك»( ). إن أجيال المسلمين الذي يقرؤون تاريخ العبيديين لا يعلمون إلا ما كتب لهم عن التاريخ السياسي لهذه الدولة, ذهب فلان وخلفه فلان, وأنها دولة تحب العلم وتنشره, والمقصود نشر كتب الفلاسفة ولكن لا أحد يذكر -عدا الذين ترجموا للعلماء- بطش هؤلاء الأوغاد الظلمة بالعلماء من أهل السنة, بل إن الطلبة الذين يدرسون التاريخ الإسلامي يذكرون معد بن إسماعيل الملقب بالمعز, يذكرونه وكأنه بطل من أبطال التاريخ( ). وهذا كله نتيجة لغياب التفسير العقدي الإسلامي لتاريخنا, بل إن المؤرخين الذين كتبوا لنا التاريخ تأثروا بمدارس الاستشراق أو بالفكر الشيعي, أو بذلت لهم أموال لطمس الحقائق التي لابد من بيانها للأجيال الصاعدة لتعرف عدوها من صديقها, ولتعرف أن الأفكار لا تموت, وإنما تتغير الأشكال والوجوه والمسوح, وأن هؤلاء الملاعين من أعداء الإسلام لا يزالون يعملون سرًا وإعلانًا, ليلاً ونهارًا للقضاء على العقيدة البيضاء الناصعة التي تلقفتها جموع أهل السنة والجماعة من الحبيب المصطفى × وأصحابه الغر الميامين الطاهرين الطيبين رضي الله عنهم أجمعين.

  • * *

المبحث الثامن موقف علماء أهل السنة وأساليب المقاومة لقد قاوم علماء أهل السنة المد العبيدي الرافضي بكل الأساليب المتاحة لهم من حجة وتعليم ودعوة وحمل للسلاح ضد الطغاة الظالمين, وتمحورت طرقهم في عدة أساليب منها: 1- صمود العلماء والفقهاء ضد أعمال العبيديين وتحملهم للأذى والسجن والقتل مما ساهم في تثبيت عوام المسلمين على عقيدة أهل السنة, وقد عمل العبيديون على إخلاء الساحة من العلماء بالترغيب وضمهم في دعوتهم أو بالترهيب حتى يسقط العامة. 2- قاطع العلماء جميع مؤسسات الدولة العبيدية؛ فلا يختصمون إلى قضائهم, ولا يصلون وراء أئمتهم, ولا يأتون مهنئين, ولا معزين, ولا يتوارثون معهم, ولا يصلون على موتاهم, ولا يناكحونهم( ). وبرز في هذا العمل الجليل العلامة الفقيه أبو يوسف جلبة بن حمود بن عبد الرحمن الذي قاطع العبيديين علانية في أول خطبة لبني عبيد في جامع القيروان, فعندما سمع ما لا يجوز سماعه قام قائمًا وكشف عن رأسه حتى رآه الناس ومشى إلى آخر باب في الجامع –جامع القيروان- والناس ينظرون إليه حتى خرج من الباب وهو يقول: قطعوها قطعهم الله, فمن حينئذ ترك العلماء حضور جمعتهم وهو أول من نبه على ذلك( ). 3- حصن علماء أهل السنة أهل الشمال الإفريقي بالفتاوى التي أوضحت كفر بني عبيد, وأنهم ليسوا من أهل القبلة, كما كفروا من دخل في دعوتهم راضيًا, ومن خطب لهم في دعوتهم, وقد انتشرت هذه الفتاوى, وعرفها الخاص والعام, فكانت حاجزًا منيعًا بين العوام, وبين التردي في دعوة الرافضة( ). ومن أشهر هؤلاء العلماء الذين حصنوا الأمة بمنهج أهل السنة والجماعة في الشمال الإفريقي في تلك الفترة الحرجة الشيخ أبو إسحاق السبائي رحمه الله, والذي رأى أن الخوارج من أهل القبلة فاجتهد في الوقوف معهم ضد الكفرة العبيديين. قال الشيخ الفقيه أبو بكر بن عبد الرحمن الخولاني: «خرج الشيخ أبو إسحاق السبائي -رحمه الله تعالى- مع شيوخ إفريقية إلى حرب بني عدو الله مع أبي يزيد, فكان أبو إسحاق يقول –وهو يشير بيده إلى عسكر أبي يزيد- : هؤلاء من أهل القبلة وهؤلاء ليسوا من أهل القبلة يريد عسكر بني عدو الله, فعلينا أن نخرج مع هذا الذي من أهل القبلة لقتال من «هو» على غير القبلة –وهم بنو عدو الله- فإن ظفرنا «بهم» لم ندخل تحت طاعة أبي يزيد؛ لأنه خارجي, والله عز وجل يسلط عليه إمامًا عادلاً فيخرجه من بين أظهرنا ويقطع أمره عنا». والذين خرجوا معه من الفقهاء والعباد: أبو العرب بن تميم, وأبو عبد الملك مروان بن نصروان, وأبو إسحاق السبائي, وأبو الفضل المسمى, وأبو سليمان ربيع القطان( ). وكان ربيع القطان أول من شرع في الدعوى إلى الجهاد ضد العبيديين وندب الناس وحضهم عليه. ولما حضرت صلاة الجمعة طلع «الإمام» على المنبر, وهو أحمد بن محمد بن أبي الوليد وخطب خطبة أبلغ فيها, وحرض الناس على الجهاد وأعلمهم بما لهم فيه من الثواب, وتلا هذه الآية: +لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ" [النساء:95]. يا أيها الناس جاهدوا من كفر بالله, وزعم أنه رب من دون الله تعالى وغيَّر أحكام الله عز وجل, وسب نبيه وأصحاب نبيه وأزواج نبيه. فبكى الناس بكاء شديدًا, وقال في خطبته: «اللهم إن هذا القرمطي الكافر المعروف بابن عبيد الله المدعي الربوبية من دون الله, جاحدًا لنعمك, كافرًا بربوبيتك, طاعنًا على أنبيائك ورسلك, مكذبًا لمحمد نبيك وخيرتك من خلقك, سابًا لأصحاب نبيك, وأزواج نبيك أمهات المؤمنين, سافكًا لدماء أمته, منتهكًا لمحارم أهل ملته, افتراء عليك, واغترارًا بحلمك, اللهم فالعنه لعنًا وبيلاً, واخزه خزيًا طويلاً, واغضب عليه بكرة وأصيلاً, وأصله جهنم وساءت مصيرًا, بعد أن تجعله في دنياه عبرة للسائلين, وأحاديث في الغابرين, وأهلك اللهم شيعته, وشتت كلمته, وفرق جماعته, واكسر شوكته, واشف صدور قوم مؤمنين, ونزل فصلى الجمعة ركعتين وسلم, وقال: ألا إن الخروج غدًا يوم السبت إن شاء الله( ). وركب ربيع القطان فرسه وعليه آلة الحرب, وفي عنقه المصحف, وحوله جمع من الناس من أهل القيروان متأهبون معدون لجهاد أعداء الله, وعليهم آلة الحرب فنظر إليهم القطان, فسر بهم وقال: الحمد لله الذي أحياني حتى أدركت عصابة من المؤمنين اجتمعوا لجهاد أعدائك, وإعزاز دينك, يا رب بأي عمل وبأي سبب وصلت إلى هذا؟ ثم أخذ في البكاء حتى جرت دموعه على لحيته, ثم قال لهم: لو رآكم محمد رسول الله × لسُرَّ بكم, وقال في موطن آخر بعد أن أنصت الناس: +يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلِيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ" [التوبة:123] ثم قال: +أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ  قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ  وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ" [التوبة:13-15]. ثم أشار بيده وقال: اذكروا الله يذكركم, فكبر الناس, ومشى حتى بلغ الجامع ودخل في قتل أعداء الله حتى قتل سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة مقبلاً غير مدبر( ), واستشهد معه فضلاء وأئمة وعباد صالحون. 4- قاطع العلماء من استجاب وداهن العبيديين من الفقهاء وإن لم يدخل في دعوتهم؛ ولذلك أفتى العلماء بطرح كتب أبي القاسم البراذعي( ). 5- فتح العلماء والفقهاء بيوتهم للناس لفضح معتقدات الباطنية العبيدية, وكان أبو إسحاق السبائي يفتح داره ويأخذ في ذم العبيديين والتحذير منهم, وكان يكثر من ذكر فضائل الصحابة والثناء عليهم, وكانت داره كالمسجد لكثرة من يقصدها من الطلبة, وكذلك أحمد بن نصر الهواري, وأحمد بن يزيد الدباغ, واضطروا لذلك بعد أن منعهم العبيديون من التدريس في المساجد, واجتهد العلماء سرًا في تعميق عقائد أهل السنة وأصولهم وفقههم في قلوب أهل الشمال الإفريقي( ). وهكذا الدعاة الربانيون والفقهاء العاملون مهما ضيق الطغاة والظلمة العتاة فإنهم لابد أن يجدوا سبيلاً لتعليم الناس ودعوتهم إلى الرشاد. 6- اجتهد علماء أهل السنة في غرس منهج أهل السنة في أبناء الكتاميين والصنهاجيين والبرابرة الموالين للعبيديين, وذلك ما قام به العلامة أبو إسحاق الجبنياني وغيره, فإنهم كانوا يعلمون الأولاد الصغار أبناء حملة الدعوة العبيدية بحيل لطيفة وكانوا لا يأخذون منهم أجرًا, ترغيبًا لهم في الإقبال عليهم ( ). ويظهر من هذا أن الاهتمام بأبناء السياسيين والمفكرين العلمانيين ووزراء الدولة ومسئوليها وموظفيها في كل قطر ضرورة دعوية شرعية وحركية نحو إقامة شرع الله والتمكين لدينه, وأما العداء وقطع الطرق والوسائل للوصول إلى أوكار العلمانيين ونزع أبنائهم من صولة الشياطين فأمر لا يليق بأصحاب الدعوة من أهل السنة والجماعة. 7- ومن وسائل علماء أهل السنة في الذب عن عقائد السلف وسيلة المناظرة والجدال وإفحام الخصم أمام عوام الناس, وممن سجلت لنا كتب التاريخ مآثره النيرة في هذا المضمار العلامة الفقيه العالم الرباني أبو بكر القمودي الذي ناظر أبا العباس الشيعي مناظرة أفحمه فيها ( ). وإبراهيم بن محمد الضبي, وكان رجلاً صالحًا فقيهًا بارعًا في العلم وقتله بنو عبيد ظلمًا وزورًا. وبرز في المناظرة أبو محمد عبد الله بن التبان إلا أن أبا عثمان سعيد بن محمد الحداد كان أقدرهم في هذا الباب, فقد كانت له: «مقامات كريمة ومواقف محمودة في الدفاع عن الإسلام والذب عن السنة». أشهر مناظرات الإمام أبي عثمان سعيد بن الحداد: دعاه عبيد الله المهدي وبيَّن له عبيد الله حديث «غدير خم»: «من كنت مولاه فعلي مولاه» وهو حديث صحيح, فعطف عبيد الله -لعنة الله عليه- فقال لأبي عثمان: فما للناس لا يكونون عبيدنا؟ فقال له أبو عثمان: أعز الله السيد لم يرد ولاية الرق, وإنما أراد ولاية في الدين, قال: فقال الله عز وجل: +مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللهِ وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ  وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا الْمَلاَئِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ" [آل عمران: 80،79]. فما لم يجعله الله عز وجل لنبي لم يجعله لغير نبي, وعلي لم يكن نبيًا, وإنما كان وزير النبي ×, فقال عبيد الله له: انصرف لا ينالك أحد. ويذكر أن أبا عبد الله الشيعي قال له يومًا: القرآن يقر أن محمدًا ليس بخاتم النبيين. فقال له: في قوله: +وَلَكِن رَّسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ" [الأحزاب:40] فخاتم النبيين ليس رسول الله. فقال له سعد: هذه الواو ليست من واوات الابتداء, وإنما هي من واوات العطف كقوله عز وجل: +هُوَ الأوَّلُ وَالآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ" [الحديد:3] فهل (من) أحد يوصف بهذه الصفات غير الله عز وجل؟ وتكلم (عنده) يومًا فغضب من كلامه رجل من كتامة يعرف بأبي موسى شيخ المشايخ وقام إليه بالرمح فمنعه أبو عبد الله من ذلك, ثم عطف على أبي عثمان فقال له: يا شيخ, لا تغضب أتدري إذا غضب هذا (الشيخ) كم يغضب لغضبه, اثنا عشر ألف سيف. فقال أبو عثمان: ولكني (أنا) يغضب لغضبي (الله) الواحد القهار «الذي أهلك عادًا وثمود وأصحاب الرس وقرونًا بين ذلك كثيرًا»( ), وقد جمع الله للشيخ سعد الحداد جهارة الصوت وفخامة المنطق وفصاحة اللسان وصواب المعاني, وكان عالمًا باللغة والنحو, وإذا لحن في لفظة استغفر الله عز وجل, وكان إذا تكلف الشعر أجاده. وذات مرة خرج لمناظرة «أبي عبد الله الشيعي» فخرج معه أهله وولده وهم يبكون فقال لهم: لا تفعلوا لا يكون إلا خيرًا, حسبي من له خرجت, وعن دينه ذببت. فلما دخل على الشيعي في قصر إبراهيم بن أحمد وكان حوله جماعة من أصحابه وجماعة مما ينسب إليهم العلم, سلم ثم جلس, فقال أبو عبد الله الشيعي لإبراهيم بن يونس وقد قيل له: إن هذا الشيخ كان قاضيًا على هذه المدينة: بأي شيء كنت تقضي؟ فقال له إبراهيم: بالكتاب والسنة. فقال له أبو عبد الله: فما السنة؟ فقال (له) إبراهيم: السنة السنة. قال أبو عثمان: فلما سمعته على قوله «السنة.. السنة». قلت لأبي عبد الله: المجلس مشترك أو خاص؟ فقال: مشترك. فقال أبو عثمان: أصل السنة في كلام العرب المثال الذي يتمثل عليه, قال الشاعر: تريك سنة وجه غير مقرفة مأساء ليس بها خال ولا ندب

أي صورة وجه ومثاله. والسنة محصورة في ثلاث: الائتمار بما أمر الله به رسوله ×, والانتهاء عما نهى عنه, والائتساء به فيما فعل. قال الشيعي: فإن اختلف عليك فيما نقل إليك عن النبي × وجاءت به السنة من طرق؟. فقلت له: انظر إلى أصح الخبرين نقلاً فآخذ بأصحهما, وأطلب الدليل علىموضع الحق في أحد الحديثين, ويكون الأمر في ذلك كشهود عدول اختلفوا في شهادة, فلابد من طلب الدليل على موضع الحق من الشهادتين. فقال الشيعي: فلو استووا في الثبات؟. فقلت له: يكون إحداهما ناسخًا والآخر منسوخًا. قال: فمن أين قلتم بالقياس؟ فقلت له: قلنا ذلك من كتاب الله عز وجل. قال: فأين تجد ذلك؟. قلت: قال الله عز وجل في كتابه العزيز: +يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنْكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ" [المائدة: 95]. فالصيد معلومة عينه, والجزاء الذي أمرنا أن نمثله بالصيد (المعلومة) عينه ليس بمنصوص فعلمنا بذلك أن الله تعالى إنما أمرنا أن نمثل ما لم ينص ذكر عينه: بالقياس والاجتهاد ومنه قول الله عز وجل: +يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ" [المائدة:95]. فلم يكله إلى حاكم حتى جعلها اثنين: ليقيسا ويجتهدا, فقال أبو عبد الله الشيعي: ومن ذوا عدل؟ وأومأ «ذوا عدل» إنما هم قوم مخصوصون بنص الآية. قال: فقلت: هم الذين قال الله عز وجل فيهم في آية المراجعة +وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ" [الطلاق:2] ومثل ذلك في تثبيت القياس قوله عز وجل: +وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ" [النساء:83] والاستنباط غير منصوص. ثم عطف (أبو عبد الله الشيعي) على موسى القطان فقال له: أين وجدتم حد الخمر في كتاب الله تعالى؟ فقال له موسى: قال النبي ×: «من شربها فاضربوه بالأردية, ثم إن عاد فاضربوه بالأيدي, ثم إن عاد فاضربوه بالجريد». فقال له أبو عبد الله على النكير منه: أين هذا؟ أقول لك أين وجدتم حد الخمر في كتاب الله تعالى, تقول: اضربوه بالأردية وبالأيدي ثم بالجريد؟. قال أبو عثمان: فقلت له: إنما حد قياسًا على حد القاذف «لأنه إذا شرب سكر, وإذا سكر هذى, وإذا هذى افترى, فوجب عليه ما يئول أمره إليه وهو حد القاذف»( ). فقال لموسى القطان: أو لم يقل النبي ×: «أقضاكم علي»؟ فساق له موسى تمام نص الحديث وهو «وأعلمكم بحلال الله وحرامه معاذ, وأرأفكم أبو بكر, وأشدكم في دين الله عمر» رضي الله عنهم أجمعين. فقال له الشيعي: وكيف يكون أشدهم في دين الله, وقد هرب بالراية يوم حنين؟. فقال له موسى: ما سمعنا بهذا ولا نعرفه. قال أبو عثمان: فقلت له: تحيز إلى فئة كما أنزل الله تعالى, قال الله عز وجل: +إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ" [الأنفال:16]. (فمن تحيز إلى فئة) كما أمر الله عز وجل فليس بفار. فمال الشيعي بوجهه إلى بعض أصحابه فقال: أتسمع ما قاله الشيخ, قال: انحاز إلى فئة كما أمر الله سبحانه. فقال مجيبًا –هو يشير بيده- وأي فئة أكثر من رسول الله × وقد كان حاضرًا ولم يتحيز وكأنه تخافت في كلامه ويسمع من يليه. فقلت: جاء عنه × أنه قال: «عمر فئة فمن تحيز إلى عمر فقد تحيز إلى فئة» فسكت الشيعي( ). وسأل أبو عبد الله الشيعي أبا عثمان الحداد فقال: أفلا أوجب قول الله تعالى عند من سمعه: +وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ" [آل عمران:144] انقلاب أصحاب محمد ×. فقال له أبو عثمان: «لا»؛ لأن معناه أفإن مات أو قتل أفتنقلبون, علىأعقابكم؛ لأن معنى «أفإن مات»: استفهام, ومعنى «انقلبتم»: أفتقلبون والاستفهامان إذا جاءا في قصة واحدة اجتزئ بأحدهما عن الآخر, وهذا الاستفهام إنما هو في معنى التقرير بأن لا تنقلبوا على أعقابكم. فقال له: فهل تجد في كتاب الله عز وجل نظيرًا يكون لهذا دليلاً؟ فقال له: نعم. قول الله عز وجل: +أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ" [الأنبياء:34], أي: إنك إن مت فهم لا يخلدون, فلما التقى استفهامان أجزأ ذكر أحدهما عن الآخر, فكان لفظ الاستفهام من ذلك مرادًا به التقرير: «بأنهم لا يخلدون»( ). وهكذا كان أبو عثمان سعد الحداد في دفاعه ومناظرته لأجل نصر عقائد أهل السنة والجماعة. ولما توفى رثاه الشعراء فقال فيه سهل بن إبراهيم الوراق: وقالوا قضى نحبًا وذاق منية فيالك من خطب يحل عُرى الصبر

وكم مارق عادى سعيدًا وسبه وضاق به ذرعًا وبدأه بالهجر

يود بقلب ذاب همًا وغصة لو أن أبا عثمان في ظُلم القبر

وأن امرأً منكم تمنى وفاته وليس له عذر ففي واسع العذر

فليت الذي أمسى شجي في حلوقهم يمد له حبل الحياة إلى الحشر

أليس لسان المسلمين وسيفهم إذا كادهم أهل الضلال والكفر

أليس هلال الأرض بل شمس دجنها دجنها وبدر دجاها حين أمسيت بلا بدر

يجيب وما غاصت دقائق فكره جوابًا عتيدًا في أدق من السحر ( )

هذه بعض الأساليب والطرق والمناظرات التي قام بها علماء أهل السنة في الذود والدفاع عن عقائد المسلمين, فعليهم من الله الرحمة والرضوان على ما أبلوا وأقاموا به من جهاد ودعوة وفداء. 8- قام شعراء أهل السنة بدور مجيد, وجهاد حميد في الدفاع عن الإسلام والهجوم على بني عبيد بالسنان والقوافي التي كانت على بني عبيد أشد من السيوف القواطع, وتبوأ مركز الصدارة في هذا الباب الشاعر المجيد أبو القاسم الفزاري, ومن أشهر ما قال قصيدته الرائية التي انتشرت في الآفاق والبلدان التي قال فيها: عجبت لفتنة أعمت وعمت يقوم بها دعي أو كفور


تزلزلت المدائن والبوادي لها وتلونت منها الدهور

وضاقت كل أرض ذات عرض ولم تغن المعاقل والقصور

فنجى القيروان وساكنيها

إله دافعٌ عنها قدير

أحاط بأهلها علمًا وخُبرًا وميزا ما أكنته الصدور

وجللهم بعافية وأمن وأسبل فوقها ستر ستير

وأثبت جلة العلماء فيها بحار لا تعد لا بحور

ومنها سادة العلماء قدمًا إذا عُدوا وليس لهم نظير

وفيها القوم عباد خيار فقد طاب الأوائل والأخير

هم افتكوا سبايا كل أرض وفادوا ما استبد به المغير

كفيناهم عظائمها جميعًا فزالت عنهم تلك الشرور

وسكنَّا قلوبًا خافقات أمات عروقها ضر ضرير

وآوينا وآسينا وكنا لهم أهلاً وأكثرهم شطير

فبات طعامنا لهم طعامًا هناك ودُورنا للقوم دور

وكان لنا ثواب الله ذخرًا وقام يشكونا منهم شكور

ولولا القيروان وساكنوها لغاب طعامهم والمخ ريرُ ( )

ثم مضى في القصيدة إلى أن قال: وليس لنا كما لهم حصون ولا جبل أعاليه وعور

ولا سور أحاط بنا ولكن لنا من حفظ رب العرش سُور

ولا نأوي إلى بحر وإنا إذا قضى القضا تُنحى البحور

ولكنا إلى القرآن نأوي وفي أيماننا البيض الذكور

عقائق كالبوارق مرهفات بها تحمي الحرائم والثغور

وسُمر في أعاليهن شهب بها ظمأ, مواردها النحور

إلى أن قال: وإنا بعد من خوف وأمن نُحب إذا تشعثت الأمور

رسول الله والصديق حبًّا به تُرجى السعادة والحبور

وبعدهما نحب القوم طُرًا وما اختلفوا فربهم غفور

ألا بأبي وخالصتي وأمي محمد البشير لنا النذير

سأهدي ما حييت له ثناء مع الركبان ينجد أو يغور ( )

  • * *














تمهيد استمال خلفاء الدولة العبيدية القبائل البربرية الصنهاجية واستبدلوها بدلاً من القبائل الكتامية وأسندوا إليها الأمور المهمة في الدولة, وارتفع نجم الصنهاجيين في زمن عائلة بني زيري الصنهاجية التي استطاعت أن تثخن في ثورة أبي يزيد الخارجي, فأهدى العبيديون للصنهاجيين حكم إفريقية والمغرب, ومؤسس الدولة الصنهاجية هو أبو الفتوح يوسف بن زيري بن مناد الصنهاجي (362- 373هـ) الذي افتتح سنوات حكمه بقمع الثائرين وتمهيد البلاد.

المبحث الأول أبو الفتوح يوسف بلكين بن زيري بن مناد بن منقوش الصنهاجي (362- 373هـ/ 972- 983م) أصبح يوسف بلكين بن زيري واليًا أو أميرًا لكل بلاد إفريقية, وهو أول حاكم لبلاد المغرب من أصل بربري بعد الفتح الإسلامي, وكان متفانيًا في خدمة العبيديين وتوسيع أملاكهم, واشتد الصراع العنيف بين قبائل صنهاجة وقبائل زناتة, واستعمل الحاكم الصنهاجي أبو الفتوح القوة والعنف والشدة للقضاء على سيادة قبائل زناتة, واستطاعت الدولة الأموية في الأندلس أن تستفيد من هذا الصراع ووجهت ضربة ماكرة للدولة العبيدية فدعمت قبائل زناتة بكل ما تملك حتى استطاعت أن تقف في وجه الصنهاجيين التابعين للعبيديين, وكانت سياسة الصنهاجيين مبنية على العنف والقوة مع الزناتيين فلم يسعوا لكسب ودهم أو مهادنتهم, واستغلت الدولة الأموية هذا الصراع حتى فصلت المغرب الأقصى عن سيادة بني زيري( ). وأظهر الأمير بلكين نشاطًا واسعًا وعملاً دؤوبًا, وكان محافظًا على تبعيته للعبيديين وولائه للمذهب الإسماعيلي الباطني, إلا أنه لم يتشدد هو والأمراء الذين جاءوا بعده بمطالبة الناس بالتشيع, فانفسح المجال نسبيًا أمام علماء أهل السنة لنشر السنة, وبدأت الحياة العلمية تعود إلى المساجد والكتاتيب شيءًا فشيئًا, غير أن تلك المظاهر الرسمية من التبعية لحكام مصر والدعوة لهم على المنابر كانت تقلق العلماء, وأسهمت في إيجاد هوة عميقة بينهم وبين حكام بني زيري, فمضوا في محاربة هؤلاء الحكام الذين لم يكونوا متحمسين للدعوة الإسماعيلية, والتف أهل الشمال الإفريقي حول علمائهم, وواصلوا مقاطعة الدولة, غير أن هؤلاء الحكام لم يستطيعوا الإعلان بموافقة علماء أهل السنة خوفًا على سلطانهم, وأحس أهل القيروان بذلك فراح علماؤهم يعملون جاهدين على نشر السنة وآراء السلف, فعجت حلقات العلماء بطلاب العلم في القيروان من جديد, وكثرت المؤلفات في بيان دين الإسلام الصحيح, وكان التخلص النهائي من أتباع العبيديين, وانتصار أهل السنة على الروافض في الشمال الإفريقي على عهد الأمير السني والسيف القاطع والطود المنيف الأمير المعز بن باديس.

  • * *

المبحث الثاني المعز بن باديس الصنهاجي (406- 449هـ) قال عنه الذهبي: (صاحب إفريقية, المعز بن باديس بن منصور بن بُلُكين بن زيري بن مناد الحميري, الصنهاجي, المغربي, شرف الدولة ابن أمير المغرب) ( ). نودي به أميرًا يوم السبت الثالث من ذي الحجة سنة 406 هـ بعد وفاة أبيه بثلاثة أيام( ). استطاع بعض فقهاء المالكية أن يصلوا إلى ديوان الحكم في دولة صنهاجة وأثروا في بعض الوزراء والأمراء الذين كان لهم الفضل بعد الله في تخفيف ضغط الدولة على علماء أهل السنة. وأخص بالذكر العلامة أبو الحسن الزجال الذي اجتهد على الأمير المعز بن باديس في تربيته على منهج أهل السنة والجماعة, وأعطت هذه التربية ثمارها بعد ما تولى المعز إفريقية, وكان عمل العلامة أبو الحسن في السر بدون أن يعلم به أحد من الشيعة الذين كانت الدولة دولتهم, وكان هذا العالم فاضلاً ذا خلق ودين وعقيدة سليمة, ومبغضًا للمذهب الإسماعيلي الشيعي. واستطاع أن يزرع التعاليم الصحيحة في نفسية وعقلية وفكر المعز بن باديس الذي تم على يديه القضاء على مذهب الشيعة الإسماعيلية في الشمال الإفريقي. وهذا درس لنا نحن الدعاة في الاهتمام برجالات الدولة وأبنائهم من أصحاب المناهج العلمانية والبعيدة عن هدى المولى عز وجل, وليكن شعار العاملين في هذا المجال قوله تعالى: +وَلْيَتَلَطَّفْ وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا * إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا" [الكهف:20،19]. وقد وصف المؤرخون المعز بن باديس بأوصاف في غاية الروعة والجمال, فقال فيه الذهبي: «وكان ملكًا مهيبًا, وسريًا شجاعًا, عالي الهمة, محبًا للعلم, كثير البذل مدحه الشعراء, وكان مذهب الإمام أبي حنيفة قد كثر بإفريقية فحمل أهل بلاده على مذهب مالك حسمًا لمادة الخلاف, وكان يرجع إلى الإسلام, فخلع طاعة العبيدية وخطب للقائم بأمر الله العباسي, فبعث إليه المستنصر يتهدده, فلم يخفه»( ). ورد المعز بن باديس على خطاب المستنصر الذي هدده فيه وقال له: هلا اقتفيت آثار آبائك في الطاعة والولاء, في كلام طويل, فأجابه المعز: إن آبائي وأجدادي كانوا ملوك المغرب قبل أن يتملكه أسلافك ولهم عليهم من الخدم أعظم من التقديم ولو أخروهم لتقدموا بأسيافهم( ). وبينت لنا كتب التاريخ أن المعز تدرج في عدائه للإسماعيلية ولحكام مصر, وظهر ذلك في عام 435هـ عندما وسع قاعدة أهل السنة في جيشه وديوانه ودولته, فبدأ في حملات التطهير للمعتقدات الكفرية ولمن يتلذذ بسب أصحاب رسول الله ×, فأوعز للعامة ولجنوده بقتل من يظهر الشتم والسب لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما فسارعت العامة في كل الشمال الإفريقي للتخلص من بقايا العبيديين ليصفي الشمال الإفريقي من المعتقدات الفاسدة الدخيلة عليه. وأشاد العلماء والفقهاء بهذا العمل الجليل الذي أشرف على تنفيذه المعز بن باديس -رحمه الله- وذكر الشعراء قوافي وأشعارًا في مدح المعز ودونوا تلك البداية, فقال القاسم بن مروان في تلك الحوادث: وسوف يقتلون بكل أرض كما قتلوا بأرض القيروان

وقال آخر: يا معز الدين عش في رفعة وسرور واغتباط وجذل

أنت أرضيت النبي المصطفى وعتيقًا في الملاعين السفل

وجعلت القتل فيهم سنة بـأقاصي الأرض في كل الدول ( )

استمر المعز بن باديس في التقرب إلى العامة وعلمائهم وفقهائهم من أهل السنة وواصل السير في تخطيطه للانفصال الكلي عن العبيديين في مصر, فجعل المذهب المالكي هو المذهب الرسمي لدولته, وأعلن انضمامه للخلافة العباسية, وغير الأعلام إلى العباسيين وشعاراتهم, وأحرق أعلام العبيديين وشعاراتهم, وأمر بسبك الدراهم والدنانير التي كانت عليها أسماء العبيديين والتي استمر الناس يتعاملون بها 145 سنة وأمر بضرب سكة أخرى كتب على أحد وجهيها: «لا إله إلا الله محمد رسول الله», وكتب على الآخر: +وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ" [آل عمران:85]. وقضى المعز بن باديس على كل المذاهب المخالفة لأهل السنة من الصفرية والنكارية والمعتزلة والإباضية. وفي سنة 443هـ انضمت برقة كلها إلى المعز بن باديس بعد أن أعلن أميرها جبارة بن مختار الطاعة له. وكان أول من قاد حملة التطهير على الإسماعيلية في طرابلس وحارب تقاليدهم الباطلة ودعوتهم المضلة هو العلامة علي بن محمد المنتصر وكنيته أبو الحسن( ) المتوفي عام 432هـ. واشتاط الحقد الباطني وتفجرت براكين الغضب في نفوسهم وقرروا الانتقام من قائد أهل السنة في الشمال الإفريقي ومن أهله الذين فرحوا بعودة بلادهم لحظيرة أهل السنة, فانعقد في القاهرة مجلس رافضي باطني إسماعيلي بقيادة الخليفة العبيدي وخرجوا برأي شيطاني مفادة رمي السنية الصنهاجية الزيرية بقبائل بني سليم وبني هلال, فإن انتصرت الدولة الصنهاجية تكون الدولة العبيدية قد تخلصت من هذه القبائل المتعبة, وإن انتصر بنو سليم وبنو هلال يكونوا بذلك انتقموا من عدوهم اللدود المعز بن باديس, وكان الذي تبنى هذه الفكرة الوزير العبيدي أبو محمد بن علي اليازوري الذي شرع في إغراء القبائل المقيمة على ضفاف النيل وأمدهم بالمال والسلاح والكراع, وأباح لهم برقة والقيروان, وكل ما يكون تحت أيديهم, واتصل العبيديون بالمعارضين للمعز وأمدوهم بما يملكون من مال وسلاح وعتاد. وبدأت حلقة الصراع العنيف بين المعز بن باديس والقبائل العربية المدعومة من الروافض العبيديين.

  • * *

المبحث الثالث زحف بني هلال وبني سليم وغيرهما من القبائل إلى الشمال الإفريقي تمهيد: كانت قبائل بني هلال وبني سليم تسكن الجزيرة العربية, وكانت مضاربها متوزعة حول المدينة النبوية ومكة والطائف ونجد, واستطاع القرامطة أن يستغلوهم في حروبهم ضد الخلافة العباسية والدولة العبيدية, وتأثر بعض زعماء هذه القبائل بأفكار وعقائد القرامطة, ولم يكن تأثيرهم عميقًا وإنما كانت له أسباب اقتصادية ونزعة تمردية على الانقياد للدولة العباسية, وفي قتال القرامطة مع العبيديين لعبت هذه القبائل دورًا بارزًا في الشام وكانت لها شوكة ومنعة وعدة وعتاد. فاستطاع الأمير العبيدي في مصر أن يجلبهم ويقربهم له بالعطايا والهدايا والأموال, واستجابت لطرح الخليفة العبيدي الذي كان حريصًا على وجود العنصر العربي في دولته, وأعطتهم الدولة العبيدية أراضي خصبة على ضفاف النيل, وأعطت القبائل ولاءها للدولة العبيدية, وتبنت شعارات الدولة الباطنية لجهلها وبعدها عن فهم حقيقة دينها, وأخلصت للخليفة العبيدي الذي قرر الانتقام من المعز بن باديس بهذه القبائل ذات الشوكة والشكيمة والمنعة والدراية بالحروب, وخصوصًا أن الدولة العبيدية كانت لا تستطيع إرسال جيوشها بسبب انشغالها بالقرامطة, ومشروعاتها بالشام والمشرق عمومًا؛ ولأن طوائف من جيشها من نفس جنس المغاربة؛ بل من قادتهم من هو من نفس قبيلة المعز بن باديس, ولاسيما أن الدولة أهملت هؤلاء القادة والجنود منذ أيام العزيز والخليفة العبيدي. وكانت القبائل العربية التي في صعيد مصر بعضها يرجع للفتح الإسلامي قد ازدادت بعد تركهم للجزيرة العربية ومجيئهم إلى مصر في زمن العزيز العبيدي. واشتهرت تلك القبائل في صعيد مصر بفعل القلاقل وإشاعة الاضطراب والفوضى في البلاد, فكانت هذه المرة فرصة ذهبية للتخلص منها والانتقام من عدو الدولة وقهره والتشفي منه. وينسب للمستنصر قوله: «والله لأرمينه بجيوش لا أتحمل فيها مشقة» فدعا العرب وأباح لهم مجاز النيل إلى المغرب, وكانت ممنوعة عنها من قبل ذلك, فعبر منهم خلق عظيم( ). واجتمع الأمير المستنصر العبيدي مع زعماء القبائل العربية ومناهم بالمساعدة المالية والمعنوية, وأعطاهم خيولاً وسلاحًا وعتادًا ومالاً وكل ما يساعدهم في تحقيق أهدافه الشريرة وأباح لهم إفريقية يفعلون فيها ما يشاءون, وقال لهم: «لقد أعطيناكم إفريقية وملك ابن باديس فلا تفتقرن بعدها»( ). وعندما تحركت جموع العرب في 442هـ- 1050م أرسل الوزير العبيدي الحاقد إلى المعز بن باديس رسالة قائلاً له: «أما بعد, فقد أرسلنا إليكم خيولاً فحولاً, وحملنا عليهم رجالاً كهولاً, ليقضي الله أمرًا كان مفعولاً»( ). فسيطرت هذه القبائل على برقة بدون مقاومة تذكر, وكانت برقة قد تمردت على العبيديين أيام الحاكم, وأعلنت الطاعة للمعز أيام المستنصر, وأحرقت المنابر التي كان يخطب فيها للعبيديين, وأحرقت راياتهم, وأعلنت دعوة القائم العباسي( ). وواصلت القبائل العربية زحفها إلى طرابلس وضواحي تونس, وكان تعداد هذه القبائل المهاجمة على الشمال الإفريقي أربعمائة ألف, ولحقتها أفواج تترى. ويذكر بعض المؤرخين أن العدد الكلي وصل إلى مليون نسمة على مراحل متعددة, وعندما استقرت هذه القبائل في برقة أرسلت أحد شيوخها وهو مؤنس ابن يحيى بن مرداس من رياح أحد بطون بني هلال لينزل ضيفًا على المعز, فعجب مؤنس من النعيم والأبهة التي كانت للمعز بن باديس, فأكرمه المعز وأحسن في ضيافته, وعرض عليه المعز أن يتخذ من بني عمه رياح جندًا له, فأشار عليه مؤنس بألا يفعل معللاً ذلك بعدم انقيادهم واختلاف كلمتهم فلم يقتنع المعز بما قاله مؤنس. وقال مؤنس للمعز: إنهم قوم لا طاقة لك بهم. فقال له المعز: هم دون ذلك, فاعتبرها مؤنس إهانة للعرب, وظن المعز مؤنسًًا لا يريد أن يكون لغيره سلطان على قومه, وصارحه بذلك. فلما رجع مؤنس إلى قومه رغبهم ووصف لهم من خيرات إفريقية وأبهة المعز ما رغبهم في الإسراع بالرحيل, فانسابوا في أرض إفريقية في جموع لا يدرك أولها ولا ينتهي آخرها( ). ومن أشهر القبائل العربية التي زحفت على ملك المعز بن باديس بنو سليم بن منصور, وبنو هلال بن عامر وهم من مضر, وكانت زغبة والأثيح, وعدي, ورياح من الهلاليين من بني عامر بن صعصعة وبني هاشم بن معاوية بن بكر, وهذه القبائل مضرية عدنانية. وقبيلة كهلان وهي قحطانية, وقبائل أخرى كثيرة غير مشهورة. وعندما رحلت بنو رياح والأثيح وبنو عدي إلى إفريقية يريدون اللحاق بالقيروان, قال لهم مؤنس: ليس هذا برأي يحتاج إلى تدبير, فقالوا له: وماذا نصنع؟ فقال: ائتوني ببساط فأتوا به, فبسطه وقال لهم: من يدخل إلى وسط البساط من غير أن يمشي عليه؟ فقالوا: ومن يقدر على ذلك؟ فقال: أنا, فطوى البساط وأتى طرفه وفتح منه مقدار ذراع ووقف عليه, ثم فتح شيءًا آخر ودخل إليه وقال: هكذا فاصنعوا ببلاد المغرب, املكوها شيءًا فشيئًا حتى لا يبقى عليكم إلا القيروان فأتوها فإنكم تملكونها, فقال له رافع بن حماد -وهو أحد رؤساء العرب- : «صدقت يا مؤنس, والله إنك لشيخ العرب وأميرها, فقد قدمناك على أنفسنا, فلسنا نقطع أمرًا دونك». وقد اقترعوا على البلاد فخرج لبني سليم شرقيها: برقة وما حولها, وخرج لبني هلال غربيها: طرابلس وقابس, وانضم بنو جشم إلى بني هلال. وكان في العرب كثير من غير بني هلال وبني سليم من فزارة وأشجع من بطون غطفان, وجشم بن معاوية بن بكر بن هوازن, وسلول بن مرة بن صعصعة بن معاوية, والمعقل من بطون اليمنية, وكلهم مندرجون في بني هلال وفي الأثيح على الخصوص؛ لأن الرياسة كانت عندهم للأثيح وهلال فأدخلوا فيهم. وكانت الأثيح من الهلاليين أوفر عددًا, وأكثر بطونًا, وكان التقدم لهم في حملتهم, وكان منهم الضحاك, وعياض, ومقدم, والعاصم, ولطيف, ودريد, وكرفة, وغيرهم حسبما يظهر في نسبهم. وكان لهم القوة, وكانوا أحياء غزيرة من جملة الهلاليين الداخلين لإفريقية( ), ومن أشراف رجالات العرب: حسن بن سرحان, وأخوه بدر, وفضل بن ناهض, وهؤلاء من دريد بن الأثيح. ومنهم ماضي ين مقرب, وسلامة بن رزق في بني كبير, في بطون كرفة, من الأثيح, وذياب بن غانم, وينسبونه في بني ثور, وموسى بن يحيى, وينسبونه في مرداس رياح, لا مرداس سليم, وهو من بني صقر, بطن من مرداس رياح. ومنهم زيد بن زيدان, وينسبونه في الضحاك, وفارس بن أبي الغيث, وأخوه عامر, والفضل بن أبي علي, ونسبهم في مرداس وكل هؤلاء يذكرون في أشعارهم( ).

المبحث الرابع الصدام المسلح بين المعز بن باديس والقبائل العربية ذكر ابن الأثير دخول العرب إلى إفريقية في حوادث عام 442هـ إلى أن قال: «ثم قدم أمراء العرب إلى المعز بن باديس فأمرهم وبذل لهم شيءًا كثيرًا, فلما خرجوا من عنده لم يجازوه بما فعل من الإحسان, بل شنوا الغارات, وقطعوا الطريق, وأفسدوا الزروع, وقطعوا الثمار, وحاصروا المدن, فضاق بالناس الأمر, وساءت أحوالهم, وانقطعت أسفارهم, ونزل بإفريقية بلاء لم ينزل بها مثله قط, فحينئذ احتفل المعز, وجمع عساكره, فكانوا ثلاثين ألف فارس ومثلها رجَّآلة, وسار حتى حيل بينه وبين القيروان ثلاثة أيام, وكانت عدة العرب ثلاثة آلاف فارس «والصحيح أنهم كانوا على قدر جيش المعز على قول صاحب موسوعة المغرب العربي» فلما رأت العرب عساكر صنهاجة والعبيد مع المعز هالهم ذلك, وعظم عليهم, فقال لهم مؤنس بن يحيى: ما هذا يوم فرار؟ فقالوا: أين نطعن هؤلاء وقد لبسوا الكزاغندات والمغافر؟ قال: في أعينهم, فسمى ذلك اليوم يوم العين, والتحم القتال, واشتدت الحرب, فاتفقت صنهاجة على الهزيمة, وترك المعز مع العبيد حتى يرى فعلهم, ويقتل أكثرهم, فعند ذلك يرجعون على العرب, فانهزمت صنهاجة وثبت العبيد مع المعز, فكثر القتل فيهم, فقتل منهم خلق كثير, وأرادت صنهاجة الرجوع على العرب, فلم يمكنهم ذلك, واستمرت الهزيمة, وقتل من صنهاجة أمة عظيمة, ودخل المعز القيروان مهزومًا, على كثرة من معه وأخذ العرب الخيل والخيام وما فيها من مال وغيره( ). وقد وصفت كتب التاريخ هذه الواقعة بأبشع ما توصف به الحروب من فظاعة القتل وكثرة القتلى, نتيجة لصمود كل من الجيشين للآخر في سبيل دحر خصمه والقضاء عليه, وقال الشاعر العربي علي بن رزق الرياحي أبياتًا في هذه المعركة يصف فيها ما دار بينهم وبين المعز: وإن ابن باديس لأحزم مالك ولكن لعمري ما لديه رجال

ثلاثة آلاف لنا غلبت له ثلاثين ألفًا إن ذا لنكال( )

ولما كان يوم النحر من هذه السنة 442هـ جمع المعز سبعة وعشرين ألف فارس, وهجم على العرب على حين غرة وهم في صلاة العيد, فركبت العرب خيولهم وهجمت على جيوش المعز فهزمتهم وأثخنتهم قتلى, ثم جمع المعز وخرج بنفسه في صنهاجة وزناتة في جمع كثير, وهاجم العرب في منازلهم, واحتدم القتال وتبارز الشجعان فانكسرت شوكة صنهاجة وولت زناتة الأدبار, وثبت المعز فيمن معه من عبيده ثباتًا عظيمًا لم يسمع بمثله وتناقلته الركبان, ثم انهزم وعاد إلى المنصورية, وأحصى من قتل من رجال المعز فكانوا ثلاثة آلاف وثلاثمائة, ثم أقبلت العرب حتى استقرت بمصلى القيروان ووقعت حروب طاحنة مع المعز قُتل من المنصورية ورقادة خلق كثير, فلما رأى ذلك المعز سمح لهم بدخول القيروان لما يحتاجون إليه من بيع وشراء, فلما دخلوا استطالت عليهم العامة, ووقعت بينهم حرب كان سببها فتنة بين إنسان عربي وآخر عامي, وكانت الغلبة للعرب, وفي سنة 446هـ أشار المعز على الرعية بالانتقال إلى المهدية لعجزه عن حمايتهم من العرب( ). بعد أن رتب أمور العاصمة الزيرية الجديدة ونقل لها كل وظائف الدولة انتقل المعز إلى المهدية 449هـ فتلقاه ابنه تميم ومشى بين يديه واستولى العرب على القيروان وهدموا حصونها وقصورها وقطعوا الثمار, وخربوا الأنهار, وكانت الوقائع والمعارك والحروب التي خاضها المعز مع العرب درسًا قاسيًا له, أقنعته بألا طاقة له بالعرب, أيقن أن العبيديين مكروا به مكرًا عظيمًا, وكان من أسباب الهزائم المتلاحقة التي لحقت بالمعز قوة العرب وشجاعتهم, وخذلان جنوده من البرابرة الذين لا زالوا يعظمون الخلافة العبيدية حيث خذلوه في أكثر من موقع, وتقريب المعز لعبيده مما أوغر نفوس صنهاجة وزناتة عليه. وعندما استقر المعز في المهدية فوض أمر الدولة وشئون الحكم لابنه تميم الذي آنس فيه والده حسن التصرف وأصالة الرأي. وبقى هذا المجاهد العظيم في ضيافة ابنه إلى أن توفاه الله سنة 453هـ. ويشهد التاريخ الإسلامي البربري أن له الفضل بعد الله في القضاء على عقائد الباطنية الإسماعيلية في الشمال الإفريقي, وكان درعًا حصينًا لمنهج أهل السنة وقدمهم في دولته وكلفه ذلك ثمنًا باهظًا من قبل أعدائه. كما يشهد التاريخ للمعز بن باديس وأتباعه من البرابرة أنهم تبنوا منهج أهل السنة والجماعة, وربطوا شمالهم الإفريقي بالخلافة الشرعية العباسية في بغداد, ويشهد التاريخ أن المعز أصبح علمًا من أعلام المسلمين ورمزًا من رموزهم, ودخل تاريخهم من أوسع أبوابه مسجلاً أعمالاً عظيمة, ونرجو من الله أن تكون في ميزان حسناته يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. ذكر ابن الأثير في أحداث سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة وفاة المعز بن باديس وولاية ابن المعز فقال: «في هذه السنة توفى المعز بن باديس, صاحب إفريقية, من مرض أصابه, وهو ضعف الكبد, وكانت مدة ملكه سبعًا وأربعين سنة, وكان عمره لما ملك إحدى عشرة سنة, وقيل: ثماني سنوات وستة أشهر. وكان رقيق القلب, خاشعًا, متجنبًا لسفك الدماء إلا في حدٍّ حليمًا يتجاوز عن الذنوب العظام, حسن الصحبة مع عبيده وأصحابه, مكرمًا لأهل العلم, كثير العطاء لهم, كريمًا, وهب مرة ألف دينار للمستنصر الزناتي وكان عنده وقد جاء هذا المال, فاستكثره, فأمر به فأفرغ بين يديه, ثم وهبه له, فقيل له: لم أمرت بإخراجه من أوعيته؟ قال: لئلا يقال: لو رآه ما سمحت نفسه به, وكان له شعر حسن. ولما مات رثاه الشعراء, فمنهم أبو الحسن بن رشيق فقال: لكل حي وإن طال المدى هُلُكُ لا عز مملكة يبقى, ولا ملك

ولى المعز على أعقابه فرمى أو كاد ينهدُّ من أركانه الفلك

مضى فقيدًا وأبقى في خزائنه هام الملوك, وما أدراك ما ملكوا

ما كان إلا حسامًا سله قدر على الذين بغوا في الأرض وانهمكوا

كأنه لم يخض للموت بحر وغى خضر البحار, إذا قيست به, برك

ولم يجُد بقناطير مقنطرة قد أرخت باسمه إبريزها السكك

روح المعز وروح الشمس قد قبضا فانظر بأي ضياء يصعد الفلك ( )

  • * *

المبحث الخامس أبنــــــاء المعــــــــز وأحفــــــــاده أولاً: تميم بن المعز: ولد بالمنصورية في الثالث من رجب سنة 422هـ وولاه أبوه على المهدية سنة 445هـ, ثم أسندت إليه ولاية إفريقية من والده المعز, وسار في الناس بسيرة حسنة, وقرب أهل العلم وكان شجاع القلب, ذا همة عالية, وسياسة, ودهاء, استطاع أن يرجع المدن التي سلبت من والده, واستمال زعماء العرب بالمال والعطايا, وصاهرهم وامتزج معهم, وجعل منهم جنودًا لدولته بكياسة وفطانة وسياسة نادرة, واستطاع أن يضم مدينة سوسة في عام 455هـ بعد أن قضى على المقاومة المسلحة التي واجهته( ). وفي سنة 457هـ أراد الناصر بن علناس الحمادي زعيم الدولة الحمادية احتلال المهدية والقضاء على ملك تميم وجهز جيشه من صنهاجة وزناتة وبني هلال, فاستدرج تميم بن المعز القبائل العربية للوقوف بجانبه, وأعطاهم السلاح والمال والعتاد, واستطاع أن يقضي على جيش الناصر, وقتل منهم 24 ألفًا, وترك الغنائم والأموال للعرب التي استغنت بذلك, وقال تميم: يقبح بي أن آخذ سلب ابن عمي فأرضى العرب بذلك( ). وفي سنة 484هـ ضم تميم مدينة قابس بعد أن تولى أمرها عمرو بن المعز, وكان قبل عمرو رجل يسمى قاضي بن إبراهيم بن بلمونة, وكان ضمه لقابس بالجيوش الجرارة فقال له أصحابه: يا مولانا لما كان فيها قاضي توانيت عنه وتركته, فلما وليها أخوك جردت إليه العساكر, فقال: لما كان فيها غلام من عبيدنا كان زواله سهلاً علينا, وأما اليوم وابن المعز بالمهدية, وابن المعز بقابس فهذا لا يمكن السكوت عليه. وفي فتحها يقول ابن خطيب سوسة القصيدة المشهورة التي أولها: ضحك الزمان, وكان يلقى عابسًا لما فتحت بحد سيفك قابسا

الله يعلم ما حويت ثمارها إلا وكان أبوك قبل الغارسا

من كان في زرق الأسنة خاطبًا كانت له قلل البلاد عرائسا

فابشر تميم بن المعز بفتكة تركتك من أكناف قابس قابسا

ولَّوا فكم تركوا هناك مصانعا ومقاصرًا ومخالدًا, ومجالسا

فكأنها قلبٌ, وهن وساوس جاء اليقين, فذاد عنه وساوسا ( )

وفي سنة 493هـ استطاع تميم أن يضم مدينة صفاقس وأن ينتزعها بالقوة من حاكمها المتمرد حمو بن فلفل البرغواطي( ). ويعتبر عصر تميم أزهى من عصر والده فيما بعد دخول القبائل العربية. وكان يضرب المثل بالجود والشجاعة والكرم والعطاء, قال فيه ابن كثير: «من خيار الملوك حلمًا وكرمًا, وإحسانًا, ملك ستًا وأربعين سنة, وعمر تسعًا وتسعين سنة, ترك من البنين أنهد من مائة, ومن البنات ستين بنتًا, وملك بعده ولده يحيى, ومن أحسن ما مدح به الأمير تميم قول الشاعر: أصح وأعلى ما سمعناه في الندا من الخبر المروي منذ قديم

أحاديث ترويها السيول عن الحيا عن البحر عن كف الأمير تميم ( )

وكان عالمًا فاضلاً, وشاعرًا رقيق العاطفة, ومن شعره: فإما الملوك في شرف وعز على التاريخ في أعلى السرير

وإما الموت بين ظبا العوالي فلست بخالد أبد الدهور( )

وقال ابن الأثير: «كان شهمًا شجاعًا, ذكيًا وله معرفة حسنة, وكان حليمًا, كثير العفو عن الجرائم العظيمة, وله شعر حسن, فمنه أنه وقعت حرب بين طائفتين من العرب, وهم عدي, ورياح, فقتل رجل من رياح, ثم اصطلحوا وأهدروا دمه, وكان في صلحهم مما يضر به وببلاده, فقال أبياتًا يحرض على الطلب بدمه, وهي: متى كانت دماؤكم تُطل أما فيكم بثأر مستقلُّ

أغانم ثم سالم إن فشلتم فما كانت أوائلكم تُذلُّ

ونمتم عن طلاب الثأر حتى كأن العز فيكم مضمحلُّ

وما كسرتم فيه العوالي ولا بيض تفل, ولا تُسلُّ

فعمد أخوة المقتول فقتلوا أميرًا من عدي, واشتد بينهم القتل, وكثرت القتلى, حتى أخرجوا بني عدي من إفريقية( ). ومن أقواله التي صارت مثلاً في إفريقية: «أسرار الملوك لا تذاع»( ). وانطوت صفحة حياته في عام 501هـ بعد أن عادت للدولة الزيرية هيبتها. ثانيًا: يحيى بن تميم بن المعز بن باديس: عهد إليه أبوه بالولاية في حياته في السادس عشر من ذي الحجة سنة 497هـ, واستقبل بالأمر يوم وفاة أبيه, وعمره ثلاث وأربعون سنة وستة أشهر وعشرون يومًا فكان موفقًا( ). ولما استقر في الملك جهز أسطولاً إلى جزيرة جربة, وسببها أن أهلها يقطعون الطريق ويأخذون التجار, فحاصرها وضيق عليها, فدخلوا تحت حكمه, والتزموا ترك الفساد, وضمنوا صلاح الطريق( ). وكان مهتمًا بعلم الأخبار وأيام الناس والطب وكان مغرمًا بالكيمياء, وحاول ثلاثة من الباطنية قتله فدخلوا عليه زاعمين أن لهم دراية بالكيمياء إلا أن الله نجاه منهم. قال الذهبي: «وقد وقف ليحيى ثلاثة غرباء, وزعموا أنهم يعلمون الكيمياء فأحضرهم ليتفرج وأخلاهم, وعنده قائد عسكره إبراهيم, والشريف أبو الحسن, فسل أحدهم سكينًا, وضرب الملك, فما صنع شيءًا ورفسه الملك فدحرجه, ودخل مجلسًا وأغلقه, وقتل الآخر الشريف, وشد إبراهيم بسيفه عليهم, ودخل المماليك, وقتلوا الثلاثة, وكانوا باطنية, أظن الآمر العُبيدى ندبهم لذلك»( ). وكان كثير المطالعة محبًا للجهاد فتح حصونًا ما قدر أبوه عليها, وكان رحيمًا للضعفاء شفيقًا على الفقراء يطعمهم في الشدائد فيرفق بهم, ويقرب أهل العلم والعقل من نفسه, وساس العرب في بلاده فهابوه وانكفت أطماعهم, وكان له نظر حسن في علم النجوم, وكان حسن الوجه على جانبيه شامة, أشهل العينين مائلاً في قده إلى الطول, دقيق الساقين( ). وكان عنده جماعة من الشعراء قصدوه ومدحوه, وخلدوا مديحه في دواوينهم, ومن جملة شعرائه أبو الصلت بن عبد العزيز أمية بن أبي الصلت الشاعر الذي عاش في كنفه بعد أن جاب البلدان, وله في يحيى مدائح كثيرة أجاد فيها وأحسن, ومن جملة ما قاله من مديحه قصيدة: فارغب بنفسك إلا عن ندى ووغى فالمجد أجمع بين البأس والجود

كدأب يحيى الذي أحييت مواهبه ميت الرجاء بإنجاز المواعيد

معطى الصوارم والهيف النواعم والـ جرد الصلادم والبزل الجلاعيد

أشم أشوس مضروب بسرادقه على أشم بفرع النجم معقود

إذا بدا بسرير الملك محتبيًا رأيت يوسف في محراب داود

إلى أن قال: هذي موارد يحيى غير ناضبة وذا الطريق إليها غير مسدود

حكم سيوفك فيما أنت طالبه فالسيوف قضاء غير مردود ( )

وتوفى الأمير يحيى سنة 509هـ متأثرًا بمرض أصابه بعد الاعتداء عليه من قبل الباطنيين الذين حاولوا قتله ولازمه المرض إلى أن توفى( ). وقال ابن الأثير: كانت وفاته يوم عيد الأضحى فجأة, وكان عمره اثنتين وخمسين سنة وخمسة عشر يومًا, وكانت ولايته ثماني سنين وخمسة أشهر وخمسة وعشرين يومًا, وخلف ثلاثين ولدًا, فقال عبد الجبار بن محمد حمديس الصلقي يرثيه ويهنئ ابنه عليًا بالملك. فقال: ما أغمد الغضب إلا جرد الذكر ولا اختفى القمر حتى بدا قمر

بموت يحيى أميت الناس كلهم حتى إذا ما عليُّ جاءهم نشروا

إن يبعثوا بسرور من تملكه وعينها من أبيه دمعها همر

شقت جيوب المعالي بالأسى فبكت في كل أفق عليه الأنجم الزهر

وقل لابن تميم حزن مادهما فكل حزن عظيم فيه محتقر

قام الدليل ويحيى لا حياة له إن المنية لا تبقى ولا تذر ( )

ثالثًا: الأمير علي بن يحيى بن تميم بن المعز: ولد يوم 15 من صفر سنة 499هـ وولاه والده على صفاقس وتولى الحكم بعد وفاة والده. وبعد عامين من حكمه جهز علي أسطولاً في البحر وأرسله إلى مدينة قابس وضرب عليها حصارًا, وذكر ابن الأثير السبب في ذلك فقال: «وسبب ذلك أن صاحبها رافع بن مكن الدهماني أنشأ مركبًا بساحلها ليحمل التجار في البحر, وكان ذلك آخر أيام الأمير يحيى, فلم ينكر يحيى ذلك, جريًا على عادته في المداراة, فلما ولي علي الأمر, بعد أبيه, أنف من ذلك وقال: لا يكون لأحد من أهل إفريقية أن يناوأني في إجراء المراكب في البحر بالتجار, فلما خاف رافع أن يمنعه علي التجأ إلى اللعين رجار أن ينصره ويعينه على إجراء مركبه في البحر, وأنفذ في الحال أسطولاً إلى قابس, فاجتازوا بالمهدية, فحينئذ تحقق علي اتفاقهما, وكان يكذبه. فلما جاز أسطول رجار بالمهدية أخرج علي أسطوله في أثره, فوصل إلى قابس, فلما رأى صاحب أسطول الفرنج المسلمين لم يخرج مركبه, فعاد أسطول الفرنج, وبقى أسطول علي يحصر رافعًا بقابس مضيقًا عليه, ثم عادوا إلى المهدية»( ). وبعد ذلك أراد رافع أن يحاصر المهدية وجمع شتات الأعراب وجهز جنودًا وزعم أنه يريد الدخول في طاعة الأمير علي إلا أن الأمير لم تنطل عليه الحيلة وحاربه وكسر شوكة رافع حتى تدخل بعض الأعيان من العرب وغيرهم للصلح بين الطرفين( ). وشعر الأمير علي بن يحيى بخطورة زعيم صقلية «رجار» عليه فأصدر أوامره لتجديد الأسطول وإعداد العدة لدحر قوات رجار البحرية, وكاتب المرابطين بمراكش في الاجتماع معهم على الدخول إلى صقلية, فكف رجار عن شره( ). وتوفى الأمير علي بن يحيى بن تميم, صاحب إفريقية, في العشر الأخير من ربيع الآخر, وكانت حروبه وأعماله تدل على همته, ولما توفى ولي الملك بعده ابنه الحسن, بعهد أبيه, وقام بأمر دولته صندل الخصى؛ لأنه كان عمره حينئذ اثنتي عشرة سنة لا يستطيع أن يستقل بتدبير الملك, فقام صندل بالأمر خير قيام, فلم تطل أيامه حتى توفى, فوقع الخلاف بين أصحابه وقواده, كل منهم يقول: أنا المقدم على الجميع, وبيدي الحل والعقد, فلم يزالوا كذلك إلى أن فوض أمور دولته إلى قائد من أصحاب أبيه يقال له: أبو عزيز موفق, فصلحت الأمور( ). رابعًا: الأمير الحسن بن علي بن يحيى بن تميم: ولد بسوسة سنة 502هـ, وتولى بعد وفاة أبيه وجرت في أيامه وقائع وأمور يطول شرحها, وضعفت دولته وأصبحت هدفًا للنصارى الحاقدين, ورأوا أن الفرصة حانت لاحتلال مدن جنوب البحر المتوسط وإذلال المسلمين, واستطاع رجار الصقلي احتلال طرابلس وبعدها المهدية. وخرج الحسن بن علي من المهدية وهو يقول: «سلامة المسلمين أحب إليَّ من الملك والقصر». وأراد الذهاب إلى العبيديين في مصر ثم تنحى عن هذه الفكرة, وراسل ابن عمه زعيم الدولة الحمادية في المغرب الأوسط إلا أن ابن عمه حبسه في إقامة جبرية خوفًا من أن يتصل بخليفة الموحدين عبد المؤمن بن علي, واستطاع الحسن ابن علي أن يتصل بخليفة الموحدين ودخل تحت سلطانه وعملا على تحرير أراضي المسلمين والمدن الساحلية من كل وجود للنصارى راضيًا بخلافة الموحدين, وتضاربت الأقوال في سنة وفاته إلا أنه بالتأكيد كانت بعد سنة 555هـ أثناء ذهابه لعاصمة الموحدين حيث عاجلته المنية وهو يشد الرحال إليها. وبسقوط المهدية في قبضة النصارى الحاقدين بقيادة رجار الصقلي سنة 543هـ انتهت دولة بني زيري بعد أن دام ملكها على أرض إفريقية والمغرب الأوسط نحو مائة وثمانين عامًا (180 سنة) منذ زمن مؤسسها الأول بلكين 362هـ إلى الحسن بن علي عام 543هـ. وقبل الدخول في أسباب سقوط الدولة الزيرية خصوصًا والدولة العبيدية عمومًا نبين ما حدث لطرابلس الغرب من هجوم شرس غادر من قبل النصارى وما مر من أحداث في تلك الفترة. أ- والي طرابلس في زمن الأمير الحسن بن علي الصنهاجي: وهو محمد بن خزرون بن خليفة بن ورو.. ولي طرابلس بعد شاه ملك وقرب منه شيوخ بني مطروح لما لهم من الزعامة والرئاسة والمكانة والنفوذ في طرابلس, وأسند إليهم رئاسة الجند وتدبير الأمور وأصبح لا يصدر إلا عن رأيهم وخلع يد الطاعة من الحسن بن علي, وامتنعوا عن دفع الأموال إليه وأعلنوا طاعتهم للعبيديين في مصر. ب- رجار يهاجم طرابلس: وفي سنة 537هـ هاجم رجار طرابلس وحاصرها بأسطوله ونقبوا أسوار المدينة, فدافع أهلها عنها دفاعًا مستميتًا واستنجدوا بسكان الضواحي من العرب وغيرهم فأنجدوهم, ولم يتمكن رجار من دهول المدينة فرجع إلى صقلية خائبًا, وغنم الطرابلسيون منه بعض الأسلحة, وبقى ابن خزرون مستقلاً بطرابلس يدبر ويرتب وينظم شؤونها ويدين بالطاعة للعبيديين في مصر( ). ج- المجاعة في طرابلس: في سنة 540هـ تعرضت طرابلس لمجاعة كبيرة فاضطر بعض السكان إلى ترك البلاد والجلاء عنها, وكان محمد بن خزرون عنيفًا شديدًا على سكان البلاد قاسيًا في حكمه, ضايق الناس في معيشتهم فضاقوا به ذرعًا وهو لا يزداد إلا تعسفًا. وكان بنو مطروح في مقدمة وجهاء طرابلس ومن زعمائها وكانوا معينين لمحمد بن خزرون, ولكنهم نقموا عليه أعماله وحاولوا أن يخففوا من وطأته فجمعوا الناس وخرجوا عليه وأبعدوه هو وشيعته من المدينة. وكان رجار حاكم صقلية يتابع هذا التنازع, فاستغل الظروف, واستفاد من وقوع كارثة المجاعة وثورة السكان على ابن خزرون وطرده من المدينة, فأراد الانتقام لهزيمته الأولى فأرسل جيوشه وأساطيله وهاجم بهم طرابلس فدخلها بدون مقاومة واحتلها بدون متاعب عام 541هـ. وبانتهاء محمد بن خزرون انتهى حكم بني خزرون في طرابلس. وأصبح قائد أسطول رجار «جرجي بن ميخائيل الأنطاكي» الذي تعلم في الشام, ورافق تميم بن المعز حاكمًا على طرابلس وطلب منهم الأمان فأمنهم, وشرط لهم ألا يلزمهم بما يخالف دينهم. وهذه هي المرة الأولى التي يستولي فيها النصارى الحاقدون على طرابلس, أما المحاولة التي كانت سنة 537هـ فلم يستطيعوا الاستيلاء عليها( ). وحاول رجار أن يسيطر على أهل طرابلس بأهلها فأسند لهم رجار ولاية طرابلس, وعين يوسف بن زيري قاضيًا, وكنيته أبو الحجاج, وحكم رافع بن مطروح اثنتي عشرة سنة وهوي يدين لرجار بالطاعة. وفي تصوري أن رضاه بالعمل تحت راية النصارى مضطرًا إليها اضطرارًا خارجًا عن إرادته, واجتهد الشيخ في تقليل المضار ودفع عن المسلمين ما أمكنه من ضرر مع انقياده لرجار في صقلية. ولما هلك رجار سنة 548هـ بعد أن ملك ما بين المهدية وطرابلس ما عدا قابس خلفه في الحكم ابنه غاليالم وسمى نفسه رجار الثاني, فقويت شوكته في الشمال الإفريقي, ودخلت قابس في طاعته, وكان شديد الوطأة على المسلمين, فملوا حكمه, وسئمت نفوسهم تحت حكمه, وتشجعوا مع ظهور دعوة الموحدين في إفريقية وقربهم من المهدية. وبدأت الثورة المسلحة ضد غاليالم في صفاقس, وانتشرت في البلاد الساحلية, ووصلت إلى نواحي طرابلس, وقد خاف غاليالم أن يتصل الطرابلسيون بالثورة فأحدث فتنة بين الأهالي لتلهيهم عن التفكير في الثورة, وعن الاتصال بالموحدين وطلب من أهالي طرابلس أن يشتموا الموحدين, فامتنع أهل طرابلس ولجأوا إلى القاضي أبي الحجاج, وكلفوه بأن يفهم غاليالم بأن طلبه هذا يخالف الدين وتمكن القاضي من إقناعه بإعفائهم من طعن الموحدين وشتمهم. ودفعت معاملة غاليالم الطرابلسيين للثورة ضده بسبب ظلمه وتعسفه, فقاد رافع ابن مطروح الثورة ضده وتحررت طرابلس عام 553هـ من حكم النصارى, وأصبح رافع بن مطروح حاكمًا على طرابلس لما له من جاه ومكانة عند أهل طرابلس, ومع امتداد دعوة الموحدين في الشمال الإفريقي دخلت طرابلس في طاعة عبد المؤمن بن علي زعيم الموحدين, وكان ذلك في سنة 555هـ ( ).

  • * *



المبحث السادس أسباب سقوط الدولة الزيرية في الشمال الإفريقي 1- عجز الدولة الزيرية عن توحيد الشمال الإفريقي كله, لظهور بعض القبائل المناهضة للصنهاجيين مثل قبائل زناتة التي تحالفت مع الدولة الأموية في الأندلس. 2- الانقسام الداخلي الذي حدث للعائلة الزيرية وترتب على ذلك ظهور الدولة الحمادية في المغرب الأوسط. 3- الصراع المسلح الذي استمر عشرات السنين بين الصنهاجيين والزناتيين والكتاميين مما أضعف الدولة أمام التحديات الخارجية. 4- المكر الباطني بالدولة الزيرية وتمثل ذلك في محاولة اغتيال سلاطينهم وإرسال قبائل بني هلال وبني سليم للانتقام من المعز بن باديس سلطان الدولة الزيرية في زمانه. 5- انفصال بعض المدن عن عاصمة الدولة الزيرية بسبب الزحف العربي المدعوم بالحقد الباطني ومحاولة سلاطين الدولة الزيرية إرجاع هذه المدن المنفصلة مما كلف الدولة الزيرية جهدًا ووقتًا ودماءً وأرواحًا من أجل إرجاع تونس وتخليصها من بني خراسان وصفاقس, وتخليصها من البراغوطي وفاس وتخليصها من بن جامع. 6- الغزو الصليبي القادم من وراء البحر الأبيض المتوسط, وصراع الدولة الزيرية مع جحافل الغزو الوحشية القادمة من أوروبا, بدأ ذلك الغزو النصراني الحاقد بعد أن استولت قوات النورمان على جزيرة صقلية 484هـ فاحتلوا جزيرة جربة عام 529هـ, وبسطوا سلطانهم على طرابلس عام 537هـ, ثم عادوا واحتلوها عام 541هـ, وزحفوا على فاس 542هـ, وأنهكت الصراعات الداخلية التي حدثت بين العرب وزناتة وبني حماد قوة الدولة الزيرية مما جعل الحملات الصليبية تستسهل مهمتها في القضاء على الدولة الصنهاجية الزيرية, وتم لها ذلك بسقوط المهدية عام 543هـ. 7- هجرة العلماء والفقهاء من القيروان والمهدية إلى المغرب الأوسط والمغرب الأقصى. 8- تعرضت التجارة والصناعة والزراعة لهزات عنيفة نتيجة الاضطرابات والصراعات الداخلية مما جعل الناس تهاجر إلى الأندلس وصقلية والمشرق الإسلامي.

  • * *

حكام بني زيري في القيروان والمهدية: 1- بلكين بن زيري بن مناد بن منقوش الصنهاجي 362- 374هـ ، 973- 984م. 2- المنصور بن بلكين بن زيري 374- 386هـ، 984- 996م. 3- باديس بن المنصور بن بلكين 386- 406هـ، 996- 1015م. 4- المعز بن باديس بن منصور 406- 453هـ ، 1015- 1062م. 5- تميم بن المعز بن باديس 453- 501هـ ، 1062- 1107م. 6- يحيى بن تميم بن المعز بن باديس 501- 509هـ ، 1107- 1116م. 7- علي بن يحيى بن تميم 509- 515هـ , 1116- 1121م. 8- الحسن بن علي بن يحيى 515- 543هـ ، 1121- 1148م.

  • * *












المبحث الأول من أسباب سقوط الدولة العبيدية واندحار المد الباطني والتغلغل النصراني الصليبي

1- مقاومة المغاربة الباسلة للمد العبيدي الباطني بقيادة العلماء والفقهاء والمحدثين, مما جعل زعماء الدولة العبيدية يقررون نقل ملكهم وزعامتهم إلى مصر. 2- ظهور القائد الإسلامي الغربي البربري المعز بن باديس الذي أعلن انفصاله السياسي والعسكري والعقدي عن الدولة العبيدية في مصر. 3- صراع الدولة العبيدية مع القرامطة في الشام من أجل الأطماع الدنيوية الأرضية. 4- استعانة العبيديين بالنصارى الأوروبيين للوقوف ضد تقدم السلاجقة في بلاد الشام, ثم غدر النصارى بالعبيديين بعد مجيئهم وخذلانهم للدولة العبيدية في مصر. 5- رفض المصريين للمذهب العبيدي الباطني والعمل الجاد من قبل العلماء والفقهاء وأبناء الشعب المصري في نخر الدولة العبيدية الباطنية. 6- رجوع الدولة العباسية إلى التمسك بالكتاب والسنة والدعوة إليها, وكانت من أوائل بدايات الرجوع ما قام به الخليفة القادر بالله عام 408هـ حيث استتاب فقهاء المعتزلة فأظهروا الرجوع وتبرؤوا من الاعتزال والرفض والمقالات المخالفة للإسلام( ). وامتثل السلطان محمود بن سبكتكين أمر أمير المؤمنين في ذلك, واستن بسنته في عقوبة المعتزلة والرافضة والإسماعيلية, وأبعد جميع طوائف أهل البدع ونفاهم عن ديارهم كما أحرق كتب الفلسفة( ). وحسر المجاهد محمود الغزنوي المد الباطني الرافضي الإسماعيلي في بلاد الهند وبلاد أفغانستان. قال فيه ابن كثير في ترجمته: «الملك الكبير, المجاهد الغازي أبو القاسم صاحب بلاد غزنة وما والاها, فتح فتوحات كثيرة في بلاد الهند, لم يتفق لغيره من الملوك لا قبله ولا بعده, وغنم مغانم كثيرة, وكان مع هذا في غاية الديانة وكراهة المعاصي وأهلها, كان يحب العلماء والمحدثين, ويحب أهل الخير والدين»( ). وعندما حاول العبيديون في مصر إغراءه بالهدايا كي يقيم الدعاية لهم في بلاده, أحرق كتبهم وهداياهم( ), وقتل التاهرتي «مندوبهم للدعوة, وأهدى بغلته إلى القاضي أبي منصور محمد الأزدي, وقال: كان يركبها رأس الملحدين فليركبها رأس الموحدين( ). واستطاع هذا الملك السني الميمون أن يكسر شوكة الإسماعيلية والمبتدعة في بلاده, فجزاه الله خيرًا. وتوفى هذا الملك المجاهد عام 421هـ, واستمرت دولته في غزنة فترة طويلة, وكان حفيده مثله في سيرته الميمونة, واستمر الغزنويون يحكمون الهند بمذهب أهل السنة إلى القرن الثالث عشر الهجري حين تحكم الإنجليز ونقلوا السلطة إلى الهنادكة بعد رحيلهم( ). 7- ظهر السلاجقة السنيون في بلاد خراسان وامتد نفوذهم إلى عاصمة الخلافة, واستطاعوا أن يقضوا على البويهيين عام 448هـ, وبذلك سقطت دولة البويهيين الشيعية, وقضى السلاجقة على فتنة البساسيري الشرير, وفي عام 448هـ أزيل ما كان على أبواب المساجد من سب الصحابة, وأمر رئيس الرؤساء بقتل شيخ الروافض أبي عبد الله الجلال لغلوه في الرفض( ). وفي عهد ألب أرسلان زعيم السلاجقة عاد للأمة عزها المفقود, ورجعت لهم الانتصارات الكبيرة على النصارى, وعمل ألب أرسلان على تخليص حلب وديار الشام من الهيمنة العبيدية وإرجاعها للخلافة العباسية, وفي عام 462هـ رجعت مكة إلى السيادة العباسية, وانخلعت من التبعية العبيدية, وأعطى السلطان ألب أرسلان لمحمد بن أبي هاشم حاكم مكة ثلاثين ألف دينار( ). وفي زمن وزارة نظام الملك «الحسن بن علي» اهتمت الدولة السلجوقية بتولية الأمور القيادية في الدولة للقواد والأمراء الذين فيهم خلق ودين وشجاعة, ونشروا علوم أهل السنة, قال المؤرخ أبو شامة: «فلما ملك السلجوقية جددوا من هيبة الخلافة ما كان قد درس لاسيما في وزارة نظام الملك, فإنه أعاد الناموس والهيبة إلى أحسن حالاتها»( ). وهذا الوزير الصالح «نظام الملك» «الحسن بن علي» هو الذي شجع بناء المدارس للطلبة, ففي عام 459هـ فرغ من عمارة المدرسة النظامية في بغداد, وأسس المدارس في نيسابور وغيرها من البلدان, وقد سرى هذا الاتجاه في بناء المدارس السنية إلى مصر, وهي تحت النفوذ العبيدي الباطني «فقد أنشأ أبو الحسن علي بن السلار وزير الظافر سنة 544هـ مدرسة وجعل رياستها للحافظ السلفي, وكانت المدرسة الوحيدة للشافعية في الإسكندرية, كما أنشئت المدرسة العوفية 532هـ وعلى رأسها الفقيه المالكي ابن الطاهر بن عوف, ومن أغراض هاتين المدرستين الوقوف في وجه المذهب الشيعي والدعوة للمذهب السني»( ). قال المؤرخ أبو شامة عن نظام الملك: «كان عالمًا فقيهًا دينًا خيرًا متواضعًا عادلاً, يحب أهل الدين, وأما صدقاته وأوقافه فلا حد لها, ومدارسه في العالم مشهورة لم يخل بلد منها, حتى جزيرة ابن عمرو التي هي زاوية من الأرض بني فيها مدرسة كبيرة حسنة, وكان يحافظ على أوقات الصلوات محافظة لا يتقدمه فيها المتفرغون للعبادة»( ) قتل –رحمه الله- بيدي الغدر والخيانة الباطنية قرب نهاوند في اليوم العاشر من رمضان عام 485هـ( ). 8- نشط علماء المدرسة الشافعية وعلى رأسهم الإمام الجويني أبو المعالي إمام الحرمين الذي اهتم بمشاكل عصره وكتب كتابه المعروف «غياث الأمم في التياث الظلم» في السياسة الشرعية التي تبحث في مشكلات المسلمين الواقعية, ومن تلاميذ الإمام الجويني النابغين: أبو حامد الغزالي والكيا الهراسي, وقد ألف الغزالي كتابه «إحياء علوم الدين» وفي نيته أن هذا من أسباب إصلاح أحوال المسلمين, ولكن يؤخذ على الكتاب حشوه بالأحاديث الضعيفة والموضوعة, والقصص غير المعقولة من شطحات الصوفية, والكلام الفاسد من الفلاسفة, ومع ذلك ففي كتابه نظرات إصلاحية من خلال إصلاح النوايا والقلوب, وكانت بحوث الغزالي في النفوس البشرية عميقة أثرت تأثيرًا كبيرًا في واقع المسلمين( ). وكان قبل الإمام الجويني الإمام الماوردي الذي حاول أن يمهد الطريق لإمام الحرمين فكتب (الأحكام السلطانية) لمعالجة مشكلة الحكم وكتب (أدب الدنيا والدين) لمعالجة مشكلة دقيقة في حياة المسلمين وهي: كيف تجمع بين الدين والدنيا في توازن شرعي؟. إن علماء المدرسة الشافعية السنية من أمثال أبي إسحاق الشيرازي وتلاميذهم ساهموا في اندحار الرفض والمذاهب الباطنية( ). 9- ظهور العلماء العاملين المخلصين المنتسبين للمدرسة الحنبلية في مدارس بغداد الذين تربي علماء الأمة, وطلاب العلم على أيديهم كالشيخ أبي الوفاء بن عقيل, والشيخ أبي الفرج بن الجوزي الإمام الحافظ الواعظ, وكان لهم تأثير في رجوع الناس إلى الدين على أصول سنية, وكان لمدرسة أبي سعيد المخرمي الحنبلي دور بارز في تعليم الأمة وتربيتها وخصوصًا بعد أن تولى أمرها العالم الرباني عبد القادر الجيلاني, فكان كبار علماء بلاد الشام يرحلون إلى بغداد لدراسة الفقه الحنبلي, وللاتصال بهذه المدرسة التربوية الفقهية العقدية, وممن تربوا في هذه المدرسة الحافظ عبد الغني المقدسي الذي دخل بغداد سنة 560هـ مع الموفق ابن قدامة وأكرمهم الشيخ عبد القادر الجيلاني غاية الإكرام( ). وهؤلاء المقادسة أبو عمر وأخوه الموفق, وابن خالهم عبد الغني والشيخ العماد كانوا لا ينقطعون عن غزاة يخرج فيها الملك الناصر صلاح الدين إلى بلاد الإفرنج, وقد حضروا معه فتح القدس( ), وكان لهؤلاء العلماء تأثير عظيم في نفوس المسلمين ودفعهم نحو الجهاد والاستشهاد في سبيل العقيدة ومحاربة العقائد الباطنية الإلحادية العبيدية الإسماعيلية وكشف مخططاتهم وأساليبهم الماكرة. وكان الواعظ الفقيه الحنبلي الدمشقي علي بن إبراهيم بن نجا من تلاميذ المدرسة الحنبلية في بغداد, وانضم إلى صلاح الدين, وأصبحت له حظوة عنده, وهو الذي ساعد صلاح الدين في كشف مؤامرة عبيدية انتقامية للقضاء على أهل السنة في مصر وإرجاع الدولة العبيدية( ). وفرح الناس ببلاد الشام بعودة السنة, قال أبو المظفر الجوزي: «كان الشيخ العماد يحضر مجلسي دائمًا ويقول صلاح الدين: يوسف فتح الساحل, وأظهر الإسلام وأنت يوسف أحييت السنة بالشام»( ). وكان العماد المقدسي -رحمه الله- يجلس من الفجر إلى بعد العشاء يعلم الناس القرآن والأحكام ويشرح لهم الإسلام, لقد ساهمت مدرسة الحنابلة السنية في محاربة الجهل, ودحر الرفض, وإحياء السنة, وإذكاء جذوة الجهاد في نفوس المسلمين. 10- الحملات المتتابعة التي قام بها حكام السلاجقة لاقتلاع جذور الباطنية, وإليك ما قام به هؤلاء الأمراء من خدمة جليلة للعالم الإسلامي. ففي سنة 436هـ قام سلطان بلاد ما وراء النهر بغراخان بحملة مباركة للقضاء على طائفة الإسماعيلية, وبدأ بالقضاء على من دخل بلاده من دعاة العبيديين الذين أرسلتهم الخلافة العبيدية في مصر, فقتلهم كلهم وكتب إلى سائر البلاد بقتل من فيها, وسلمت تلك البلاد منهم( ) بقتل الباطنية, فقام أهل أصبهان بقتل من عندهم يقودهم في ذلك الفقيه الشافعي السني مسعود بن محمد الخجندي. وفي سنة 500هـ قتل السلطان محمد بن ملكشاه السلجوقي مقتلة عظيمة منهم, وأجلاهم عن قلعة أصبهان بعد حصارها وبعد مخادعة ومخاتلة منهم, وقتل صاحبها ابن غطاش( ). وفي سنة 523هـ حاول الإسماعيلية تسليم دمشق للصليبيين مقابل أن يسلمهم الصليبيون مدينة صور واكتشف أمير دمشق هذه المؤامرة الشنيعة «بوري بن طغتكين», فقتل متولي الإسماعيلية المزوقاني ونادى في البلد بقتل الباطنية؛ فقتل منهم ستة آلاف وكان ذلك في شهر رمضان( ). وفي حوادث سنة 511هـ قال ابن الأثير: علم السلطان محمد «السلجوقي» أن مصالح العباد والبلاد منوطة بمحو آثارهم وإخراب ديارهم وملك حصونهم وقلاعهم, وكان في أيامه المقدم عليهم والقيم بأمرهم الحسن بن الصباح الرازي صاحب قلعة «ألموت» وكانت أيامه قد طالت, فقد ملك القلعة ما يقارب ستًّا وعشرين سنة, وكان المجاورون له في أقبح صورة من كثرة غزاته لهم وقتله رجالهم, فسير السلطان له العساكر بقيادة أنوشتكين, فملك عدة قلاع منهم, ثم سار إلى قلعة «ألموت» وحاصرهم أشهرًا وهم يراوغون لأخذ الأمان وترك القلعة, واستمر هذا القائد في حصارهم, ثم جاء الخبر بوفاة السلطان محمد فتفرق عنه العساكر ولم تفتح القلعة( ). وفي عهد السلطان سنجر (521هـ) أوقع بالباطنية في «قلعة ألموت» وقتل منهم خلقًا كثيرًا. إن محو آثار هؤلاء المجرمين أثخنت الدولة العبيدية وساهم في إضعاف المد الباطني في العالم الإسلامي وانحساره. إن اعمال السلاجقة في تتبع آثار الباطنية لا يستطيع أحد أن يجزيهم عن أعمالهم الجليلة التي خدمت الأمة الإسلامية إلا الكريم المنان الرزاق الفتاح الغفور الرحيم. 11- ظهور أمراء ربانيين أصحاب ديانة وتقوى ودراية بالحروب وحب للشهادة, وأخص بالذكر الأمير الرباني القائد الميداني الذي بدأ بجهاد الصليبيين وأعاد الثقة إلى نفوس المسلمين, ووحد مدن الجزيرة والموصل, وبدأ في الزحف على النصارى ينتزع منهم ما أخذوا من الحصون والمدن بقوة الإيمان ومضي الفارس «الأمير عماد الدين زنكي» الذي استطاع تخليص حلب من يد النصارى في عام 522هـ, وفي سنة 532هـ جاء الروم بجيش عظيم ومعهم الفرنجة فتحالف عماد الدين زنكي مع سلطان ابن منقذ الكناني حتى ردوا النصارى على أعقابهم خاسرين. وفي سنة 534هـ جهز زنكي حملاته على الإفرنج, وصبر المسلمون صبرًا لم يسمع بمثله إلا ما يحكى عن ليلة الهدير «القادسية» ونصر الله المسلمين وهرب ملوك الإفرنج. وكان من أعظم أعماله فتح «الرها» في سنة 539هـ, وعادت هذه المدينة إلى حكم الإسلام وهي من أشرف المدن عند النصارى, وسقطت بعدها الحصون القريبة وأخلى ديار الجزيرة من حكم الفرنج وشرهم. ولم يستطع زنكي إتمام هذه المرحلة, فقد قتل وهو يحاصر قلعة «جعبر» التي تقع على نهر الفرات في إقليم الجزيرة, وكان -رحمه الله- من خيار الملوك وأحسنهم سيرة, وكان شجاعًا مقدامًا حازمًا مدحته الشعراء في أعماله, وتوفي عام 541هـ مقتولاً. ومما مدحه من الشعراء في أعماله ما قام به الأمير زنكي في رد ملك الروم عندما زحف على شيزر حيث قال المسلم بن خضر بن قسيم الحموري في قصيدة أولها: بعزمك أيها الملك العظيم تذل لك الصعاب وتستقيم

ومنها:

ألم تر أن كلب الروم لما تبين أنه الملك الرحيم

فجاء يطبق الفلوات خيلاً كأن الجحفل الليل البهيم

وقد نزل الزمان على رضاه ودان لخطبه الخطب العظيم

فحين رميته بك في خميس تيقن أن ذلك لا يدوم

وأبصر في المفاضة منك جيشًا فأحرب لا يسير ولا يقيم

كأنك في العجاج شهاب نور توقد هو شيطان رجيم

أراد بقاء مُهجته فولى وليس سوى الحمام له حميم ( )

  • * *

المبحث الثاني نــــــور الدين محمـــــود

تولى أمور الدولة الزنكية بعد وفاة عماد الدين زنكي ابنه نور الدين, الذي نشأ مع والده في العراق ثم الموصل وبلاد الشام. وبعد وفاة والده قام مقامه وأظهر السنة في حلب وغير البدعة وقمع الرافضة, وبنى المدارس وأوقف الأوقاف, وأظهر العدل, وكان كثير المطالعة للكتب الدينية متبعًا للآثار النبوية, مواظبًا على الصلوات في الجماعات, عاكفًا على تلاوة القرآن, عفيف البطن والفرج, مقتصدًا في الإنفاق, متحريًا في المطاعم والملابس, لم تسمع منه كلمة فحش( ), قال عنه ابن الأثير: «طالعت تواريخ الملوك المتقدمين قبل الإسلام وبعده إلى يومنا هذا فلم أر بعد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز أحسن سيرة منه»( ). ومن زهده وتقواه أنه كان لا يأكل ولا يلبس إلا من ملك كان له اشتراه من سهمه من الغنيمة, ومن الأموال المرصدة لمصالح المسلمين, وقد شكت إليه زوجته الضائقة وزيادة النفقة فاحمر وجهه وقال: «من أين أعطيها ما يكفيها, والله لا أخوض نار جهنم في هواها, ثم قال: لي بمدينة حمص ثلاثة دكاكين ملكًا, قد وهبتها إياها فلتأخذها»( ). وقال ابن الأثير: «وكان يصلي كثيرًا من الليل ويدعو ويستغفر ولا يزال كذلك إلى أن يركب». جمع الشجاعة والخشوع لربه ما أحسن المحراب في المحراب ( )

وكان عارفًا بالفقه على مذهب أبي حنيفة, وليس عنده تعصب, بل الإنصاف سجيته في كل شيء, وعلى الحقيقة فهو الذي جدد للملوك اتباع سنة العدل والإنصاف, وترك المحرمات من المأكل والمشرب والملبس, فإنهم كانوا قبل ذلك كالجاهلية همة أحدهم بطنه وفرجه, لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا, وأما عدله فإنه كان أحسن الملوك سيرة, فلم يترك في بلاده ضريبة ولا مكسًا ولا غشًا, بل منعها رحمه الله جميعًا في بلاد الشام والجزيرة ومصر( ). ومن عدله أنه بنى دارًا للعدل, وكان سبب بنائها أن أمراءه وقواد جيوشه تعدوا على من يجاورهم, فكثرت الشكاوي إلى القاضي كمال الدين, فأنصف بعضهم ولم يتجرأ على القائد أسد الدين شيركوه, فلما سمع نور الدين بذلك بنى هذه الدار وأحس أسد الدين بهذا فقال لنوابه: «والله لئن أحضرت إلى دار العدل بسبب أحدكم لأصلبنه, فامضوا إلى كل من بينكم وبينه منازعة فأرضوه وافصلوا الحال معه, فقالوا: إذا فعلنا هذا فإن الناس يشتطون في الطلب, فقال: خروج أملاكي عن يدي أسهل عليَّ من أن يراني نور الدين بعين ظالم, وكان نور الدين يجلس في هذه الدار يومين في الأسبوع, فلما علم ما حصل مع أسد الدين شيركوه سجد لله شكرًا. وكان فعاله في بلاد الإسلام من المصالح كثيرة, فقد بنى أسوار مدن الشام جميعها وأحكم بناءها, وبنى المدارس بحلب وحماة ودمشق, وكان أهل الدين عنده في أعلى محل. وكان أمراؤه يحسدونهم على ذلك, فقد ذكر أحد الأمراء الشيخ قطب الدين النيسابوري أمام نور الدين فقال له السلطان: يا هذا, الذي تتكلم عليه له حسنة تغفر كل زلة وهي العلم والدين, وأما أنت وأصحابك ففيكم أضعاف ما ذكرت, وليست لكم حسنة تغفرها, وأنا أحمل سيئاتكم مع عدم حسناتكم, أفلا أحمل سيئة هذا –إن صحت- مع وجود حسناته, على أنني والله لا أصدقك فيما تقول, وإن عدت وذكرته بسوء لأؤدبنك»( ). ومن عفته وتقواه أن ما كان يُهدى إليه من هدايا الملوك لا يتصرف في شيء منه لا قليل ولا كثير, بل يخرجه إلى مجلس القاضي, ويحصل ثمنه ويصرفه في عمارة المساجد المهجورة ( ). وكان نور الدين -رحمه الله- يتقبل النقد بصدر رحب مهما بلغت شدته, ومن ذلك ما فعله الواعظ أبو عثمان المنتخب بن أبي محمد الواسطي -كان من صالحي زمانه- تناول نقدًا للدولة الزنكية في أخذها الضرائب والمكوس في حضور نور الدين نفسه, فحذره وخوفه مما هو فيه, وقال لنور الدين هذه القصيدة: مثل وقوفك أيها المغرور يوم القيامة والسماء تمور

إن قيل نور الدين رحت مسلمًا فاحذر بأن تبقى ومالك نور

أنهيت عن شرب الخمور وأنت في كأس المظالم طائش مخمور

عطَّلت كاسات المدام تعفُّفًا وعليك كاسات الحرام تدور

ماذا تقول إذا نقلت إلى البلى فردًا وجاءك منكر ونكير

ماذا تقول إذا وقفت بموقف فردًا ذليلاً والحسابُ عسير؟ ذ وتعلقت فيك الخصوم وأنت في يوم الحساب مسلسل مجرور

وتفرقت عنك الجنود وأنت في ضيق القبور موسد مقبور

ووددت أنك ما وليت ولاية يومًا ولا قال الأنام أمير

وبقيت بعد العز رهن حُفيرة في عالم الموت وأنت حقير

وحسرت عريانًا حزينًا باكيًا قلقًا ومالك في الأنام مجير

أرضيت أن تحيا وقلبك دارس عافى الخراب وجسمك المعمور

أرضيت أن يحظى سواك بقربه أبدًا وأنت معذب مهجور

مهد لنفسك حجة تنجو بها يوم المعاد ويوم تبدو العور

فلما سمع نور الدين هذه الأبيات بكى بكاء شديدًا, وأمر بوضع المكوس والضرائب في سائر البلاد( ). وكتب إلى الناس ليكون منهم في حل مما كان أخذ منهم, ويقول لهم: إنما صرف ذلك في قتال أعدائكم من الكفرة والذب عن بلادكم ونسائكم وأولادكم. وكتب بذلك إلى سائر ممالكه وبلدان سلطانه, وأمر الوعاظ أن يستحلوا له من التجار, وكان يقول في سجوده: اللهم ارحم المكاس العشار الظالم محمود الكلب( ). وكان -رحمه الله- يحارب روح التزلف والنفاق للمسئولين, فمن ذلك أنه منع خطباء المساجد الذين يبالغون في الدعاء له ويصفونه بالعبارات الرنانة التي تعودوا أن يتقربوا بها إلى قلوب السلاطين, فطلب إلى خالد بن محمد بن نصر القيسراني أن يوقف ذلك, وأن يكتب له صيغة دعاء بسيط تطابق الواقع بأحواله وأفعاله, فكتب له الصيغة التالية: «اللهم أصلح عبدك الفقير إلى رحمتك, الخاضع لهيبتك, المعتصم بقوتك, المجاهد في سبيلك, المرابط لأعداء دينك: أبا القاسم محمود بن زنكي بن آق سنقر ناصر أمير المؤمنين». فقرأ نور الدين نسخة الدعاء وعلق عليها العبارة التالية: «مقصودي ألا يكذب على المنبر, أنا بخلاف كل ما يقال أأفرح بما لا أعمل؟! قلة عقل عظيم, الذي كتبت هو جيد اكتب به نسخًا حتى نسيره إلى جميع البلاد» ثم أضاف: «ثم يبدأ بالدعاء: اللهم أره الحق حقًا, اللهم اسعده, اللهم انصره, اللهم فقهه... من هذا الجنس»( ). وعندما طُلب من نور الدين أن يسمح للأمراء أن يعملوا بنوع من السياسة؛ لأن المفسدين وقطاع الطرق قد كثروا ويحتاج إلى نوع من السياسة, ومثل هذا لا يجئ إلا بقتل وصلب وضرب, وإذا أخذ مال إنسان في البرية من يجئ ليشهد له؟. فلما وصل الكتاب إلى نور الدين قلبه وكتب على ظهره: «إن الله تعالى يخلق الخلق وهو أعلم بمصلحتهم, وإن مصلحتهم تحصل فيما شرعه على وجه الكمال, ولو علم أن على الشريعة زيادة في المصلحة لشرعه لنا, فما لنا حاجة إلى زيادة على ما شرعه الله تعالى, فما زاد فقد زعم أن الشريعة ناقصة فهو يكملها بزيادته, وهذا من الجرأة على الله وشرعه, والعقول المظلمة لا تهدي, فالله سبحانه وتعالى يهدينا إلى الكتاب وإلى الصراط المستقيم, وكان الذي طلب من السلطان نور الدين الشيخ عمر الملاء بطلب من الأمراء, فلما وصل رد السلطان إلى الشيخ عمر جمع أهل الموصل وقرأ عليهم الكتاب وقال: «انظروا في كتاب الزاهد إلى الملك, وكتاب الملك إلى الزاهد»( ). هذا الذي ذكرت بعض سيرة السلطان نور الدين محمود ليعلم القارئ أن الذي يكرمه الله بنصره وتأييده له لابد أن يكون ربانيًا موصولاً بالله تعالى. وكانت سياسة دولة نور الدين محمود لها أهداف رسمتها وسعت سعيًا حثيثًا لتحقيقها, ومن أهم تلك الأهداف الواضحة المعالم: أولاً: إعداد الشعب إسلاميًا وتطهير الحياة الدينية والثقافية من التيارات الفكرية المنحرفة كالباطنية, وآثار الفلسفة اليونانية, والممارسات العبيدية للعبادات والشعائر, ولهذا الهدف النبيل عمدت الدولة إلى بناء المدارس ودور القرآن ودور الحديث, واستقدمت مشاهير العلماء والتربية, وخاصة الذين تخرجوا من المدرستين التربويتين الغزالية والقادرية, وانصبت الخطة التعليمية التربوية في زمن السلطان نور الدين محمود على صياغة الجماهير المسلمة بما يتفق مع أهداف الإسلام على أسس عقدية واضحة المعالم, وكانت محاضن هذا الإعداد في المدارس والمساجد, وكان في دمشق وحدها أكثر من مائة مسجد, وركزت تلك الانطلاقة العلمية على بث روح الإسلام ذات المفاهيم السنية والطريقة النبوية, واستهدفت تجفيف وحسر التعاليم والمذاهب الإسماعيلية والفلسفية التي تركت آثارًا عميقة في عقائد السكان وعاداتهم ومواقفهم السياسية والاجتماعية, والتي من أجلها وصفهم ابن جبير بأنهم لا إسلام لهم, وأنهم أهل أهواء وبدع إلا من رحم الله, ومنعت الدولة الزنكية كل المظاهر العبيدية في البلدان التي ضمتها إلى أملاكها, فمنعت من الأذان «حي على خير العمل» والتظاهر بسب الصحابة, وأنكرت ذلك إنكارًا شديدًا, ووقف علماء أهل السنة مع الدولة كجنود لها مخلصين, وعظم الخطب على طائفة الإسماعيلية الباطنية العبيدية وأهل التشيع عمومًا, وضاقت صدورهم وهاجوا وماجوا, ثم سكتوا وأحجموا للخوف من سطوة الدولة الزنكية السنية( ). وكان الفقيه الشافعي قطب الدين الدين النيسابوري الخراساني صاحب القدح المعلي في إحياء السنن في زمن السلطان نور الدين محمود, وكذلك ابن الشيخ أبي النجيب الأكبر البغدادي كان من أعمدة الدولة الزنكية, وانضم إلى النورية من أصبهان شرف الدين عبد المؤمن بن شوردة. وأوضح السلطان نور الدين سياسة الدولة التعليمية بقوله: «ما أردنا ببناء المدارس إلا نشر العلم ودحض البدع من هذه البلدة وإظهار الدين». وتبارى الوزراء والقادة والأغنياء والرجال والنساء في إنفاق أموالهم في بناء المدارس والمؤسسات التعليمية وتوفير الفرصة لأفراد الأمة لدخولها والاستفادة منها. وكانت جماهير المسلمين العريضة من العمال والمزارعين والتجار مستهدفة من قبل الدولة الزنكية, فلم تترك إرشادهم وتوجيههم فزرعت في نفوسهم العقيدة والأخلاق والقيم, وكان للتصوف المعتدل بقيادة الشيخ عبد القادر الجيلاني أثر واضح في نفوس الجماهير, واستفادت الدولة الزنكية من الحركة الصوفية الإصلاحية القادرية, فأقامت لهم الأربطة والزوايا, واحترمت شيوخهم واستقدمتهم وهذبت الجماهير وزكتهم وفق خطة الدولة المرسومة, واهتمت الدولة بالإعداد العسكري إلى جانب التعليم والإرشاد والتربية, ودربت كل أتباعها تدريبًا عسكريًا وبثت روح الجهاد في صفوفهم, وكان التدريب يقوم على دعامتين: 1- الإعداد المعنوي والروحي. 2- ثم التدريب العسكري وألف زعيم الدولة الزنكية السلطان نور الدين محمود كتابًا في الجهاد. وتكاملت جهود العلماء والفقهاء والمربين والقادة والزعماء في داخل مؤسسات الدولة المتعددة, وسعت في تحقيق برامج الدولة النورية السنية. وبسبب هذا التكامل والوفاق أصبحت الدولة النورية قطبًا جذابًا لجميع العلماء والشيوخ, فهاجروا إليها من كل بقاع العالم الإسلامي, وانضووا تحت لوائها الإسلامي المجيد, وتجاوز عددهم الآلاف, واستفادت الدولة منهم وفق برامجها, وتذكر كتب التاريخ أسماء الآلاف من المدارس ودور القرآن والحديث والأربطة والزوايا التي تضافرت فيها الجهود المذكورة, وأصبحت الدولة الزنكية بقيادة السلطان نور الدين تشرف على كل الخطط والبرامج المرسومة التي بدأت تعطي ثمارها بتغيير البنية القديمة لبلاد الشام, ونشأ جيل التغيير الفعلي, وسيطرت الروح الإسلامية لدى هيئات المجتمع وأفراده, ووجهت نشاطاتهم في جميع ميادين الحياة القائمة, وأصبح التغيير تغيير أمة, وتحققت سنة الله الجارية فيهم( ): +إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ" [الرعد:11]. ثانيًا: استطاعت الدولة الزنكية أن تصبغ الإدارة بالصبغة الإسلامية وأن تدمج القيادات السياسية والفكرية بالمفاهيم والأحكام الشرعية. فكان رجال نور الدين ومعاونوه وقادة جيشه على مستوى راقٍ من العلم والأخلاق, ومن أمثلة ذلك وزيره أبو الفضل محمد بن عبد الله بن القاسم الشهرزوري, فقد كان فقيهًا أصوليًا شغل مناصب مختلفة, منها السفارة والوزارة وناظر الأوقاف وناظر المالية والقضاء, واستمر على ذلك حتى قيادة صلاح الدين( ). ومنهم عبد الله بن محمد بن أبي عصرون الذي شغل منصب قاضي دمشق وناظرًا للأوقاف( ), وكذلك كان صلاح الدين فقيهًا درس الفقه الشافعي, وسمع الحديث من أبي طاهر السلفي وغيره, روى الحديث عنه أناس مثل يونس بن محمد الفرقي والعماد الكاتب وغيرهم, ويقال: إنه كان يحفظ القرآن و«التنبيه» في الفقه و«الحماسة» في الشعر( ). ومثله وزيره الشهير وكاتبه ومستشاره القاضي الفاضل عبد الرحيم بن علي والذي قال صلاح الدين عنه: لم أفتح البلاد بسيفي وإنما برأي القاضي الفاضل, وكان القاضي الفاضل يجمع إلى حنكته السياسية ورعًا فائقًا, فكان كثير الصيام والصلاة وقراءة القرآن, وكان متواضعًا يُكثر عيادة المرضى والإحسان للفقراء, لقد أظهر هذا الرعيل من صنوف المهارات في التخطيط والتنفيذ وحشد مقدرات الأمة وتنظيمة ما هيأها لمجابهة التحديات في الداخل والخارج, ومن أمثلة المهارات والمزايا ما يلي: الأولى: تكامل القيادات الفكرية والسياسية, فقد أدركت هذه القيادات خطورة الارتجال أو انفراد فريق من القيادات دون الآخر, واعتمدت في القرارات التي تتخذها على آراء العلماء والمختصين, فكان لدى نور الدين مجلس دوري يلتقي فيه القادة والعسكريون مع العلماء المختصين حيث يحتل العلماء المختصون المنزلة الأولى فيه( ). الثانية: اعتماد الشورى وعدم الانفراد باتخاذ القرارات, ولقد تميزت إدارة نور الدين بالشورى, وتبادل الآراء في كل أمور الدولة, فكان له مجلس فقهاء يتألف من ممثلي سائر المذاهب والصوفية, يبحث في الإدارة والميزانية, فإذا بحث أمرًا يخص الأمة جميعها, أو كان ذا علاقة بالأموال المرصودة لصالح المسلمين جمع أعضاء هذا المجلس وشاورهم فيه, وسأل كل عضو ما عنده من الفقه, ولا يتعدى الرأي الذي يتفق عليه, ومن ذلك ما حدث في قلعة دمشق في 19 صفر عام 554هـ/11 يوليو سنة 1149م حين عقد نور الدين مجلسًا دعا إليه القضاة وكبار رجال الدولة ونفرًا من الأعيان وشهود العدالة للنظر في الأوقاف المرصودة للجامع الأموي, وكان شيوخ الجامع فيما مضى قد أدخلوا في أوقاف الجامع عقارات وأعيانًا أخرى داخلة في المنافع العامة, فأحب نور الدين أن يفصل هذه عن تلك, لكي يستخدم أموال المنافع في التحصينات العسكرية في الثغور وبناء سور دمشق لصيانة المسلمين وأموالهم؛ لأن هذا من «أهم المصالح» عند نور الدين, وأقر المجلس رأيًا يخالف ما أراده نور الدين ولم يأذنوا له بصرف فواضل الأوقاف في عمارة الأسوار وعمل الخندق للمصلحة المتوجهة على المسلمين, وأجازوا له أن يأخذ قرضًا من هذه الفواضل يستخدمه في تلك المصلحة على أن يرده من بيت المال, ومع شدة حاجة نور الدين إلى المال لمطالب الحرب وأعمال الدفاع في ذلك الحين فإنه قبل رأي المجلس بنفس راضية, ولم يمس أوقاف الجامع الكثيرة احترامًا للرأي وتكريمًا للدين ورجاله( ). الثالثة: من المميزات التي ميزت تلك الإدارة هي غلبة المصلحة العامة على الانفعالات والمصالح الشخصية في معالجة المشكلات التي قد تثور بين الأقران. الرابعة: التفاني في أداء الواجب المقدس بتعاون وتآخ إسلامي رفيع ابتغاء مرضاة الله, وكان تعلقهم بالدين والشرع شيء يدل على تربية عالية, ومن حبهم لدينهم جعل الأمراء والحكام والسلاطين يتخيرون أسماء تدل على ذلك: عماد الدين, سيف الدين, معين الدين, نور الدين, صلاح الدين, أسد الدين, نجم الدين وزين الدين, وكان البويهيون الشيعة من حبهم للدنيا يسمون: عضد الدولة, بهاء الدولة, صمام الدولة. وكان أمراء وحكام الدولة النورية يحبون الموت في سبيل الله في ساحات الوغى, وإذا تعذر ذلك كتبوا في وصيتهم أن يدفنوا في المدينة النبوية, فعل ذلك جمال الدين الموصلي, وأسد الدين شيركوه, وأخوه نجم الدين والد صلاح الدين( ).

  • * *

توحيد بلاد الشام والديار المصرية كانت سياسة نور الدين محمود الرشيدة تسعى لتوحيد المسلمين تحت قيادة واحدة ومنهج أصيل, فاستطاع أن يضم دمشق مع حلب والرها وغيرها من المدن الإسلامية التي حررها المسلمون بقوة السيف وحب الشهادة, وبدأ نور الدين في زحفه على حصون النصارى ومدنهم الواقعة بين مصر والشام, وكانت رغبة نور الدين في تخليص بلاد مصر من العبيديين الباطنيين الحاقدين حلفاء النصارى أمنية غالية ومطلبًا شرعيًا رفيعًا, فأرسل إلى مصر علماء وفقهاء ووعاظ لدعوة الناس, وتهيئة الرأي العام للفتح السني المجيد, وتخليص البلاد من نتن الروافض البغيض, ومن أشهر العلماء الذين قاموا بهذا الدور محمد بن الموفق الخبوشاني الذي دخل مصر في عام 560هـ وبدأ يبشر بالإسلام الصحيح, ويلعن العبيديين, ويصفهم بالزندقة واليهودية, وتطاير الركبان بأخباره في أنحاء العالم الإسلامي( ). وكانت الدولة النورية السنية تتحين الفرصة للدخول العسكري إلى مصر وجاءت الفرصة المناسبة عندما اختلف حكام مصر العبيديون فيما بينهم من أجل مصالحهم الدنيوية, فاستنجد الوزير شاور بنور الدين محمود, والقائد ضرغام بن ثعلبة بالصليبيين واحتدم الصراع ومر بمراحل حتى استطاع أسد الدين شيركوه الذي أرسله نور الدين إلى مصر أن يُحكم قبضته, واستقر الأمر لنور الدين في عام 564هـ عندما تولى أمر مصر صلاح الدين بعد عمه أسد الدين, وتدرج صلاح الدين في القضاء على الدولة العبيدية في مصر, وإعادة السنة فيها ووحد الصفوف الإسلامية لفتح بيت المقدس. وفاة نور الدين محمود في عام 569هـ( ) انتقل إلى رحمة الله السلطان السني الغيور المخلص المجاهد مميت البدعة ومحيي السنة وهازم النصارى وناصر الدين السلطان نور الدين محمود بعد جهاد عظيم, وعمل جليل, وتفان نادر, وخدمة للدين, وتقدم تلميذه المخلص الذي تربى على يديه واختاره لقيادة الجيوش السلطان صلاح الدين الأيوبي.

المبحث الثالث صلاح الدين الأيوبي محرر القدس ومزيل دولة العبيديين من مصر ولد السلطان يوسف بن أيوب سنة 532هـ بقلعة تكريت في العراق, وكان والده أيوب بن شادي واليًا عليها, ثم انتقل الوالد إلى الموصل ومعه أخوه أسد الدين شيركوه, وتربى الشبل الأيوبي في كنف والده وعمه المجاهدين, وبدأ يترقى في كتائب المجاهدين, وانتدب لمرافقة عمه أسد الدين عندما أرسل نور الدين محمود إلى مصر, وتسلم منصب وزارة التفويض بعد وفاة عمه في نهاية الدولة العبيدية, وبدأ في إرجاع مصر للخلافة السنية العباسية متدرجًا في تنفيذ هدفه النبيل, والذي اشتاقت إليه نفوس المسلمين, فعزل قضاة مصر الروافض العبيديين, وأسند أمر القضاء إلى عبد الملك بن درباس الشافعي, وقطع الأذان بـ «حي على خير العمل» وأقام الخطبة للخليفة العباسي بعد أن انقطعت الخطبة للعباسيين بمصر 208 سنوات, وبشر نور الدين محمود الخليفة العباسي بذلك, وفرح الناس, وقضى صلاح الدين على كل المحاولات الفاشلة لإرجاع مصر للخلافة العبيدية, وأحسن إلى الرعايا إحسانًا كثيرًا. وقال العماد الأصبهاني في رجوع مصر للخلافة العباسية أبياتًا شعرية رائعة بعد وفاة العاضد العبيدي وزوال ملكه ودولته من مصر: توفى العاضد الدعي مما يفتح ذو بدعة بمصر فما

وعصر فرعونها انقضى وغدا يوسفها في الأمور محتكما

قد طفئت جمرة الغواة وقد داخ من الشرك كل ما اضطرما

وصل شمل الصلاح ملتئمًا بها وعقد السداد منتظمًا

لما غدا مشعرًا شعار بني العباس حقًا والباطل اكتتما

وبات داعي التوحيد منتظرًا ومن دعاة الإشراك منتقما

وظل أهل الضلال في ظلل داحية من غبائه وعمى

وارتكس الجاهلون في ظلم لما أضاءت منابر العلما

وعاد المستضيء معتليًا ببناء حق بعد ما كان منهدما

أعيدت الدولة التي اضطهدت وانتصر الدين بعد ما كان اهتفما

واهتز عطف الإسلام من جلل وافتر ثغر الإسلام وابتسما

واستبشرت أوجه الهدى فرحًا فليقرع الكفر سنه ندما

عاد حريم الأعداء منتهك الهدى وفي الطغاة منقسما

قصور أهل القصور أخربها عامر بيت من الكمال سما

أزعج بعد السكوت ساكنها ومات ذلاً وأنفه رغمًا ( )

وكان سقوط الدولة العبيدية سنة 567هـ وقال ابن كثير في ذلك: «قد كانت مدة ملك الفاطميين مائتي سنة وكسرًا, فصاروا كأمس الذاهب: +كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا" [هود:95]. وكان أول من ملك منهم المهدي, وكان من سلمية حدادًا اسمه عبيد, وكان يهوديًا, فدخل بلاد المغرب وتسمى بعبيد الله, وادعى أنه شريف علوي فاطمي, وقال عن نفسه إنه المهدي, كما ذكر ذلك غير واحد من العلماء والأئمة بعد الأربعمائة, والمقصود أن هذا الدعي الكذاب راج له ما افتراه في تلك البلاد, وآزره جماعة من الجهلة, وصارت له دولة وصولة, ثم تمكن إلى أن بنى مدينة سماها المهدية نسبة إليه, وصار ملكًا مطاعًا, يظهر الرفض وينطوي على الكفر المحض, ثم كان من بعده ابنه القائم محمد, ثم ابنه المنصور إسماعيل, ثم ابنه معد, وهو أول من دخل ديار مصر منهم, وبنيت له القاهرة المعزية والقصران, ثم ابنه العزيز نزار, ثم ابنه الحاكم منصور, ثم ابنه الطاهر علي, ثم ابنه المستنصر معد, ثم ابنه المستعلي أحمد, ثم ابنه الآمر منصور, ثم ابن عمه الحافظ عبد المجيد, ثم ابنه الظافر إسماعيل, ثم الفائز عيسى, ثم ابن عمه العاضد عبد الله وهو آخرهم, فجملتهم أربعة عشر ملكًا, مدتهم مائتان ونيف وثمانون سنة, وكذلك عدد خلفاء بني أمية أربعة عشر أيضًا ولكن مدتهم نيف وثمانون سنة إلى أن قال... وقد كان الفاطميون أغنى الخلفاء وأكثرهم مالاً, وكانوا من أغنى الخلفاء وأجبرهم وأظلمهم, وأنجس الملوك سيرة, وأخبثهم سريرة, وظهرت في دولتهم البدع والمنكرات, وكثر أهل الفساد, وقل عندهم الصالحون من العلماء والعباد, وكثرت بأرض الشام النصيرية والدرزية والحشيشية, وتغلب الفرنج على سواحل الشام بكامله, حتى أخذوا القدس ونابلس وعجلون والغور وبلاد غزة وعسقلان وكرك والشوبك وطبرية وبانياس وصور وعكا وصيدا وبيروت وصفد وطرابلس وأنطاكية وجميع ما والى ذلك, وقتلوا من المسلمين خلقًا وأممًا لا يحصيهم إلا الله, وسبوا ذراري المسلمين من النساء والولدان مما لا يحد ولا يوصف, وكل هذه البلاد كانت الصحابة قد فتحوها وصارت دار إسلام, وأخذوا أموال المسلمين ما لا يحد ولا يوصف, وكادوا أن يتغلبوا على دمشق ولكن الله سلم, وحين زالت أيامهم وانتفض إبرامهم أعاد الله عز وجل هذه البلاد كلها إلى المسلمين بحوله وقوته وجوده ورحمته»( ). وقد مدح علماء أهل السنة وفقهاؤهم وحكامهم هذا الفعل الجميل لصلاح الدين ألا وهو القضاء على دولة العبيديين الرافضية الباطنية, وأكثر الشعراء القصائد في مدح صلاح الدين فقال بعضهم: أبدتم من بلى دولة الكفر من بني عبيد بمصر إن هذا هو الفضل

زنادقة شيعية باطنية مجوس وما في الصالحين لهم أصل

يُسرون كفرًا يظهرون تشيعًا ليستروا سابور عمهم الجهل( )

إن نور الدين محمود كان يرى إزالة العبيدية هدفًا استراتيجيًا للقضاء على الوجود النصراني, والنفوذ الباطني في بلاد الشام؛ ولذلك حرص على إعادة مصر للحكم الإسلامي الصحيح, فوضع الخطط اللازمة وأعد الجيوش المطلوبة وعين الأمراء ذوي الكفاءة المنشودة, فتمم الله له ما أراد على يد جنديه المخلص صلاح الدين الذي نفذ سياسة نور الدين الحكيمة الرشيدة. وبعد أن استقرت أمور البلاد والعباد في مصر, وأزيلت البدعة, وأحييت السنة, وأميتت الفتنة, وانتقل نور الدين إلى ربه الغفور الرحيم, آل الأمر إلى صلاح الدين بعد فتن استطاع أن يقضي عليها, ووحد بلاد الشام ومصر تحت زعامته الفتية, وشرع في تنفيذ الأهداف المرسومة للدولة النورية. وكان من أهداف نور الدين العظيمة تحرير ديار المسلمين من النصارى وتحرير بيت المقدس, حتى إنه هيأ منبرًا عظيمًا لهذه الغاية, ولكنه مات قبل تحقيق هذا الهدف الغالي الذي ادخره الله لصلاح الدين, فعزم صلاح الدين على مواصلة حركة الجهاد المقدس, وفك الحصون والمدن من النصارى بالقوة بخطة واضحة محكمة, فانتصر على الفرنجة في موقعة «مرج العيون» سنة 575هـ وموقعة «بانياس» وأسر رؤساءهم ودمر حصن الأحزان في صفد, وما زال يناوش الفرنجة وينتزع منهم الحصون حصنًا بعد حصن حتى تجمع عنده جيش كبير في سهل حطين, حيث كانت الموقعة الكبرى التي كسرت عظام الصليبيين ومهدت لفتح القدس, وقد أسر وقتل معظم من حضرها من الفرنجة: «فمن شاهد القتلى قال: ما هناك أسير, ومن عاين الأسرى قال: ما هنالك من قتيل, ومنذ استولى الفرنج على ساحل الشام ما شفى للمسلمين كيوم حطين غليل»( ). وكان من الأسرى صاحب الكرك «أرناط» الذي كان يؤذي الحجاج وسب رسول الله ×, وكان قد وصل صلاح الدين ذلك فنذر لله ليقتلنه بنفسه حمية لدينه وحبًا لرسوله ×. فقتله صلاح الدين بنفسه ووفى نذره وخلص المسلمين من شره. وكانت موقعة حطين سنة 583هـ وركب الصليبيين النصارى غم وهم وحزن ورعب, وزحفت جيوش الناصر صلاح الدين تحرر مدن المسلمين, وتذل النصارى الحاقدين, وتخلص أسرى المسلمين من الأسر الذي طال أمده, وأرسل السلطان صلاح الدين أعيان الفرنج ومن لم يقتل من رؤوسهم, وبصليبهم الذي كانوا يحملونه في حروبهم ويزعمون أن المسيح عليه السلام صلب عليه والمسمى عندهم صليب الصلبوت بصحبة القاضي ابن أبي عصرون إلى دمشق ليودعوا في قلعتها, فدخل الصليب منكسًا وكان يومًا مشهودًا. وسار السلطان إلى قلاع النصارى ومدنهم فحرر قلعة طبرية, ثم خلص عكا من النصارى وفك أسرى المسلمين منها وكانوا أربعة آلاف مسلم ثم صيدا وبيروت ثم عسقلان ونابلس ثم بيسان وأرض الغور, فملك ذلك كله. وأمر السلطان جيوشه أن ترتاح في هذه الأماكن ويستعدوا لفتح القدس, وطار في الناس الخبر, وعلموا عزم السلطان على ذلك فقصده العلماء والصالحون من أماكن عديدة تطوعًا, وجاؤوا إليه كجنود في خدمته الميمونة( ). وبدأت بشائر التحرير بزحف جيوش صلاح الدين نحو بيت المقدس الذي استمر ثنتين وتسعين سنة تحت سيطرة النصارى الحاقدين, وضربت جيوش الناصر صلاح الدين الحصار المحكم على بيت المقدس واستمر حصارها. وتذكر كتب التاريخ أن صلاح الدين عندما سار إلى بيت المقدس وصلته رسالة من أحد المأسورين في القدس فيها أبيات على لسان المسجد الأقصى: يا أيها الملك الذي لمعالم الصلبان نكس

جاءت إليك ظلامة تسعى من البيت المقدس

كل المساجد طهرت وأنا على شرفي منجس ( )

وبعد اشتداد الحصار على النصارى طلبوا الأمان ونزل ملك بيت المقدس يترفق السلطان وذل ذلاً عظيمًا, فأجابهم صلاح الدين, ودخل المسلمون القدس ووفوا بالصلح المضروب مع النصارى, وشرعوا في تنظيف المسجد الأقصى مما كان فيه من الصلبان والرهبان والخنازير, وأعيد على ما كان عليه زمن المسلمين, وغسلت الصخرة بالماء الطهور وأعيد غسلها بماء الورد والمسك الفاخر, وأبرزت للناظرين, وقد كانت مستورة مخبوءة عن الزائرين, ووضع الصليب عن قبتها وعادت إلى حرمتها, وامتن السلطان صلاح الدين على بنات الملوك ومن معهن من النساء والصبيان والرجال, ووقعت المسامحة في كثير منهم وشفع في أناس كثير فعفا عنهم, وفرق السلطان جميع ما قبض منهم من الذهب في العسكر, ولم يأخذ منه شيءًا مما يقتني ويدخر, وكان رحمه الله كريمًا مقدامًا شجاعًا حليمًا( ), وكان ذلك في بيت المقدس فقال: «لما تطهر بيت المقدس مما فيه من الصلبان والنواقيس والرهبان والقسس, ودخله أهل الإيمان, ونودي بالأذان وقرئ القرآن ووحد الرحمن, وكانت أول جمعة أقيمت في اليوم الرابع من شعبان, بعد يوم الفتح بثمان, فصف المنبر إلى جانب المحراب, وبسطت البسط وعلقت القناديل وتلي التنزيل, وجاء الحق وبطلت الأباطيل, وصفت السجادات وكثرت السجدات وأقيمت الصلوات, وأذن المؤذنون, وخرس القسيسون, وزال البؤس, وطابت النفوس, وأقبلت السعود, وأدبرت النحوس, وعُبِد الله الأحد الذي +لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ" [الإخلاص: 4،3]. وكبره الراكع والساجد, والقائم والقاعد, وامتلأ الجامع, وسالت لرقة القلوب المدامع, ولما أذن المؤذنون للصلاة قبل الزوال كادت القلوب تطير من الفرح في ذلك الحال, ولم يكن عيَّن خطيب فبرز من السلطان المرسوم الصلاحي وهو في قبة الصخرة أن يكون القاضي محيي الدين بن الزكي اليوم خطيبًا, فلبس الخلعة السوداء وخطب للناس خطبة سنية فصيحة بليغة, وذكر فيها شرف بيت المقدس, وما ورد فيه من الفضائل والترغيبات, وما فيه من الدلائل والأمارات, وقد أورد الشيخ أبو شامة الخطبة في الروضتين بطولها وكان أول ما قال: +فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ" [الأنعام:45]. ثم أورد تحميدات القرآن كلها, ثم قال: «الحمد لله معز الإسلام بنصره, ومذل الشرك بقهره, ومصرف الأمور بأمره, ومزيد النعم بشكره, ومستدرج الكافرين بمكره, الذي قدر الأيام دولاً بعدله من طله وهطله «الندى والمطر», الذي أظهر دينه على الدين كله, القاهر فوق عباده فلا يمانع, والظاهر على خليقته فلا ينازع, والآمر بما يشاء فلا يدافع, أحمده على إظفاره وإظهاره, وإعزازه لأوليائه ونصره أنصاره, حمد من استشعر الحمد باطن سره وظاهر إجهاره, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الأحد الصمد, الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد, شهادة من طهر بالتوحيد قلبه, وأرضى به ربه, وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله رافع الشكر وداحض الشرك, ورافض الإفك, الذي أُسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وعرج به منه إلى السموات العلى, إلى سدرة المنتهى +عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى", +مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى" [النجم: 17،15]. وعلى خليفته الصديق السابق إلى الإيمان, وعلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أول من رفع عن هذا البيت شعار الصلبان, وعلى أمير المؤمنين عثمان بن عفان ذي النورين جامع القرآن, وعلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب مزلزل الشرك, ومكسر الأصنام, وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان»( ). واستمر في خطبته الرفيعة المنيعة الممزوجة بالعاطفة الجياشة والمشاعر والأحاسيس المحبوسة إلى أن قال: فطوبى لكم من جيش ظهرت على أيديكم المعجزات النبوية, والوقعات البدرية, والعزمات الصديقية, والفتوحات العمرية, والجيوش العثمانية, والفتكات العلوية, جددتم للإسلام أيام القادسية والوقعات اليرموكية, والمنازلات الخيبرية, والهجمات الخالدية, فجزاكم الله عن نبيكم أفضل الجزاء, وشكرًا لكم ما بذلتموه من مهجكم في مقارعة الأعداء, وتقبل الله منكم ما تقربتم إليه من مهراق الدماء, وأثابكم الجنة فهي دار السعداء, فاقدروا –رحمكم الله- هذه النعمة حق قدرها, وقوموا إلى الله بواجب شكرها فله النعمة بتخصيصكم بهذه النعمة وترشيحكم لهذه الخدمة( )... إلى آخر ما جاء في الخطبة. وبعد أن تم هذا الفتح العظيم توافد إلى السلطان الشعراء والعلماء والكتاب والمؤرخون ينثرون أمامة من بلاغة الشعر, وحكم المقال ما قد ملأ الكتب الطوال, وإليك ما قاله الشاعر أبو الحسن بن علي الجويني: جند السماء لهذا الملك أعوان من شك فيهم فهذا الفتح برهان

هذي الفتوح فتوح الأنبياء وما لها سوى الشكر بالأفعال أثمان

أضحت ملوك الفرنج الصيدُ في يده صيدًا وما ضعفوا يومًا وما هانوا

تسعون عامًا بلاد الله تصرخ والإسلام أنصاره صم وعميان

فالآن لبى صلاح الدين دعوتهم بأمر من هو للمعوان معوان

إذا طوى الله ديوان العباد فما يُطوى لأجر صلاح الدين ديوان( )

وقال محمد بن سعد نقيب الأشراف بالديار المصرية: أترى منامًا ما بعيني أبصر القدس تفتح والفرنجة تُكسرُ

ومليكهم في القيد مصفود ولم يُر قبل ذلك لهم مليك يؤسر

فُتح الشام وطُهر القدس الذي هو في القيامة للأنام المحشر

يا يوسف الصديق أنت لفتحها فاروقها عمر الإمام الأطهر

ولأنت عثمان الشريعة بعده ولأنت في نصر النبوة حيدر ( )

وكانت بنود الصلح التي تمت بين صلاح الدين والنصارى: «أن يسمح لهم بالخروج لمدة أربعين يومًا, يدفع الرجل منهم عشرة دنانير, والمرأة خمسة, والولد اثنين, ومن لم يستطع ذلك فهو أسير»( ). إلا أن السلطان صلاح الدين تجاوز بند المعاهدة وعامل الصليبيين معاملة عطف ورحمة وإحسان, ليعطي للبغاة المعتدين, والملوك المستبدين الظالمين والصليبية الحاقدة على الإسلام والمسلمين النموذج الطيب, والقدوة الصالحة في السماحة والعدل والعفو عند المقدرة. فأعطى للنصارى العاجزين الذين تركهم أمراؤهم ولم يجدوا من يعينهم أعطاهم أموالاً ودواب لتحمل أثقالهم إلى ما يريدون. وكانت إحدى نساء ملك من ملوك الروم قد ترهبت واستأذنت للذهاب إلى زوجها والمكث معه فإذن لها وسيرها إلى زوجها السجين للبقاء معه بقلعة نابلس واجتمعت مجموعة من النساء وتوسلن للسلطان في أزواجهن وأبنائهن, فرق لهن, وأمر بالإفراج عنهم, وفتح للعجزة والفقراء باب الخروج دون دفع جزية, وذكر كتاب الغرب من أمثال «ستيفن سن» «استانلي لين بول» الشيء الكثير في بر وإحسان صلاح الدين بالنصارى. وأذن السلطان صلاح الدين لرجال الدين والناس كافة أن يحملوا معهم ما شاؤوا من المتاع والأموال, فأخذوا ما شاؤوا دون أن يعترضهم معترض, تاركين ما لا قبل لهم بحمله, فابتاعه المسلمون منهم. وكان أحد البطارقة قد خرج بأمواله وذخائره, وكانت كثيرة جدًا لم يصرفها في فداء الفقراء والمساكين, فقيل للسلطان: «لم لا تصادر هذا فيما يحمل, وتستعمله فيما تُقَوّي به أمر المسلمين؟» فقال لهم السلطان: «لا آخذ منه غير العشرة الدنانير, ولا أغدر به»( ). أما معاملة النصارى الحاقدين للمسلمين عندما انتزعوا القدس من أيدينا في عام 492هـ فإليك ما قاله «مل» المؤرخ الإنجليزي: «كان المسلمون يُقتلون في الشوارع والبيوت, ولم يكن للقدسي من ملجأ يلجأ إليه من نتائج النصر, فقد فر بعض القوم من الذبح فألقى بنفسه من أعلى الأسوار, وانزوى البعض الآخر في القصور والأبراج وحتى في المساجد, غير أن هذا كله لم يخفهم عن أعين المسيحيين الذين كانوا يتبعونهم أينما ساروا ثم يقول: «ولقد اندفع المشاة والفرسان وراء الهاربين, فلم يسمع في وسط هذا الجمع المكتظ إلا نزعات الموت وسكراته, ومشى أولئك المنتصرون فوق آكام من الجثث الهامدة وراء أولئك الذين يبحثون عن ملجأ أو مأوى». فهذا صلاح الدين المسلم السني الرباني يقدم للأجيال الإنسانية دروسًا في غاية الروعة والجمال نحتت في صفحات تاريخ البشرية لتدل على عظمة هذا الدين الذي أخرج للوجود مثل نور الدين محمود, وصلاح الدين الأيوبي, فعليهم من الله المغفرة والرحمة والرضوان, قال الشاعر: ملكنا فكان العدل منا سجية فلما ملكتم سال الدم أبطح

وحللتم قتل الأسارى وطالما غدونا على الأسرى نمن ونصفح

فحسبكم هذا التفاوت بيننا وكل إناء بالذي فيه ينضح

إني وصلت في دراساتي للشخصيات الإسلامية أنه ما ظهر قائد رباني وحقق انتصارات ميدانية وأزاح شعارات كفرية إلا كان خلفه علماء وفقهاء يوجهونه ويرشدونه نحو الرأي السديد, وهذا ما حدث لصلاح الدين حيث كان اهتمامه بالعلماء والفقهاء عظيمًا, إلا أن هناك عالمًا وفقيهًا وأديبًا له أثر واضح في حياته لابد من التعريف به ألا وهو: أ- القاضي الفاضل: قال الذهبي في ترجمته: «المولى الإمام العلامة البليغ, القاضي الفاضل محيي الدين, يمين المملكة, سيد الفصحاء, أبو علي عبد الرحيم بن علي بن الحسن بن أحمد بن المفرج, اللخمي, الشامي, العسقلاني المولد, المصري الدار, الكاتب, صاحب ديوان الإنشاء الصلاحي, ولد سنة 529هـ( ). قال عنه العماد الأصبهاني: «قضى سعيدًا, ولم يُبق عملاً صالحًا إلا قدَّمه, ولا عهدًا في الجنة إلا أحكمه, ولا عقد بر إلا أبرمه, فإن صنائعه في الرقاب, وأوقافه متجاوزة الحساب, لاسيما أوقافه لفكاك الأسرى, وأعان المالكية والشافعية بالمدرسة, والأيتام بالكتاب, كان للحقوق قاضيًا, وفي الحقائق ماضيًا, والسلطان له مطيع, وما افتتح الأقاليم إلا بأقاليد آرائه, ومقاليد غناه وغنائه, وكنت من حسناته محسوبًا, وإلى آلائه منسوبًا, وكانت كتائبه كتائب النصر, وبراعته رائعة الدهر, ويراعته بارية للبر, وعبارته نافثة في عقد السحر, وبلاغته للدولة مجملة, وللمملكة مكملة, وللعصر الصلاحي على سائر الأعصار مفضلة, نسخ أساليب القدماء بما أقدمه من الأساليب وأعربه من الإبداع, ما ألفيته كرر دعاء في مكاتبة, ولا ردد لفظًا في مخاطبة إلى أن قال: فإلى من بعده الوفادة؟ وممن الإفادة؟ وفيمن السيادة؟ ولمن السعادة؟ ( ). ومدحته الشعراء على حسن تدبيره وآرائه النافذة, وقدرته على حل المعضلات التي تتعرض لها دولة صلاح الدين, واجتهاده في الصيام والقيام وحبه للعلم, وتواضعه وحلمه وجوه وكرمه وإنفاقه وجهاده, فقال فيه هبة الله بن سناء الملك: وأتت سعادته إلى أبوابه لا كالذي يسعى إلى أبوابها

فلتفتخر الدنيا بسائس ملكها منه ودارس علمها وكتابها

صوامها قوامها علامها عمالها بذالها وهَّابها ( )

ركن إليه السلطان صلاح الدين ركونًا تامًا, وتقدم عنده كثيرًا. وكان -رحمه الله- ذا غرام بالكتابة وبالكتب أيضًا, اشتهر بالدين والعفاف, والتقى, والمواظبة على أوراد الليل والصيام والتلاوة, فلما تملك أسد الدين مصر, أحضره فأعجب به, ثم استخلصه صلاح الدين لنفسه, وكان قليل اللذات, كثير الحسنات, دائم التهجد, يشتغل بالتفسير والأدب, وكان قليل النحو, لكنه له دربة قوية, وكان متقللاً في طعامه ومنكحه وملبسه, ولباسه البياض, وكان يكثر من تشييع الجنائز, وعيادة المرضى, وله معروف في السر والعلانية, ضعيف البنية رقيق الصورة( ). قال في حقه السلطان صلاح الدين: «لا تظنوا أني ملكت البلاد بسيوفكم, بل بقلم الفاضل»( ). وقال في مدحه العماد الأصبهاني: عاينت طود سكينة ورأيت الشمس فضيلة ووردت بحر فواضل

ورأيت سحبان البلاغة سابحًا ببيانه ذيل الفخار لوائل

حلف الحصافة والفصاحة والسماحة والحماسة والتقى والنائل

بحر من الفضل الغزير خضمه طامي العباب وما له من ساحل

في كفه قلم يعجل جريه ما كان من أجل ورزق عاجل

أبصرت قُسًا في الفصاحة معجزًا فعرفت أني في فهّة باقل ( )

وعندما طلب القاضي الفاضل من السلطان صلاح الدين أن يعين بدله عماد الدين الأصبهاني ليحل تراجم الأعاجم, فقال له صلاح الدين: ما لي عنك مندوحة, أنت كاتبي ووزيري, وقد رأيت على وجهك البركة فإذا استكتبت غيرك تحدث الناس( ). واتفقا أن يقوم عماد الدين الأصبهاني بدل القاضي عندما يغيب القاضي الفاضل. قال صاحب النحوم الزاهرة: وفضل الفاضل وبلاغته أشهر من أن يذكر ومن شعره قوله: وإذا السعادة لاحظتك عيونها نم فالمخاوف كلهن أمان

واصطد بها العنقاء فهي حبائل واقتد بها الجوزاء فهي عنان ( )

إن القاضي الفاضل -رحمه الله- كان موضع ثقة صلاح الدين ومحل أسراره واستشارته فلا يقطع أمرًا دونه( ), فكان يستشيره في المهمات الكبيرة خاصة, بل كان يقول العماد الأصبهاني الكاتب عنه: «سلطانه مطاع والسلطان له مطيع, وهو صاحب القريحة الوقادة والبصيرة النفاذة»( ). وهو الذي كتب لصلاح الدين وهو محاصر لعكا يخوفه من الذنوب, ويحذره من أن يظلم الجنود أحدًا فيكون سببًا للهزيمة, يقول ابن كثير رحمه الله في ذلك: «وكان القاضي الفاضل بمصر يدير الممالك بها, ويجهز للسلطان ما يحتاج إليه من الأموال, وعمل الأسطول والكتب السلطانية, فمنها كتاب يذكر فيه أن سبب هذا التطويل في الحصار كثرة الذنوب, وارتكاب المحارم بين الناس, فإن الله لا يُنال ما عنده إلا بطاعته, ولا يفرج الشدائد إلا بالرجوع إليه, وامتثال أمره, فكيف لا يطول الحصار, والمعاصي في كل مكان فاشية, وقد صعد إلى الله منها ما يتوقع بعده الاستعاذة منه. ومنها كتاب يقول فيه: إنما أُتينا من قبل أنفسنا, ولو صدقنا لعجل الله لنا عواقب صدقنا, ولو أطعناه لما عاقبنا بعدونا, ولو فعلنا ما نقدر عليه من أمره, لفعل لنا ما لا نقدر عليه إلا به, فلا يختصم أحد إلا نفسه وعمله, ولا يرج إلا ربه, ولا يغتر بكثرة العساكر والأعوان, ولا فلان الذي يعتمد عليه أن يقاتل ولا فلان, فكل هذه مشاغل عن الله ليس النصر بها, وإنما النصر من عند الله, ولا نأمن من أن يكلنا الله إليها, والنصر به واللطف منه, نستغفر الله تعالى من ذنوبنا, فلولا أنها تسد طريق دعائنا لكان جواب دعائنا قد نزل, وفيض دموع الخاشعين قد غسل, ولكن في الطريق عائق, خار الله لمولانا في القضاء السابق واللاحق.. إلى أن قال ابن كثير فيه: «وقد أورد الشيخ شهاب الدين صاحب الروضتين ها هنا كتبًا عدة من الفاضل إلى السلطان صلاح الدين, فيها فصاحة وبلاغة ومواعظ وتحضيض على الجهاد, فرحمه الله من إنسان ما أفصحه, ومن وزير ما كان أنصحه, ومن عقل ما كان أرجحه»( ). وبأمثال هؤلاء ينصر الله دينه ويسدد رمي أوليائه, وقد أكرم الله تعالى صلاح الدين بهذا العالم الجليل الأديب الفقيه الوزير الناصح الزاهد التقي الورع المنفق صاحب الدعوة المستجابة. وفاته: في سنة 596هـ لبى القاضي الفاضل نداء ربه عندما كان أحوج ما كان إلى الموت عند تولي الإقبال وإقبال الإدبار, وهذا يدل على أن لله به عناية( ). وذكر صاحب النجوم الزاهرة أنه كان بين الملك العادل أبي بكر بن أيوب والفاضل وحشة فلما بلغ الفاضل مجئ العادل إلى مصر دعا الله أن يقبضه إليه فمات قبل دخول العادل, فعندما كان العادل داخلاً من باب النصر, كانت جنازة القاضي الفاضل خارجة من زويلة( ). ب- وفاة السلطان الناصر صلاح الدين: عندما وقفت على ترجمة صلاح الدين رحمه الله, ووصلت إلى آخر لحظات حياته ذرفت عيناي بالدموع, واهتز قلبي بالخشوع, لهذا البطل العملاق الذي كان للإسلام رداءً وحرزًا وكهفًا من كيد الكفرة اللئام, وكانت وفاته في عام 589هـ, وتذكر كتب التاريخ أن أهل دمشق لم يصابوا بمثل مصابه, وود كل منهم لو فداه بأولاده وأحبابه وأصحابه, فعندما كان يقرأ عليه القرآن وهو في سكرات الموت مر القارئ على قوله تعالى: +هُوَ اللهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ" [الحشر:22]. فقال صلاح الدين رحمه الله: وهو كذلك صحيح. فلما أذن الصبح جاء القاضي الفاضل فدخل عليه وهو في آخر رمق, فلما قرأ القارئ: +لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ" [التوبة:129]. تبسم وتهلل وجهه وأسلم روحه إلى ربه سبحانه, ومات رحمه الله وجعل الجنة مثواه, وكان له من العمر سبع وخمسون سنة, ثم أخذوا في تجهيزه وحضر جميع أولاده وأهله, وكان الذي تولى غسله خطيب البلد الفقيه الدولعي, وكان الذي أحضر الكفن ومؤنة التجهيز القاضي الفاضل من صلب ماله الحلال, وأمَّ الناس عليه ابن الزكي, ثم دفن في داره بالقلعة المنصورة في دمشق, ونزل ابنه الأفضل في لحده ودفنه وهو يومئذ سلطان الشام, ويقال: إنه دفن معه سيفه الذي كان يحضر به الجهاد, وذلك عن أمر القاضي الفاضل, وتفاءلوا بأن يكونه معه يوم القيامة يتوكأ عليه, حتى يدخل الجنة إن شاء الله( ). لقد وقع نبأ صلاح الدين على المسلمين جميعًا وقع الصاعقة للصدمة الفادحة, والمصاب الجلل. وهذا القاضي ابن شداد يصف لنا ذلك المشهد المريع إذ يقول: «وكان يوم موته يومًا لم يصب الإسلام والمسلمون بمثله بعد فقد الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم وغشي القلعة والمُلك والدنيا وحشة لا يعلمها إلا الله تعالى, وبالله لقد كنت أسمع الناس أنهم يتمنون فدا من يعز عليهم بنفوسهم, وكنت أتوهم أن هذا ضرب من التجوز والتخرص إلى ذلك اليوم, فإني علمت من نفسي ومن غيري أنه لو قُبل الفداء لفدي بالأنفس»( ). لقد كان صلاح الدين -رحمه الله- قائدًا ربانيًا تربى في أجواء علمية رسخت في زمن نور الدين, واستمرت في عهده فأخرجت هذا الأنموذج الرفيع الذي أعاد الله به للأمة عزتها وقوتها. ج- الملامح الرئيسية في شخصية صلاح الدين: أولاً: تقريبه للعلماء وحبهم واحترامهم واستشارتهم وإعطاؤهم المكانة اللائقة بهم, وإحياء المدارس والعلم, وحضور السلطان مجالس العلم, بل إن السلطان صلاح الدين يذهب إلى الإسكندرية مصطحبًا معه ولديه علي وعثمان لحضور مجلس الحافظ السلفي, وترقى العالم كمال الدين الشهرزوري إلى مرتبة الوزارة, ومن مستشاري صلاح الدين العالم الواعظ ابن نجا الحنبلي, ووزيره القاضي الفاضل من أكابر الكتاب محبًا للعلم وأهله, ومنهم نجم الدين الخبوشاني, والفقيه الشافعي, وهو الذي شجع صلاح الدين على إنهاء الدولة العبيدية وقطع الخطبة لهم, بنى له صلاح الدين مدرسة وفوض تدريسها إليه, ومن الفقهاء الأمراء الفقيه الهكاري: «وكان جنديًا شجاعًا كريمًا, تفقه على الشيخ أبي القاسم البرزي واتصل بالأمير أسد الدين شيركوه, وكان يخاطب صلاح الدين بما لا يقدر عليه غيره, توفي وصلاح الدين محاصر لعكا»( ). وكان إذا زاره عالم اهتم به جدًا, ولا يتركه حتى يزوده بالمال والأمتعة له ولجيرانه وأقربائه. إن هذه الانتصارات العظيمة لا تكون إلا بوجود مثل هذا التلاحم والتعاطف بين الأمراء والعلماء, وقال القاضي ابن شداد: «وكان يجلس للعدل في كل يوم اثنين وخميس في مجلس عام يحضره الفقهاء والقضاة, وكان يفعل ذلك سفرًا وحضرًا»( ). وكان آل المقدسي الذين سكنوا حي الصالحية في دمشق أبو عمر محمد ابن أحمد بن قدامة وأخوه وابن خالهم الحافظ عبد الغني والشيخ العماد, كانوا لا ينقطعون عن غزاة يخرج صلاح الدين فيها, وقد حضروا معه فتح القدس والسواحل وغيرها»( ). إن القادة الذين يحترمون العلماء والفقهاء في حقيقة عملهم هذا قد أخذوا بسنة من سنن التمكين والنصر والغلبة على الأعداء. إن الذين يهاجمون علماء الأمة ومفكريها وساستها ومربيها وفقهاءها ومحدثيها وحركييها يخدمون المخططات اليهودية والنصرانية والطاغوتية والاستخبارية سواء شعروا بذلك أم لا, والذين لا يزالون يطعنون في علماء الأمة بفعلهم هذا يكونون قد ابتعدوا عن منهج أهل السنة والجماعة الذي يقول: «وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من التابعين أهل الخير والأثر, وأهل الفقه والنظر لا يذكرون إلا بالجميل, ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل»( ). ولقد رأيت أقوامًا يستهزئون بالعلماء والفقهاء والمحدثين والدعاة, بل بعضهم كفر بعض قادات الحركات الإسلامية بدون بينة, بل بجهل وعناد واستخفاف, وبعضهم يتلذذ بغيبة العلماء والطعن فيهم, وينشر ذلك على المنابر وفي الصحف, ولو أتيحت له الإذاعة لهذا الغرض لطار فرحًا, وما يدري المسكين أن لحوم العلماء مسمومة, وعادة الله في هتك منتقصيهم معلومة, وما يدري هذا المتعالم أن الاعتبار في الحكم على الأشخاص بكثرة الفضائل, قال ابن القيم -رحمه الله-: «ومن له علم بالشرع والواقع يعلم قطعًا أن الرجل الجليل الذي له في الإسلام قدم صالح وآثار حسنة وهو من الإسلام وأهله بمكان, قد تكون منه الهفوة والزلة هو فيها معذور, بل مأجور لاجتهاده, فلا يجوز أن يُتبع فيها, ولا يجوز أن تهدر مكانته وإمامته في قلوب المسلمين»( ). إن تاريخ الأمة الإسلامية المجيد يبين لنا أهمية احترام العلماء والدعاة وتقديمهم في إعزاز هذا الدين. فعلى العاملين لإعادة ماضينا المجيد وعزنا التليد أن يعملوا على إعادة دور العلماء والفقهاء وإلزام الناس باحترامهم, ومنع العملاء المندسين في صفوفنا للطعن في علمائنا بالأقوال المزخرفة والأساليب الملتوية للضحك على شبابنا حتى لا يفلحوا في دنيا ولا في آخرة. ثانيًا: ومن الملامح الواضحة في شخصية صلاح الدين شغفه بالجهاد, قال القاضي ابن شداد: «وكان -رحمه الله- شديد المواظبة على الجهاد, عظيم الاهتمام به, ولو حلف حالف أنه ما أنفق بعد خروجه إلى الجهاد دينارًا إلا في الجهاد, وفي الإرفاد لصدق, وبر في يمينه, ولقد كان الجهاد قد استولى على قلبه وسائر جوانحه استيلاء عظيمًا, بحيث ما كان له حديث إلا فيه, ولا نظر إلا في آلته, ولا اهتمام إلا برجاله, ولا ميل إلا إلى من يذكره, ويحث عليه, ولقد هجر في محبته «الجهاد» أهله وولده ووطنه وسكنه, وقنع بالدين بالسكون في ظل خيمة تهب بها الرياح يمنة ويسرة, وكان الرجل إذا أراد أن يتقرب إليه يحثه على الجهاد, وقد سرنا مع السلطان على الساحل نطلب عكا وكان الزمان شتاءً عظيمًا, والبحر هائجًا وموجه كالجبال, وكنت حديث عهد برؤية البحر فعظم عندي, واستخففت رأي من يركب البحر, بينما أنا في ذلك إذ التفت إليَّ وقال في نفسه: إنه متى يسر الله تعالى فتح بقية الساحل قسمت البلاد, وأوصيت وودعت وركبت هذا البحر إلى جزائرهم أتبعهم فيها حتى لا أبقى على وجه الأرض من يكفر بالله أو أموت, فعظم وقع هذا الكلام عندي وحكيت له ما خطر لي, فانظر إلى هذه الطوية ما أطهرها, وإلى هذه النفس ما أشجعها وأجسرها, اللهم إنك تعلم أنه بذل جهده في نصرة دينك رجاء رحمتك فارحمه, وأما صبره فلقد رأيته بمرج عكا وهو على غاية من مرض اعتراه بسبب كثرة دماميل كانت ظهرت عليه من وسطه إلى ركبته بحيث لا يستطيع الجلوس, وكان مع ذلك يركب من بكرة النهار إلى صلاة الظهر, وهو صابر على شدة الألم ويقول: «إذا ركبت يزول عني الألم حتى أنزل»( ). إن في زماننا هذا اندفاعًا عظيمًا نحو ساحات الوغى, والشاهد على ذلك ما حدث في أفغانستان, وما نسمعه من تضحيات عظيمة في الأرض المحتلة, إلا أن في بعض بلاد المسلمين من أشرف على الحركات الجهادية إخوة لنا تنقصهم خبرات كثيرة من فهم لسننن الله في تغيير الشعوب والمجتمعات, والأهم من ذلك معرفتهم في دين الله ضعيفة, وخصوصًا في السياسة الشرعية وأحكام الدماء والأعراض والأنفس, والتدرج في تربية الشعوب حتى تتهيأ لتصبح مجاهدة, وشرعوا في إصدار الفتاوى والأحكام التي قرأوها من كتب تخدم غرضهم واهتموا بتربية الشباب عليها, وأقحموا أتباعهم في معارك خاسرة ضد حكوماتهم في صراع عنيف ينتهي بقتل بعضهم, وسجن آخرين منهم ومن غيرهم, وتشريد العوائل الأخيار من المسلمين, وتسببوا في تعطيل مشاريع دعوية تربوية. وفعلهم هذا فيه تجاوز من عدة أمور: أولاً: إن الجهاد حق الأمة وليس حق أفراد أو جماعات وتقرره الأمة بواسطة أهل الحل والعقد من الفقهاء والعلماء الذين تختارهم, ويسبق هذا مجهود تربوي وعلمي وفقهي في أوساط الشعب لتعريفهم بحقيقة دينهم, واستضافة البيان, ويكون تحت إشراف العلماء والفقهاء, فإن كان الشعب الذي نتكلم عنه لا يوجد فيه علماء وفقهاء فلابد من دفع مجموعة من أبنائه للتفرغ لطلب العلم وأخذه من أهله, ممن شهدت لهم الأمة أنهم أهل لذلك حتى يتهيأوا للإشراف على العمل الجليل, حتى تجد الأمة من ترجع إليه في مشاكلها العظيمة, ويأخذ بيدها نحو تحكيم شرع الله بسنة الله في التدرج, وخصوصًا في عصرنا هذا الذي تموج فيه الفتن. فالأمور العظيمة كالجهاد في سبيل الله تعالى مردها إلى أهل العلم والبصيرة النافذة, قال تعالى: +وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً" [النساء:83]. لا إلى من قضى عمره في الهندسة المعمارية أو الصناعية أو الهندسية, أو قضى عمره في دراسات الجراحات الطبية أو غيرها من الفنون, ثم قرأ بعض الكتب فحفظها وفهمها على حسب فهمه المحدود, وشن حربًا على العلماء والفقهاء والحركات الإسلامية صاحبة الفهم الشامل, التي أشرف على تأسيسها وحركتها علماء ودعاة وفقهاء شهدت لهم الأمة بعلمهم وإخلاصهم وصدقهم, ولا الرجوع إلى من عاش في متابعة الجرائد والإذاعات وتتبع سقطات الدعاة, وتتلمذ على كتب حرب العصابات مثل ماوتسي تنج في الصين وجيفارا في أمريكا اللاتينية, والبعد عن قيادتنا العظيمة أمثال نور الدين وصلاح الدين, وقبل هؤلاء سيد المرسلين وأصحابه الميامين الطيبون وأراد أن يدفع بشباب الأمة نحو أهدافه التي رسمها. قال الشيخ العلامة ابن سعدى -رحمه الله- في تفسيره للآية المذكورة: «هذا تأديب من الله لعباده على فعلهم غير اللائق, وأنه ينبغي لهم إذا جاءهم أمر من الأمور المهمة والمصالح العامة ما يتعلق بالأمن وسرور المؤمنين, أو الخوف الذي فيه مصيبة عليهم أن يتثبتوا ولا يستعجلوا بإشاعة ذلك الخبر, بل يردونه إلى الرسول × وإلى أولي الأمر منهم أهل الرأي والعلم والنصح والعقل والرزانة الذين يعرفون الأمور, ويعرفون المصالح وضدها, فإن رأوا ما فيه مصلحة, أو فيه مصلحة ولكن مضرته أكبر من مصلحته لم يذيعوه, ولهذا قال: +لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ" أي: يستخبرون بفكرهم وآرائهم السديدة وعلومهم الرشيدة. وفي هذا دليل لقاعدة مهمة وهي: إذا حصل بحث في أمر من الأمور ينبغي أن يوكل إلى من هو أهل لذلك, ويُجعل إلى أهله, ولا يتقدم بين أيديهم فإنه أقرب للصواب, وأحرى للسلامة من الخطأ. وفيه النهي عن العجلة والتسرع لنشر الأمور من حين سماعها, والأمر بالتأمل قبل الكلام, والنظر فيه هل هو مصلحة فيقدم عليه الإنسان أم لا فيحجم عنه»( ). إن قضايا الجهود والسياسة الشرعية ما كان يفتي فيها إلا العلماء الراسخون في المعرفة والعلم والفقه, والذين أصبحت لهم دراية بمقاصد الشريعة, والموازنة بين المصالح والمفاسد, والأدلة التفصيلية ولا يمكن لشباب في مقتبل العمر ضاعت أوقاتهم في القيل والقال, ولم يجلسوا في حلقات العلم ويأخذوه عن شيوخه أن يفتوا في أمور الجهاد التي تزهق فيها الأرواح, وتنفق فيها الأموال ويعتدى فيها على الأعراض. بعد الدرس العميق لسيرة المصلح الجهادي صلاح الدين يتبين لنا أن الذين كانوا يفتون في زمانه هم العلماء الذين فهموا الشريعة ومقاصدها, واستوعبوا الموازنة بين المصالح والمفاسد, وواقعهم الذي عاشوا فيه, وتفننوا في معرفة المصالح والمفاسد. وأنصح إخواني أبناء المسلمين أن لا ينغروا بما أوتي جدلاً باللسان ولم يُشهد له بأنه من أهل الفتوى, وأن لا يأخذ الإنسان دينه إلا ممن شهدت لهم الأمة بالعلم وعرفوا بالحرص عليه, وتعلموا على أيدي العلماء, وصبروا على أخذ العلم, لأن الدين وفهمه عظمك ولحمك ودمك, فانظر عمن تأخذ دينك فلا تأخذه من النكرات الذين أخذوا بعض ثقافاتهم من الصحف والأوراق واعتزوا بعقولهم وتفاخروا بنفوسهم. إن العلم الشرعي علم يؤخذ بالتلقي فلا يجدي الأخذ من الكتب فقط, بل الاقتصار في التلقي على الأخذ من الكتب بلية من البلايا, وكذا اجتماع الشباب والطلبة على التدارس دون أخذ عن شيخ عالم عامل. يقول الإمام الشافعي -رحمه الله-: «من تفقه من بطون الكتب ضيع الأحكام»( ). وكان بعض السلف يقولون: «من أعظم البلية تشيخ الصحيفة»( ). إن علماء الأمة على مر العصور والأزمان لا يرفعون فوق رؤوسهم الرايات, ولا يدعون إلى شعارات, ولا يطالبون الناس بالانتماء إليهم, إنما يطالبون الناس بالانتماء إلى سنة سيد المرسلين ×, وإياك أخي أن تكون مثل الخوارج الذين تركوا أهل العلم والفضل من الصحابة, وتابعوا الأعراب الذين لا يُجيدون إلا الخطابات الحماسية, وتأجيج العاطفة, فاحرص على الموثوق في دينه وعلمه: «فإن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم»( ). إن جيل صلاح الدين قادة وجنودًا, جماعات وأفرادًا, فهموا معنى قيمة العلم وممن يؤخذ, وأعطوا الفتوى لأصحابها, وتسلم العلماء الربانيون سياسة الأمة فقطعوا بها المراحل, وتدافع الجميع نحو مرضاة الله؛ وزراء وقواد وسلاطين وعوام, فأصبح شغفهم بالعلم والعلماء واضحًا معلومًا, وحرصهم على الجهاد وتفجير طاقاته شيءًا ملموسًا من سيرتهم, إن الجهاد حق الأمة وليس حق الأفراد, وتقرره الأمة بالالتفاف حول أهل الحل والعقد الذين تقدمهم الأمة, وليس مجموعة من الأفراد يطعنون فيمن يخالفهم. ثانيًا: من السمات الشخصية في صلاح الدين حرصه على العدل, وكان الأمراء والوزراء من قبل يتسلطون على الناس في أموالهم وأراضيهم, والملوك يسمحون لهم بذلك إرضاءً لهم وحتى تبقى طاعتهم. ثالثًا: زهده في الدنيا ولذلك لم يخلف أموالاً ولا أملاكًا لجوده وكرمه وإحسانه إلى أمرائه وغيرهم, وحتى إلى أعدائه, وكان متقللاً في ملبسه, ومأكله, ومركبه, وكان لا يلبس إلا القطن والكتان والصوف. رابعًا: كان مهتمًا بالعلوم في اللغة والأدب وأيام الناس, وكان يحفظ ديوان الحماسة لأبي تمام. خامسًا: كان مواظبًا على الصلوات في أوقاتها في الجماعة, يقال: إنه لم تفته الجماعة في صلاة قبل وفاته بدهر طويل, حتى ولا في مرض موته, كان يدخل الإمام فيصلي به, وكان يتجشم القيام مع ضعفه. سادسًا: كان رقيق القلب سريع الدمعة عند سماع القرآن الكريم, والحديث الشريف. سابعًا: كان ضحوك الوجه كثير البشر, لا يتضجر من خير يفعله, شديد المصابرة على الخيرات والطاعات( ). فرحمة الله على أمثاله وأعلى ذكره في الصالحين. د- من أروع المراثي في صلاح الدين الأيوبي رحمه الله قال العماد الأصبهاني رحمه الله: «دخلنا عليه ليلة الأحد للعيادة ومرضه في زيادة, وفي كل يوم تضعف القلوب وتتضاعف الكروب, ثم انتقل من دار الفناء إلى دار البقاء, ومات بموته رجاء الرجال, وأظلم بغروب شمسه فضاء الإفضال ورثاه الشعراء»... إلى أن قال العماد الأصبهاني مرثيته المشهورة: شمل الهدى والملك عم شتاته والدهر ساء وأقلعت حسناته

بالله أين الناصر الملك الذي لله خالصة صفت نياته

أين الذي مذ لم يذل مخشية مرجوة رهباته وهباته

أين الذي كانت له طاعتنا مبذولة ولربه طاعاته

أين الذي ما زال سلطانًا لنا يُرجى نداه وتتقى سطواته

أين الذي شرف الزمان بفضله وسمت على الفضلاء تشريفاته

لا تحسبوا من مات شخصًا واحدًا قد غم كل العالمين مماته

ملك عن الإسلام كان محاميًا أبدًا لماذا أسلمته حُماته

قد أظلمت مذ غاب عنا دوره لما خلت من بدره داراته

دُفن السماح فليس تنشر بعدما أودى على يوم النشور رفاته

الدين بعد أبي المظفر يوسف محفوفة بوروده حافاته

من لليتامى والأرامل راحمُ متعطف مفضوضة صدقاته

لو كان في عصر النبي لأنزلت في ذكره من ذكره آياته

بكت الصوارم والصواهل إذ خلت من سلها وركوبها عزماته

يا وحشة الإسلام حين تمكنت من كل قلب مؤمن روعاته

يا داعيًا للدين حين تمكنت منه الذئاب وأسلمته رُعاته

ما كان ضرك لو أقمت مراعيًا دينًا تولى مذ رحلت ولاته

فارقت ملكًا غير باق مُتعبًا ووصلت ملكًا باقيًا راحاته ( )

من للثغور وقد عداها حفظه من للجهاد ولم تعد عاداته

ماكان أسرع عصره لما انقضى فكأنما سنواته ساعاته

فعلى صلاح الدين يوسف دائمًا رضوان رب العالمين بل صلواته ( )

هـ- من أروع الرسائل في أخبار وفاة صلاح الدين: قال صاحب النجوم الزاهرة: وفي ساعة موت السلطان صلاح الدين كتب القاضي الفاضل إلى ولده الملك الظاهر صاحب حلب بطاقة مضمونها: +لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ" [الأحزاب:21], +إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ" [الحج:1]. كتبتُ إلى مولانا السلطان الملك الظاهر, أحسن الله عزاءه وجبر مُصابه, وجعل فيه الخلف للملك المرحوم, وقد زلزل المسلمون زلزالاً عظيمًا, وقد حفرت الدموع المحاجر, وبلغت القلوب الحناجر, وقد قبلت أباك ومخدمي وداعًا لا تلاقي بعده, وقد قبلت وجهه عني وعنك, وأسلمته إلى الله مغلوب الحيلة, ضعيف القوة, راضيًا عن الله, ولا حول ولا قوة إلا بالله, وبالباب من الجنود المجندة, والأسلحة المغمدة, ما لا يدفع البلاء, ولا يرد القضاء, وتدمع العين ويخشع القلب, ولا نقول إلا ما يُرضي الرب, وإنا عليك يا يوسف لمحزونون, وأما الوصايا فما يحتاج إليها, والآراء فقد شغلني المصاب عنها, وأما لائح الأمر فإنه إن وقع اتفاق فما وعدتم إلا شخصه الكريم, وإن كان غير ذلك فالمصائب المستقبلية أهونها موته, وهو الهول العظيم والسلام»( ). فرحمة الله على صلاح الدين ومن قبله من السابقين ومن بعده من المسلمين الذين أخذوا بسنن التمكين. قد يتساءل القارئ لماذا هذا الإطناب في سيرة صلاح الدين ونور الدين؟ وجوابي على ذلك أن الدولة العبيدية لها أسباب مباشرة في السقوط وأسباب غير مباشرة, وإن في رأيي أن من أهم الأسباب في زوال الدولة العُبيدية: جهود القائدين العظيمين نور الدين محمود, وصلاح الدين؛ ولذلك أطنبت في سيرتهما العطرة وإيضاح أهم أسباب النصر التي التزما بها وأخذا بها, وإظهار الجهود العلمية والتربوية والفقهية التي قام بها العلماء في عصرهما وعصر من سبقهما, ليصل القارئ الكريم إلى أن صلاح الدين ونور الدين لا يأتيان فجأة دون تمهيدات وإرهاصات وجهود تبذل من قبل أفراد الأمة وجماعاتها وعلمائها ودعاتها, وليعلم القارئ أن التغيير لا يحدث في الأمة إلا إذا سبقه حرص جماعي على الأخذ به, وعلى أهمية معرفة أسباب النصر وعوامل الهزيمة وأهمية مزج الإخلاص في النية بالصواب في التفكير والعمل, لا غنى لأحدهما عن الآخر. وبهذا أكون قد انتهيت من كتابة الدولة العبيدية في الشمال الإفريقي. فإن أصبت فمن الله وحده, وإن أخطأت فمن نفسي وتقصيري. أسأل الله أن يكون عملي خالصًا لوجهه الكريم, وأن تنتفع به أجيال المسلمين.

  • * *

نتائج البحث

1- عندما تكون الأمة قوية يعمدُ أعداؤها إلى لباس ثوب الدين ليسهل لهم تفتيتها ونخرها من الداخل وخصوصًا اليهود, ويتفننون في رفع الشعارات المزيفة والكاذبة لخداع عوام المسلمين, وهذا ما فعله الزنديق اليهودي الحاقد عبد الله بن سبأ وهو أول من بذر بذرة الرافضة في الأمة باسم التشيع ومناصرة أهل بيت النبوة. 2- إن أهل البيت رضوان الله عليهم وخصوصًا علماءهم ابتداءً من الإمام علي رضي الله عنه يعتبرون من علماء أهل السنة والجماعة, وحاربوا بكل ما يملكون أهل البدع والابتداع في الأمة. 3- إن زيد بن علي خذله أهل الرفض لكونه امتنع عن سب الشيخين رضي الله عنهما, وهذا يدل على حقد الروافض للصحابة الكرام. 4- إن التشيع كثرت فرقه وانتشرت في بقاع الأرض وأصبحت له دول تحمى أتباعها, ومن المعلوم أن الأفكار لا تموت في الغالب وإنما يتغير أشكالها ولباسها وفق ما يحتاجه أهل كل مكان وزمان؛ ولذلك فإن بيان فرقهم التي لا زالت منتشرة وغيرت أسماءها جهاد يحبه الله ورسوله. 5- إن من أخطر فرق الشيعة في الوقت الحاضر النصيرية التي تحالفت في الماضي مع النصارى لاحتلال ديار الشام, وكانوا يحزنون إذا انتصر المسلمون ويفرحون إذا هزم المسلمون, ولا زالت تحالفاتهم مع النصارى واليهود مستمرة ولهم دولة في سوريا أذاقوا أهل السنة فيها الويلات من قتل وسجن وتعذيب وتشريد. 6- ومن أخطر الفرق المعاصرة: الاثنى عشرية التي أقامت دولة في إيران, وتتدرج في نشر أفكارها على مستوى العالم أجمع, ولا نستغرب إذا استمر أهل السنة في نومهم العميق أن يضموا الإمارات العربية وقطر والبحرين وجزءًا من العراق والسعودية, ويرون هذا التوسع جهادًا ودينًا وقربة لله. 7- إن الإسماعيلية أتقنت تنظيمها ووفرت له كل الأسباب -التي تنقل التنظيم إلى حكم دولة- من أسباب عسكرية, وأمور مادية, واختيار كفاءات عالية لها المقدرة على التخطيط والتنفيذ. 8- إن القيادة الإسماعيلية اختارت مكانًا مليئًا بالظلم وفيه صراع عنيف بين القبائل والدولة العباسية, وأرسلت دعاتها على مراحل حتى جاء دور الماكر الخادع أبي عبد الله الشيعي الذي تدل كتب التاريخ أنه رجل دولة له مقدرات عسكرية وفكرية وظفها في تحقيق أهدافه, وعندما استطاع أن يعرف مواطن القوة في المجتمع المغربي ومواطن الضعف شرع في الأخذ بأسباب القوة وإنهاك دولة الأغالبة وزيادة ضعفها مما ساعده على إسقاطها عام 297هـ. 9- كان الناس في زمن مجئ أبي عبد الله الشيعي مهيئين للتغيير, ويبحثون عن بديل, ويسعون لإزالة الظلم وتولدت نفرة عظيمة بين الأمراء والشعب في الشمال الإفريقي. 10- إن عبيد الله المهدي عندما تقلد أمور الحكم عمل على تصفية أتباعه المخلصين الذين أسسوا دولته, وهذا شيء ملاحظ في تاريخ البشرية, وهو ما يسمى بأن الثورة تأكل أبناءها, وأقول: إن هذا الأمر يدخل في سنة الله الجارية: من أعان ظالمًا سلطه الله عليه, وما انتقام الرئيس العراقي من وزيره وعامله وصهره عنا ببعيد, بل جل الثورات تتعرض لهذه التصفيات. 11- إن عبيد الله استفاد من معتقد المسلمين في المهدي المنتظر وزين الأمر وزخرفه حتى أقنع كثيرًا من الناس بأنه هو المقصود. 12- إن علماء أهل السنة دائمًا وأبدًا عندما تشتد الظلمة ويغيب الإسلام يقومون بدورهم الريادي في إحياء الأمة, ولو كلفهم ذلك نفوسهم وأموالهم وأهاليهم. 13- إن تربية الأمة على معتقد أهل السنة والجماعة هو السياج العقدي والفكري والنفسي الذي يحميها من الدعوات الضالة المضلة. 14- إن أهالي طرابلس قاوموا المد الرافضي والمعتقد الباطني, ودخلوا في قتال عنيف مع بني عبيد وفي نهاية المطاف إنقاد أهل طرابلس بالقوة والسلاح لدولة العبيديين. 15- لقد فعل العبيديون في أهالي برقة ما تقشعر منه الأبدان وتشيب منه الرؤوس, وثار أهل برقة من العبيديين فقتلوا عاملهم وكثير من رجال كتامة ولكنهم أخمدوا بالتنكيل, والتعذيب والقتل وسبي النساء. 16- استطاع أبو يزيد الخارجي أن يهز كيان الدولة العبيدية وكاد أن يقضي عليها إلا أنه لم يحقق ذلك؛ لأن عقليته لم تكن عقلية رجل دولة, ولم تكن له خطة واضحة الأهداف كما أنه غدر بحلفائه مما أفقد ثقة الناس فيه. 17- إن علماء أهل السنة اجتهدوا في مناصرتهم لأبي يزيد الخارجي إذ رأوا أنه أخف الضررين, والدرس العميق الذي نخرج به هو شدة الحذر في مثل هذه التحالفات وتقدير المصالح والمفاسد وخصوصًا عند أهل البدع الاعتقادية والأحزاب العلمانية, فالمسلم كيس فطن لا يلدغ من جحر مرتين. 18- من أسباب نجاح ثورة أبي يزيد أن القائم بأمر الله الخليفة العبيدي سب الأنبياء وأظهر كفره, فاستغل أبو يزيد ذلك وألب إباضية المغرب وجموع القبائل وفقهاء وزهاد القيروان عليه. 19- أظهر الخليفة المنصور العبيدي الإسلام وقدم الفقهاء والعلماء ورفع الظلم عنهم حتى سكنت البلاد وقضى على الخارجين عليه. 20- إن أهالي الشمال الإفريقي طويلو النفس لا يرضون بغير منهج أهل السنة ولهم استعداد أن يقدموا الغالي والرخيص في سبيل هذه العقيدة الصحيحة؛ لذلك اضطر خلفاء العبيديين أن يفكروا في الانتقال إلى مصر والتخلص من الثورات والاضطرابات. 21- أصبحت الدولة العبيدية راعية الفكر الباطني في العالم الإسلامي, وتمده بالمال والسلاح وبكل ما يحتاجه, لتقويته ضد أهل السنة, فتم التعاون بين القرامطة والعبيديين إلا أنهم اختصموا واختلفوا على الدنيا. 22- اتخذت الدولة العبيدية أساليب متنوعة في القضاء على عقيدة أهل السنة وكلها لم تحقق أهدافها. 23- قاوم علماء السنة المد العبيدي الرافضي بكل الأساليب المتاحة لهم من حجة وتعليم ودعوة وحمل سلاح ضد الطغاة الظالمين وتحملوا القتل والسجن والتعذيب. 24- استهدف علماء أهل السنة في دعوتهم الأمراء الصنهاجيين ونجحوا في إرشادهم وتعليمهم وأخص بالذكر الفقيه أبا الحسن الزجال. 25- كان الاهتمام بالمعز بن باديس مكسبًا عظيمًا لأهل السنة, وكان المعز بن باديس حكيمًا في تدرجه للانفصال عن الدولة العبيدية الباطنية, إذ شجع العلماء والفقهاء من أهل السنة في دعوتهم, وضايق الروافض, بل واستدرجهم لمعارك طاحنة للقضاء عليهم بالسيف. 26- إن الدولة الصنهاجية البربرية الزيرية تحولت في زمن المعز إلى دولة سنية وهذه بداية ضعف الدولة العبيدية, بل من أسباب سقوطها. 27- إن إلغاء المذاهب السنية وإلزام الناس بالالتزام بمذهب واحد ضيق قاعدة الدفاع في الشمال الإفريقي, وكان الأولى للمعز أن يتبنى التيارات السنية كافة كما فعل نور الدين محمود مع كونه حنفيًا, إلا أنه قدر وقدم بقية المذاهب السنية, وكما فعل صلاح الدين مع كونه شافعيًا. 28- لقد كانت سنة الله واضحة في آجال الملوك والحكام, وكذلك قوة الأفكار التي تحميها الدول, وكم من تغيير حدث من أحفاد وأبناء من هم أعداء لمنهج أهل السنة. 29- مكرت الدولة العبيدية بالمعز بن باديس بإرسالها القبائل العربية للشمال الإفريقي, وكان من أسباب انهزام المعز الصراع العنيف بين صنهاجة وكتامة وزناتة, وتركيب الجيش وارتكازه على العبيد الذين لم يتحصلوا على قسط وافر من التربية الإيمانية. 30- يعتبر عصر تميم بن المعز أفضل من والده, إذ استطاع أن يضم المدن التي انفصلت إلى دولته, وأن يجند القبائل العربية في جيشه وأن يهزم بني عمه أصحاب الدولة الحمادية واستمر على نهج أبيه والدعوة إليه. 31- يعتبر عصر يحيى بن تميم من أقوى العصور الزيرية خصوصًا في مجال البحر, وشن الحروب على النصارى, وإرسال الحملات الجهادية في حوض البحر المتوسط, كما أن التجارة ازدهرت ازدهارًا عظيمًا انعكس على الرعايا, واستطاع أن يسوي العرب بسياسة حكيمة. 32- في عصر الأمير علي بن يحيى بدأت الأطماع النصرانية تظهر للعيان, وتحركت أساطيل النصارى من صقلية, للمناوشات في البحر المتوسط. 33- سقطت المهدية عاصمة الزيريين في عام 543هـ في أيدي «رجال النصارى» حكام صقلية, وكذلك طرابلس ومدن الساحل في الشمال الإفريقي. 34- استطاع الموحدون أن يطهروا الشمال الإفريقي من النصارى وأن يحافظوا على وحدة البلاد السياسية من المغرب الأقصى إلى الحدود المصرية. 35- كان لسقوط الدولة الزيرية أسباب كثيرة من أهمها: الصراع الداخلي بين صنهاجة وزناتة وكتامة, وتوسع الصراع بدخول العرب حلبة الصراع مما أضعف الدولة في نواحيها العسكرية والتجارية والسياسية وغيرها, وجعل العلماء والفقهاء يهاجرون إلى المشرق أو الأندلس أو المغرب الأقصى. 36- حكمت الدولة الزيرية 180 سنة هجرية ثم انتهت وأصبحت كالأمس الغابر +لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ" [يونس: 49] وهذا يفيدنا عبرة واتعاظًا. 37- إن كان العبيديون نجحوا في إضعاف المعز بن باديس ودولته فإن الله سلط عليهم إخوان المعز في العقيدة نور الدين محمود, وصلاح الدين الأيوبي للقضاء على ملك العبيديين. 38- تكاثفت جهود الأمة لمحاربة المد الباطني الإسماعيلي, وظهر ذلك جليًا فيما قام به السلطان محمود الغزنوي في بلاد الهند, والسلطان ألب أرسلان السلجوقي في بلاد الشام, من حرب العبيديين, وكان الغزنويون والسلاجقة سنيين في معتقدهم. 39- برز في الدولة السلجوقية الوزير نظام الملك «الحسن بن علي» وكان ذا صلاح وتقوى وهمة في إحياء السنة وإماتة البدعة, فوضع خطة طويلة المدى متعددة المراحل ترمي لإخراج أجيال متفقهة في الدين مستعدة للتضحية في سبيله, فأسس المدارس في ديار المسلمين في نيسابور والعراق والشام, وامتدت إلى مصر, وشجع العلماء والفقهاء على التعليم والدعوة وتفقيه الناس, ووفر للعلماء والطلاب كل سبل الراحة, وكان من أشهر العلماء في هذه المرحلة العصيبة أبو المعالي الجويني, والإمام الغزالي وقبلهما الماوردي, وأبو إسحاق الشيرازي, فعملوا جادين في محاربة الرفض وإحياء السنن وهؤلاء زعماء المدرسة الشافعية السنية التي كان لها دور ملموس في فترة نهوض الأمة من كبوتها وتهيئتها لفتوحات نور الدين محمود, وصلاح الدين. 40- ظهور علماء المدرسة الحنبلية السنية أمثال «أبو الوفاء بن عقيل وأبو الفرج بن الجوزي» وتفرغهم لتعليم الناس وتربيتهم, وكان لمدرسة أبي سعيد المخرمي الحنبلي دور ملموس في هذه الجهود, وخصوصًا بعد أن تولى أمر هذه المدرسة الداعية الرباني والعالم الجليل عبد القادر الجيلاني الذي تربى على يديه كثير من علماء الشام في بغداد. 41- بعد أن بُذلت جهود تربوية عظيمة من أشهر روادها «الإمام الغزالي» وعبد القادر الجيلاني, وبذلت جهود علمية لا يُستهان بها من أشهرها ما قامت به المدرسة الحنبلية الشافعية تولد جيل واضحة أهدافه, عالية هممه, وظهر في هذا الجيل الجديد قادة ربانيون من أمثال: عماد الدين زنكي الذي بدأ في انتزاع أراضي المسلمين من النصارى والحاقدين وحلفائهم الباطنية الملاعين. 42- كان عصر نور الدين زمن تغيير للأمة وكانت معالمه وملامح التمكين ظاهرة من عدل شامل, وحب للمصلحة العليا, وتفان في أداء الواجب وتكامل بين أبناء الأمة, وانصهروا جميعًا في تحقيق الأهداف العليا. 43- رأت الدولة الزنكية أنه لا قوة للأمة إلا باتحاد العراق مع الشام فبدأت الدولة الفتية في توحيد أقطارها الإسلامية, ورأت بمنظورها البعيد أنه لا عزة للأمة ولا قضاء على النصارى إلا بالقضاء على دولة الرافضة العبيدية, فأعدوا للأمر عدته, واستطاع نور الدين أن يسقط الدولة العبيدية, ويوحد جبهة القتال الشامية المصرية عام 564هـ, وكان ذلك على يد أحد أعوانه المخلصين صلاح الدين الأيوبي. ويظهر لقارئ التاريخ أن الأمة لا تستطيع أن ترد هجمات النصارى إلا إذا اتحد الشام مع مصر ويكون ما خلفهما من ديار المسلمين ردءًا لهما. وأما دور الأمة الهجومي لاستمرار عجلة الجهاد والتوغل في أوروبا لا يكون لها ذلك إلا إذا انضم الشمال الإفريقي مع بلاد الشام والديار المصرية. 44- أجادت الدولة الزنكية في إقامة شبكات أمنية على مستوى أملاكها تتبع كل التنظيمات البدعية التي تعمل على إسقاط الدولة السنية الزنكية الفتية, فكانت الدولة الزنكية تهتم بتتبع أقليات النصارى في ديارهم, وخنق أتباع العبيديين, وجعلهم تحت أعين الدولة؛ ولذلك فإن الحركات الإسلامية السنية التي تسعى للوصول للحكم من أجل تحكيم شرع الله عليها أن تهتم بمكاتبها الأمنية وتطورها بما يليق مع مستوى المرحلة التي تمر بها حتى تستطيع أن تحجم دور الجيوب الداخلية في الأمة «تنظيمات بدعية أو علمانية أو نصرانية أو يهودية» وإتقان هذا الجانب من أهم أسباب التمكين. 45- إن الدولة النورية الزنكية ما كانت تسند أمورها القيادية إلا لجنودها وقادتها المخلصين لفكرتها, ولذلك بعد ما مات نور الدين محمود التقط الراية صلاح الدين, واستمر في تحقيق الأهداف المرسومة. إن من الأخطاء القاتلة التي تمر بها الأمة أحيانًا: أن تتعلق بالأشخاص فإن ماتوا ضعفت وإن انحرفوا انحرفت؛ ولذلك يجب على الدعاة أن يجعلوا الأمة تتعلق بالمنهج حتى تستطيع أن تستمر في أداء وظيفتها الرسالية. 46- لابد للأمة التي تسعى لإزالة الدولة الكفرية والأحكام الجاهلية أن يمتزج فيها الجانب العلمي التربوي مع الاستعداد العسكري الجهادي, وأن تكون القيادة العليا لأصحاب العلم الربانيين. ومن ظن أن الأمة بالقوة العسكرية وحدها ترجع مجدها فقد أخطأ السبيل, وما أفغانستان عنا ببعيد, ومن ظن أن الجانب العاطفي الجياش وحده يقوي الأمة فقد خالفه الصواب, وما ديار الجزائر عنا ببعيد, ومن ظن أن الجانب العملي وحده أو السياسي وحده هو الحل العلمي فقد جانبه الصواب, وإنما الحل في الأخذ بالإسلام جملة, فالإعداد لابد أن يشمل كل المجالات التي يتناولها الإسلام من دولة ووطن أو حكومة وأمة, وخلق وقوة أو رحمة وعدالة وثقافة وقانون أو علم وقضاء, ومادة وثروة أو كسب وغنى, وجهاد ودعوة, أو جيش وفكرة كما هو عقيدة صادقة وعبادة صحيحة سواء بسواء. وهذا الذي اهتم به جيل التمكين في زمن نور الدين محمود وصلاح الدين. 47- إن صلاح الدين الأيوبي تدرج في القضاء على الدولة العبيدية ورضى بأن يتولى وزارة التفويض وبدأ في تقليص الوجود العبيدي وإظهار التوجه السني, ولم يستعجل النتائج, ولابد من مراعاة سنة التدرج في تغيير الشعوب وإزالة الدول, كما أنه لابد من الاهتمام بالتخصص في أمور الدولة ومن التفنن في توزيع الأدوار حتى يتكامل العاملون لتحقيق أهدافهم. 48- إن صلاح الدين أمضى سلاح العفو عند المقدرة مع خصومه, فكان له أثر بالغ في كسب النفوس ومداواة الأمراض, وتوحيد الصفوف والقضاء على الفتن الداخلية, فالعفو عند المقدرة عندما يكون في محله يقوي الدول ويجذب القلوب ويقضي على الخصوم. 49- عندما تمكن صلاح الدين من توحيد الجبهة الداخلية تحرك بجيوشه الجرارة لتطهير الشام من الصليبيين, وكان تحركه الميمون وفق خطة عسكرية محكمة, بدأ في انتزاع الحصون والمدن القريبة من مصر, واستدرج النصارى إلى موقع اختارته أركان حرب صلاح الدين ألا هو «حطين» ووجه ضربته المباركة في حطين التي كانت مفتاح القدس. 50- إن أخلاق القادة الرفيعة تظهر في الفتوحات العظيمة, ولقد ضرب صلاح الدين أروع الأمثلة في الأخلاق والعفة والكرم والصفح في فتحه للقدس, حتى إن ملوك النصارى ومؤرخيهم تأثروا بهذه الأفعال الجميلة والأيادي الجزيلة, والفضل ما شهدت به الأعداء. 51- إن القيادة الفكرية والعلمية لم تكن في يد صلاح الدين, وإنما كانت مرتكزة عند العلماء والفقهاء, وبرز من أعوان صلاح الدين القاضي الفاضل الذي أخذ بيد صلاح الدين نحو تطبيق شرع الله, فعندما تكون القيادة الفعلية في الأمة للعلماء الربانيين والقادة العسكريين الذين ينقادون لأحكام الله يكون النصر حليفهم, ويمكِّن الله لهم ما داموا على نهجه سائرين. 52- إن الأمة تتفاعل مع قيادتها العملية التي تنزل الأفكار في دنيا الناس, وتعيش بها وتلتف الأمة حولهم, وتقدم لقادتها كل ما تملك, أما إذا كان القادة أصحاب كلام لا فعال, وعقيدتهم ميتة لا تحيي قلبًا, ولا تدفع شخصًا, وجلسوا للتنظير والقيل والقال, فإن الأمة تتمزق وتنشطر وتتفرق ويعم الشتات, وهذا ملاحظ من سيرة نور الدين محمود الذي أقام الإسلام على نفسه, ونزل بنفسه في ساحات الوغى, وكذلك في سيرة صلاح الدين وتلاميذه. 53- مهما استطال الظلم وامتد وتوسع فلابد من نهاية له سواء تمثل في فرد أو في دولة, وهذه النهاية خاضعة لتقدير الله وفق سنته وقانونه في استدراج الظالمين والانتقام منهم وجعلهم عبرة لغيرهم, فأين حكام العبيديين وأين ملكهم ودولتهم؟ 54- إن الجهاد عندما تقوم به الأمة كلها بقيادة أهل الحل والعقد يعطي أكله بعد حين, وعندما يتصدى لقيادة الجهاد جهال وأنصاف علماء وشباب متحمسون تكون النتائج وخيمة. 55- إنني أعتبر ما قام به صلاح الدين ونور الدين من أعمال مجيدة ثمرة لمجهود علماء وفقهاء ومربين بذلوا جهودًا عظيمة أخرجت هذا الجيل الذي قضى على دولة العبيديين وكسر شوكة النصارى في حطين, وطهر المسجد الأقصى من أسر الحاقدين. 56- إن الاهتمام بصفات القادة الربانيين والعلماء العاملين يفيد الأمة في تربيتها الطويلة وإعدادها الجاد لعودة صولتها وجولتها في دنيا الوجود على منهج قويم وتوجيه سليم. 57- إن هذا المجهود قابل المتواضع للنقد والتوجيه وما هو إلا محاولة متواضعة وبيني وبين الناقد قول الشاعر: إن تجــد عيـبًا فســـدَّ الخلــــلا جــل مــن لا عيــب فيــه وعـــلا وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين  الموضوع الصفحة الإهداء 3 مقدمة 5 الفصل الأول: الدولة الشيعية في الشمال الإفريقي المبحث الأول: الشيعة في اللغة 13 أولاً: تعريف الشيعة اصطلاحًا 13 ثانيًا: تعريف الرافضة 14 ثالثًا: سبب تسميتهم بهذا الاسم 15 رابعًا: بداية نشأة التشيع 16 المبحث الثاني: التعريف بأهم فرق الشيعة 19 أولاً: النصيرية 19 من عقائدهم الفاسدة 21 ثانيًا: الشيعة الاثنى عشرية 22 استمرار الاثنى عشرية في العصر الحاضر 27 الإمام الشيعي في العصر الحاضر ودولته التي أقامها 27 تجربة الشيخ موسى جار الله 32 ثالثًا: الشيعة الإسماعيلية 36 أ- خطر المذهب الباطني على الأمة 37 ب- عقائد الباطنية الفاسدة 40 المبحث الثالث: داعية الباطنية في الشمال الإفريقي (أبو عبد الله الشيعي) 42 المبحث الرابع: عبيد الله المهدي الخليفة الشيعي الرافضي الأول 48 المبحث الخامس: عقيدة أهل السنة والجماعة في المهدي 51 اسمه وصفاته 51 مكان خروجه 51 أولاً: تواتر أحاديث المهدي 53 ثانيًا: المنكرون لأحاديث المهدي والرد عليهم 54 الفصل الثاني: الصراع بين الدولة العبيدية وأهالي الشمال الإفريقي المبحث الأول: ثورة قبيلة هوارة في طرابلس 59 المبحث الثاني: زحف العبيديين 61 ثورة أهل برقة على العبيديين 62 المبحث الثالث: خروج أبي يزيد الخارجي على العبيديين 63 المبحث الرابع: القائم بأمر الله الخليفة الثاني الرافضي أبو القاسم نزار بن عبيد الله 66 المبحث الخامس: الخليفة الشيعي الرافضي الثالث في الشــــمال الإفريقي المنصور بنصر الله 67 المبحث السادس: المعز لدين الله أبو تميم سعد 68 رحلة المعز إلى مصر 69 المبحث السابع: جرائم العبيديين في الشمال الإفريقي 72 المبحث الثامن: موقف علماء أهل السنة وأساليب المقاومة 79 أشهر مناظرات الإمام أبي عثمان سعيد بن الحداد 83 الفصل الثالث: الدولة الصنهاجية المبحث الأول: أبو الفتوح يوسف بلكين 93 المبحث الثاني: المعز بن باديس الصنهاجي 95 المبحث الثالث: زحف بني هلال وبني سليم وغيرهما من القبائل إلى الشمال الإفريقي 99 المبحث الرابع: الصدام المسلح بين المعز بن باديس والقبائل العربية 103 المبحث الخامس: أبناء المعز وأحفاده 107 أولاً: تميم بن المعز 107 ثانيًا: يحيى بن تميم بن المعز بن باديس 109 ثالثًا: الأمير علي بن يحيى بن تميم بن المعز 112 رابعًا: الأمير الحسن بن علي بن يحيى بن تميم 113 أ- والي طرابلس في زمن الأمير الحسن بن علي الصنهاجي 114 ب- رجار يهاجم طرابلس 114 ج- المجاعة في طرابلس 114 المبحث السادس: أسباب سقوط الدولة الزيرية في الشمال الإفريقي 117 حكام بني زيري في القيروان والمهدية 118 الفصل الرابع: سقوط الدولة العبيدية المبحث الأول: من أسباب سقوط الدولة العبيدية واندحار المد الباطني والتغلغل النصراني الصليبي 121 المبحث الثاني: نور الدين محمود 129 توحيد بلاد الشام والديار المصرية 138 وفاة نور الدين محمود 138 المبحث الثالث: صلاح الدين الأيوبي محرر القدس ومزيل دولة العبيديين من مصر 139 أ- القاضي الفاضل 148 ب- وفاة السلطان الناصر صلاح الدين 152 ج- الملامح الرئيسية في شخصية صلاح الدين 154 د- من أروع المراثي في صلاح الدين 161 هـ- من أروع الرسائل في أخبار وفاة صلاح الدين 162 نتائج البحث 164 فهرس الكتاب 173

  • * *

نص الحرف العلوي